سجال بشأن القانون الأصلح لمتهمي «الفايسبوك» في قضية مقتل سفير روسيا في تركيا    مبيعات الإسمنت تنخفض بنسبة 5,3 بالمائة عند متم أبريل المنصرم    الخلفي: الانتقال إلى نظام صرف مرن عملية يشرف عليها بنك المغرب بتنسيق مع الحكومة    قضية المصطلح العلمي في اللغة العربية    الخلفي يتهرب من أسئلة الصحفيين حول حراك الريف ويقول إن الحكومة تتعامل مع الحراك بتعليمات من الملك    لا للتراجع عن الخيار الديمقراطي    العثماني يطالب أعضاء الحكومة بالتفاعل مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات    طنجة : "سويتش كومباني" تفوز بجائزة أفضل مقاولة تضامنية ناشئة سنة 2017    باريس سان جيرمان يعرض 135 مليون على موناكو لضم مبابي    الجماهير السعودية منقسمة حول جدوى قرار زيادة الأجانب    بالصور: وليد آزارو يصل صباح اليوم للقاهرة    "البام" يدعو عائلات معتقلي الحراك لتفويضه للترافع عنهم    هل يعفو الملك عن الزفزافي ورفاقه؟.. حديث عن وجود سيناريو للخروج من الأزمة    "ابن الهيثم التقنية" تتربع على عرش نتائج الباك بورزازات    تفكيك خلية إرهابية خطّطت لتحويل الصويرة إلى حمام دم    علماء ألمان يبتكرون عقاراً ثوريّاً لخسارة الوزن    نشرة إنذارية .. حرارة مفرطة ابتداء من اليوم    مفوضية الأمم المتحدة للاجئين ترحب بقرار المغرب السماح بدخول اللاجئين السوريين    عمليات التنقيب بالمغرب أسفرت عن اكتشافات مهمة سنة 2016    الجمعة 28 رمضان.. أجواء جد حارة مع هبوب رياح الشركي    فيراتي يقدم على خطوة جديدة تمهيدا للانتقال إلى البارصا    بيع ساعة يد ولوحة لجاكي كنيدي بثلاثة أمثال التوقعات في مزاد    الوداد يبدأ الاستعداد لمواجهة القطن    عبد الرحمان الحواصلي ثالث تعاقدات حسنية أكادير    المجتمع المدني بالقنيطرة يدعو إلى التعاون مع شركة النقل الحضري    مغربيان ضمن الفائزين في المسابقة العالمية لحفظ وتفسير القرآن الكريم في مصر    تقرير: حوالي 80% من الشواطئ المغربية صالحة للسباحة.. ونقص في التجهيزات الصحية    مصر تسمح بإدخال مليون لتر من المازوت لتشغيل محطة كهرباء غزة    الأمم المتحدة.. عدد سكان العالم سيصل إلى 9,8 مليارات نسمة بحلول 2050    واشنطن تأمل بلائحة مطالب "معقولة وقابلة للتنفيذ" لقطر    الفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة    رسالة من ترك إلى أبنائه بعد وصول مولوده الجديدة من دنيا باطما    متى يعود رمضان في الشتاء مجدداً؟    عميل استخبارات بريطاني ييعترف بقتله الاميرة "ديانا" وهو على فراش الموت    روسيا تعود لتأكيد مقتل بغدادي "داعش"    مانشستر يونايتد يتفوق على يوفنتوس والبارصا بضم هذا اللاعب    مهاجم سامبدوريا يخضع للكشف الطبي في يوفنتوس    حجز واتلاف 18 طن من المنتجات الغذائية الفاسدة بالحسيمة    مندوبية التخطيط: ارتفاع أسعار المواد الغذائية..