حصة مغاربية | أصداء إلغاء تونس حظر زواج المسلمات من غير المسلمين    رئيس لجنة الترشيح للأوسكار: مستوى فيلم عيوش عال والتشكيك فيه يمسني    6.5 مليون سائح اختاروا المغرب منذ مطلع السنة الجارية    لقاء المركزيات النقابية مع رئيس الحكومة بحضور الكاتب العام للاتحاد العام للشغالين بالمغرب    اليوم العالمي للسلام .. صرخة لحشد الدعم لقضايا اللاجئين    الجديدة تستضيف ملتقى للخيول البربرية والعربية    كأس العرش.. إقصاء اتحاد طنجة بعد تعادله مع فرسان دكالة    عامل العرائش يشرف على عملية توزيع ادوات وتجهيزات طبية بالقصر الكبير    تصميم التهيئة بالعرائش بين مصالح لوبي العقار و افلاس المجلس الجماعي    هذه توقعات الحالة الجوية بمنطقة طنجة في أول أيام فصل الخريف    والد الفنان رضوان الوهبي في ذمة الله    اين غاب الدكتور بنحدو رئيس لجنة المالية للمجلس الجماعي للقصر الكبير؟    إلياس العماري يترأس اجتماع لجنة الإشراف والمراقبة للوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بالجهة    دولة خليجية تخصص 2.7 مليارات دولار للترفيه    طرد المواطن القصري من الرصيف    عملية ترقب وترصد تقود الى توقيف تاجر مخدرات    كلها يلغي بلغاه … إنشاء جامعة بمدينة القصر الكبير نموذجا    انطلاق الدورة الخامسة من مهرجان أوربا الشرق للفيلم الوثائقي وسط تطلعات كبيرة    منخرطو الرجاء يفرضون على حسبان تاريخا محددا لعقد الجمع العام الاستثنائي    معتقلو حراك الريف: لا ثقة في حقوقيي المخزن !    فضيحة: رغم انتهاء الترخيص نافذون بالناظور يستغلون مقالع الرمال برأس الماء    موريتانيا تعاكس المغرب وتسرع من تقاربها من البوليساريو    ميسي يحقق رقما قياسيا في مشواره الكروي    النجم المصري "هندي" يحضر للجزء الثاني من "صعيدي في الجامعة الأمريكية "    تنظيم ندوة بالناظور لتشخيص التجربة المسرحية بالريف    الذاكرة الأدبية العدد السابع عشر    أمزيان وثاومات تنظمان حفل توقيع ديوان أمازيغي من تقديم أساتذة باحثين    الدفاع الجديدي يتجاوز اتحاد طنجة ويتأهل لربع نهائي كأس العرش    "واتساب" يتيح ميزةً جديدةً لإدارة مساحة التخزين    بيتيس يهزم ريال مدريد في الدوري الإسباني ويحرمه من رقم تاريخي    استفتاء كاتالونيا: برشلونة يدين أي عمل يعيق "حق التقرير"    مجلة أمريكية: المغرب بقيادة الملك برز كبلد رائد في مكافحة الإرهاب    هذه هي الأهداف وراء اعتزام المغرب إطلاق هذا القمر الصناعي    وزارة الصحة تقدم توضيحات حول دواء "HERTRAZ Trastuzumab "    مدرب باريس سان جيرمان: هذا اللاعب هو "الخيار الأول"    إيمِيتْكْ بين البُستان والإزعاج    معاملات تأمين الوفاء ترتفع بنسبة قياسية في 2017    منظمة الصحة العالمية.. المغاربة ضمن الشعوب الأطول عمرا بشمال افريقيا    انعقاد الدورة السادسة للمهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة    الاتحاد العام للمقاولات يطالب حكومة العثماني بتسديد مبلغ 30 مليار    « ريان آير » الايرلندية: لهذا ألغينا رحلاتنا إلى المغرب    منظمة الصحة العالمية تحذر من فقدان فعالية المضادات الحيوية الجديدة    غمارة الكبرى " ومولاي علي بن راشد    أزمة "لا سامير" في طريقها إلى الحل    رسميا هدا هو الملعب الذي سيستقبل فيه فريق الوداد فريق صن داونز    ماكرون: الأسد لا يقتل الفرنسيين بل الإرهابيين    اعتقال شخصين آخرين على علاقة باعتداء مترو لندن    فولكسفاغن تخطط لطرح سيارات كهربائية لكل طرازاتها بحلول 2030    بالأرقام الرسمية .. التقسيم المختل للثروة    المغربي ''مُدمر'' لذاته ومجتمعه ودينه    مهرجان أوروبا الشرق: تكريم المخرج الهولندي "هوف" والناقد السينمائي "الدامون"    زلزال يضرب نيوزيلندا ويعطل قطارات العاصمة    نفاد مخزون حقن الأنسولين من الصيدليات من المسؤول؟    