جميل أن يعتذر رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض عن قيام مجموعة من أفراد الأمن، التابعين لسلطته، بالاعتداء على مجموعة من ممثلي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وشخصيات وطنية مستقلة، ومنعهم من المشاركة في ندوة تداعوا إلى عقدها للتعبير عن معارضتهم لمشاركة رئيس السلطة محمود عباس في المفاوضات المباشرة التي ستستأنف غدا (المقصود الأربعاء فاتح سبتمبر) في واشنطن، ولكن هذا الاعتذار غير مقبول، بل يجب ألا يقبل، لأن هذه السلطة لا تحترم الشعب الفلسطيني فقط، بل تستهتر بأقرب حلفائها في ما تبقى من منظمة التحرير وتمارس أبشع أنواع البلطجة، لقمع الرأي الآخر ومنعه من التعبير عن وجهة نظره إذا كانت تتعارض مع وجهة نظرها وقادتها. المشكلة لا تنحصر في مجموعة من بلطجية رجال الأمن، اقتحمت مقر الندوة ومزقت اللافتات والشعارات وأثارت حالة من الفوضى في القاعة، وإنما في النهج الذي اتبعته السلطة في الأعوام الأخيرة، من حيث مصادرة الحريات واحتكار التمثيل الفلسطيني والحديث باسم الشعب، دون أن تملك الشرعية أو التفويض أو الاثنين معا. مجموعة رجال الأمن هذه، التي مارس أعضاؤها أعمال البلطجة هذه، تنتمي إلى جهاز أمني جرى اختيار المنتسبين إليه بعناية فائقة وتحت إشراف أربعة أجهزة استخبارات، اثنان منها عربيان (الأردن وفلسطين) واثنان أجنبيان (الشين بيت الإسرائيلي والسي آي إيه الأمريكي)، وهذا موثق في محاضرة ألقاها العراب الأكبر الجنرال كيث دايتون في معهد بواشنطن، وحتى يكون هذا الجهاز أبرز أدوات المخطط الحالي في خلق الإنسان الفلسطيني الجديد الخالي من الوطنية والكرامة وعزة النفس. هذه المجموعة، وفي هذا الإطار، تربت على قيم ومبادئ وأخلاقيات لا نعرفها، بل لا نريد أن نعرفها، وليست لها أي علاقة بقيم وأخلاقيات ومبادئ الشعب الفلسطيني التي استشهد من أجلها آلاف الشهداء الفلسطينيين والعرب والمسلمين. من أقدموا على أعمال البلطجة هذه لم يقدموا عليها من جراء أنفسهم، وإنما بتعليمات من قيادتهم بشقيها الأمني والسياسي. وليس صدفة أن العشرات من هؤلاء البلطجية كانوا يحملون صور الرئيس عباس، ويهتفون بحمايته بالروح والدم وكأنه حرر فلسطين من البحر إلى النهر. ترى ماذا سيهتفون له إذا فعل ذلك؟ القمع كالكفر ملّة واحدة، والناس على دين ملوكهم، وأجهزة الأمن الفلسطينية التي تحتقر الديمقراطية وحرية التعبير، إنما هي صورة طبق الأصل عن قيادتها، فكيف تكون ديمقراطية والرئيس عباس يذهب إلى المفاوضات اليوم دون مرجعية وطنية أو تفويض من مؤسسات الشعب الفلسطيني، بل حتى اللجنة المركزية لحركة «فتح» التي يتزعمها ويحكم باسمها، ناهيك عن اللجنة التنفيذية للمنظمة التي افتقدت النصاب القانوني أثناء اجتماعها الأخير لهروب معظم أعضائها إلى الخارج أو تهربهم من الحضور والتصويت بالتالي. ومن المفارقة أن هؤلاء الذين تعرضوا للاعتداء جرى استدعاؤهم قبل أيام معدودة فقط للمشاركة في اجتماع للجنة التنفيذية نفسها، وإصدار بيان، بطلب من الرئيس يرفض الذهاب إلى المفاوضات المباشرة إلا إذا تحقق تقدم في المفاوضات غير المباشرة على صعيد القضايا المحورية، مثل وقف الاستيطان والقبول بحدود الدولة