وآسفي ووجدة وفاس أكثر غلاء    كارداشيان تستأجر أماً بديلة للحمل في طفلها الثالث بمبلغ كبير    سينما وموسيقى وتراث في الأسبوع الرابع لملتقى الفنون بالفقيه بن صالح    تأجيل ندوة الزوايا بالشاوية    عصابة تسرق سيارة بوثائقها بصفرو في غياب تسمية الأمن    تقرير دولي: المغرب الخامس عربيا من حيث جلب الاستثمارات    انفجار قرب موقع تابع لحلف الأطلسي بتركيا    داعش العراق يعلن "بداية النهاية" بارتكاب "جريمة تاريخية"    بالفيديو. اعتقال متطرف هدد مسلمين امام مسجد في لندن    تفاصيل ترأس أمير المؤمنين بمسجد الحسن الثاني للحفل الديني الكبير إحياء لليلة القدر المباركة    زيت الزيتون يقوى الذاكرة ويحمى من الزهايمر    حتى في مساجد .. يبررون الفساد!    على بعد ملمتر واحد .. فتاة جديدة تقتحم المشهد    مجموعة صندوق الإيداع والتدبير تضع مخططا استراتيجيا جديدا في أفق 2022    عمرو خالد: هكذا تغيّرت حياتي بفضل صلاة ودعاء ليلة القدر    رد شاف على وزير أوقاف    مستشفى مولاي يوسف بالرباط يطرد مريضا مصابا بالسل ويعرض عائلته للخطر    قرعة الحج ابتداء من 10 يوليوز    بعد صيام شهر رمضان.. هذا ما يحدث في جسمك    البطاطس المقلية الجاهزة تزيد من خطر الوفاة بأمراض القلب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بورخيس صانع السعادة
نشر في العلم يوم 09 - 04 - 2009


أقرأ بورخيس قرب سرير يحيى
لن أكتب تقديما، ولكنني سأقرأ عليكم قراءة لكتاب «أسطورة الأدب»، هو أصلا قراءة لقراءات متعددة ولا متناهية لبورخيس، الذي لا يعترف بأي تاريخ، إلا تاريخ القراءة، لأن القراءة تتغير مع الزمن. الزمن هو المادة والزمن نهر يجرفه. والأعمال الأدبية تبقى دائما هي نفسها.
حينما قرأت بورخيس لثاني مرة، على اعتبار أنني قرأته مرات عديدة، أدهشتني رؤيته للكتابة والقراءة أساسا، التي ترجمها في نصوصه، ومحاضراته. تعلمت منه، في المرة الثالثة والألف، أن المهم ليس في الكتابة، ولكن في جودة القراءة وما يوفره النص من إمكانات القراءة المتعددة.
قرأت هذا النص بلذة مضاعفة، بصعوبة، وبلهفة، على سرير، أقصد، أسرة، سرير النوم، وسرير قريب من سرير ابني يحيى، الذي قرأ معي نص بورخيس. ربما يعرفه أكثر مني. عندما أستمتع بفكرة ألمعية من بورخيس، يضحك، يقفز، وأستمر في القراءة.
الأولاد يربون آباءهم
حينما قدم لي الأستاذ محمد آيت العميم كتابه «خورخي لويس بورخيس : أسطورة الأدب» قدمه إلي بإهداء دال مفاده إلى «الشاعر البعيد عن الضوء والأضواء»، لعل الأعمى يقودنا سويا إلى مملكة الضوء. في 30/6/2007، ربطت بين الجملتين، وقلت ربما بورخيس له الحق في ألا يرى إلا ما يريد. لأن الضوء ربما ليس ضروريا لكي نرى ذواتنا جيدا، ولكي ترانا ذوات أخرى. أفضل أن نقرأ ما بين السطور لنحت معرفة الدواخل. أما الإهداء الثاني الذي قدمه المترجم إلى أبيه، فهو اعتراف آخر، كشفه لنبع مسار مؤلم، أقصد نبع الكتابة، لأن ما ترسمه الطفولة نسير عليه. والأولاد هم الذين يربون آباءهم وليس العكس ونمتح منه في كبرنا، كتابتنا. وأما في المكتبة فقد أصيب المترجم بعدوى القراءة، وهي عدوى مزمنة جميلة، وهو ما ليس عليه الحال بالنسبة لوضع القراءة في بلدنا الآن.
