إرساء المنظومة الصناعية "بوينغ" يجسد الانتقال إلى "عهد جديد" في الطيران    بتعليمات ملكية.. المغرب يمنح مساعدات إنسانية هامة لبوركينافاسو    زيدان يعترف: ريال مدريد فريق "محطم"    مباراتان وديتان لمنتخب الرديف    فضيحة فساد كبرى تضرب الكرة الإنجليزية    طنجة أصيلة.. نحو 209 ألف تلميذ وتلميذة مسجلون بمختلف الأسلاك برسم الموسم الدراسي الحالي    عائلة هجمات على البوليس فكازا لتخليص بزناز من قبضتهم والأمن يطلق الرصاص    حجز أزيد من 330 سلحفاة مهربة من المغرب    استحقاقات 7 أكتوبر.. الداخلية تحث العمال والولاة على تيسير عملية التصويت للأشخاص ذوي الإعاقة    الملك يوقع على بروتوكول اتفاق لإحداث منظومة صناعية لمجموعة "بوينغ" بالمغرب    ربنا أخرجنا من النفق وخلصنا من النفاق    الأسود قد تعصف بهم القرعة في مجموعة الموت…؟    الحسن شلاغم وكيل لائحة اشتوكة ايت باها .. برنامجنا المحلي يستمد مضمونه من المعاناة المستمرة لساكنة الإقليم من السياسة الحكومية اللاشعبية واللادستورية    وفاة الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز    أوباما ينعى الرئيس الاسرائيلي بيريز    اسم وخبر .. باكوري : رفع حصة الطاقات المتجددة من المزيج الكهربائي الوطني إلى 42 بالمئة    صادم.. العثور على جثة شخص توفي في ظروف غامضة وسط مدينة بني نصار    أجواء مشمسة بجهات المملكة اليوم 28 شتنبر 2016    براد بيت يغيب عن العرض الأول لفيلم بسبب "العائلة"    بالريفية.. أحمد زاهيد الضيف الثاني لبرنامج " هاته أم تلك" على القناة الإلكترونية ريف تي في    فتوى وقف الاحتجاجات تثير غضب التونسيين    مقلوبة الزهرة مع الدجاج    توتنهام يهزم سسكا موسكو بهدف وليفركوزن يتعادل مع موناكو    وجدة تحتضن الدورة الثانية للمهرجان الوطني لفيلم الهواة    جيهان خليل تتعاقد على أول أفلامها السينمائية في مصر    السكتيوي: افتقدنا لجمهور الفريق أمام ال FAR وقرارات البرمجة غير مفهومة‎    سيميوني : سأراهن على هذا اللاعب أمام بايرن ميونيخ    بياناتك الشخصية لن تذهب بعد حذفها من هاتفك الخاص    بعثة إستكشافية تستعرض تجربة ميناء طنجة المتوسط أمام مسؤولي مصر    84 مليونا شاهدوا مناظرة كلينتون-ترامب على شاشات التلفزيون الأمريكية    جولة في صحف أوروبا الشرقية الصادرة اليوم    اقتراع 7 أكتوبر.. التجمعات الانتخابية للأحزاب السياسية تضفي صبغة جهوية على انطلاقة الحملة الانتخابية    أ ف ب: اتفاق بين المغرب وبوينغ لتوطين منظومة صناعية لها على أراضيه    لعرب مادايرينش فهاد الدراسة. آش هي الدول لي بناتها كيفقدو العذرية صغارات    اوباما يعين أول سفير للولايات المتحدة لدى كوبا منذ أكثر من 5 عقود    التوقيع على الاتفاق النهائي والشامل للسلام في كولومبيا يفتح عهدا جديدا من السلم و المصالحة    الهيني: استدعاء العلمي لبوانو قانوني ويجب على الأخير التحلي بالوقار واحترام البرلمان    وفاة الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز    الهاتف الذكي في الفراش.. عدوّ صامت    هكذا قتلت عائلة تركية ابنتها وأخفت عظامها في المطبخ    بنكيران: الملك من يحكم البلاد .. وعلاقتنا بالقصر "غير متوترة"    5 حقائق قد تفاجئك عن قلبك    هذه الأمراض الخمسة هي السبب وراء الإرهاق الدائم    لماذا هناك عزوف عن التصويت    الشاكير يُثير التساؤلات بطريقة احتفاله بهدفه    "قبل فوات الأوان" يمثل المغرب في مسابقة عالمية حول أفلام البيئة    على مسؤوليتي 19 الأحزاب المخزنية و النفاق الاجتماعي في حملتهم الانتخابية    "مضطرب عقليا" يقتل 12 شخصا بقنبلتين يدويتين في زفاف ابنته    دراسة: المشي وركوب الدراجات 4 ساعات أسبوعياً يحسّن صحة كبار السن    المصلي: البيجيدي صالح المواطن مع السياسة وهذا ما أزعج أصحاب المصالح    الحر بالغمزة.. خطبة القيامة    ارتباك بمطار أكادير بعد وصول الفوج الأول من الحجاج    شالة تختتم مهرجانها الموسيقي على إيقاعات الجاز والفلامينكو    ديننا القَيِّم .. يُسرق منَّا    تكريم بشرى أهريش بمهرجان سلا الدولي العاشر لفيلم المرأة    البي جي دي: الفتوى في خدمة التصويت. بولوز: دار فتوى فيها التصويت اهم من صلاة الجمعة واكنوش يرد: علاش تخليو بحال هادا ينوض يفتي وحيدو الجمعة    الجوق الفيلارموني للمغرب يقدم بباريس سلسلة حفلاته الجديدة تحت شعار « انسجام الاديان «    فنانون منسيون ..نعيمة سميح اختفت أمام موجة الاغنية المغربية الحديثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





درس الفلسفة بالمغرب... كل شيء إلا الفلسفة
نشر في هسبريس يوم 20 - 11 - 2009

يقول الفيلسوف الكبير برتراند راسل: "الفلاسفة نتائج وأسباب، إنهم نتائج ظروفهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهم أسباب لتغييرها إن أسعفتهم الظروف". ""
إن أول ما يمكن أن نستخلصه من هذه الفكرة هو أن الفلسفة، بشكل عام، ودرس الفلسفة، بشكل خاص، لم يعيشا بمنأى عن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية سواء ميزها الصراع والتوتر أو التوافق والهدوء. و«القراءة المتأنية التجربة المغربية نموذجا» بينت أن الفلسفة كانت دائما تتغدى على الصراع أو على الأقل تتأثر به.