الفلسطينية على أساس حدود عام 1967 وتحديد مرجعية واضحة للمفاوضات أي قرارات الشرعية الدولية، وعندما تراجع الرئيس عن هذه المواقف مكرها وبضغط أمريكي وتنكر عربي وذهب إلى واشنطن بناء على دعوة أمريكية، وفق شروط نتنياهو، بات ممنوعا على هؤلاء أن يوضحوا وجهة نظرهم ويبرئوا ذمتهم أمام شعبهم والتاريخ من هذه المصيدة التي أعدت بإحكام في واشنطن لتصفية القضية الفلسطينية أو ما تبقى منها، وبمباركة عربية. بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، تعمد أن يهين الرئيس عباس والوفد المرافق له عندما أعلن صراحة، وأمام الملأ، أنه لن يمدد قرار تجميد الاستيطان الذي ينتهي في الثلث الأخير من الشهر المقبل، وكأنه يقول أتحداكم أن تنفذوا تهديدكم بالانسحاب من المفاوضات إذا لم يتم التمديد مثلما ترددون في تصريحاتكم التلفزيونية، لإعطاء أنفسكم ورقة توت تبرر ذهابكم إلى واشنطن بعد التراجع عن كل «لاءاتكم» السابقة. الدكتور سلام فياض أعلن بالأمس الشق الثاني من خطته لاستكمال بناء البنى التحتية للدولة التي يعتزم إعلانها في شهر غشت المقبل، وإذا كانت هذه الدولة العتيدة عنوانها القمع وتكميم الأفواه ومصادرة الرأي الآخر، فإنها لا تتماشى مع طموحات الشعب الفلسطيني ولا ترتقي إلى الحد الأدنى من تضحياته. تخص الدكتور فياض بالذات لأنه المسؤول الأول عن بناء قوات الأمن الفلسطينية بإشراف الجنرال الأمريكي دايتون، وهو المرشح الأكبر لتولي مسؤولية القيادة فيها مستقبلا، فدور الرئيس عباس وأنصاره في حركة «فتح» هو مجرد دور «المحلل». الدكتور سلام فياض، القادم إلى السلطة من البنك الدولي، يسير على خطى أصدقائه الأمريكيين، أي أنهم يريدون الديمقراطية وسيادة القانون لشعوبهم فقط، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمواطن الفلسطيني، فإن الديمقراطية ومستلزماتها ترمى من النافذة وتدخل الديكتاتورية وأدواتها القمعية من الباب العريض. فالقيم الديمقراطية وما يتفرع عنها من حريات محرمة على الشعب الفلسطيني وكل شعوب المنطقة في الوقت نفسه. وربما يجادل البعض بأنه جرى تشكيل لجنة تحقيق بأمر من الرئيس عباس، وهذا صحيح، ولكن متى أدت مثل هذه اللجان عملها بمهنية وموضوعية، وإذا كانت فعلت ذلك، هل جرى العمل بتوصياتها، من حيث معاقبة المسؤولين، وخاصة من كبار رجال السلطة، والقائمة طويلة لا يتسع المجال لذكرها. في أحد الأيام مر حكيم الصين العظيم كونفوشيوس بامرأة تبكي بحرقة وتلطم خديها، فسألها عن أسباب بكائها، فقالت له إن النمر أكل زوجها اليوم، وقبل شهر أكل ابنها البكر، وقبل شهرين التهم والدها. فسألها كونفوشيوس: لماذا لا تغادرين هذه البلدة إذن؟.. أجابت.. وكيف تريدني أن أغادرها وفيها حاكم عادل؟ الدكتور فياض أطلق في مؤتمره الصحافي وثيقة سماها «موعد مع الحرية»، قال إنها تتضمن إرساء قيم النزاهة والشفافية والفصل بين السلطات، وتوفير الأمن والأمان وترسيخ سيادة القانون والحرية والعدالة والمساواة. إنها إذن جمهورية أفلاطون الفاضلة. ردنا على الدكتور فياض بالتذكير بالمثل الفلسطيني الذي يقول «الليلة السعيدة بتبان من العصر»، ومثل مقدمات كهذه لا يمكن أن تؤدي إلى العدالة وسيادة القانون اللتين يبشر بهما.