الدولية





عرفات يوزع الخبز مجانا على المواطنين إثر محاصرة بيروت
سوريا وافقت على وقف إطلاق النار بعد اتصالات سوفييتية
معادي أسعد صوالحة
المساء : 27 - 07 - 2010
قليلة هي الشخصيات التي تصنع التاريخ.. وقليلة هي الشخصيات التي تظل راسخة في القلب والوجدان، وقد يكون ياسر عرفات «أبو عمار» من أوائل الشخصيات الكاريزمية القائدة عالميا والتي حملت شعلة صناعة التاريخ ولم تكتف بالسير في ركبه، هذا هو ياسر عرفات الذي صنع ثورة وحول شعبا من «كارت التموين» إلى شعب مناضل، وحول قضية شعبه من مجرد أوراق محترقة إلى وقائع حقيقية ملموسة لتصبح قضية العالم كله...
بزيه الزيتي القاتم وكوفيته الفلسطينية التي لم يتخل عنها في أي محفل من المحافل، وبشخصيته الكاريزمية، شكل ياسر عرفات، الذي أصبح رئيسا منتخبا للسلطة الفلسطينية، رمزا للنضال الفلسطيني منذ أكثر من أربعة عقود، وقد برهن عرفات على قدرة غير عادية للخروج من أشد الأوضاع خطورة، ولأن الجبل لا تهزه الرياح، فقد أعلنها أبو عمار مدوية ليسمعها القاصي قبل الداني «شهيداً شهيداً شهيداً هذا دربي واختياري منذ عقود طويلة». «ستمنعون الشمس والهواء عني لن أتنازل، ستحجبون عني الدواء والغذاء، الله خلقني ولن ينساني، القدس مطلبي.. وركعة في المسجد الأقصى المبارك غايتي التي لا تناظرها غاية.. الطريق طويل.. لكن النفس أطول والهجمة الشرسة تقابلها إرادة حديدية أنتجتها سنوات من اللجوء والتشرد...».
في هذا الكتاب يروي بسام أبو شريف (أحد القيادات التاريخية في حركة القوميين العرب، ثم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انتخبته عضواً لمكتبها السياسي عام 1972، وأثناء زيارة لمصر برفقة ياسر عرفات صافح أبو شريف الرئيس محمد حسني مبارك، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يصافح فيها قيادي من الجبهة الشعبية رئيساً مصرياً منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد، تلك المصافحة التاريخية التي قصمت ظهر البعير وعرت العلاقة الرسمية مع رفاقه، وتسببت في التحاقه بياسر عرفات كمستشار له في عام 1987، وجعلته مقرباً من الزعيم الأسطوري للشعب الفلسطيني، وقريباً إليه لدرجة أتاحت له تأليف هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (ياسر عرفات)، الصادر أخيرا عن دار الريس للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، لبنان 2009، والكتاب مقاربة على عدة مستويات ومن زوايا مختلفة، لشخصية تماهت مع شعبها، واندمجت مع قضيته بشكل غير مسبوق، إنه رواية تاريخية مشوقة لحقيقة سمت إلى مرتبة الأسطورة، حقيقة أسطورية اسمها: ياسر عرفات!
