البيجيدي... صهوة الوصوليين وأداة ابتزاز    توشاك: "لاعبونا تخوفوا من تلقي هدف يبعثر أوراقهم"    ألفيس مُستاء من تغييره أمام سيلتا فيغو    فضيحة نهاية العمر: إسبانيا .. توقيف سبعيني مغربي بحوزته 30 كلغ من الحشيش    أمن مكناس يطرق أبواب مؤسسة تعليمية من أجل السلامة الطرقية    وزير الخارجية القطري: إرسال قوات برّية إلى سوريا بات ضرورة ملحّة    ضبط 70 قاصرا حاولوا اجتياز سياج مركب محمد الخامس    التلوث يكلف المغرب 10 مليارات درهم سنويا    توتنهام يفوز على ليستر سيتي ويرتقي للوصافة    الملك يعطي تعليماته للوقوف إلى جانب ساكنة أنفكو وأزيلال وتنغير لمواجهة البرد    وزراة الصحة بالمحمدية توضح بخصوص جثث الفتيات الأربع المتوفيات    رونالدو يسجل الهدف 5801 لريال مدريد في "الليغا"    "الهاكا " تفتح المواجهة بين الجرار والمصباح    أوقفوا استغباء الجماهير الرياضية !    لهذه الأسباب سيسافر الملك محمد السادس لفرنسا الأسبوع المقبل    مختل عقلي يخلق الرعب في مركز تجاري بالدارالبيضاء    مرض غريب يتسبب في مصيبة كبرى صباح اليوم الأحد (شاهد فيديو)    بالفيديو: نانسي تُنقذ حفيدة الموسيقار الراحل محمد الموجي    طرق تخفيف الإمساك وانتفاخ البطن.    فيتامين "د" أثناء الحمل يقي الأطفال من الحساسية و الربو    تصور موجز حول المؤهلات السياحية للمغرب    بالفيديو.. محاولة شاب من مراكش الإنتحار بسبب عيد الحب‎    حزب جزائري يدعو إلى فتح الحدود مع المغرب    " حامي الدين " يستعمل آية قرآنية يتهم من خلالها مزوار " بالنفاق "    العملاق "دي إتش إل" تربط جوا بين طنجة وألمانيا    تلوث الهواء يقتل أكثر من 5 ملايين شخص سنويا    مكتب إقليمي بسلا من أجل السكن اللائق    قبسات من التاريخ الأوربي في مختلف العصور: دروس وعبر    علي الإدريسي : جوانب من حياة الخطابي وأسرته في المنفى‎    الرابع عشر من فبراير..يوم تفرق شمل الاحبة في بلاد الاندلس    بعد المسلمين والعرب ..ترامب يقول إن الافارقة بحاجة لإعادة الاستعمار    مفاجئة في انتظار الأسود خلال مباراتهم أمام الرأس الأخضر    الأشياء التي سُرقت داخل حقيبة ابنة شقيقة الملك    أمريكا تعزز منظومة الدفاع الصاروخي في كوريا الجنوبية    المغرب يدين ب"كل شدة" الهجوم الإرهابي بكيدال    توقيف سيارة محملة بأسلحة نارية شمال كاطالونيا    إيقاف شخصين على خلفية السطو على وكالة بنكية    عيد وطني تحت شعار "يوم الحب" أو "فالي نْتا" … القُبلة    هل يكون هدا المدرب هو اول مدرب تتم اقالته في اياب البطولة الاحترافية    شفشاون سادس أجمل مدينة في العالم    مَن عشق فعفّ فكتَم فمات فهو شَهيد    خريجو "ليزاداك" عن قانون الفنان : نرفض تقزيم النقاش في ثنائية الفنان الموظف والفنان المتفرغ !    أشهر صحيفة تركية: المغرب وتركيا قوتان كبيرتان للاستقرار في العالم    بالفيديو مفتي مصر يؤكد في عيد الحب من مات دون حبيبته فهو شهيد عند الله وهذا هو الدليل    قولي وداعا للكرش إلى الابد...