مساعد الطيار في الطائرة الألمانية المنكوبة أصيب باكتئاب حاد قبل سنوات    غرامات مالية على مشجعي الريال بعد الكلاسيكو    «زلزال» أكادير يدفع بودريقة للاستقالة من الجامعة    تونس تخوض اختبارا قويا أمام اليابان وديا    لأول مرة. كشف صور مثيرة لزوجة المطرب الشاب خالد    12 جريحا في حريق ضخم وسط نيويورك    طائرة أميركية تلقي آلاف المناشير الدعائية ضد "داعش"في الرقة    الدقيق المدعم يتسبب في فوضى بين المواطنين =الصورة=    بالصور : قُبلَة تتسبب في وفاة رضيعة بعد شهر من ولادتها    وزارة الصحة تفتح تحقيقا في حادث اختفاء قناني اوكسجين بمستشفى الغساني بفاس    هكذا وافق الملك على مشاركة المغرب في تحالف دعم الشرعية في اليمن    تتويج الفيلم البرازيلي "الطفل والعالم" لألي أبرو بالجائزة الكبرى لمهرجان سينما التحريك بمكناس    ديل بوسكي: الهزيمة أمام أوكرانيا ستكون ذات توابع خطيرة    إتلاف أزيد من 8000 كلغ من المخدرات وكميات كبيرة من السجائر المهربة بتطوان    السوبرانو اللبنانية ماجدة الرومي تحيي حفل موازين بمسرح محمد الخامس    إيران تهزم تشيلي وديا بهدفين    صالون تطوان للنساء المبدعات تحت شعار "إبداع الأمل"    الممثلة زهور المعمري تحصل على شقة كهدية في "ليلة نجوم الشاشة")    لجنة مركزية للتحقيق في صفقات أبرمتها بلدية ابن جرير    بيرناردينو ليون يتحدث عن اتفاق قريب و الأطراف الليبية متفائلة بمفاوضات المغرب (صور أحداث.أنفو)    الأسد: الحوار مع أمريكا أمر إيجابي    طبيبة تركية: القهوة تنشط الدماغ.. والسكر يتلف خلايا المخ    علماء: الملل يجعل الناس أكثر إبداعا    الصين تكشف عن أول سيارة مصنوعة بتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد    دراسة: النوم لساعات متوسطة يطيل العمر    فاس تنال لقب المدينة العربية الأكثر نموا في المجال السياحي    النكتة السياسية :غضب منضبط أم تطبيع مع لاستبداد؟ (1)‎    علامات استفهام إلى حواء    لجنة مركزية من وزارة التربية الوطنية تفتحص ملفات بنيابة التعليم في إقليم تاونات    تتويج جمعية الرحمة للمعاقات بأزيلال بالجائزة الأولى    "يوتيوب" يقدم خدمة مبتكرة عبر عرض 14 تسجيلا مصورا    إكتشاف علاج جديد يقي المصابين بمرض السكري من العمى    إستعراض فني لرياضة الفنون الدفاعية تحت شعار : "لا للعنف.. نعم للرياضة والأخلاق النبيلة"    معهد العالم العربي بباريس يعرض مسرحية «ديالي» في 11 أبريل المقبل    على خطى راوول: تشافي ينتقل إلى السد القطري    المغرب يضع قواته الجوية المتواجدة بالامارات تحت تصرف التحالف لاعادة الشرعية في اليمن    الناطق الرسمي للعدل والاحسان يصاب بأزمة قلبية حادة    وزراء الخارجية العرب يوافقون على إنشاء قوة عسكرية مشتركة لمواجهة التهديدات    هذا ما أغضب الملك محمد السادس هذا المساء وهو يدقق في ملف شريحة من المستضعفين المغاربة!    جاسوسة فوق العادة .. ! 1/4    التطرف والإرهاب...