داعش يحدد مهلة جديدة للأردن للإفراج عن ساجدة الريشاوي    تصريحات الحكومة اليونانية تهز الاسواق    أزيد من 15 حالة انتحار في أقل من شهر    رايتس ووتش: قضاة المغرب يزوجون القاصرات بشكل "روتيني"    الكتاني: التمويل الإسلامي يتوفر على إمكانيات كبيرة    الابناك الاسلامية حلم تحقق    وزارة الفلاحة والصيد البحري تنتقد أخنوش لهذا السبب!    هكذا خطط الجزائري الموقوف ببني درار لزعزعة استقرار المغرب. "كود" تكشف المرحلة التي وصلها موفد "جند الخلافة" في تنفيذ مخططه    سيميوني فخور بالنزعة المتمردة للاعبي اتليتيكو    الرجاء تغرم خمس لاعبين لخوضهم مباراة في «ميني فوت»    انتخابات الفيفا: بلاتر قدم ملف ترشحه لولاية خامسة    الممثلة المغربية زينب السمايكي في ذمة الله    أبرز عناوين الصحف الصادرة الوطنية اليوم الخميس    فرنسا تطوي صفحة الخلاف مع المغرب    ادفع 15 مليون دولار بهذا الدواء أو لا حل إلا الموت    الوفا يتوعد الشركات التي أعلنت عن زيادات في أسعار الشاي    «بريد بنك» يطلق «توفير الغد» المخصص للشباب المغاربة    فاجعة..سقوط أربع فتيات في بئر بانزكان"فيديو"    تسجيل هزة أرضية بقوة 3,8 بأكادير    الأمن والتعليم يهيمنان على جدول أعمال مجلس جهة سطات    حصري..أفتاتي يحقق في قضية اقصاء طالبة إرضاء للوزير الشوباني    كوكايين وحشيش وكيف في الدار البيضاء ومطار محمد الخامس    بنكيران يضع آخر اللمسات على التعديل الحكومي وينتظر «حسم الملك»    كرة القدم: "الثعلب" رونار مدرب "الأفيال" يريد مطاردة "ثعالب الصحراء" الجزائريين؟    لامم المتحدة تعلن ان وباء ايبولا "لم يتم تطويقه بعد"    بالفيديو : حقيقة "سجدة" توريس بعد تسجيله لهدف في مرمى "البرصا"    اتفاقية لحماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي في قطاعي التعليم والتكوين المهني    اعتقال سائق بالمحمدية بتهمة محاولة الإرشاء    واشنطن: "لهذا السبب لم تضع ميشيل أوباما غطاء الرأس في السعودية"    15 فيلما طويلا تتنافس على 12 جائزة في المهرجان الوطني بطنجة    عاهلا إسبانيا يزوران الجناح المغربي في المعرض الدولي للسياحة بمدريد 'فيتور 2015'    تندوف .. لجنة مراقبة الميزانية بالبرلمان الأوروبي تحاط علما بقضية تحويل المساعدات    عزيمان: المغرب بلغ مرحلة حاسمة لتحديد مستقبل منظومته التعليمية    قطبي: المغرب يشهد "ثورة ثقافية حقيقية" تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس    مصر تسترد 239 قطعة أثرية من فرنسا    بيل غيتس يتوقع التوصل لعلاج السيدا    «لوليتا» ليست من نسج خيال نابوكوف    العلماء يتمكنون من إبطاء سرعة الضوء    أوربا تستحوذ على أزيد من 70 في المائة من مجموع حركة النقل الجوي التجاري للمطارات المغربية    جيريس على أبواب الرحيل عن السنغال    اليجري يفسر مستوى فريقه في كأس ايطاليا    اسرائيل: تلقينا رسالة من حزب الله بأنه لا يرغب بالمزيد من التصعيد    المفوضية