و هذا هو الحل البسيط جدا    الدارجة المغربية تغزو مدارس إسرائيل انطلاقا من الدخول المدرسي القادم    روسيا تتجسس على فوسفاط الصحراء المغربية    هل يؤثر اختفاء بقع من سطح الشمس على طبيعة أرضنا؟    الشاعر الألماني فولكر براون يتسلم بالدار البيضاء جائزة الأركانة العالمية    المعادن النادرة قد تدخل عالم هدايا عيد الحب    إمزورن تحتضن حفل توقيع رواية "أوراق في خزانة أبي" لكاتبها عاصم العبوتي    اختيار المغرب بإجماع الدول الافريقية كمنسق للمجموعة الأفريقية بالمنظمة العالمية للتجارة    زينب العدوي تبسط أمام وفد من الصحافيين الروس مؤهلات وجهة أكادير السياحية    وكالة أسفار إسبانية رائدة تطلق برمجة المغرب    منبر الرأي أخ سلميان حوليش يكتب, ما الفَائدة من الْحُصُول على الشهادات العُليا... إذا كان صاحبُها لم يتحلَّى بالفضائل وَالأدب ؟؟    الحجر الأسود ..قاموا بتحليل قطعه منه وصُدِموا بالنتيجة!    القادري: اضطرابات اليقظة والنقص في النوم إحدى أهم مسببات حوادث الشغل والسير    السرات : التقرير الثالث للحالة العلمية الإسلامية يرصد النشاط والإنتاج العلمي في مجالات المعرفة والفكر الإسلامي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حين تصبح الهدية كلفة تهدد الروابط الاجتماعية
نشر في التجديد يوم 22 - 04 - 2008


تهاتفه زوجته أنها لا تستطيع أن تذهب إلى حفل زفاف بنت خالتها صفر اليدين، خاوية الوفاض، لا هدية تليق بالمناسبة، تحملها معها. أتاه صوتها وهو في عمله البسيط سحيقا لا مذاق فيه، فمن أين يأتي لها بمال الهدية، ومدخوله اليومي لا يرقى إلى ثمنها؟! فقرر أن يعود إلى بيته ويمنع زوجته من الذهاب إلى حفل زفاف قريبتها. تطرح هذه المشكلة كثيرا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ـ المغرب نموذجا ـ، حيث يتكلف بعض الناس في تقديم الهدية لأقاربهم في مناسبات اجتماعية أو دينية، وإن لم يجدوا كفوا عن زيارتهم وتسببوا في قطيعة رحم أو فتور علاقة أخوة وصداقة. فلماذا تحدث مثل هذه السلوكيات وما عواقبها؟ وهل من حل يهدي إلى الصواب ومصلحة المجتمع؟ ذلك ما نحاول أن نتعرف عليه من خلال التحقيق التالي: فتور بسبب هدية قد تذعن الزوجة لقرار زوجها، فلا تحضر المناسبة العائلية، وقد تتحداه وتعصي أمره وتكلف زوجها ما لا يطيقه بالاستلاف والقرض وتشتري الهدية المناسبة. وفي الحالتين معا، الخاسر هو السلوكات الاجتماعية السليمة، فإن امتنعت عن الحضور، تسبب عدم توفرها على ما تشتري به هدية قيمة في رسم أولى خطوات قطيعة الرحم، أو على الأقل أول بذور فتور قد يصيب العلاقات بين الأسرتين، وإن ذهبت واقترضت فإنها تكلف زوجها عبئا ماليا قد يؤثر سلبا على ميزانية البيت أو يترك شيئا في نفس الزوج. تقول إحدى الزوجات إنها تضرب أخماسا بأسداس كلما كان هناك حفل زفاف أو عقيقة داخل الأسرة: لا أجد القدرة المالية الكافية لأقتني هدية أدخلها معي، فأعاني كثيرا حتى أتدبر الأمر ولو على حساب ميزانية