"عندما تبدأ الأفكار المطبوعة (الأصلية) تنمحي عن أسطوانة حضارة ما، يخرج منها في البداية نشاز النغم...صفير..حشرجة..ثم الصمت أخيرا" مالك بن نبي -1- في الأيام الأخيرة طالعت بعض الكتابات التي حاولت أن تقلل من شأن المرأة المسلمة في المشرق العربي في مقابل ذلك حاولت أن تفاخر بالمرأة المغربية التي تبوأت الدرجات العلا في ميادين الثقافة والرياضة والعلوم الدقيقة... وفي نفس الآن كانت هذي الكتابات تكيل الاتهامات للثقافة المشرقية التي حكم عليها البعض بالتخلف.. أي ثقافة "البدو" والصحراء " والحوالا" والجمال..الخ. أعتقد جازما أن هذه الأحكام المسبقة والجاهزة إنما تصدر عن جهل مريع، نقول جهل حتى نحسن الظن بهؤلاء الكتبة... لأنهم وقعوا في الفخ الذي ينصبه أعداء هذي الأمة من حيث لا يعلمون. وإلا، ألا يعلم أصحابنا أن في أجواء هذه الثقافة ظهرت الدعوة الإسلامية التي أخرج بها الله الناس من الظلمات إلى النور، ومن هذا الواقع بعث الله نبي الإسلام هاديا الإنسانية إلى نور الحق؟ أو لم يقرؤوا عن دور المرأة على عهد النبوة والخلافة الراشدة كيف كانت تتصدر الإفتاء وتعليم الرجال أصول الدين الإسلامي وتشارك في الغزوات وتدافع عن حياض الأمة ؟ حبذا لو يرجع أصحابنا إلى كتاب وهو عبارة عن موسوعة ألفها العلامة محمود أبوشقة يرحمه الله بعنوان "تحرير المرأة في عهد الرسالة" حتى يرى الصورة الحقيقية للمرأة المسلمة التي ساهمت في نقل الأمة من واقع التفرقة والتجزئة إلى مجتمع المدينة الذي تآخت فيه الأقوام والقبائل وسارت في دين الله أفواجا تذود عن حياض الأمة وتنافح عن الإسلام وتنشره في العالم كما بشر بذلك الله سبحانه وتعالى. صحيح أن الأمة الآن تعيش، ليس تخلفا كما يرى البعض، ولكن أزمة حضارية شاملة أساسها سياسي بالدرجة الأولى ومنذ أمد بعيد، والدليل في هذا أننا نعيش واقعا من التجزئة والتفرقة ناجم عن عدة عوامل وأسباب من بينها الاستعمار الخارجي والتبعية له وكذا واقع الاستبداد والتسلط الذي نحياه في بلداننا العربية، ومع ذلك لا ينبغي أن نسلم أن المرأة العربية تعيش تخلفا وجهلا كما يصور البعض، فالمرأة العربية بالمشرق العربي هي أم الأسرى وزوجة الشهداء وأم الاستشهاديين والمقاومين البواسل: أو ليس رجال المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان أنجبتهم أمهات من المشرق العربي؟ فمن أغرق الاحتلال الأمريكي في الوحل العراقي؟ أو لم يصرح رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير في كتابه أن الاحتلال كان يضع نصب عينيه على سوريا بعد احتلال العراق؟ ومن طرد الصهاينة من جنوب لبنان حتى خرجوا ليلا كالأرانب المذعورة؟ ومن طردهم من غزة هاشم سوى فتية آمنوا بحريتهم وأحبوا وطنهم وضحوا من أجل ذلك؟ أو ليس المقاومون هم أبناء النساء من المشرق العربي؟ هل نعرف شيئا عن العالمات العراقيات اللواتي تعرضن للاختطاف وقتلن غدرا من قبل الاحتلال وأذنابه ؟ لماذا لا نذكر بعض النسوة الفلسطينيات اللواتي فجرن أنفسهن دفاعا عن الأرض والعرض ؟ أما على المستوى الثقافي، وعلاقة بالمشرق والمغرب، فربما بعض الزملاء لم يسمعوا بالدكتورة عائشة عبد الرحمن صاحبة التفسير البياني في القرآن، وهي امرأة مصرية سبق لها أن عملت بمدينة فاس كأستاذة جامعية، هذي المرأة المثقفة العربية الكبيرة كان الطلاب اليساريون في "جمهورية ظهر المهراز" يقطعون درسها داخل المدرج لأنها كانت تفند أطروحاتهم المراهقة، وينزعون من أمامها المكروفون دون حشمة ولا وقار.. هذي المرأة تخرج على يديها مثقفون مغاربة من جميع الميولات الفكرانية، والكل كان يسلم لها ويغترف من علمها ويعترف بكفاءتها في هضم التراث العربي والإسلامي من البلاغة إلى الشعر والمنطق والأصول والتفسير... والحقيقة هذي المرأة المشرقية ظلمت مرتين: مرة من قبل اليسار الذي كانت تستفزه أطروحاتها، ومرة ظُلمت أيضا، يا للغرابة، من قبل الإسلاميين، والسبب في ذلك أن الدكتورة عائشة عبد الرحمن كانت لها صولات وجولات في مقالات في بلاغة القرآن الكريم مع الشهيد سيد قطب رحم الله الجميع عبر ردود في الصحافة المصرية، وبما أن الاتجاه الإسلامي كان يتحزب للشهيد سيد قطب إضافة إلى أن عائشة عبد الرحمن كانت زوجة لأستاذها أمين الخولي، كان الإسلاميون "يتنكرون لها" بالرغم من براعتها في بلاغة القرآن الكريم...إلى أن جاء أستاذنا الدكتور محمد إقبال عروي وأعاد لها الاعتبار في كتابه" اطرادات أسلوبية في القرآن الكريم... والدكتور محمد إقبال عروي يعمل الآن أستاذا في جامعة الكويت وهو مغربي ! ألا يعلم بعض الزملاء، وهم يسبون ويشتمون في المشارقة أن هؤلاء منهم المفكرون والأساتذة الكبار الذين عملوا في الجامعات المغربية وأشرفوا على تخريج نخبة من المفكرين المغاربة، نذكر من بينهم سامي النشار ونجيب بلدي وحسن حنفي ومحسن عبد الحميد وهو من أكراد العراق وعبد المجيد النجار وعائشة عبد الرحمن وفاروق حمادة وغيرهم الكثير من مصر وسوريا والعراق والسودان. إن بعض الزملاء وتحت هول ما توهموه صدمة من بعض المشارقة، وقعوا في الفخ الذي ينصبه لنا الأعداء، وجعل البعض يسب ويشتم مقومات الشخصية الإسلامية وينتقص من قيمها ويصرف النظر عن "السم القاتل" سم التسلط والاحتلال... لقد وقعنا في الشرك الذي نصبوه لنا : التسلط الداخلي والاحتلال الخارجي !! ولا غرابة في ذلك إذا ما استحضرنا أن مسلسل الاستلام للعدو رقم واحد للأمة ،والذي يقوده رئيس حكومة رام الله عباس المشرق بتشجيع ودعم عربي رسمي، كان يجري في مهبط الوحي السياسي بواشنطن في تزامن مع هذه البهرجة التي أحدثت تصدعا في الاجتماع العربي والإسلامي كما يود أعداؤنا... إننا نحطب في حبل الأعداء . حذار..حذار !! -2- أستغرب ممن أخذته العزة بالنفس فجأة وبدأ في كيل الشتائم والسباب لعموم المشارقة وكأن مسلسل بوقتادة وبونبيل كانت مجرد أضغاث أحلام أريد من خلالها على حين غرة إهانة المرأة المغربية. أعتقد أن لا أحد ينكر أن الدعارة بالمغرب أصبحت ظاهرة تسترعي انتباه الجميع، وقبل أسبوع عدت إلى الجرائد الأسبوعية المغربية ألفيت أعدادا من منشورات ومطبوعات تتناول ظاهرة الدعارة بالمغرب، ووجدت افتتاحية لصحافي مغربي رئيس تحرير أسبوعية (...) يكتب بأنه ذهب للأردن وتنكر لهويته المغربية بسبب ظاهرة الدعارة الموجودة هناك، كما وجدت تحقيقا لصحفية مغربية (...) تنكرت في شخصية عاهرة من طالبات الجامعة وقضت ليلة كاملة وحكت لنا عن طقوس فيلات الدعارة بالعاصمة الرباط، وكأنها اخترقت جهاز الموساد !! إن ظاهرة الدعارة بالمغرب خطيرة جدا، وهي أمر واقع ولا شك كما يكتب البعض، غير أني أذهب إلى أن مسألة "الأمر الواقع" ليست دينا أو عقيدة وجب الاستسلام والإذعان لها، الأمر الواقع هو مفهوم سياسي وليس ثقافيا، فالأمر الواقع متولد عن مصلحة ما تستهوي السياسي، أما المثقف فلا يستهويه إلا ما هو أحسن وأخير، لأن المثقف دوما ينطلق من المختلف فينتقد هذا الواقع ليغيره وليس أن يستسلم ويذعن له. لذا من الواجب على الصحافي وهو مثقف شئنا أم أبينا وبصرف النظر عن الاختلاف حول مفهوم المثقف أن يساهم من جهته في تحويل هذي الظاهرة إلى قضية يعتبرها خطيرة باتت تهدد المغرب في حاضره ومستقبله، من هنا ينبغي أن ينطلق الحوار حول الدعارة بالمغرب...كقضية تشغل بال المثقف والإعلام والتعليم وجمعيات المجتمع المدني بشكل عام.... فهذا هو التحدي لو كان قومي يعقلون! أما من هاجم المشارقة بجريرة مسلسل مصري أو الرسوم المتحركة "بوقتادة وبونبيل" الذي أذاعته قناة "الوطن" الكويتية، وطفق في كيل الشتائم لعموم المشارقة نطرح عليه هذا السؤال: لنفترض لو أن هذي الرسوم والمسلسل لو كان من إنتاج مغربي صرف، وقدمته قناة مغربية كالقناة الثانية 2M ؟ هل كنا نسمع أو نقرأ مثل هذه البهرجة من ردود الأفعال من قبل بعض المغاربة؟ وماذا عن صورة المرأة المغربية كما يقدمها الإعلام المغربي وكذا الأفلام السينمائية التافهة التي يصرفون عليها من جيوب المواطنين دون حسيب ولا رقيب؟ أو لم نسمع بعض الأغاني الشعبية المغربية في التلفزة والتي تذاع في الراديو وتباع في شوارع المدن المغربية تصف المرأة المغربية بالخائنة والماكرة والغدارة و"الصاحبة" المتنكرة لأيام الصحبة والعشرة...ويرقص على "نغماتها" فتيات شبه عاريات وهن يتلوين ويتغنجن...؟ هي صور تصلح للعلب الليلية والخمارات وليس محلها الشوارع التي يرتادها عموم الناس!! لو اعترضنا بمثل هذي الأسئلة المستنكرة، أكيد أننا سنسمع أصنافا من ردود أفعال كون هاته الإنتاجات تعبر عن الواقع كما هو، وأن من ينتقدون هم أصوليون ورجعيون وظلاميون ومتخلفون لا يفهمون لغة الفن.. وأعداء الحداثة والفن والإبداع وكثير من الكلام المسطور والمكرور... والمفارقة الغريبة أن بعض هؤلاء استفاقوا على حمية الجاهلية وشرعوا في الدفاع عن شرف المرأة المغربية كما زعموا، والمفارقة أيضا أن بعضهم "فنانون" و "مبدعون" هم أول من ساهم ولا يزال يساهم في تشويه صورة المرأة المغربية في كثير من الأفلام المغربية التي تصرف عليها أموال باهضة من جيوب المواطنين المغاربة... عجبا...هؤلاء الانتهازيون المنافقون المتعالمون لا يهمهم لا وطن ولا حاضر ولا مستقبل.. لا تهمهم إلا أنفسهم فقط ..إنهم الكذبة الفجرة ... هؤلاء يدعون النبوة في كارطونة خاوية !! n.lechhab@gmail.com