رسمياً: وفاة زعيم "جبهة البوليساريو" الوهمية    نجاح باهر للإضراب الوطني العام في الإدارات العمومية والجماعات المحلية والنقابات تعلن عن تفاصيل البرنامج النضالي للتنسيق النقابي للفترة المقبلة    ديمقراطية... دِ ...دِ...دِ... ديمقراطية    القصر الملكي ينفي خبر ازدياد مولود أو مولودة لدى الأمير مولاي رشيد    من يكون المخرج المغربي الذي منعه مصر من دخول من أراضيها؟    منتخب الكرة الشاطئية يكتفي بالمركز الثاني بالبطولة العربية    أبرون : سنبيع هذين اللاعبين لفريق الوداد الرياضي    "رونار" يُهدد بْنعطية والعَربي بِسبب الشِّيشة!    هكذا مرت أولى جلسات محاكمة ليونيل ميسي بتهمة التهرب الضريبي    المحكمة تدين بدر هاري في قضية الاعتداء على نادل    الصديقي: الرفيق الذي ضل الطريق !    عادل بامعروف يضع ترشيحه لخلافة بودريقة عشية اليوم    انتبهوا : طقس حار بهذه المناطق بالمغرب    مرصد حقوقي كينبه المغرب. حضيو سبتة لي عامرة سلاح راه يقدر يدخلينا من تماك وها كيفاش    فلكيا.. هذا أول ايام رمضان المبارك    هيفتي يكشف أن لاعبي الدوري المغربي يُعانون مشاكل في القلب    اطلاق خط جوي يربط بين بروكسيل والحسيمة    نتانياهو يتحالف مع اليمين المتطرف لتشكيل الحكومة    بني حذيفة.. جماعة خارج التاريخ، لا صحة، لا طرق، ولا تنمية .    بعدما هاجمتها ..بوطازوت تطالب خولة بتعويض مالي يصل إلى 80 مليون سنتيم    المسرحية الريفية "بيريكولا" تتألق في عرضها الأول بالحسيمة    ملكة جمال تركيا السابقة بالسجن.. ما علاقة اردوغان بذلك؟!    2510 مهاجرين قضوا واكثر من 200 الف وصلوا الى اوروبا عبر المتوسط هذه السنة    شخص يضرم النيران في جسده وسيارته لهذا السبب    أبو درار يؤكد ضرورة الوصول إلى المعلومة لمحاربة الفساد‎    روبرت جوي: المغرب يبرهن لباقي الدول أن العيش المشترك ممكن    جد هام .. مطالب بافتحاص مالية عدد من الجمعيات و المؤسسات بالناظور    وزارة الثقافة تكشف عن قيمة الدعم المخصص للنشر والكتاب في 2016    الماجيدي يحاول الحجز على أموال العلمي صاحب مجلة "مغرب اليوم"    هذه أهم القرارت لجذب 100 ألف سائح صيني للمغرب بحلول 2020    رسميا: رويس يغيب عن نهائيات اليورو    أكادير: الإقبال على المنتوجات المحلية والبحث العلمي يميزان معرض الفلاحة    "نداء ترانغ" لهشام الركراكي يفوز بجائزة الفيلم القصير الوطني    برقاد يطالب بتجديد وتمييز الوجهة السياحية المغربيّة لمواجهة المنافسة    مكتب دراسات أجنبية: المغرب يمكن أن يستفيد من سياحة كبار السن والسياحة الطبية    دراسة أمريكية : المغرب رائد في مجال صيد سمك السردين    المندوبية السامية للتخطيط: المغرب تمكن من القضاء على الفقر المدقع    تقرير: العدد الهائل لمغاربة يعانون من العبودية    السجن مدى الحياة للرئيس التشادي السابق حسين حبري    دراسة: الطماطم تعالج ارتفاع الكولسترول وتحمي من الأزمات القلبية    أفضل الطرق للإقلاع عن التدخين    وزارة الصناعة والتجارة تجدد نظام مراقبة المنتوجات الصناعية عند الاستيراد    توقيف مفتش شرطة بطنجة يشتبه أنه تورط في قضية تزوير    ليبيا تحت مقصلة تدخل حلف الناتو.. هذه المرة تحت غطاء محاربة الإرهاب.. بقلم // عمر نجيب    الدوزي يتفوق على لمجرد    عشر معلومات عليك حذفها من حسابك على الفيسبوك    أحلام تعتزل الغناء في رمضان وتتفرغ للأناشيد الدينية    دعوات لتمويل صناعة الدواء لمواجهة "البكتيريا الكابوس"    ميركل تدين تصريحا عنصريا ضد بواتينغ    وصفة رائعة من البن لتقشير الجسم.. جربيها    ماجدة البارودي: نحن بأمس الحاجة إلى كل فن مميز وهادف خاصة بعد أن إنجرف الكثير من شبابنا وراء فن لا قيمة أخلاقية له    عابدين "الحزين" .. نسمات وترية توقظ الوجدان و الأحاسيس    قافلة طبية تحط الرحال بأفورار والساكنة تحتج على حرمانها من خدماتها    اتهام نقيب الصحفيين المصريين بإيواء صحفيين مطلوبين    تهافت مزاعم ناشيد حول القرآن    تهافت مزاعم ناشيد حول القرآن    إيران لن ترسل حجاجا الى مكة المكرمة وتلقي اللوم على الرياض    مستشار شيخ الأزهر: هنيئا للمغاربة بإمارة المؤمنين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





درس الفلسفة بالمغرب... كل شيء إلا الفلسفة
نشر في هسبريس يوم 20 - 11 - 2009

يقول الفيلسوف الكبير برتراند راسل: "الفلاسفة نتائج وأسباب، إنهم نتائج ظروفهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهم أسباب لتغييرها إن أسعفتهم الظروف". ""
إن أول ما يمكن أن نستخلصه من هذه الفكرة هو أن الفلسفة، بشكل عام، ودرس الفلسفة، بشكل خاص، لم يعيشا بمنأى عن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية سواء ميزها الصراع والتوتر أو التوافق والهدوء. و«القراءة المتأنية التجربة المغربية نموذجا» بينت أن الفلسفة كانت دائما تتغدى على الصراع أو على الأقل تتأثر به.