البيت، غير أن كثيرا ما أمتنع عن الذهاب تحت ذرائع كثيرة، وقد غضبت مني يوما إحدى بنات عمي، فردت لي الصاع صاعين، ولم تحضر هي أيضا حفل عقيقة ابني، وتباعدت المشاعر بيننا نتيجة لذلك، وتطورت إلى برود بين أسرتينا. الهدية الإلزامية ويرى أحد الأنثربولوجيين الفرنسيين موس مارسيل أن: الهدية كغيرها من الظواهر الاجتماعية تعرضت للتغير والتطور، فأصبح لها أشكال عديدة وصور مختلفة ودلالات متعددة؛ إلا أن السمة الغالبة هي وجود صفة الإلزامية فيها. وقد عرف العلماء نوعين أو شكلين من أنواع الهدايا وهما الهدايا الخالصة والهدايا الملزمة. والهدية الإلزامية هي التي تأخذ عنصر الإلزام والإجبار بمعنى أنه يتحتم على الشخص المهدى إليه أن يرد هدية أخرى مماثلة أو بما يساويها في القيمة. ويجعل موس هذه الظاهرة مرتبطة بالمجتمعات البدائية، حيث ظاهرة الإلزام تأخذ فيها ثلاث مظاهر: العطاء والأخذ والرد. أي الالتزام بتقديم الهدايا والالتزام بقبولها والالتزام بردها. ويتجسد الإلزام حتى عندما لا يكون المهدى إليه في حاجة مادية إليها إنما تتضمن بالضرورة نوعاً من الالتزام تفرضه على المهدى إليه وتتطلب منه أن يقوم بردها إما بما يساويها في القيمة وإما بهدية أكبر منها في القيمة. سلوك التهادي أم تهادي السلوك ويجمع أخصائيو الاجتماع أن سلوك التهادي بين الأسر في المناسبات وفي غيرها سلوك اجتماعي نبيل ومحبب، غير أنه إذا صار هذا السلوك العادي هاجسا لدى المُهدي أو المهدى إليه، وخرج عن إطار الاعتياد ليبلغ درجة الضرورة والحاجة الاجتماعية، وتم ربطه بمدى قبول الفرد أو الأسرة لدى الآخر أو الأسرة المستقبلة للهدية، فهو سلوك سلبي حتما، لأنه سيورث علاقات متذبذبة مبنية على الأخذ والعطاء، زيادة على ما يبقى في النفس من أسف أو غيظ إن لم يأت المدعو بالهدية إلى قريبه في مناسبة عزيزة له، غير مقدر ـ هذا القريب ـ لما يمكن أن يكون عليه الحال المالي لقريبه، فتنشأ علاقات أسرية واجتماعية بعيدة عن العفوية في التعامل، وقريبة أكثر من التكلف والتصنع، مثل إحضار هدية بما يمكن أن تكلفه ماديا على المهدي فقط من أجل إرضاء الطرف الثاني، وليس محبة فيه، فيضطر هذا الأخير أن يأتي له بهدية في مناسبة قادمة مثلها، وإن لم يقدم له هدية امتنع هو الآخر عن تقديمها له، وهذا ينافي سلوك التهادي الذي يجب أن يشيع وسط المجتمع بعفوية وصدق دون كذب أو تصنع مزيف، وهذا ما يسمى بتهادي السلوك... مجال للتظاهر وتؤصل الدكتورة سعاد الناصر (داعية وأستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان) موضوع الهدية وتعتبرها: ضرورة هامة من أجل التعبير عن التودد والصداقة والأخوة في العلاقات الاجتماعية، وتمتين أواصر المحبة والمودة فيها، بل قد تكون أحيانا سببا في إذابة الجليد القاسي الذي قد يتكون بين الإخوة والأقارب والمحبين. وفي الحديث النبوي: تهادوا تحابوا إشارة إلى أهمية الهدية ومكانتها وعظيم تأثيرها في القلوب والأرواح، لأنها من أنجع الوسائل التي تنفذ من خلالها