الفنانة والممثلة الامريكية "ميا موريتي" تقضي إجازة بمدينة طنجة    الانتقال الديمقراطي في المغرب بين التناوب المغدور و التناوب المهدور    انفجار بوطاغاز فأكدال بالرباط    بني عياط : أساتذة وباحثون يسلطون الضوء على "دور الزوايا في خدمة القضايا الوطنية"    ''واتس أب'' يستعد لطرح ميزات جديدة مهمة    إطلاق خطوط جوية جديدة من ألمانيا إلى مطار العروي الناظور    قرار 2285 حول الصحراء: انقسام وسط الغرب وتحفظ روسي وتفهم صيني وضعف في أمريكا اللاتينية    مغاربة يتضامنون مع حلب السورية في الدار البيضاء    "23 ‬ مارس".. معركة ‬الذاكرة: تفاصيل ‬مقتطفة ‬من ‬تاريخ ‬لم ‬يكتب ‬بعد (الجزء الأول)    القرار 2285: يضع المغرب في مواجهة مجلس الأمن بشأن عودة المينورسو    منبر الرأي حكيم شملال يكتب : اللعبة قد بدأت، وعباس عاد من جديد    ميناء طرفاية : سياسات إقصائية وتآمرية تدفع مراكب الصيد الساحلي إلى الانسحاب من الميناء    الدعوة الى وقفة احتجاجية من اجل 'مناهضة الفساد و المفسدين' بالزمامرة    وا شوهتونا. راه المحامون حَمَلَةُ رسالة كونية وطردهم من المغرب إسَاءة لهم وللعدالة    تخصيص الملايين لشراء المحروقات لبضع سيارات ببلدية بوجدور    ابن مدينة الناظور الهادي بيباج يكتب : الصديقي يتحدث عن دمج 250 ألف عاطل و يتغاضى عن آلاف الشغالين بدون أجر لشهور    المغرب – الإمارات.. تعاون اقتصادي متسارع يصبو نحو مستقبل واعد    ضرر جديد للتدخين: صعوبة الحصول على وظيفة!    قمّة الجنون.. مراهق يدسّ مفرقعة لتنفجر في فمه    +صور :الهلال الأحمر المغربي بالناظور يناور رفقة الصليب الأحمر الإسباني بمليلية    رقصة الموت.. تحدّي جديد من زعيم كوريا الشمالية لأمريكا    الدورة الرابعة للمهرجان الدولي لسينما الطفل بالدار البيضاء (عدسة أحداث أنفو)    علاقة الآباء بأبنائهم قد تفوق غريزة الأمومة    في جنازة مهيبة.. دفن جثمان يونس السليماني –ضحية الغدر العنصري- بمقبرة سيدي الضاوي بالقرية بسلا    بلمختار يوقف مدير مدرسة بعد اتهامه بالتحرش ضد تلميذة قاصر بتزنيت    السودان.. مقتل خمسة ضباط إثر تحطم طائرة عسكرية    برشلونة يهزم بيتيس ويستعيد صدارة الليغا    الطيب الصديقي هو حامل لواء المسرح المغربي على المستوى الدولي وأحد رموز الحداثة الفنية    بني ملال تعرض "مناديل بيضاء"    حفل توزيع الجائزة الكبرى للصحافة الفلاحية والقروية في دورتها الثالثة بعدسة أحداث أنفو    العزيز سيبقى مدربا للجيش الملكي في الموسم القادم    اعتداء عنصري على مسجد للمغاربة بجزيرة كورسيكا الفرنسية    رونالدو يُخاطر بمستقبله الكروي!    