كليات العلوم والتقنيات بالحسيمة تحتضن أيام ثقافية ل"أوطم"    الحسيمة .. دورة تكوينية حول تدبير المخاطر المرتبطة بالكوارث    البوصيري لليوم 24: عندنا "مباريات الحب" و"فيفا" غادي تضحك علينا    انطلاق أشغال الملتقى العلمي السابع للمجلس العلمي المحلي ببني ملال في موضوع "الإنسان والبيئة منظورات دينية وعلمية واجتماعية"    الأميرة لالة سلمى و الشيخة موزة تفتتحان مهرجان فاس للموسيقى العريقة    علماء يكتشفون ثلاثة كواكب "يحتمل ان تكون صالحة للعيش"    الكوستيم والدعم المادي للجمعية..زواج أم ماذا؟    غليان في الشارع الرجاوي ولقجع في موقف لا يحسد عليه    بعد تفكيك خلية الناظور و مليلية تحقيق يحذر من 200 داعشي مغربي عادوا إلى المملكة    مراكش تحتضن يومي 5 و6 ماي الجاري ندوة دولية حول الابتكار والرقمنة بالجامعة    العثور على جثة طالب داخل الحي الجامعي بأكادير...    مهرجان سينما الذاكرة يضع عريضة من أجل المطالبة بانشاء قاعة للعروض كبرى بالناظور    منظومات الصناعة الميكانيكية والتعدينية ستعطي دفعة تنموية جديدة للقطاع    العلمي يرسم معالم خلق أزيد من 13 ألف و340 فرصة عمل    طانطان : عائلة الطالب الرحالي تكذب رواية السلطات في وفاة إبنها    الخطوط الملكية المغربية تنفي بشكل قاطع وجود قنبلة مسيلة للدموع على متن إحدى رحلاتها يوم السبت الماضي بين نيامي والدار البيضاء    رجل أعمال يسحب 20 مليارا بعد وفاته    اليازغي: مفاوضات المغرب والبوليساريو ستنتهي إلى الطريق المسدود    ليستر بطلا للبريميير ليغ للمرة الأولى في تاريخه    بودريقة مطالب بتقديم أدلته أو المثول أمام العدالة    هازارد يهدي الدوري الانجليزي الممتاز لليستر سيتي    وفاة مفاجئة للفنان المصري وائل نور    بالصور .. هكذا تابع هيرفي رينار مباراة حسنية أكادير أمام الفتح الرباطي    المصطفى بنعلي خلال تظاهرة المنظمة الديمقراطية للشغل بمناسبة فاتح ماي    إطلاق نسخة جديدة من التطبيق المحمول المتعلق بمخالفات قانون السير    الجامعة "تؤجل" البث في استقالة بودريقة إلى غاية صدور نتائج البحث القضائي    مكناس.. العاصمة الفلاحية    البيجيدي وسوريو المغرب يتضامنون مع حلب بالبيضاء    مندوبية السجون تستنكر ترويج "تسجيلات قديمة"    مجلس الوزراء البحريني يشيد بزيارة الملك    تأخر خروج الأبناك الإسلامية يجر بوسعيد للمساءلة البرلمانية    فيلم "نداء ترانغ" لمخرجه هشام الركراكي يتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان تاصميت للسينما والنقد ببني ملال    ارتفاع احتياطي المغرب من العملة الصعبة إلى 239.9 مليار درهم    بنعطية في "الأرسنال " الموسم المقبل    كازا: توقيف متورطين في السرقات بآنفا وبن مسيك    محامي خولة ل « فبراير » : لهذه الأسباب تراجعت « بوطازوت » عن التنازل    أقوى مقاطع كتاب »لبنى الخطيرة » الذي سيصدر بباريس يوم 18ماي    الأزهر شهادة الدكتوراه لصحاب أطروحة تؤكد أن الحجاب لم يكن قط فريضة إسلامية    فان دام يتحدث عن النبي محمد    معرض بطنجة يغوص في التجربة التشخيصية وجماليات الامكن    موجة "شركَي" مبكرة تحل بالمغرب .. والحرارة في حدود ال40    من جديد : الدجاج يقفز إلى25 درهما وقد يصل الى 30 درهم خلال شهر رمضان ..    المهرجان الوطني للمسرح بالحي المحمدي يحتفي بالراحل الصديقي    بنك المغرب يوسع نطاق تغطية إحصاءاته النقدية لتشمل بيانات عن صناديق التقاعد    أوباما يسخر من ترامب    يجعل مجرى الهواء منتفخا وضيقا ومليئا بالإفرازات المخاطية التدخين يرفع من معدلات نوبات الربو    أمراض نادرة:إذا لم يحصل على العلاج بالخلايا الجذعية العمر المتوقع للطفل المريض بضعف المناعة الأولي لا يتجاوز بضعة أشهر 2/2    النفط يسجل أعلى سعر في 2016 على رغم تخمة المعروض    جلالة الملك يحل بالإمارات العربية المتحدة في زيارة عمل وأخوة .. من أجل إرساء الأسس الصلبة والقوية لبناء شراكة استراتيجية    حملة توكيلات لاسترداد تعويضات إعاشة الحج    في دراسة طبية أمريكية .. التجارب السلبية في الصغر تعرض الأطفال أكثر للربو    عدسة للعين تساعد على الرؤية في الظلام    أمريكا: خروج قطار عن مساره وتسرب مادة كيماوية خطيرة    نقابة الصحافيين تدعو إلى إقالة وزير الداخلية بعد مداهمة الأمن لمقرها    وزارة صكوك الغفران    تتويج الناقد المغربي سعيد يقطين بجائزة (الشيخ زايد للفنون والدراسات النقدية) برسم سنة 2016    فان دام للشباب: تعلموا من النبيّ محمد!    محيي الدين داغي يدعو المسلمين في العالم إلى مقابلة العدوان والظلم بالرحمة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الساكتة والمسكوتة
نشر في المساء يوم 09 - 05 - 2008

لكي نفهم أسباب «محرقة ليساسفة» من المفيد أن نعود إلى بعض وثائق الأرشيف، فالذي يعتقد أن أسبابها حديثة ربما كان مخطئا، لأن هذه القنبلة، وقنابل كثيرة غيرها، برمج توقيت انفجارها قبل سنوات.