كتاب يحترق بحثا عن بورخيس
إن كتاب أسطورة الأدب، ليس ترجمة لنصوص حول بورخيس وحواراته وأبحاثه، ولكنه نص استوعب طريقة الكتابة البورخيسية وفهمه لفكر بورخيس وفلسفته ومواقفه من الحياة والزمن والكتاب. إن النصوص التي نسجها المترجم، يعكس هذا التصور اللانهائي لمفهوم الكتابة البورخيسية، كما أن كتابها لم يكونوا فقط مترجمين، أو من محترفي الأدب، ولكنهم بورخيسيون حد التماهي مع سيرة بورخيس، وهو يحترق بحثا عن زمنه زمن العالم، زمن الكتاب.
الكتاب الذي بين أيدينا، عبارة عن حكاية كاتب أو بالأحرى قارئ نصوص، لقراء يقرأون بورخيس بلذة الباحث عنه في متاهاته اللذية. إن النصوص، الدراسات، الحوارات، والحكايات، القصص، هي عبارة عن حكاية منفلتة، كتاب بتوليفات متعددة، فداخل كل دراسة/حوار، حكاية، يبحث عن بورخيس في متاهاته، بقراءة لذية بقدر ما تحاول الفيض عليه، بقدر ما ينفلت من الحكاية ذاتها، ومن الكتاب نفسه نحو متاهة أخرى، أو نحو مضاعف آخر إلى ما لا نهاية.
إن القراءة ضرورة لكل كتاب، لذلك فالكتاب أو المكتبة، أرواح تستيقظ عندما تنادى. هكذا حال القصة لدى بورخيس أو النظريات الأدبية المعاصرة : نظرية التناص، حدود وهم المرجعية، العلاقة بين المعرفة واللغة، ومعضلات السرد.
إن بورخيس يسير في قبو الكتابة مسرنما، ثملا، يحلم ويفكر. يكتب قصة كما يحكي عن منصب أو مأساة.
إن بورخيس حسب آيت العميم، في هذا التقديم يتجه إلى تأثره بالموروث العربي والإسلامي، بالشيخ الأكبر محي الدين، وبأبي العلاء المعري في اعتباره الحقيقة مكتبة هائلة.
العالم كتاب متنوع متعدد ومتناص العالم مكتبة بلغات العالم، تلك التي انقرضت، وما سيأتي في المستقبل.
في الحاجة إلى ترجمة بورخيس
وفي تقديم للكتاب، يقول الأستاذ آيت العميم، أن الكاتب العالمي الأرجنتيني بورخيس من أهم كتاب القرن 20 استوعب موروث الحضارات السابقة وسقاها بالمعرفة وبخياله الخلاق.
ويشير إلى أننا بحاجة إلى ترجمة بورخيس، لأنه يشبه أسلافنا، من اللغة الإسبانية مباشرة. كما أننا اليوم في حاجة إلى النموذج البورخيسي لأنه يشتبك مع أسئلة الراهن ومع حوار الحضارات.
إن بورخيس ليس كاتبا عاديا، ولكنه قارئ كبير بامتياز، متن جامع، وبحر شامل يجد فيه كل صائد مبتغاه، المفكر، والأديب، والفيلسوف والناقد، إن اهتمام بورخيس بالقراءة، اهتمام صوفي، بحيث جعل منها فعالية تجعل النص يحيا دائما.
إن متن الكتاب، يضم نصوصا مختلفة مترجمة عن باحثين مهتمين ببورخيس بعمق الكتابة لديه. نصوص هي الأخرى تعكس مفهومه للكتابة، فهو يهتم بالكتابة التخييلية، وبالكتابة المضاعفة أو المتناقضة، فكل كتاب كما يقول المترجم يحمل بداخله نقيضه ومضاعفه.
كما يستلهم من الصوفية محي الدين بن عربي، مفهوم نظرية وحدة الوجود. لاطلاعه على التراث الشرقي والإسلامي، إنه يرسم خلال بحثه , كتابته، متاهاته صورة وجهه.
وفي حوار المترجم مع زوجته ماريا قداما في مراكش 1996. يقول ان بورخيس تأثر بالفلسفة المثالية، كما تلقاها من والده في صغره، وقد لعبت دورا أساسيا في كتابته، ومن ثم كان يعطي الأولوية للإدراك على الأشياء. كما أنه يجد ذاته دائما في حالة هروب .
إن بورخيس فيلسوف الريبة والقلق الدائم ، وهي آليه لرفض كل ما هو جاهز أو مكتمل، إنه يبحث عن اللامكتمل، الممكن والافتراضي. وهذا ربما ما تحقق عبر رؤيته العميقة في شبكة الانترنيت.
شاعر قلب العالم مثل قفاز
إن آثار بورخيس وظلاله لم تقف عند الكتابة في حد ذاتها تقنياتها وأشكالها ولكن في إعادة تشكيل التراث الثقافي لموطنه الأصلي، لأمريكا اللاتينية كما قال فوينتيس. إن بورخيس مدمر لكل الحدود بين الآداب. خلاق لشكل سردي متاهي لا يراه إلا هو. لقد استطاع بورخيس أن ينحت في مختلف روافد الأجناس الأدبية، من قصة وبحث وحوار وقصة بوليسية وأدب فانطاسي.
إن ذكاء بورخيس وتخيله الخارق، جعل منه كاتبا أرجنتينيا، عالميا، يجدد في أسلوب الكتابة الأدبية. هو لا يستقر في مكان ما، رحالة، مسافر، مضاعف، ويحلم كما يعيش ويعيش كما يحلم، إنه شاعر يسخر من أسر العالم، فقلبه مثل قفاز.
بهذا الوهج الإبداعي، القلق، المضاعف الذي خط به بورخيس سفره اللانهائي، استطاع الأستاذ آيت العميم أن يقدم لنا بورخيس، بطريقة بورخيسية، فلنبحث عنها في مكتبة بابل، حيث بورخيس يجتهد في قراءة كتاب «بورخيس أسطورة من زماننا».
شعرية القراءة
يشير اميل رودريكز على أن شعرية بورخيس هي شعرية القراءة، أكثر مما هي شعرية الكتابة. وهو ما لم يفت جيرار جنيت، وهو يتحدث عن «اليوتوبيا المقترحة» في كتاب «بييرمينار قارئ الكيخوطي» أنه من المسموح به أن نجد في هذه الأسطورة حقيقة أكثر من حقائق «علمنا الأدبي»، لأن بورخيس يعترف فقط بتاريخ القراءة، ولأن القراءات هي التي تكون تاريخية وليس الأعمال الأدبية، هذه الأخيرة تبقى هي نفسها، ووحدها القراءات تتغير مع الزمن، وقيمة الأعمال الأدبية تكون من خلال القراءات. من خلال تعددها، وتعدد نظرتها ومقاربتها كما نقول اليوم.
ليس القراءة ككفاية لغوية أو ممارسة اجتماعية وثقافية، وإنما باعتبارها ممارسة فردية، لهذا لم يضع بورخيس نفسه باعتباره نموذجا نمطيا للكاتب، ولكن باعتباره قارئا فريدا، يقول : «فليفخر الآخرون بالصفحات التي كتبوا. أما أنا فأفخر بتلك التي قرأت».
بورخيس صانع السعادة
هل يمكن أن نتحدث عن صنع السعادة أم تحقيقها، العيش فيها، أم البحث عنها، وما هي السعادة ؟ هل مهمة الكاتب أن يحقق السعادة، ام يعمل على صنعها ؟ وكيف ؟ إنها مهمة بورخيس، نجدها في قصائده، كما في أبحاثه وقصصه وحواراته. إن القارئ مدين للكاتب بها. كما أنها أحد المعايير الأساسية لقيمة أي كتاب أو عمل أدبي. فالقراءة في نظر بورخيس يجب أن تكون شكلا من أشكال السعادة، لذلك ينصح بها بورخيس قائلا لطلبته أن يقرأوا أكثر، وأن يستمروا في البحث عن سعادة شخصية مع القراءة. وربما يمكن أن نقول مع بورخيس ان النص الجميل والجيد، هو الذي يخلق لذة لقارئه، يخلق بابل سعيدة وسعداء طلبة بورخيس، وسعداء من يقرأون لبورخيس الآن، في الماضي وفي المستقبل، أما أنا فأتأمل قول بورخيس «كل شيء يحدث للمرة الأولى لكن وفق نموذج الأبدية، والذي يقرأني يخلق كلماتي. (من قصيدته «السعادة»).
بورخيس يبتدع بورخيس
ان شكل كتابة بورخيس في قوة تخيله وخياله، في قصصه وحكاياته، في التماهي والتباعد، في بناء الحكاية وتدميرها، في محاربته الأيقونة، ناتج كما قلنا بالأساس عن قراءاته المتعددة سواء في الأدب الانجليزي أو الاسباني، وخاصة في الأدب العربي كما قال خوان غويتسولو، كما أن نموذج كتابته، أقلق الكثير من الكتاب الأوربيين الكبار وخاصة امبرتو إيكو , والتي جعلته يبحث عن تميزه في الكتابة الروائية وفي شكلها المتاهي الذي أبدعه بورخيس، والذي يبحث له إيكو عن سابق له في الأدب الغربي سرفانتيس ولاحقا له إيكو في (اسم الوردة). هكذا يعترف إيكو بقوة التأثيرات الحقيقية كما تجلت من خلال أغلب نصوص إيكو وغيره من كتاب أوربا الكبار.
هل فعلا انتمى بورخيس إلى هذا التراث الأدبي الغربي. والذي أنتج النص البورخيسي بهذه القيمة العليا في الكتابة، وفي القدرة على التخييل.
إن درس بورخيس هو سخريته من الانحدار في هذا الأدب، وفي نفيه الجذري له. وهو ما يعني نقديا ميله إلى الابتكار والمفارقة والمساءلة. إن بورخيس حين يستثمر مفارقة الحياة ويطبقها على الأدب يريد أن يدلل على أن الكاتب هو من ابتكاره هو. أي أن بورخيس ابتدع شخصا يحمل اسمه. لم يكن له وجود باعتباره هو، وأن حياته كتابه.
هل الأعمى يهدينا إلى القوة، هو الذي قال الأعمى محروم من الظلمة، هل تعرف عليه كل من غويتسلو، كيليطو، فارغا وآخرون. لعل مصاحبة آيت العميم لهؤلاء من خلال قراءاتهم ونقلهم إلى العربية هي عودة إلى البدء، إلى الأصل. هل هي مرآة بورخيس من خلال أسطورة الأدب هو الذي يخاف الأبدية ويراها تتربص به، لم يكن له ولنا إلا أن نخرج من هذه القاعة إلى المكتبة، الكلمات والحروف، ونبحث عن بورخيس وهو يحمل ربطة عنق صفراء بعيني نمر أرجنتيني.
أما إذا ركبت في قطار ما للبحث عن بورخيس، فلا تنظر إلى المرآة، لأنك قد تجده ينظر إليك، بعينيه النمرتين، تجنبه لأنه قد يرمي بك في متاهة أحد وجوهه، قد تبحث فيها عنك وعن بورخيس، وتضيع منك المحطة المقبلة، وقد ترجع إلى محطة سابقة، بحثا عن نقطة البداية، نقطة انطلاق القطار. يضيع منك موعدك الذي حددته سابقا مع بورخيس، وتبحث عنه في موسوعة المختفين، أو بين سطور إحدى قصص إدغار آلان بو. تسافر كأنك تبحث في كتاب ما، نال إعجابك أحببته حد المتعة، وقرأته في القطار، أو في مقهى القطار. بجانب مكتب المدير، أو في انتظار الزوال.
أنت زائل كما المؤلف/الكاتب، بينما الكتاب يبقى ويحيا بالقراءة، قد يسرق، أو قد ينسى في رف بارد، أو على طوار كشك الراحة، لكن قد تضع عليه مرة يدك، تتحسسه كما بورخيس وتعرف تفاصيل حكايته، مؤلفيه السابقين، قراءه اللاحقين، هكذا كتاب الرمل، يلمع كل عين تحت شموس مضاعفة.
****************************
ألقيت هذه الورقة في تقديم كتاب «بورخيس، أسطورة الأدب»
ترجمة الأستاذ محمد آيت العميم، يوم 2009.2.21 بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.