ومن أمثلة هذه الصراعات، على سبيل المثال لا الحصر، ذلك الصراع الإيديولوجي بين الفكر الرأسمالي والاشتراكي والذي كانت له تداعيات كبرى على التربية وبالخصوص على الاختيارات الرسمية المتعلقة بها بشكل عام وبدرس الفلسفة على نحو محدد، خصوصا أن هذا الأخير شكل المجال الخصب الذي احتضن هذا الصراع.
وإذا كانت القراءات التاريخية تذهب في مجملها إلى أن الدرس الفلسفي في المغرب كان ناجحا في الفترة الممتدة بين السبعينيات ومنتصف الثمانينيات مقابل تراجعه الآن -مع ما يلزم من تحفظ إزاء هذا الحكم – فإننا نتساءل: ما هي طبيعة التحولات والانتقالات النوعية التي مر منها درس الفلسفة في المغرب وشكلت نتائج مباشرة أو غير مباشرة لهذا الصراع؟ أو بعبارة أخرى: ما هي انعكاسات هذا الصراع على اختيارات المسؤولين في التربية والتعليم؟ وما مدى مصداقية النزعة المصرة على كشف أوجه التمايز بين درس الفلسفة بالأمس واليوم؟
إننا، في الواقع، أمام سيل من الأسئلة تصب جميعها في اتجاه التفكير في الدرس الفلسفي في الثانوي، من حيث هو مشهد توجهه وتعمل داخله مجموعة من الصراعات الكامنة نعتبرها مدخلا من بين مداخل أخرى ممكنة للانخراط في لحظة نقدية ضرورية لفك هذه الثنايا المعقدة لما نسميه اليوم بالخلل أو الأزمة، ونقصد بالتحديد أزمة درس الفلسفة.
هذه الأزمة التي يمكن تكثيف دلالاتها في الصراع التقليدي بين الفلسفة والمؤسسة. على أننا سنبني هذا الطرح من خلال رصد لحظات عطالة هذا الطرف أو ذاك أو سيادة أحدهما على الآخر.
اليوم، يصارع الدرس الفلسفي من أجل العودة إلى الفلسفة لأنه بات قريبا من كل شيء ويشبه كل شيء إلا الفلسفة وتصارع المؤسسة من أجل تدجين هذا الدرس ولجمه. فكثيرا ما وصفت الفلسفة بالمشاغبة والكائن الذي يصطاد في مياه الصراع... فهذا نيتشه أصبح فيلسوفا عظيما في تاريخ الفلسفة في ظل صراعه الكبير مع الأنساق والأصنام الفكرية والمرض... وهذا سقراط الحكيم يبدع في ظل الصراع القوي مع السلطة، صراع امتد حتى لحظة الموت البطولي... وهذا ابن رشد يصارع جهل وظلم المؤسسة الدينية التقليدية والسلطة الحاكمة...
ولم يكن درس الفلسفة في المغرب بعيدا عن السير على نفس الصراط الحارق فهو الذي عاش على إيقاع الاحتقان بين التيارات السلفية والتقدمية بعيد الاستقلال والتي تمخض عنها قرار التعريب الذي كان جسدا معاقا، لأن فعل التعريب، وهو لعمري قرار مراهق، لم يكن ناضجا بما يكفي ولم يوازه قرار آخر علمي أو أدبي بضرورة الترجمة.
