1) اتسع صدر الديمقراطية لجميع شرائح المجتمع، على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأجناسهم وجنسياتهم وأديانهم، وانتماءاتهم السياسية والنقابية والجمعوية ، اتسع صدرها لأبنائها ولخصومها، واستغلّ سذاجتها وعفويتها أرباب المصالح ولوبيات الفساد،ومصّاصو دماء المستضعفين، والشركات العابرة للقارات، والمؤسسات الإعلامية العملاقة التي تتحكم في صياغة العقول وتصنع الرأي العام، فتنقل الأغلبية من مساندة هذه الجهة إلى مساندة تلك، بحسب هوى مراكز النفوذ العالمية المتحالفة مع رؤوس الأموال التي يتحكم فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في سياق عولمة متوحشة لا ترحم صغيرا ولا توقر كبيرا. 2) استطاعت الأزمة العالمية التي ضربت العالم الرأسمالي اليوم، والتي ستنعكس تداعياتها على باقي دول المعمور، أن تحدّ من غلواء هذا المارد المدمّر للقيم والثقافات والأديان باسم الحداثة وما بعد الحداثة، فتنفست الصعداء الشعوب العربية التي جثم على صدرها حكام طغاة مستبدون مسندون من نظام إمبريالي متغوّل، كانوا حرّاسا لمصالحه، وخرجت هذه الشعوب تعزف "سمفونية التغيير"، بعد أن ظنّ المارد أنه كتم أنفاسها، خرجت غاضبة مزمجرة تتحدى بصدورها العارية العصا والبندقية، والدبابة والطائرة، خرجت المرأة والرجل، والشاب والكهل، والطفل والشيخ،المسلم والمسيحي.. يرفعون شعار "الشعب يريد..."، وشعار "إرحل".. فسقط المارد !! 3) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : ( أمتي كالغيث، لا يُدرى أوّله خير أم آخره ) حسّنه الشيخ الألباني، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منهم) رواه الحاكم في المستدرك. وقال أيضا : "كلا ،والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، أو لتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم (أي كما لعن بني إسرائيل )".( حسّنه ابن حجر في المقدمة). 4) بعد انتهاء ملحمة "إسقاط الاستبداد"، لم يجد الفرقاء الذين تناسوا صراعاتهم إلى حين أمامهم، إلا الديمقراطية لتصريف خلافاتهم واختلافاتهم، وتنزيل رؤِاهم، واعتماد مرجعياتهم المتناقضة أحيانا، فقد وجدوا أنفسهم بين خارج من المسجد وآخر من الحانة، بين من يريد تطبيق الشريعة الإسلامية اليوم قبل غد، و من يرى حكم الإعدام وقطع يد السارق وجلد الزاني همجية لا تقرها شريعة حقوق الإنسان، بين من يرى البيت مكان المرأة الطبيعي راعية لزوجها وأسرتها، و من يرى المرأة رفيقة الرجل في الكدح اليومي تزرع الأرض وتسوق الطائرة وتدرّس في الجامعة، بين من يرى المرجعية العليا للقرآن والسنّة ومن يرى المرجعية العليا للمواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بين من يرى الحداثة تتسع لحقوق الشواذ والأمهات العازبات والعاملات في سوق الجنس والإبداع الذي يستهزأ بالله وملائكته وكتبه ورسله، ومن يحكم على هذا كله بأنه فسق وفجور وخروج عن شرع الله وفطرته التي فطر الناس عليها. لم يجد هؤلاء جميعا أمامهم لتصريف اختلافاتهم وتناقضاتهم إلا الديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع،وإن كانت نتائجها لا ترضي غالبا الجميع، أمّا الذين لم يحسموا بعد كيفية التداول على السلطة، فلا زالوا يمسكون ببنادقهم التي غنموها بعد نجاح الثورة، وقد يوجهونها إلى صدور بعضهم البعض كما فعلوا في أفغانستان يوم طردوا الروس، وحرروا البلاد والعباد!! لكنهم عجزوا عن التحرر من دواتهم، والتحاكم إلى إرادة الناخبين، فكانت الكارثة التي يعرفها الجميع. 5) هذا هو سرّ الجاذبية التي تحظى بها الديمقراطية، فهي تحدّ من شرور الاستبداد، وتقدم بديلا عن النزاع الدموي حول السلطة، وتعطي لكل فرد الحق في أن يسائل القائمين على أموره، و يساهم في بناء مستقبله، ليس فقط فيما يتعلق بمستقبل دنياه كما يتوهّم من يدعون إلى فصل الدين عن الحياة، لكن أيضا فيما يتعلق بمستقبل آخرته، ذلك أن الإنسان مسؤول أمام بارئه عن إسهامه في تحسين ظروف أداء واجباته الدينية والدنيوية، فإذا كان التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد كلها تتداخل في تشكيل الوعي الديني إيجابا وسلبا، فإن من مقتضى قوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) أن يساهم من يؤمن بهذه العقيدة، في اختيار أفضل من يجعل تلك الأدوات في خدمة دينه ودنياه، وأن ينتفض في وجه من يزورون إرادته. 