طلبت منه الانتظار دقائق، واتصلت بالمسؤولين الإداريين، الذين أرسلوا أحدهم ليبحث الأمر، وتبين له أن الاقتراح يوفر علينا مبالغ ضخمة من الأموال على ضوء سعر البنزين في السوق السوداء، واتفقنا معه على الأمر مع التخطيط. إذ قد يكون الأمر ضربا من الخداع والغش، طلب أن ندفع له ثمن عشرة صهاريج بنزين سيمررها فجر ذلك اليوم، فرفض الإداريون بالطبع. واتفقوا معه في نهاية الأمر على أن يكون من طرفهم مواطن لبناني في موقع قبل الحاجز الإسرائيلي، ومواطن آخر بعد الموقع الإسرائيلي وأن عملية التبادل الأولى تتم هناك إن حصل. ووصل البنزين إلى المحطات فعلا، وسارت الأمور بعدها عبر النقيب شلومو على ما يرام، وأبلغنا كل الجهات المعنية بشراء البنزين بأن الحواجز الإسرائيلية يمكن رشوتها بالدولار.فراحت الصهاريج تدخل في ساعات محددة من كل بوابات بيروت المحاصرة. الخبز والطحين عند عرفات

مع اشتداد الحصار وازدياد القصف وامتداد الوقت، بدأت الأفران تبيع الخبز للمواطنين بأسعار غالية، وأصبحت بعد فترة أسعارا مجنونة لا يمكن معها للفقراء أن يأكلوا خبزا. وطرح الأمر ( وهو خطير) في اجتماع مختصر للقيادة المشتركة اللبنانية الفلسطينية، ولم يحضر ذلك الاجتماع سوى عدد بسيط من أعضاء القيادة المشتركة. استمع أبو عمار للأمر وقال: «غدا سأحل المشكلة» ولم يشرح كيف سيحل المشكلة لكن الجميع اكتفوا بكلمات أبو عمار، وهم يعلمون أنه إن وعد بحل مشكلة ما فإنه قادر على ذلك، وفي اليوم التالي أمر أبو عمار بمصادرة كل كميات الطحين الموجودة في مخازن التجار في بيروت، فتم ذلك ودعا التجار لاجتماع.وسألهم سؤالا واحدا؟ ما هو السعر الذي كنتم تنوون طرحه في الأسواق.
لم يتفوه أحد بكلمة، كان الجميع يرتعب، فتحدث أبو عمار بهدوء حول الحصار والمعارك الوطنية، ومعاناة الشعب وضرورة التكاتف، وعاد إلى سؤالهم مرة أخرى عن السعر، أجابه في آخر الأمر أحد التجار بذكر سعر معين من الواضح أنه أعلى بكثير من سعر السوق، وتوجه أبو عمار إلى الجميع سائلا: هل هذا السعر مقبول للجميع؟ فكان رد فعلهم إيجابيا.
فأمر ياسر عرفات بدفع قيمة الطحين المصادر، وأمر أبو عمار بتوزيع الطحين على كافة الأفران بالكميات التي كانت الأفران تستخدمها عادة على أن يوزع الخبز مجانا على المواطنين بعد أن يدفع للأفران أتعابهم وأرباحهم.
بطولات سورية منذ أن بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان، في الخامس من يونيو من عام 1982 ركزت عجلة الدعاية الإسرائيلية على أن الهدف من العملية العسكرية هو هدف دفاعي، وأن القوات الإسرائيلية ستطهر منطقة الأربعين كيلو مترا المحاذية لحدودها الشمالية، بحيث تمنع القوات المشتركة الفلسطينية والوطنية اللبنانية من قصف مستوطنات وبلدات شمال إسرائيل بالصواريخ، وعندما تمكنت القوات الإسرائيلية من السيطرة على قلعة الشقيف (بوفور كما يسميها الفرنسيون) أعلن رئيس الوزراء بيغن في بيان أوحت لهجته بأن أهداف الغزو قد تمت، لكن القوات الإسرائيلية استمرت في تقدمها عبر تكتيك القفز، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المشتركة تقاتل بضراوة جحافل الجيش الإسرائيلي في منطقتي صور وصيدا، أنزلت سفن بحرية أمريكية الصنع قبالة شواطئ خلدة جنوب بيروت عشرات الدبابات البرمائية ظنا أن القيادة المشتركة ستؤخذ على حين غرة، وأن معنويات المقاتلين ستنهار لأنهم سيظنون أن الإسرائيليين اجتاحوا كل مناطق الجنوب وأنهم يقومون باقتحام بيروت، إلا أن التصدي البطولي أجبر هذه القوة الغازية على التراجع بعد أن دمر المقاتلون عددا من الدبابات وأسروا اثنتين منها.
لم يبد الغزو الإسرائيلي خطيرا للسوريين، الذين كانوا قد أبلغوا عبر الولايات المتحدة أن الإسرائيليين يقومون بعملية محدودة ردا على ضربات الصواريخ، إلا عندما تقدمت أرتال دباباتهم في عمق الشوف، ووصلت قواتهم بحمدون في جبل لبنان، عندها استنفرت سورية قواتها الخاصة، ونقلتها بالطائرات المروحية وخاضت هذه القوات ملاحم بطولية لوقف التقدم الإسرائيلي الذي كان يستهدف السيطرة علي مرتفعات جبل لبنان المطلة على البقاع والتي تمكن المدفعية الإسرائيلية من ضرب دمشق.
لكن سورية عادت فوافقت على وقف إطلاق النار في العاشر من يونيو، بعد اتصالات سوفييتية أمريكية مكثفة، وخرجت سورية من المعركة، وبقيت القوات الفلسطينية واللبنانية الوطنية في مواجهة الجيش الإسرائيلي بكامل عدده وعدته.
وتشير حقائق الأمور والمعلومات الدقيقة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أعطت (إسرائيل) ضوءا أخضر لضرب منظمة التحرير، وأنها مددت لها أكثر من مرة الفترة الزمنية المسموح بها لتحقيق هذا الأمر، وأن هذا الموقف أبلغ للسوفييت الذين لم يبلغونا، بالرغم من تعلق بعض القياديين بحبال الهواء حول الموقف السوفييتي، وادعائهم أنهم تسلموا رسائل من موسكو، وكانت كلها من ممثليهم في العاصمة السوفييتية، ولا علاقة للكرملين بها.
ولقد وصلت الأوهام ببعضهم إلى حد التحدث، في اجتماعات رسمية، حول قرب وصول حاملات طائرات هليوكوبتر سوفييتية قبالة شواطئ بيروت وقرب التدخل السوفييتي، كان الأمر يبدو لي مضحكا وصبيانيا، أضحكني هذا الأمر عندما تحدث بعضهم، في اجتماع ترأسه الأخ أبو عمار، فقال بعضهم في مداخلاتهم إن السوفييت أكدوا في رسالة مستعجلة وصلت إلى أحد القياديين أنهم سيتحركون بسرعة، وأنهم سيتدخلون، فأجابهم الأخ أبو عمار بهدوء شديد: ولماذا يضع السوفييت سرهم لدى فلان من القيادات؟، فبإمكانهم الاتصال برئيس منظمة التحرير مباشرة إذا كان لديهم قرار خطير كالذي تتحدثون عنه، وخرج بعدها الأخ أبو عمار ليتابع المفاوضات السياسية مع رئيس وزراء لبنان شفيق الوزان.
وبعد ساعات قليلة، حضر إلى بيتي الكائن في تلة الخياط، الكولونيل نوسكوف، وكان آنذاك مسؤول الاستخبارات العسكرية السوفييتية في سفارتهم ببيروت وأبلغني أن هناك رسالة عاجلة من الكرملين وصلت للتو، وأن السفير السوفييتي يريد أن يبلغها للأخ أبو عمار فورا، فقلت له إنني سأبلغ الأخ أبو عمار بها بأسرع ما يمكن، كان هذا في الساعة الثالثة فجر السابع عشر من يوليوز.
لأسباب أمنية، لم يكن ممكنا أو مسموحا الاتصال هاتفيا، فأسرعت نحو مقر الأخ أبو عمار السري وأبلغته بالأمر، فأمر بالتوجه فورا إلى السفارة السوفييتية ورافقته في تلك الزيارة الخاطفة. كان القصف الإسرائيلي البحري والبري مستمرا، وفيما كانت السيارة الصغيرة التي نقلتنا تلتهم كورنيش المزرعة، متجهة نحو السفارة السوفييتية، أنارت قنابل الإضاءة الإسرائيلية سماء بيروت، فأمر الأخ أبو عمار السائق أن يقود السيارة بسرعة عادية.