الأوربية: أكثر من 400 ألف مغربي طلبوا تأشيرة شينغن سنة 2013    البرلمان البريطاني يشيد بتجربة المغرب في تكوين الأئمة ومحاربة الإرهاب    بحضور عامل الإقليم فرقة أصايل تحي التراث الفلسطيني بمسرح عفيفي    المغرب يفوز بأربع ميداليات في سباقات الاتحاد الدولي للتزلج    المغرب يدين بشدة الاعتداء الإرهابي الذي استهدف فندقا بالعاصمة الليبية    فساد شعب.. لا رجل أمن    افتتاح التسجيل بالدورة الثانية لمهرجان ابن جرير للسينما    حتى لا نخلق صورة أسطورية عن المرحوم عبد الله بها    ها فلوس الشعب فين مشات. مسؤول روسي طلب غلاف أيفون كايدير 9 مليون ونص ومخدوم بالذهب + صورة الغلاف    حوالي 434 مليون أورو رقم معاملات سوق خدمات المعلوميات في المغرب    الأم السمينة تمنح طفلها دهوناً لا تتوافر عند السيدات الرشيقات    فظيع: أمريكية تقطع أعناق أطفالها الثلاثة لإسكات بكائهم المتواصل    سيرة النبي العطرة منبع نور وهداية‎    شمس النبوة و قمر العقل    الملك يكافئ 10 مصلين صلوا معه الفجر ب"كريمات" و"رحلة حج"    فيديو..وفاة كبير مؤذني الحرمين كامل نجدي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

حين تصبح الهدية كلفة تهدد الروابط الاجتماعية
نشر في التجديد يوم 22 - 04 - 2008


تهاتفه زوجته أنها لا تستطيع أن تذهب إلى حفل زفاف بنت خالتها صفر اليدين، خاوية الوفاض، لا هدية تليق بالمناسبة، تحملها معها. أتاه صوتها وهو في عمله البسيط سحيقا لا مذاق فيه، فمن أين يأتي لها بمال الهدية، ومدخوله اليومي لا يرقى إلى ثمنها؟! فقرر أن يعود إلى بيته ويمنع زوجته من الذهاب إلى حفل زفاف قريبتها. تطرح هذه المشكلة كثيرا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ـ المغرب نموذجا ـ، حيث يتكلف بعض الناس في تقديم الهدية لأقاربهم في مناسبات اجتماعية أو دينية، وإن لم يجدوا كفوا عن زيارتهم وتسببوا في قطيعة رحم أو فتور علاقة أخوة وصداقة. فلماذا تحدث مثل هذه السلوكيات وما عواقبها؟ وهل من حل يهدي إلى الصواب ومصلحة المجتمع؟ ذلك ما نحاول أن نتعرف عليه من خلال التحقيق التالي: فتور بسبب هدية قد تذعن الزوجة لقرار زوجها، فلا تحضر المناسبة العائلية، وقد تتحداه وتعصي أمره وتكلف زوجها ما لا يطيقه بالاستلاف والقرض وتشتري الهدية المناسبة. وفي الحالتين معا، الخاسر هو السلوكات الاجتماعية السليمة، فإن امتنعت عن الحضور، تسبب عدم توفرها على ما تشتري به هدية قيمة في رسم أولى خطوات قطيعة الرحم، أو على الأقل أول بذور فتور قد يصيب العلاقات بين الأسرتين، وإن ذهبت واقترضت فإنها تكلف زوجها عبئا ماليا قد يؤثر سلبا على ميزانية البيت أو يترك شيئا في نفس الزوج. تقول إحدى الزوجات إنها تضرب أخماسا بأسداس كلما كان هناك حفل زفاف أو عقيقة داخل الأسرة: لا أجد القدرة المالية الكافية لأقتني هدية أدخلها معي، فأعاني كثيرا حتى أتدبر الأمر ولو على حساب ميزانية البيت، غير أن كثيرا ما أمتنع عن الذهاب تحت ذرائع كثيرة، وقد غضبت مني يوما إحدى بنات عمي، فردت لي الصاع صاعين، ولم تحضر هي أيضا حفل عقيقة ابني، وتباعدت المشاعر بيننا نتيجة لذلك، وتطورت إلى برود بين أسرتينا. الهدية الإلزامية ويرى أحد الأنثربولوجيين الفرنسيين موس مارسيل أن: الهدية كغيرها من الظواهر الاجتماعية تعرضت للتغير والتطور، فأصبح لها أشكال عديدة وصور مختلفة ودلالات متعددة؛ إلا أن السمة الغالبة هي وجود صفة الإلزامية فيها. وقد عرف العلماء نوعين أو شكلين من أنواع الهدايا وهما الهدايا الخالصة والهدايا الملزمة. والهدية الإلزامية هي التي تأخذ عنصر الإلزام والإجبار بمعنى أنه يتحتم على الشخص المهدى إليه أن يرد هدية أخرى مماثلة أو بما يساويها في القيمة. ويجعل موس هذه الظاهرة مرتبطة بالمجتمعات البدائية، حيث ظاهرة الإلزام تأخذ فيها ثلاث مظاهر: العطاء والأخذ والرد. أي الالتزام بتقديم الهدايا والالتزام بقبولها والالتزام بردها. ويتجسد الإلزام حتى عندما لا يكون المهدى إليه في حاجة مادية إليها إنما تتضمن بالضرورة نوعاً من الالتزام تفرضه على المهدى إليه وتتطلب منه أن يقوم بردها إما بما يساويها في القيمة وإما بهدية أكبر منها في القيمة. سلوك التهادي أم تهادي السلوك ويجمع أخصائيو الاجتماع أن سلوك التهادي بين الأسر في المناسبات وفي غيرها سلوك اجتماعي نبيل ومحبب، غير أنه إذا صار هذا السلوك العادي هاجسا لدى المُهدي أو المهدى إليه، وخرج عن إطار الاعتياد ليبلغ درجة الضرورة والحاجة الاجتماعية، وتم ربطه بمدى قبول الفرد أو الأسرة لدى الآخر أو الأسرة المستقبلة للهدية، فهو سلوك سلبي حتما، لأنه سيورث علاقات متذبذبة مبنية على الأخذ والعطاء، زيادة على ما يبقى في النفس من أسف أو غيظ إن لم يأت المدعو بالهدية إلى قريبه في مناسبة عزيزة له، غير مقدر ـ هذا القريب ـ لما يمكن أن يكون عليه الحال المالي لقريبه، فتنشأ علاقات أسرية واجتماعية بعيدة عن العفوية في التعامل، وقريبة أكثر من التكلف والتصنع، مثل إحضار هدية بما يمكن أن تكلفه ماديا على المهدي فقط من أجل إرضاء الطرف الثاني، وليس محبة فيه، فيضطر هذا الأخير أن يأتي له بهدية في مناسبة قادمة مثلها، وإن لم يقدم له هدية امتنع هو الآخر عن تقديمها له، وهذا ينافي سلوك التهادي الذي يجب أن يشيع وسط المجتمع بعفوية وصدق دون كذب أو تصنع مزيف، وهذا ما يسمى بتهادي السلوك... مجال للتظاهر وتؤصل الدكتورة سعاد الناصر (داعية وأستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان) موضوع الهدية وتعتبرها: ضرورة هامة من أجل التعبير عن التودد والصداقة والأخوة في العلاقات الاجتماعية، وتمتين أواصر المحبة والمودة فيها، بل قد تكون أحيانا سببا في إذابة الجليد القاسي الذي قد يتكون بين الإخوة والأقارب والمحبين. وفي الحديث النبوي: تهادوا تحابوا إشارة إلى أهمية الهدية ومكانتها وعظيم تأثيرها في القلوب والأرواح، لأنها من أنجع الوسائل التي تنفذ من خلالها إلى قلب الإنسان