6) حمل الربيع العربي الإسلاميين إلى الحكم، وحظي السلفيون بثقة شريحة واسعة من الشعب المصري، وهي ثقة سيحظون بها في أي بلد إسلامي يتقدمون فيه للانتخابات،لأن السلفيين اشتغلوا على المجتمع عبر العديد من الجمعيات والقنوات الفضائية بخطاب بسيط يعتمد على استحضار نصوص القرآن والسنّة والسيرة النبوية،لكنهم لم يتعاطوا الشأن السياسي إلا مع مجيء الربيع العربي، لأنهم اعتبروا " من السياسة ترك السياسة"، بل إنهم قدموا اجتهادات فقهية تخلط بين التحزب السياسي، وهو شرط في أي عملية ديمقراطية سليمة، وبين التحزب البدعي الذي مقتته الشريعة، واعتبروا القوانين التي تصدر عن المجالس التشريعية المنتخبة مزاحمة للتشريعات الربانية،ومن تمّ حكموا على الديمقراطية بأنها كفرٌ بواح، وقدموا اجتهادات متعسفة في قضايا المرأة والحريات،ودعوا إلى طاعة أولياء الأمور طاعة عمياء،وكلها عقبات وخنادق وضعها شيوخهم في طريق اندماجهم في العمل السياسي،فلما تبين لبعضهم أن هناك ظلم وجور واستنزاف لثروات شعوبهم، اختاروا الخروج المسلح وتكفير الحكام، وقتال اليهود والنصارى، وإعلان الحرب على الشرق والغرب والجن والإنس!! 7) الذي يظن أن الحل يكمن في إبعاد السلفيين عن المعترك السياسي وتكديسهم في السجون والمعتقلات يخطئ خطا فادحا، وقد كتبت منذ سنوات أن تليين المقولات الإطلاقية التي يتميّز بها الخطاب السلفي، وهو يتناول أمور السياسة وقضايا المجتمع، يمر قطعا من خلال إدماجهم في العمل السياسي اليومي بشكل متدرج، شريطة أن يفصلوا بين ما هو دعوي وما هو سياسي ( دون الوقوع في التشدد العلماني)، وهو خلط نراه اليوم على العديد من القنوات الفضائية بعد نجاح الثورات العربية، فأنا أعتقد أن للدعوة مفرداتها وأدواتها، وللسياسة مفرداتها وأدواتها، ولكل فضاء منهما سقفه ومرجعياته الفكرية، والسلفيون مدعوون اليوم إلى مراجعات جذرية للعديد من الاجتهادات التي كانوا يعمّمونها على الحقل السياسي، وعلى رأسها ما يتعلق بقضايا الديمقراطية والأحزاب السياسية والمرأة وحقوق الإنسان والمواطنة وحقوق الأقليات والحريات العامة والفردية، ولا بأس عليهم أن يتريثوا قبل الإقدام على أي خطوة عملية في هذا الباب إلا بعد التأصيل لها من القرآن والسنة والتراث الفقهي، لأنهم روّضوا أتباعهم على ضرورة البحث عن الدليل من النصوص. 8) لقد تابعت المراجعات الجريئة للشيخ الفزازي، وهو يقوم بمصالحة مع الديمقراطية كما يفهمها الناس، لا الأصول التي تقوم عليها،ومجمل ما استدل به على ضرورة هذه المصالحة: الواقع الذي لا يرتفع، والذي يعرف تطورا متسارعا،وقوانينه التي تجري على السلفيين كما تجري على غيرهم، والموازنة بين المصالح والمفاسد، ودستور البلاد الذي ينص على إسلامية الدولة، ونزاهة الانتخابات النسبية، وإفلاس البرامج السياسية غير الإسلامية، وفطرة الشعوب التي مازالت على دين الإسلام وهديه، والتي لن تصوّت إلا للإسلاميين كلما أتيحت لها الفرصة لذلك، لكن الشيخ الفزازي يعلم قبل غيره أن هذه الاستدلالات العقلية والواقعية لن تجدي في إقناع العقل السلفي المبني على النصوصية الصارمة. 9) لا مناص إذن من تعميق هذه المراجعات والتأصيل لها، وعقد مصالحة حقيقية مع الديمقراطية المفترى عليها، والاستعانة بما أنتجته الأدبيات "الإخوانية" في هذا المجال، خصوصا منها كتابات الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي والشيخ راشد الغنوشي والدكتور أحمد الريسوني والدكتور سليم العوا وغيرهم من رواد المدرسة الوسطية، أمّا الاستعجال بالانخراط في التدبير السياسي اليومي كما فعل حزب النور السلفي في مصر قبل هذه العملية التأصيلية، فربما يكون عائده مكلفا على السلفيين وعلى غيرهم،وربما تقع حوادث في الطريق لأن العجلة من الشيطان، لكن الانسياب اللطيف والمتدرّج إلى الواقع المعقد والمشاركة الرمزية أو الانخراط في بعض الأحزاب القائمة، مفيد جداً للتيار السلفي على تنوّعه واختلاف مدارسه،والله أعلم. *عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية