يقال، والعهدة على القائل، إن مجموعة محترمة من علماء اللسانيات المنتشرين عبر العالم يعدّون العدّة ويجمعون حقائبهم في هذه الأثناء من أجل القدوم إلى بلادنا لملاحظة ظاهرة فريدة من نوعها، لا يوجد لها مثيل على صعيد كوكب الأرض، وربما على صعيد مجموعتنا الشمسية أو المجرة بأكملها، وهي ظهور لغة جديدة هي قيد التشكّّل لدينا في هذه اللحظة التاريخية بالذات. لقد ظل علماء اللسانيات يتأسفون لكونهم جاؤوا متأخرين ولم يعاصروا اللغات البشرية أثناء ظهورها لأول مرة، على اعتبار أن تتبع «تكوّن» اللغات من شأنه أن يساعدنا على فهم البشرية بشكل أفضل، حتى وإن كنا نعيش آخر لحظات كوكبنا الذي ستنتهي الحياة فيه تماما يوم 21 دجنبر المقبل، حسب تقويم مشهور لحضارة المايا القديمة (التي ينتسب إليها «اصحاب الماية» عندنا، كما هو معروف). وحسب بعض الأخبار المتداولة في أوساط أولئك العلماء الجهابذة النحارير، فإن اللغة الجديدة صارت تنتشر في مجالات متعددة «انتشار النار في الهشيم» -كما كان يقال في كتب «المطالعة» القديمة- وبالتالي فإن من السهولة بمكان إخضاع «تكوّنها» للملاحظة المباشرة من قبل كل ذي عينين (وأذنين وأنفين وشفتين إلى آخره)، وذلك اعتمادا على وسائل الإعلام المسموعة والمسموعة المرئية، الخاصة منها والعمومية. وفعلا، فقد تحوّلت معظم المحطات الإذاعية الخاصة إلى «مصنع» لإنتاج هذه اللغة الجديدة، مثلها في ذلك مثل «الدوزيام» (وهو الاسم الذي كنا نطلقه على أشهر دائرة أمنية في العاصمة الرباط، فصرنا -بحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه- نطلقه على قناة تلفزيونية عمومية تغطي البلاد من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى أقصى الجنوب). وهي لغة لا علاقة لها باللغات البشرية المعروفة إلى حد الآن، حيث يتحدث الشخص قائلا، على سبيل المثال: (خاص «لي جون» يضربو واحد «لو طراجي» طويل باش يوصلوا لل»بون» لهيه)، (وترجمة ذلك بلغتنا المتخلفة القديمة أن على الناس أن يقطعوا مسافة طويلة كي يصلوا إلى الجسر هناك)؛ أو: (احنا ما عندنا حتى «إيدي» على «البرودوي»، وزايدون ما عندناش «البوفوار» باش «نشانجيوه» بشي حاجة «كي ريبوند لليزيكزيجانس» ديالنا)، (المقصود أننا لا نملك أية فكرة عن المنتوج، إضافة إلى أننا لا نملك أية سلطة لتغييره بشيء يلبي متطلباتنا)؛ أو: (عاد «كريينا البروجي» ديالنا وغادي نبداو نخدّمو «لي جون»، و»دي مانتونان» كا نتعلموا «لي شوز آ فير» باش «نإيفيتيو» المشاكل)، (ومقصود الناطقين هنا، بلغتنا القديمة الآيلة إلى الزوال، أننا أنشأنا مشروعنا للتو، وسنشرع في تشغيل الشباب، ومن الآن صرنا نتعلم ما ينبغي القيام به قصد تجنب المشاكل). قد يرى بعض «المتسرعين» أن اللغة الجديدة هي مجرد مواصلة للغة كان يطلق عليها «العرنسية»، وقد يرى فيها بعض «المنغلقين» تنويعا على وتر «الفرانكو آراب»، كما قد يرى فيها بعض «المتجمدين» مجرد استمرار لمشروع سبق أن أطلقته امرأة أمريكية أقامت بسلا لزمن من أجل تعليم اللغة الدارجة للمغاربة وإحلالها بالتدريج محل اللغة العربية (أي نفس المشروع الذي تحمل لواءه «الدوزيام» اليوم عن طريق المسلسلات المدبلجة) قصد قطع الصلة تماما بيننا وبين العرب الذين صار يطلق عليهم «عريبّان»؛ لكن الحقيقة التي لا بد من الجهر بها، والتي أدركها علماء اللسانيات المختصون قبلنا، هي أننا أمام تشكّل لغة جديدة تماما، هي أحدث (وربما آخر) لغة في «سوق البشرية»، عفوا، في تاريخ البشرية؛ ومن شأن استعمالنا «المكتّف» لها أن يدخلنا العصر من أوسع نوافذه، سواء كانت مفتوحة أو مغلقة. فقط يبقى هناك مشكل بسيط هو أن اللغة الجديدة تهدد بعزلنا عن العالم (حيث لن يفهمها أحد سوانا)، وبالتالي يتعين على واضعي أسس هذه اللغة أن «يكملوا خيرهم» ويحفروا خندقا بعرض قناة السويس على حدودنا الشرقية والجنوبية ثم يدفعوا ببلادنا، وقد صارت جزيرة، نحو أمواج المحيط.