ومن أمثلة هذه الصراعات، على سبيل المثال لا الحصر، ذلك الصراع الإيديولوجي بين الفكر الرأسمالي والاشتراكي والذي كانت له تداعيات كبرى على التربية وبالخصوص على الاختيارات الرسمية المتعلقة بها بشكل عام وبدرس الفلسفة على نحو محدد، خصوصا أن هذا الأخير شكل المجال الخصب الذي احتضن هذا الصراع.
وإذا كانت القراءات التاريخية تذهب في مجملها إلى أن الدرس الفلسفي في المغرب كان ناجحا في الفترة الممتدة بين السبعينيات ومنتصف الثمانينيات مقابل تراجعه الآن -مع ما يلزم من تحفظ إزاء هذا الحكم – فإننا نتساءل: ما هي طبيعة التحولات والانتقالات النوعية التي مر منها درس الفلسفة في المغرب وشكلت نتائج مباشرة أو غير مباشرة لهذا الصراع؟ أو بعبارة أخرى: ما هي انعكاسات هذا الصراع على اختيارات المسؤولين في التربية والتعليم؟ وما مدى مصداقية النزعة المصرة على كشف أوجه التمايز بين درس الفلسفة بالأمس واليوم؟
إننا، في الواقع، أمام سيل من الأسئلة تصب جميعها في اتجاه التفكير في الدرس الفلسفي في الثانوي، من حيث هو مشهد توجهه وتعمل داخله مجموعة من الصراعات الكامنة نعتبرها مدخلا من بين مداخل أخرى ممكنة للانخراط في لحظة نقدية ضرورية لفك هذه الثنايا المعقدة لما نسميه اليوم بالخلل أو الأزمة، ونقصد بالتحديد أزمة درس الفلسفة.
هذه الأزمة التي يمكن تكثيف دلالاتها في الصراع التقليدي بين الفلسفة والمؤسسة. على أننا سنبني هذا الطرح من خلال رصد لحظات عطالة هذا الطرف أو ذاك أو سيادة أحدهما على الآخر.
اليوم، يصارع الدرس الفلسفي من أجل العودة إلى الفلسفة لأنه بات قريبا من كل شيء ويشبه كل شيء إلا الفلسفة وتصارع المؤسسة من أجل تدجين هذا الدرس ولجمه. فكثيرا ما وصفت الفلسفة بالمشاغبة والكائن الذي يصطاد في مياه الصراع... فهذا نيتشه أصبح فيلسوفا عظيما في تاريخ الفلسفة في ظل صراعه الكبير مع الأنساق والأصنام الفكرية والمرض... وهذا سقراط الحكيم يبدع في ظل الصراع القوي مع السلطة، صراع امتد حتى لحظة الموت البطولي... وهذا ابن رشد يصارع جهل وظلم المؤسسة الدينية التقليدية والسلطة الحاكمة...
ولم يكن درس الفلسفة في المغرب بعيدا عن السير على نفس الصراط الحارق فهو الذي عاش على إيقاع الاحتقان بين التيارات السلفية والتقدمية بعيد الاستقلال والتي تمخض عنها قرار التعريب الذي كان جسدا معاقا، لأن فعل التعريب، وهو لعمري قرار مراهق، لم يكن ناضجا بما يكفي ولم يوازه قرار آخر علمي أو أدبي بضرورة الترجمة.