وروحه. وتردف الناصر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهدية، وأهدى أيضا، وأكد أنها ليست هي الصدقة أو مساعدة المحتاجين، وإنما تعبير مادي عن المودة والمحبة والألفة، أو محاولة كسبها. وتثير الدكتورة سعاد الناصر الانتباه على أنه في المجتمع المغربي، لم يعد للهدية هذا المدلول المعبر عن تمتين العلاقات، وتصفيتها من أي سوء أو ضغينة، وإنما أصبحت مجالا للتظاهر والتكلف بين الأقارب والأصدقاء والأحبة. وتضيف قائلة: هذا أمر خاطئ في اعتقادي لأنه يتسبب في ممارسات أخلاقية سيئة، من مثل التكبر والتظاهر والكذب والنفاق وقطع الرحم، وغيرها من ممارسات يرفضها الشرع ويحرمها. هل الهدية من أجل الاغناء؟ ويعلق العلامة محمد التاويل (من علماء القرويين وأحد كبار علماء المالكية بالمغرب) على أنه لا ينبغي المغالاة في الهدايا، بل يجب أن تكون رمزية، حيث لا يتكلف المهدي فوق طاقته، كما أن المهدى إليه عليه أن لا يحاسب المهدي على قيمة الهدية. ويردف ـ العالم المغربي ـ أن النساء أكثر تأثرا بهذه الأمور، فالمرأة المهدية، لقريبتها أو حتى لجارتها، لا ينبغي أن تستصغر الهدية أو تقلل من شأنها، لأن المقصود بالهدية ليس الاغناء والإثراء، وإذا ما قدمنا الهدية بهذه المعاني السلبية لدخلنا مجال المتاجرة، فلا تبقى للهدية مغزاها الصافي، فإهداء وردة يكفي للتعبير عن شعور إنساني طيب. هدايا رمزية وحملة إعلامية وللأسف ـ يضيف التاويل ـ عندما يُنظَر إلى الهدية بمنظار فيه تكلف وتصنع، وفيه ضرورة منح هدية قيمة وغالية، يصعب على الإنسان قطعا أن يقدم الهدايا، لأن أسعارها ارتفعت كثيرا في مجتمعاتنا، والمداخيل لا توازي ارتفاع المصاريف، لهذا أرى محاربة المغالاة في الهدايا كحل لهذه المعضلة، فذلك يتسبب في قطيعة الرحم وأيضا انتشار الحزازات وتراكم سوء الظن. ويرى محمد التاويل الحل أيضا في حملة تقوم بها وسائل الإعلام والجهات المسؤولة في المجتمع للتعريف بمقاصد الهدية وللدعوة بعدم المغالاة فيها، حتى تتغير المفاهيم الاجتماعية الفاسدة السائدة، وتصبح الهدية على قدر طاقة الإنسان، لا يتكلف في شرائها ولا تقديمها. ومن جهتها، تقترح الدكتورة سعاد الناصر أنه بات من الضروري إعادة النظر في عديد من المفاهيم عندنا، وضبطها بالضابط الشرعي الأخلاقي، المعبر عن مقاصد ديننا الحنيف. وليبدأ الإنسان بنفسه، ويحاول أن يقدم هدايا متعددة في مناسبات كثيرة، لكن رمزية فقط، كي تعبر عما في القلوب من اهتمام بالروح وليس بالجانب المادي. وتردف الناصر بالقول إن الإشكال الذي يحصل في مجتمعاتنا، أن العديد من الناس واعون بالأزمة، وبخطأ بعض العادات والممارسات، لكن ليس هناك من يرفضها ممارسة وليس كلاما فقط. فتظل السلوكات المجانبة للصواب هي السائدة، وتضيع أي دعوة لإصلاحها، وقد آن الأوان أن يبدأ كل إنسان بنفسه، ويتحرى رضا الله عز وجل، آنذاك تذوب وتختفي عديد من مثل هذه المظاهر السيئة.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.