المغرب يترأس جلسة في إطار النقاش العام للجمعية العامة للأمم المتحدة    الحيوانات الأليفة تحد من إصابة الأطفال بالربو    نصائح للحفاظ على طلاء السيارة    كردستان تعيد حر ب صفين    "الإعجاز العلمي" يجمع الفزازي بمسيحي مغربي في مناظرة على الهواء (فيديو)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قصة قصيرة: طيف ملائكي
نشر في بيان اليوم يوم 03 - 10 - 2010

الحائط المطلي هو الحائط، والنافذة المشرعة تغالب أصوات المارة المرتفعة ككرنفال حاشد، والغرفة المكعبة الغائرة في فوضى ثيابها الشاحبة المغبرة، ودفة الباب التي تحمل على ظهرها ملابس قد طالها النسيان، والستار المنسدل كأوراق الخريف، نصفه المطرز معلق والآخر يتأرجح كعنقود العنب أيام الخير والحبور، يحادي حصير «السطوان» الغير مزلج، وسط الدار الشاحب طلاؤها، وما خلفته عوامل الرطوبة من بقع على السقف، تشبه في شكلها الدائري برك المدينة المنتشرة على مر الطريق، وسجادة الصلاة الحمراء المزركشة المطوية على كرسي المكتب بعناية، والنباتات الموردة من البلاستيك تتسلق الجدران، وبلغة العرس الصفراء جنب حذائها الأسود الملمع، والحقيبة اليدوية تتدلى من على المشجب الشاخص كصليب الكنائس، و(حنان) في استلقائها شاردة ممددة تنظر إلى جدران حجرتها الباردة، تتأملها في صمت وخشوع، تذرف الدموع ثم تتبسم كملاك أسطوري، راسمة في مخيلتها صورا مرمرية لطَيفها الضائع، كأنها لم تَحتم تحت دفئها من هبوب الصقيع ودخان معمل الأرز، وحمأة الظهيرة، كأنها لم تعش فيها هناء الطفولة ودغدغات الحلم المزيف.
على الطاولة الحديدية رزمة من ملابس الغسيل مرمية فوق آلة الخياطة الكهربائية في انتظار طيها أوكيها، وعلى يمين الخزانة الخشبية المزينة آيات من الذكر الحكيم منمنمة على ثوب أخضر لامع.
تتقلب ببطء ودلال، ثم تتمدد، تتنفس همسا، تزفر بغيظ، تزيح عن جسدها النحيف الملاءة المتوارية بين ثناياها، شاردة تتمعن، لعلها تبحت بجد عن بؤرة للعزاء تنسيها عناء اللحظات، تفصلها عن حاضرها المرير.
دوما يغمرها الإحساس بأن الانتظار موت بطيء، انبعاث للركون والهوان، انتحار للنفس، سلوك نزق يربك أفق التمني والأحلام، كم تستهويها هذه الكلمة: (الأحلام)، تتساءل كيف يتبخر الحلم ويذوب كحفنة ملح؟!
تسحب هزال جسدها إلى شرفة البيت، تفتح نصفها المتكسر فتلذغها هبات نسيم منعش، تتنفس بعمق، ترفع عينيها الذابلتين، ترى السماء في عنفوانها تنذر بليلة ممطرة، تخفض جفنيها في تثاقل وعياء فتصطدم بركام النفايات المتناثرة على الإسفلت المحفور منذ الانتخابات الفائتة.
عند مفترق الطرق الذي يبدو كمتاهة العابر بلا هوية ولا انتماء، تشيح بوجهها المكتنز لتختلس نظرة عجلى جهة رأس الدرب، لتتمعن في مشهد عاشق مرتعش يعاكس فتاة أمام الملأ، تتورد وجنتاها، تخفي لهفتها المكبوتة، ترتمي على سريرها الشاحب منكسرة، تضع بين يديها غليان رأسها تريد أن تنام أو تغفو، لعل النوم ينقذها من براثن هذا الأسى تثبت ذبول وجهها في زوايا الغرفة، تلتهب أعماقُها، تناجي أحلامها التائهة تتجه صوب المرآة فتنفش شعرها، وتخضب وجهها، ثم تبكي، قبل أن تخبو تماما..