نظرة في الحلول والأسباب(6)    ما أكفر المسلمين، يقتلون بعضهم البعض في سبيل الله! من شدة غيرة العرب سنة وشيعة على دينهم يخربون بلدانهم ويبيدون أي مسلم يصادفونه في طريقهم إلى الجنة    تيزنيت : منتدى الفلاح الشبابي الشهري لحركة التوحيد والإصلاح فرع تيزنيت    العبادي ينعي أرملة المرشد العام لجماعة العدل والإحسان    الرباح:المغرب مؤهل لأن يكون قاعدة لصناعة وصيانة السفن    حكومة "بنكيران" تحقق ارتفاعا في رأسمال الاستثمارت بالمغرب    "اللجنة الأوربية" تعترف ب"التقدم الملموس" للمغرب في مجال حقوق الإنسان    الوزيرة أفيلال تخرج عن صمتها بخصوص علاقة الحب بين الوزيرين    حادث الطائرة الألمانية:الملك يعزي عائلتي الناظوري الطهروي وزوجته العلاوي    أكثر من 40 الف زائر توافدوا على معرض العقار المغربي في بروكسل    المكتب الوطني المغربي للسياحة يفتتح مكتبه الإقليمي بأبوظبي    الصراع بين العنصر ومبديع يؤجل تعويض أوزين إلى ما بعد الانتخابات    إخلاء سبيل الزميل الصحافي عادل قرموطي    حصيلة مالية «استثنائية»لمجموعة البنك المغربي للتجارة الخارجية    أرباح البنك المغربي للتجارة الخارجية ترتفع ب58 في المائة    أكادير : وكالة الحوض المائي تفتح سدي أولوز والمختار السوسي أمام إعلاميين وهذه المعطيات الخاصة بالسدين...    العلمي يبرز الفرص المهمة التي يتوفر عليها المغرب في مجال صناعة الطيران    وقفة احتجاجية لموظفي التعليم امام وﻻية اكادير    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حين تصبح الهدية كلفة تهدد الروابط الاجتماعية
نشر في التجديد يوم 22 - 04 - 2008


تهاتفه زوجته أنها لا تستطيع أن تذهب إلى حفل زفاف بنت خالتها صفر اليدين، خاوية الوفاض، لا هدية تليق بالمناسبة، تحملها معها. أتاه صوتها وهو في عمله البسيط سحيقا لا مذاق فيه، فمن أين يأتي لها بمال الهدية، ومدخوله اليومي لا يرقى إلى ثمنها؟! فقرر أن يعود إلى بيته ويمنع زوجته من الذهاب إلى حفل زفاف قريبتها. تطرح هذه المشكلة كثيرا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ـ المغرب نموذجا ـ، حيث يتكلف بعض الناس في تقديم الهدية لأقاربهم في مناسبات اجتماعية أو دينية، وإن لم يجدوا كفوا عن زيارتهم وتسببوا في قطيعة رحم أو فتور علاقة أخوة وصداقة. فلماذا تحدث مثل هذه السلوكيات وما عواقبها؟ وهل من حل يهدي إلى الصواب ومصلحة المجتمع؟ ذلك ما نحاول أن نتعرف عليه من خلال التحقيق التالي: فتور بسبب هدية قد تذعن الزوجة لقرار زوجها، فلا تحضر المناسبة العائلية، وقد تتحداه وتعصي أمره وتكلف زوجها ما لا يطيقه بالاستلاف والقرض وتشتري الهدية المناسبة. وفي الحالتين معا، الخاسر هو السلوكات الاجتماعية السليمة، فإن امتنعت عن الحضور، تسبب عدم توفرها على ما تشتري به هدية قيمة في رسم أولى خطوات قطيعة الرحم، أو على الأقل أول بذور فتور قد يصيب العلاقات بين الأسرتين، وإن ذهبت واقترضت فإنها تكلف زوجها عبئا ماليا قد يؤثر سلبا على ميزانية البيت أو يترك شيئا في نفس الزوج. تقول إحدى الزوجات إنها تضرب أخماسا بأسداس كلما كان هناك حفل زفاف أو عقيقة داخل الأسرة: لا