في 31 دجنبر من سنة 1993 أرسل رفيق الحداوي وزير التشغيل والشؤون الاجتماعية في حكومة كريم العمراني مراسلة وزارية إلى ديوان وزير العدل، يخبره فيها أنه بلغ إلى علمه أن بعض أعوان التفتيش التابعين لوزارته يتم استدعاؤهم من طرف دوائر الأمن الوطني لاستفسارهم (في الحقيقة استنطاقهم) حول مضمون بعض المحاضر التي يحررونها ضد المشغلين المخالفين لمقتضيات قانون الشغل. مع أن هؤلاء الموظفين لا يمارسون مهام التفتيش إلا بعد أدائهم لليمين القانوني.
وطلب رفيق الحداوي من وزير العدل آنذاك أن يوجه دورية، إذا لم يجد في ذلك مانعا، لدوائر الأمن يشرح لهم فيها الصلاحيات التي يمنحها القانون لمفتشي الشغل.
يجب أن نضع في حسابنا ونحن نعود خطوة في التاريخ إلى الخلف أن دوائر الأمن كانوا جميعهم يأتمرون بأوامر إدريس البصري، ولا أحد سواه.
لذلك سينتظر وزير العدل، العلمي مشيشي الإدريسي، سنة كاملة لكي يقرر مراسلة المدير العام للأمن الوطني. بحيث سينهي إلى علمه في مراسلة تحت رقم (93/328) بأن وزير التشغيل بعث إليه بكتاب مفاده أن بعض دوائر الأمن تقوم باستدعاء مفتشي الشغل لاستفسارهم حول محتويات المحاضر التي ينجزونها، خارقين بذلك مقتضيات الظهير الشريف الذي ينص على الطابع السري لمحاضر مفتشي الشغل.
ستمضي حكومة كريم العمراني، وستمضي حكومة الفيلالي، وستأتي حكومة جطو، التي تسلم فيها المنصوري، رئيس البرلمان الحالي، حقيبة وزير التشغيل والتكوين المهني. وهكذا نقرأ لوزير العدل عمر عزيمان رسالة موقعة بتاريخ 12 مارس من سنة 2002 أرسلها إلى السادة الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية يسألهم فيها حول ما وصله من كون المنصوري وزير التشغيل والتكوين المهني، لا يتوصل بمآل محاضر مخالفات وجنح الشغل المحررة من طرف الأعوان المكلفين بتفتيش المصانع والمعامل والشركات التابعين له، والتي يحيلونها بعد إنجازها على مكاتب وكلاء الملك ليقوموا باللازم.
واليوم ونحن نتابع فصول مهزلة محاكمة المتهمين على خلفية «محرقة ليساسفة» نستحضر كل هذه المراسلات الوزارية التي تجمع، وعلى امتداد حكومات متعاقبة، على شيء واحد، وهو أن خرق سرية محاضر الشغل عملة رائجة في كثير من المدن، وأن دوائر الأمن تستدعي بعض مفتشي الشغل لاستنطاقهم حول طبيعة تقاريرهم المرفوعة إلى وكلاء الملك.
ولعل المرء يفهم حدوث هذه التجاوزات في عهد إدريس البصري، الذي نرى اليوم كيف يعود بعض رجاله المتورطين معه في مثل هذه الجرائم إلى احتلال مناصب المسؤولية، لكن أن تستمر هذه الخروقات إلى اليوم، فهذا ما يعطي دليلا واضحا على أننا لازلنا لم نغادر النفق بعد، وأن وجبة «الساكتة والمسكوتة» التي ظل يقتات عليها بعض الفاسدين في الداخلية على عهد الصدر الأعظم لازالت توزع بالتساوي بين بعض أباطرة الحرس القديم الممسك بزمام أم الوزارات.