اتحاد طنجة ينفرد مؤقتا بصدارة البطولة    إصابة لاعب المنتخب الوطني المغربي    اتحاد طنجة يهزم "الكاك" ويتصدّر البطولة مؤقتا    جلالة الملك يحل بالإمارات العربية المتحدة في زيارة عمل وأخوة ويجري مباحثات بأبوظبي مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان    حوالي 180 صحافي لتغطية فعاليات الدورة الحادية عشرة للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب    هيئة تدعو المغاربة للتضامن مع الشعب السوري    بوروسيا دورتموند يسحق فولفسبورج بخماسية    الطاوسي: ضيعنا الفوز أمام نهضة بركان    المخدرات الإلكترونية سمّ جديد يهدد حياة الشباب ويفتك بمستقبلهم    شى يفعله الجميع عند الاستحمام ولا يعلمون انه سبب من اسباب الموت المفاجى    بلمختار: عدد مراكز التفتح الفني بالمغرب سيصل إلى 82 مركزا في أفق 2018    أزيد من 300 حالة وفاة جديدة بالهند جراء موجة الحر الشديد    المغرب يفوز بكأس إفريقيا في فن الحلويات ويتأهل إلى مسابقة كأس العالم بفرنسا    أخنوش يشرف على توقيع ميثاق جودة الحليب المجمع    الوفا ...أباراكا من الكذوب على المغاربة لا زيادة في ثمن البوطاغاز    وزير الفلاحة الفرنسي يزور المعرض الدولي بمكناس    الإمارات تحصل على جائزة أحسن رواق دولي في المعرض الدولي للفلاحة    وزارة الصحة توفر دواء فعالا لمرضى "السيدا" سيتم إنتاجه في المغرب    سترة للمغني الراحل « برنس » تطرح للبيع بالمزاد    دراسة خطيرة :الإكتئاب المتزايد قد يصيب بمرض الخرف !!    انطلاق أشغال المؤتمر الدولي للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بتطوان    صور.. طلاء حلقات ستار الكعبة بالذهب    خطوب الماضي في الحاضر    أرجوك، صلّ بدون وضوء وارحم الشعب    سؤال الإصلاح الديني بالمغرب : بين الحقيقة والخرافة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حين تصبح الهدية كلفة تهدد الروابط الاجتماعية
نشر في التجديد يوم 22 - 04 - 2008


تهاتفه زوجته أنها لا تستطيع أن تذهب إلى حفل زفاف بنت خالتها صفر اليدين، خاوية الوفاض، لا هدية تليق بالمناسبة، تحملها معها. أتاه صوتها وهو في عمله البسيط سحيقا لا مذاق فيه، فمن أين يأتي لها بمال الهدية، ومدخوله اليومي لا يرقى إلى ثمنها؟! فقرر أن يعود إلى بيته ويمنع زوجته من الذهاب إلى حفل زفاف قريبتها. تطرح هذه المشكلة كثيرا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ـ المغرب نموذجا ـ، حيث يتكلف بعض الناس في تقديم الهدية لأقاربهم في مناسبات اجتماعية أو دينية، وإن لم يجدوا كفوا عن زيارتهم وتسببوا في قطيعة رحم أو فتور علاقة أخوة وصداقة. فلماذا تحدث مثل هذه السلوكيات وما عواقبها؟ وهل من حل يهدي إلى الصواب ومصلحة المجتمع؟ ذلك ما نحاول أن نتعرف عليه من خلال التحقيق التالي: فتور بسبب هدية قد تذعن الزوجة لقرار زوجها، فلا تحضر المناسبة العائلية، وقد تتحداه وتعصي أمره وتكلف زوجها ما لا يطيقه بالاستلاف والقرض وتشتري الهدية المناسبة. وفي الحالتين معا، الخاسر هو السلوكات الاجتماعية السليمة، فإن امتنعت عن الحضور، تسبب عدم توفرها على ما تشتري به هدية قيمة في رسم أولى خطوات قطيعة الرحم، أو على الأقل أول بذور فتور قد يصيب العلاقات بين الأسرتين، وإن ذهبت واقترضت فإنها تكلف زوجها عبئا ماليا قد يؤثر سلبا على ميزانية البيت أو يترك شيئا في نفس الزوج. تقول إحدى الزوجات إنها تضرب أخماسا بأسداس كلما كان هناك حفل زفاف أو عقيقة داخل