بعد ذلك عاش الدرس الفلسفي في المغرب على إيقاع الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي والذي كانت له في البداية آثار إيجابية لأنه جعل من الأستاذ مثقفا مناضلا وفاعلا مستعدا لجعل قسمه مجالا خصبا للتفكير النقدي، محطما بذلك الجدار الرابع بين الفصل والواقع، منزلا الفلسفة من السماء إلى الأرض. ولما كانت هذه الأرض عاقة وقاصرة بالمعنى الذي يعطيه كانط للقصور في مقال «ما التنوير»؟ فإن الفلسفة ومن هنا باتت توصف بالمادة المشاغبة لم تسلم من تحرشات المؤسسة – الدولة– (إغلاق معهد السوسيولوجيا + حذف شعبة الفلسفة واستبدالها بشعبة الدراسات الإسلامية...)
غالبا ما تذهب التحاليل إلى اعتبار الدرس الفلسفي في هذه المرحلة ناجحا، وهي تحليلات وقراءات مفعمة بالنوستالجيا والحنين الذي يمكن أن يجعلنا نغفل عن كثير من الاختلالات التي شابت الدرس الفلسفي آنذاك. فإن كان منبع الدرس الفلسفي حينها ومصبه هو الفلسفة فإنها كانت فلسفة بعينها وعندما ننتقي فلسفة بعينها –وكانت حينها الفلسفة الماركسية– تنسحب الفلسفة والتفكير الحر لحساب الإيديولوجيا. وهذه نحسبها علة من علل الدرس الفلسفي بالمغرب الذي كان ناجحا لأنه جسد مقولة راسل السابقة ولكنه لم يستطع إيجاد سبل العودة إلى الفلسفة أو لنقل إنه تأخر في العودة إلى الفلسفة قبل أن يفقدها الآن.
وبسقوط جدار برلين وانتصار المعسكر الرأسمالي وتغير خريطة القيم الكونية بأفول قيم الاشتراكية وبروز قيم الجودة والمردودية والفردانية وبالتالي ابتعاد درس الفلسفة عن الفلسفة مرة أخرى وارتباطه بمفاهيم اقتصاد السوق، سوسيولوجيا الشغل وصناعة التربية سيعرف الدرس الفلسفي تحولات كثيرة ...
فكان ظهور المنهاج، ومنهاج الفلسفة بالتحديد ومسارات التحايل التي واكبته، تكريسا أو وجها من أوجه الصراع بين الفلسفة والمؤسسة وابتعاد الدرس عن الفلسفة واعتماد الكتب المدرسية المؤلفة من طرف اللجان الوزارية المشتركة (من 1996 إلى 1999)، بالإضافة إلى التغييرات المتوالية للاختيارات التربوية في مجال المضامين والمنهجيات «من الأهداف إلى الكفايات» مما نتجت عنه آثار جديدة على درس الفلسفة في اتجاه تسريع وتيرة مأسسته وتدجينه.
لقد كان المنهاج وسيلة لاستدماج أو استدخال قاموس السوق داخل الحقل التربوي كمفاهيم الانتاجية والجودة والفعالية والمشروع... ثم المراهنة على التلميذ الفرد قبل الإنسان «الفردانية» ومن تم النزعات الديداكتيكية «الأهداف والكفايات»، وبالتالي جعل درس الفلسفة مختبرا للتمهير عوض التفكير. ليصبح الدرس الفلسفي اليوم منشغلا بسؤال التعليم وخلق توافق بالقوة والفعل بين تصور المدرسين للفلسفة والتصور المؤسسي «الفلسفة والمؤسسة».
إن قياس درجة حرارة التناقض لا يبلغ درجة الاعتراض على سؤال الفائدة والحاجة إلى الفلسفة وإلى درس الفلسفة، لأن أيا من الطرفين لا ينكر أن الفلسفة حاملة للقيم التي هي بالتأكيد اليوم قيم إنسانية جديدة. ولكن السؤال ماذا تبقى من درس الفلسفة أما الحضور الوازن للمؤسسة ... ضد من يتم التمرد اليوم؟
بقي فقط أن نشير إلى أن هذا الموضوع لا يدعي كشفه لكل مناطق التماس بين درس الفلسفة والمؤسسة وفكرة الصراع. ونكتفي هنا بطرح مجموعة من الأسئلة علها تكون مدخلا لنقاش موسع وأكثر مردودية: ألا يعتبر فشل درس الفلسفة اليوم –وليس ضروريا أن نقارنه بالأمس كزمن افتراضي للنجاح– فشلا لاختيارات معينة؟ أوليست هذه الأخيرة وليدة قيم معينة أو مرتبطة بها؟ وما مصدر القيم، أليس المجتمع؟ وعن أي مجتمع نتحدث اليوم؟ أليست أزمة درس الفلسفة في الحقيقة أزمة قيم وبالتالي أزمة مجتمع؟
أليس الركوض وراء النزعات البيداغوجوية وراء كل ذلك؟ ألا يشبه التقدم باندفاع نحوها، اليوم، الاندفاع نحو الإيديولوجيا بالأمس؟ كيف يمكن إذن التوفيق بين متطلبات درس الفلسفة من حرية ونقد وتفكير ومتطلبات المؤسسة؟
*أستاذ مادة الفلسفة وباحث في سيميائيات الصورة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.