بعد ذلك عاش الدرس الفلسفي في المغرب على إيقاع الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي والذي كانت له في البداية آثار إيجابية لأنه جعل من الأستاذ مثقفا مناضلا وفاعلا مستعدا لجعل قسمه مجالا خصبا للتفكير النقدي، محطما بذلك الجدار الرابع بين الفصل والواقع، منزلا الفلسفة من السماء إلى الأرض. ولما كانت هذه الأرض عاقة وقاصرة بالمعنى الذي يعطيه كانط للقصور في مقال «ما التنوير»؟ فإن الفلسفة ومن هنا باتت توصف بالمادة المشاغبة لم تسلم من تحرشات المؤسسة – الدولة– (إغلاق معهد السوسيولوجيا + حذف شعبة الفلسفة واستبدالها بشعبة الدراسات الإسلامية...)
غالبا ما تذهب التحاليل إلى اعتبار الدرس الفلسفي في هذه المرحلة ناجحا، وهي تحليلات وقراءات مفعمة بالنوستالجيا والحنين الذي يمكن أن يجعلنا نغفل عن كثير من الاختلالات التي شابت الدرس الفلسفي آنذاك. فإن كان منبع الدرس الفلسفي حينها ومصبه هو الفلسفة فإنها كانت فلسفة بعينها وعندما ننتقي فلسفة بعينها –وكانت حينها الفلسفة الماركسية– تنسحب الفلسفة والتفكير الحر لحساب الإيديولوجيا. وهذه نحسبها علة من علل الدرس الفلسفي بالمغرب الذي كان ناجحا لأنه جسد مقولة راسل السابقة ولكنه لم يستطع إيجاد سبل العودة إلى الفلسفة أو لنقل إنه تأخر في العودة إلى الفلسفة قبل أن يفقدها الآن.
وبسقوط جدار برلين وانتصار المعسكر الرأسمالي وتغير خريطة القيم الكونية بأفول قيم الاشتراكية وبروز قيم الجودة والمردودية والفردانية وبالتالي ابتعاد درس الفلسفة عن الفلسفة مرة أخرى وارتباطه بمفاهيم اقتصاد السوق، سوسيولوجيا الشغل وصناعة التربية سيعرف الدرس الفلسفي تحولات كثيرة ...
فكان ظهور المنهاج، ومنهاج الفلسفة بالتحديد ومسارات التحايل التي واكبته، تكريسا أو وجها من أوجه الصراع بين الفلسفة والمؤسسة وابتعاد الدرس عن الفلسفة واعتماد الكتب المدرسية المؤلفة من طرف اللجان الوزارية المشتركة (من 1996 إلى 1999)، بالإضافة إلى التغييرات المتوالية للاختيارات التربوية في مجال المضامين والمنهجيات «من الأهداف إلى الكفايات» مما نتجت عنه آثار جديدة على درس الفلسفة في اتجاه تسريع وتيرة مأسسته وتدجينه.
لقد كان المنهاج وسيلة لاستدماج أو استدخال قاموس السوق داخل الحقل التربوي كمفاهيم الانتاجية والجودة والفعالية والمشروع... ثم المراهنة على التلميذ الفرد قبل الإنسان «الفردانية» ومن تم النزعات الديداكتيكية «الأهداف والكفايات»، وبالتالي جعل درس الفلسفة مختبرا للتمهير عوض التفكير. ليصبح الدرس الفلسفي اليوم منشغلا بسؤال التعليم وخلق توافق بالقوة والفعل بين تصور المدرسين للفلسفة والتصور المؤسسي «الفلسفة والمؤسسة».
إن قياس درجة حرارة التناقض لا يبلغ درجة الاعتراض على سؤال الفائدة والحاجة إلى الفلسفة وإلى درس الفلسفة، لأن أيا من الطرفين لا ينكر أن الفلسفة حاملة للقيم التي هي بالتأكيد اليوم قيم إنسانية جديدة. ولكن السؤال ماذا تبقى من درس الفلسفة أما الحضور الوازن للمؤسسة ... ضد من يتم التمرد اليوم؟
بقي فقط أن نشير إلى أن هذا الموضوع لا يدعي كشفه لكل مناطق التماس بين درس الفلسفة والمؤسسة وفكرة الصراع. ونكتفي هنا بطرح مجموعة من الأسئلة علها تكون مدخلا لنقاش موسع وأكثر مردودية: ألا يعتبر فشل درس الفلسفة اليوم –وليس ضروريا أن نقارنه بالأمس كزمن افتراضي للنجاح– فشلا لاختيارات معينة؟ أوليست هذه الأخيرة وليدة قيم معينة أو مرتبطة بها؟ وما مصدر القيم، أليس المجتمع؟ وعن أي مجتمع نتحدث اليوم؟ أليست أزمة درس الفلسفة في الحقيقة أزمة قيم وبالتالي أزمة مجتمع؟
أليس الركوض وراء النزعات البيداغوجوية وراء كل ذلك؟ ألا يشبه التقدم باندفاع نحوها، اليوم، الاندفاع نحو الإيديولوجيا بالأمس؟ كيف يمكن إذن التوفيق بين متطلبات درس الفلسفة من حرية ونقد وتفكير ومتطلبات المؤسسة؟
*أستاذ مادة الفلسفة وباحث في سيميائيات الصورة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.