أجد القدرة المالية الكافية لأقتني هدية أدخلها معي، فأعاني كثيرا حتى أتدبر الأمر ولو على حساب ميزانية البيت، غير أن كثيرا ما أمتنع عن الذهاب تحت ذرائع كثيرة، وقد غضبت مني يوما إحدى بنات عمي، فردت لي الصاع صاعين، ولم تحضر هي أيضا حفل عقيقة ابني، وتباعدت المشاعر بيننا نتيجة لذلك، وتطورت إلى برود بين أسرتينا. الهدية الإلزامية ويرى أحد الأنثربولوجيين الفرنسيين موس مارسيل أن: الهدية كغيرها من الظواهر الاجتماعية تعرضت للتغير والتطور، فأصبح لها أشكال عديدة وصور مختلفة ودلالات متعددة؛ إلا أن السمة الغالبة هي وجود صفة الإلزامية فيها. وقد عرف العلماء نوعين أو شكلين من أنواع الهدايا وهما الهدايا الخالصة والهدايا الملزمة. والهدية الإلزامية هي التي تأخذ عنصر الإلزام والإجبار بمعنى أنه يتحتم على الشخص المهدى إليه أن يرد هدية أخرى مماثلة أو بما يساويها في القيمة. ويجعل موس هذه الظاهرة مرتبطة بالمجتمعات البدائية، حيث ظاهرة الإلزام تأخذ فيها ثلاث مظاهر: العطاء والأخذ والرد. أي الالتزام بتقديم الهدايا والالتزام بقبولها والالتزام بردها. ويتجسد الإلزام حتى عندما لا يكون المهدى إليه في حاجة مادية إليها إنما تتضمن بالضرورة نوعاً من الالتزام تفرضه على المهدى إليه وتتطلب منه أن يقوم بردها إما بما يساويها في القيمة وإما بهدية أكبر منها في القيمة. سلوك التهادي أم تهادي السلوك ويجمع أخصائيو الاجتماع أن سلوك التهادي بين الأسر في المناسبات وفي غيرها سلوك اجتماعي نبيل ومحبب، غير أنه إذا صار هذا السلوك العادي هاجسا لدى المُهدي أو المهدى إليه، وخرج عن إطار الاعتياد ليبلغ درجة الضرورة والحاجة الاجتماعية، وتم ربطه بمدى قبول الفرد أو الأسرة لدى الآخر أو الأسرة المستقبلة للهدية، فهو سلوك سلبي حتما، لأنه سيورث علاقات متذبذبة مبنية على الأخذ والعطاء، زيادة على ما يبقى في النفس من أسف أو غيظ إن لم يأت المدعو بالهدية إلى قريبه في مناسبة عزيزة له، غير مقدر ـ هذا القريب ـ لما يمكن أن يكون عليه الحال المالي لقريبه، فتنشأ علاقات أسرية واجتماعية بعيدة عن العفوية في التعامل، وقريبة أكثر من التكلف والتصنع، مثل إحضار هدية بما يمكن أن تكلفه ماديا على المهدي فقط من أجل إرضاء الطرف الثاني، وليس محبة فيه، فيضطر هذا الأخير أن يأتي له بهدية في مناسبة قادمة مثلها، وإن لم يقدم له هدية امتنع هو الآخر عن تقديمها له، وهذا ينافي سلوك التهادي الذي يجب أن يشيع وسط المجتمع بعفوية وصدق دون كذب أو تصنع مزيف، وهذا ما يسمى بتهادي السلوك... مجال للتظاهر وتؤصل الدكتورة سعاد الناصر (داعية وأستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان) موضوع الهدية وتعتبرها: ضرورة هامة من أجل التعبير عن التودد والصداقة والأخوة في العلاقات الاجتماعية، وتمتين أواصر المحبة والمودة فيها، بل قد تكون أحيانا سببا في إذابة الجليد القاسي الذي قد يتكون بين الإخوة والأقارب والمحبين. وفي الحديث النبوي: تهادوا تحابوا إشارة إلى أهمية الهدية ومكانتها وعظيم تأثيرها في القلوب