الأسرة: لا أجد القدرة المالية الكافية لأقتني هدية أدخلها معي، فأعاني كثيرا حتى أتدبر الأمر ولو على حساب ميزانية البيت، غير أن كثيرا ما أمتنع عن الذهاب تحت ذرائع كثيرة، وقد غضبت مني يوما إحدى بنات عمي، فردت لي الصاع صاعين، ولم تحضر هي أيضا حفل عقيقة ابني، وتباعدت المشاعر بيننا نتيجة لذلك، وتطورت إلى برود بين أسرتينا. الهدية الإلزامية ويرى أحد الأنثربولوجيين الفرنسيين موس مارسيل أن: الهدية كغيرها من الظواهر الاجتماعية تعرضت للتغير والتطور، فأصبح لها أشكال عديدة وصور مختلفة ودلالات متعددة؛ إلا أن السمة الغالبة هي وجود صفة الإلزامية فيها. وقد عرف العلماء نوعين أو شكلين من أنواع الهدايا وهما الهدايا الخالصة والهدايا الملزمة. والهدية الإلزامية هي التي تأخذ عنصر الإلزام والإجبار بمعنى أنه يتحتم على الشخص المهدى إليه أن يرد هدية أخرى مماثلة أو بما يساويها في القيمة. ويجعل موس هذه الظاهرة مرتبطة بالمجتمعات البدائية، حيث ظاهرة الإلزام تأخذ فيها ثلاث مظاهر: العطاء والأخذ والرد. أي الالتزام بتقديم الهدايا والالتزام بقبولها والالتزام بردها. ويتجسد الإلزام حتى عندما لا يكون المهدى إليه في حاجة مادية إليها إنما تتضمن بالضرورة نوعاً من الالتزام تفرضه على المهدى إليه وتتطلب منه أن يقوم بردها إما بما يساويها في القيمة وإما بهدية أكبر منها في القيمة. سلوك التهادي أم تهادي السلوك ويجمع أخصائيو الاجتماع أن سلوك التهادي بين الأسر في المناسبات وفي غيرها سلوك اجتماعي نبيل ومحبب، غير أنه إذا صار هذا السلوك العادي هاجسا لدى المُهدي أو المهدى إليه، وخرج عن إطار الاعتياد ليبلغ درجة الضرورة والحاجة الاجتماعية، وتم ربطه بمدى قبول الفرد أو الأسرة لدى الآخر أو الأسرة المستقبلة للهدية، فهو سلوك سلبي حتما، لأنه سيورث علاقات متذبذبة مبنية على الأخذ والعطاء، زيادة على ما يبقى في النفس من أسف أو غيظ إن لم يأت المدعو بالهدية إلى قريبه في مناسبة عزيزة له، غير مقدر ـ هذا القريب ـ لما يمكن أن يكون عليه الحال المالي لقريبه، فتنشأ علاقات أسرية واجتماعية بعيدة عن العفوية في التعامل، وقريبة أكثر من التكلف والتصنع، مثل إحضار هدية بما يمكن أن تكلفه ماديا على المهدي فقط من أجل إرضاء الطرف الثاني، وليس محبة فيه، فيضطر هذا الأخير أن يأتي له بهدية في مناسبة قادمة مثلها، وإن لم يقدم له هدية امتنع هو الآخر عن تقديمها له، وهذا ينافي سلوك التهادي الذي يجب أن يشيع وسط المجتمع بعفوية وصدق دون كذب أو تصنع مزيف، وهذا ما يسمى بتهادي السلوك... مجال للتظاهر وتؤصل الدكتورة سعاد الناصر (داعية وأستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان) موضوع الهدية وتعتبرها: ضرورة هامة من أجل التعبير عن التودد والصداقة والأخوة في العلاقات الاجتماعية، وتمتين أواصر المحبة والمودة فيها، بل قد تكون أحيانا سببا في إذابة الجليد القاسي الذي قد يتكون بين الإخوة والأقارب والمحبين. وفي الحديث النبوي: تهادوا تحابوا إشارة إلى أهمية الهدية ومكانتها وعظيم تأثيرها في القلوب