إلى قلب الإنسان وروحه. وتردف الناصر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهدية، وأهدى أيضا، وأكد أنها ليست هي الصدقة أو مساعدة المحتاجين، وإنما تعبير مادي عن المودة والمحبة والألفة، أو محاولة كسبها. وتثير الدكتورة سعاد الناصر الانتباه على أنه في المجتمع المغربي، لم يعد للهدية هذا المدلول المعبر عن تمتين العلاقات، وتصفيتها من أي سوء أو ضغينة، وإنما أصبحت مجالا للتظاهر والتكلف بين الأقارب والأصدقاء والأحبة. وتضيف قائلة: هذا أمر خاطئ في اعتقادي لأنه يتسبب في ممارسات أخلاقية سيئة، من مثل التكبر والتظاهر والكذب والنفاق وقطع الرحم، وغيرها من ممارسات يرفضها الشرع ويحرمها. هل الهدية من أجل الاغناء؟ ويعلق العلامة محمد التاويل (من علماء القرويين وأحد كبار علماء المالكية بالمغرب) على أنه لا ينبغي المغالاة في الهدايا، بل يجب أن تكون رمزية، حيث لا يتكلف المهدي فوق طاقته، كما أن المهدى إليه عليه أن لا يحاسب المهدي على قيمة الهدية. ويردف ـ العالم المغربي ـ أن النساء أكثر تأثرا بهذه الأمور، فالمرأة المهدية، لقريبتها أو حتى لجارتها، لا ينبغي أن تستصغر الهدية أو تقلل من شأنها، لأن المقصود بالهدية ليس الاغناء والإثراء، وإذا ما قدمنا الهدية بهذه المعاني السلبية لدخلنا مجال المتاجرة، فلا تبقى للهدية مغزاها الصافي، فإهداء وردة يكفي للتعبير عن شعور إنساني طيب. هدايا رمزية وحملة إعلامية وللأسف ـ يضيف التاويل ـ عندما يُنظَر إلى الهدية بمنظار فيه تكلف وتصنع، وفيه ضرورة منح هدية قيمة وغالية، يصعب على الإنسان قطعا أن يقدم الهدايا، لأن أسعارها ارتفعت كثيرا في مجتمعاتنا، والمداخيل لا توازي ارتفاع المصاريف، لهذا أرى محاربة المغالاة في الهدايا كحل لهذه المعضلة، فذلك يتسبب في قطيعة الرحم وأيضا انتشار الحزازات وتراكم سوء الظن. ويرى محمد التاويل الحل أيضا في حملة تقوم بها وسائل الإعلام والجهات المسؤولة في المجتمع للتعريف بمقاصد الهدية وللدعوة بعدم المغالاة فيها، حتى تتغير المفاهيم الاجتماعية الفاسدة السائدة، وتصبح الهدية على قدر طاقة الإنسان، لا يتكلف في شرائها ولا تقديمها. ومن جهتها، تقترح الدكتورة سعاد الناصر أنه بات من الضروري إعادة النظر في عديد من المفاهيم عندنا، وضبطها بالضابط الشرعي الأخلاقي، المعبر عن مقاصد ديننا الحنيف. وليبدأ الإنسان بنفسه، ويحاول أن يقدم هدايا متعددة في مناسبات كثيرة، لكن رمزية فقط، كي تعبر عما في القلوب من اهتمام بالروح وليس بالجانب المادي. وتردف الناصر بالقول إن الإشكال الذي يحصل في مجتمعاتنا، أن العديد من الناس واعون بالأزمة، وبخطأ بعض العادات والممارسات، لكن ليس هناك من يرفضها ممارسة وليس كلاما فقط. فتظل السلوكات المجانبة للصواب هي السائدة، وتضيع أي دعوة لإصلاحها، وقد آن الأوان أن يبدأ كل إنسان بنفسه، ويتحرى رضا الله عز وجل، آنذاك تذوب وتختفي عديد من مثل هذه المظاهر السيئة.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.