والأرواح، لأنها من أنجع الوسائل التي تنفذ من خلالها إلى قلب الإنسان وروحه. وتردف الناصر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهدية، وأهدى أيضا، وأكد أنها ليست هي الصدقة أو مساعدة المحتاجين، وإنما تعبير مادي عن المودة والمحبة والألفة، أو محاولة كسبها. وتثير الدكتورة سعاد الناصر الانتباه على أنه في المجتمع المغربي، لم يعد للهدية هذا المدلول المعبر عن تمتين العلاقات، وتصفيتها من أي سوء أو ضغينة، وإنما أصبحت مجالا للتظاهر والتكلف بين الأقارب والأصدقاء والأحبة. وتضيف قائلة: هذا أمر خاطئ في اعتقادي لأنه يتسبب في ممارسات أخلاقية سيئة، من مثل التكبر والتظاهر والكذب والنفاق وقطع الرحم، وغيرها من ممارسات يرفضها الشرع ويحرمها. هل الهدية من أجل الاغناء؟ ويعلق العلامة محمد التاويل (من علماء القرويين وأحد كبار علماء المالكية بالمغرب) على أنه لا ينبغي المغالاة في الهدايا، بل يجب أن تكون رمزية، حيث لا يتكلف المهدي فوق طاقته، كما أن المهدى إليه عليه أن لا يحاسب المهدي على قيمة الهدية. ويردف ـ العالم المغربي ـ أن النساء أكثر تأثرا بهذه الأمور، فالمرأة المهدية، لقريبتها أو حتى لجارتها، لا ينبغي أن تستصغر الهدية أو تقلل من شأنها، لأن المقصود بالهدية ليس الاغناء والإثراء، وإذا ما قدمنا الهدية بهذه المعاني السلبية لدخلنا مجال المتاجرة، فلا تبقى للهدية مغزاها الصافي، فإهداء وردة يكفي للتعبير عن شعور إنساني طيب. هدايا رمزية وحملة إعلامية وللأسف ـ يضيف التاويل ـ عندما يُنظَر إلى الهدية بمنظار فيه تكلف وتصنع، وفيه ضرورة منح هدية قيمة وغالية، يصعب على الإنسان قطعا أن يقدم الهدايا، لأن أسعارها ارتفعت كثيرا في مجتمعاتنا، والمداخيل لا توازي ارتفاع المصاريف، لهذا أرى محاربة المغالاة في الهدايا كحل لهذه المعضلة، فذلك يتسبب في قطيعة الرحم وأيضا انتشار الحزازات وتراكم سوء الظن. ويرى محمد التاويل الحل أيضا في حملة تقوم بها وسائل الإعلام والجهات المسؤولة في المجتمع للتعريف بمقاصد الهدية وللدعوة بعدم المغالاة فيها، حتى تتغير المفاهيم الاجتماعية الفاسدة السائدة، وتصبح الهدية على قدر طاقة الإنسان، لا يتكلف في شرائها ولا تقديمها. ومن جهتها، تقترح الدكتورة سعاد الناصر أنه بات من الضروري إعادة النظر في عديد من المفاهيم عندنا، وضبطها بالضابط الشرعي الأخلاقي، المعبر عن مقاصد ديننا الحنيف. وليبدأ الإنسان بنفسه، ويحاول أن يقدم هدايا متعددة في مناسبات كثيرة، لكن رمزية فقط، كي تعبر عما في القلوب من اهتمام بالروح وليس بالجانب المادي. وتردف الناصر بالقول إن الإشكال الذي يحصل في مجتمعاتنا، أن العديد من الناس واعون بالأزمة، وبخطأ بعض العادات والممارسات، لكن ليس هناك من يرفضها ممارسة وليس كلاما فقط. فتظل السلوكات المجانبة للصواب هي السائدة، وتضيع أي دعوة لإصلاحها، وقد آن الأوان أن يبدأ كل إنسان بنفسه، ويتحرى رضا الله عز وجل، آنذاك تذوب وتختفي عديد من مثل هذه المظاهر السيئة.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.