والأرواح، لأنها من أنجع الوسائل التي تنفذ من خلالها إلى قلب الإنسان وروحه. وتردف الناصر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهدية، وأهدى أيضا، وأكد أنها ليست هي الصدقة أو مساعدة المحتاجين، وإنما تعبير مادي عن المودة والمحبة والألفة، أو محاولة كسبها. وتثير الدكتورة سعاد الناصر الانتباه على أنه في المجتمع المغربي، لم يعد للهدية هذا المدلول المعبر عن تمتين العلاقات، وتصفيتها من أي سوء أو ضغينة، وإنما أصبحت مجالا للتظاهر والتكلف بين الأقارب والأصدقاء والأحبة. وتضيف قائلة: هذا أمر خاطئ في اعتقادي لأنه يتسبب في ممارسات أخلاقية سيئة، من مثل التكبر والتظاهر والكذب والنفاق وقطع الرحم، وغيرها من ممارسات يرفضها الشرع ويحرمها. هل الهدية من أجل الاغناء؟ ويعلق العلامة محمد التاويل (من علماء القرويين وأحد كبار علماء المالكية بالمغرب) على أنه لا ينبغي المغالاة في الهدايا، بل يجب أن تكون رمزية، حيث لا يتكلف المهدي فوق طاقته، كما أن المهدى إليه عليه أن لا يحاسب المهدي على قيمة الهدية. ويردف ـ العالم المغربي ـ أن النساء أكثر تأثرا بهذه الأمور، فالمرأة المهدية، لقريبتها أو حتى لجارتها، لا ينبغي أن تستصغر الهدية أو تقلل من شأنها، لأن المقصود بالهدية ليس الاغناء والإثراء، وإذا ما قدمنا الهدية بهذه المعاني السلبية لدخلنا مجال المتاجرة، فلا تبقى للهدية مغزاها الصافي، فإهداء وردة يكفي للتعبير عن شعور إنساني طيب. هدايا رمزية وحملة إعلامية وللأسف ـ يضيف التاويل ـ عندما يُنظَر إلى الهدية بمنظار فيه تكلف وتصنع، وفيه ضرورة منح هدية قيمة وغالية، يصعب على الإنسان قطعا أن يقدم الهدايا، لأن أسعارها ارتفعت كثيرا في مجتمعاتنا، والمداخيل لا توازي ارتفاع المصاريف، لهذا أرى محاربة المغالاة في الهدايا كحل لهذه المعضلة، فذلك يتسبب في قطيعة الرحم وأيضا انتشار الحزازات وتراكم سوء الظن. ويرى محمد التاويل الحل أيضا في حملة تقوم بها وسائل الإعلام والجهات المسؤولة في المجتمع للتعريف بمقاصد الهدية وللدعوة بعدم المغالاة فيها، حتى تتغير المفاهيم الاجتماعية الفاسدة السائدة، وتصبح الهدية على قدر طاقة الإنسان، لا يتكلف في شرائها ولا تقديمها. ومن جهتها، تقترح الدكتورة سعاد الناصر أنه بات من الضروري إعادة النظر في عديد من المفاهيم عندنا، وضبطها بالضابط الشرعي الأخلاقي، المعبر عن مقاصد ديننا الحنيف. وليبدأ الإنسان بنفسه، ويحاول أن يقدم هدايا متعددة في مناسبات كثيرة، لكن رمزية فقط، كي تعبر عما في القلوب من اهتمام بالروح وليس بالجانب المادي. وتردف الناصر بالقول إن الإشكال الذي يحصل في مجتمعاتنا، أن العديد من الناس واعون بالأزمة، وبخطأ بعض العادات والممارسات، لكن ليس هناك من يرفضها ممارسة وليس كلاما فقط. فتظل السلوكات المجانبة للصواب هي السائدة، وتضيع أي دعوة لإصلاحها، وقد آن الأوان أن يبدأ كل إنسان بنفسه، ويتحرى رضا الله عز وجل، آنذاك تذوب وتختفي عديد من مثل هذه المظاهر السيئة.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.