تذكره كلما لملمت انشطار ماضيها الموغل في دوامة الحيرة والأوهام، حينما عاد قبل رحيله يشتاط غضبا مساء ليلة مشؤومة، لم تر بهجة النور بعدها، لم يلق السلام، ولم يداعب أرجوحة الوليد المنتظر، كان يسرع الخطو إلى غرفة النوم ويوصد الباب خلفه ثم يغط في نومه، كانت ترمقه والفزع يراقص قلبها المنفرط، أراد أن يفرج عن ضجره ويكشف مكنون حزنه، غير أن الحروف استعصت وانحبست داخل جوفه كنقطة ماء بعد ظمأ، رفع وجهه المعتصر ليبدد مخاوفها رأفة بها، لكن الدموع كانت أقوى من أن تعود إلى محاجرها أو تقاوم، سألته مندهشة و الذهول يكتنف ملامحها: - «ما بك يا عبد الحميد. أراك على غير عادتك . ما بك أيها الزوج الحبيب. لقد أخفتني ؟!» غالبته سحابة كثيفة من دموع سائبة ساخنة، لم يتمالك نفسه، كطفل ارتمى في أحضانها يندب تعاسة حظه ويتمتم:
- «قلت لك لن تكوني زوجة سعيدة معي فالحظ العاثر يتعقبني. يلازمني. يترصدني.
ثم ارتفعت نبرة صوته:
- «كم مرة هممت لأرحل عن هذه البلاد. لماذا لم تتركيني وشأني؟ لماذا. ها النتيجة. قد قد رفضوني من العمل.»
لم تستوعب كلامه فأكمل مزبدا والشرر يتطاير من وجهه:
- «أبناء الكلاب. أرادوا أن أشاركهم وقاحتهم. وعندما رفضت. (يقهقه بهستيرية). أبناء الزنا، أستغفر الله العظيم. وعندما رفضت، لفقوا لي تهمة الرشوة والتزوير. حسبي الله ونعم الوكيل.
لكنني لست لصا حتى أقعد بينهم، وليس أبي وزيرا أو برلمانيا حتى أقايضهم. أولاد الحرام.»
وفجأة تملص منها ووقف حتى بدا كطود عظيم معلنا بحروف متقطعة لا تبرح حلقه المبحوح:
- «سامحيني لن أقرفص جنبك أولول كالنسوان. سوف. سوف أرحل. نعم لقد قررت. وداعا».
كم مر على فقدانه؟!
- «العمر كله»
تجيب نفسها والحجرة في شحوبها قابعة تتبخر، كم أحسست بألمه وانكساره، وحدها الآن تجوب شوارع المدينة المتعفرة، تبحث بين الدروب عن سرابه الهيولي، تتجرد من ضجيجها إلى لغة الصمت، تقود أشجانها إلى هاوية سحيقة، تردد حائرة سؤالها المرعب:
- «من أنا دونك؟!»
تجر أذيال خيبتها إلى ضفاف الشاطئ، تخط على فتات الرمال المبللة لهيبها المتأجج، تستحضر كلامه:
- «ليت لي عصا موسى حتى أشق في هذا البحر طريقا يوصلني إلى الضفة الأخرى. أريد أن أحقق ما أحلم به. أنظري هناك. أترين الأفق الرحب، هناك، حيث تغيب الشمس لتشرق مرة أخرى، فثمة السعادة. ثمة الحياة صدقيني. هناك!
تجري مسرعة. تخور قواها، تشم على التراب موطئ أقدامها، من هنا مرا يلامسان عبق الصخور، هنا التقيا أول مرة، هنا جلسا يتعاهدان، كلما اشتبكت أيديهما بعناق أبدي، تنهض وتجري في كل اتجاه، كمن أصابها مس، تقترب من الأمواج، تبلل شعرها المتفحم، والأفق يتلألأ أمامها، يغريها، تنظر وراءها حيث المباني كأشباح الظلام، تخطو، والموج يريد أن يلفظها من جوفه، لكنها صممت، وتصرخ:
- «انتظرني يا عبد الحميد. لن تخوض المستحيل وحدك. قد تواعدنا أتذكر. يا عبد الحميد. يا عبد..».
تخطو، ترتمي، تغوص في لجج الماء المتلاطم كفراشة تذروها الرياح، والبحر يمتد ثم يتراجع في سمفونية متناغمة، والطيف على التراب لا يزال منحوتا لم تبتلعه الأمواج.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.