عندما قررت النيابة العامة متابعة ثلاثة متهمين فقط على خلفية «محرقة ليساسفة» فهي بذلك تكون قد برأت سلسلة طويلة من المسؤولين الأمنيين والموظفين الكبار التابعين لوزارة الداخلية ووزارة الصحة ووزارة الشغل من المتابعة.
هنا نجد في ما يقوله أعضاء بلجنة المساندة التي تشكلت لتقديم العون لضحايا المحرقة، من وجود نية لإقبار الملف، كثيرا من الصحة. فرئيس الدائرة الأمنية التي يوجد المعمل المحترق ضمن نفوذها، والذي أغمض عينه عن كل مخالفات صاحب المعمل القانونية، هو الذي قاد التحقيق في المحرقة. في الوقت الذي كان فيه رئيس الدائرة الأمنية نفسه يجب أن يكون عرضة للمساءلة القضائية. لأنه لو قام بعمله كما ينص على ذلك القانون لما استطاع صاحب المعمل أن يستهتر بأرواح عماله بكل تلك الخفة.
خصوصا وأننا في المغرب نعرف أن عيون أعوان الداخلية لا تنام، وأن مجرد دق مسمار في الحائط يمكن أن يكلفك استدعاء من رئيس المقاطعة للاستفسار عن حجم المسمار، هل هو مسمار ستة أم مسمار عشرة، ولماذا دقه الآن وليس من قبل، إلى آخر الأسئلة البوليسية التافهة.
لقد سقنا هذه المراسلات بين وزارات العدل والتشغيل في أكثر من ثلاث حكومات متعاقبة، لكي نوضح أن نفس السلوكيات البوليسية لازالت مستمرة. وأن مفتشي الشغل، النظيفين والنزيهين بينهم، لا يستطيعون جميعهم إنجاز مهمة التفتيش والمراقبة في ظروف عادية.
ولعل الفائدة التي يجنيها بعض رؤساء الدوائر الأمنية من استدعاء مفتشي الشغل من أجل الاطلاع على فحوى تقاريرهم، هو استعمال هذه التقارير من أجل ابتزاز أرباب العمل الذين تخصهم هذ التقارير.
ولعل بداية التحقيق الحقيقية في «محرقة ليساسفة» تبدأ من هنا بالضبط. أي من مسؤولية وزارة الداخلية فيما وقع. والغريب في مجريات هذا التحقيق هو أن الكولونيل الطويل القائد الجهوي للوقاية المدنية تم توقيفه وتعويضه بقائد جهوي آخر قادم من أكادير. وما دام الجنرال بن زيان قد اتخذ قرار توقيف قائده الجهوي بالدار البيضاء فلأنه اقتنع بمسؤولية هذا الأخير «التقصيرية» في «محرقة ليساسفة». والمنطقي في هذه الحالة أن يشمله التحقيق لتحديد مدى ضلوعه في الكارثة. لا الاكتفاء بإعفائه من مهامه بانتظار إرساله إلى جهة أخرى، يتابع فيها مهامه «التقصيرية» المعتادة.
لقد رأى الجميع القوة الضاربة لوزارة الداخلية على عهد إدريس البصري عندما شنت حملتها التطهيرية القذرة ضد مستثمرين ورجال أعمال كانت عين البصري «محطوطة» عليهم من زمان. ورأينا كيف تم استغلال القانون بشكل بشع لضرب رأس المال تحت الحزام، وكيف تواطأ قضاة ووكلاء للملك مع البصري من أجل إرسال مدراء شركات منافسين لمدراء شركات آخرين إلى غياهب السجون بتهم ملفقة. ولعل العفورة الساعد الأيمن لإدريس البصري في تلك الحملة القذرة، والذي غادر السجن مؤخرا، لازال يتذكر كيف تحول الدور السفلي لإحدى المحاكم الموجودة في دائرة نفوذه إلى قبو لتعذيب المتهمين وانتزاع الاعترافات منهم قبل إرسالهم إلى الطابق العلوي حيث تتم محاكمتهم.
لذلك فلا مجال اليوم لإخفاء الحقيقة عن الرأي العام بالاكتفاء بمتابعة ثلاثة متهمين في محرقة ذهب ضحيتها أكثر من ستين ضحية. لأن مسؤولية مصالح وزارة الداخلية واردة وبقوة.
لكن، وبما أننا في المغرب، أجمل بلد في العالم، فإن الأمور تسير دائما بالمقلوب. حتى التعليمات الملكية الصارمة يتم تطبيقها بالمقلوب. وقد علق أحد الظرفاء ساخرا بأن الجميع كان ينتظر توقيف القناة الأولى أو الثانية عن البث بسبب تقصيرهما الفادح في تغطية «المحرقة» وتفضيل القناتين للرقص والغناء طيلة سهرة السبت، فإذا بالجميع يكتشف أن نشرة المغرب العربي بقناة الجزيرة التي غطت الكارثة بتفاصيلها وفي وقتها هي التي تم توقيفها عن البث.
وإذا كنت في المغرب فلا تستغرب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.