منذ أن زُفَّ لنا خبر خروج الشيخ محمد الفيزازي من السجن، وأنا أتابع كتاباته وتصريحاته باستمرار، وقد كان جليا التحول الجذري والكبير في خطاب الرجل قبل وبعد محنة السجن، لازلت أذكر وأنا بالمرحلة الثانوية سنتي 2000 و2001 بعض من خطب الشيخ بمسجد قنطرة بنديبان بطنجة وهو يحدث جموع المصلين عن "الكرامة" التي حصلت معه بالقطار الذي كان يقله عائدا من اسبانيا، فدعى الله أن يتوقف القطار لأن شيخنا الكريم نسي أن يحمل معه تذاكر العَبَّارة، فتوقف القطار فجأة، ولم يلحظ شيخنا الجليل غيره وعائلته يغادر القطار. ولن أنسى الخطبة التي خاطبنا (نحن جموع المصلين في المسجد) فيها قائلا: "إن حالقي اللحى ليسوا بكفار، وإنما هم فساق.. فجار.. وكثير هم بيننا الآن " !!، حمدت الله حينها أن لحيتي لم تنبت بعد، فأخذت أفَسِّقُ كل حالقي اللحى من حولي إلى أن هداني المولى عز وجل عن ذلك. أن يتحول خطاب إنسان من متطرف إلى معتدل هذا أمر محمود ومطلوب، ولكن لدرجة أن يصبح على شاكلة المقال الأخير المعنون ب"كلمة لا بد منها في أحداث تازة وبني ملال" فإن هذا لأمر عجاب. فما عهدت فيك يا شيخنا الجليل أن تتحدث لغة علماء البلاط حين يثور الجياع والفقراء على الظلم والفساد، فأسمعك تتحدث عن الفتنة النائمة والمتؤامرون المبنيون للمجهول.ألم يسبقك بهذا الكلام "المقبور القذافي" وكبار شبيحة النظام البعثي السفاح ؟ لماذا لا تتفضلون يا شيخنا الفاضل وأنتم الذين تتكلمون بنبرة اليقين بكشف هؤلاء الذين عجزت الأجهزة القمعية (عفوا "الأمنية" كما تنعتونها) عن كشفهم، كي تلقي القبض عليهم وننتهي من هذه "الفتنة" ؟ أَتَسَاوى في زمن "المغرب الجديد" الجلاد والضحية، فأصبح العنف متبادلا بين القوات المخزنية والمحتجين، وهي المدججة بشتى أنواع أدوات القمع ؟ دعني أقول لكم سيدي الكريم، كم هو لطيف ذاك الشرطي الذي يكتفي "بضرب المواطن على قفاه" ويا لقبح وخبث المحتجين الذين قاموا (على حد قولكم) ب"حرق سيارة، وتكسير زجاج المحلات، ورشق شرطي بالحجارة، وسب هذا أو ذاك بفاحش من القول... ظلما وعدوانا، دون جريرة ارتكبوها ودون أن يكونوا مسؤولين عن فقر أو مظلمة..." أهذا ما توصلت به من خلال تقصيك عن حقيقة ماجرى في تازة ؟ أم هو ما اكتفيت به من خلال مشاهدتك القنوات المخزنية الرسمية ؟ سألتمس لكم يا "علاَّمتنا الكبير" (أو علامتنا (×) كما كان يحلو لكم أن تسخروا من العلاّمات في خطبكم) ألف عذر وأقول أنكم لم تشاهدوا على اليوتوب الشهادات ، التي تتحدث فيها المواطنات التازيات عن اقتحام القوات القمعية لمنازلهن وتحطيم أثاثهن، وتهديدهن بالاغتصاب، وسبهن بكلام نابي تخجل منه الحيوانات، متذرعين بأنها أوامر مباشرة من أعلى قمة، الشرطي الذي يكتفي يضرب المواطن على قفاه مثل هذا ربما يحصل في سويسرا، أما يعلمه الشعب المغربي عن جهاز البوليس فهو ما حصل للشهيد كمال العماري رحمة الله عليه، إذ خمسة أفراد من قوات القمع تنهال على جسده النحيف بالهروات في آن واحد لما يزيد عن خمس دقائق، ليتركوه ملقى على الرصيف معلقا بين الحياة والموت (لعلكم لم تعلموا بذلك أو نسيتم)، ما يعلمه الشعب المغربي عن جهاز البوليس هو ما رأيتُه رأي العين يوم 22 ماي 2011 ببني مكادة بطنجة، صديق وأخ عزيز ينهال عليه سبعة من أفراد قوات القمع بالهروات وفي آن واحد مستهدفين أسفل نخاعه الشوكي بغرض شَلِّه، ما يعلمه الشعب المغربي عن جهاز البوليس هو ما رأيتُه رأي العين في نفس اليوم ونفس المكان، من تعنيف لسيدة حامل أدى بها الأمر إلى إسقاط حملها، ما يعلمه الشعب المغربي عن جهاز البوليس هو ما قساه إخوانك السلفيين في جحيم المعتقلات السرية (أفترض أنكم لم تعلموا بذلك)، ما يعلمه الشعب المغربي عن جهاز البوليس هو ما يعلمه المكلوم بوشتى الشارف عجل الله بفرجه (لعلكم لاتعلمون بأمره). ياشيخنا الجليل أهي كلمة كان لابد منها أم هو تغليط للرأي العام لابد منه ؟ يا شيخنا الجليل أهذا مبلغ علمك مما جرى ؟ أم هي مهمة ما بعد محنة السجن لابد من تنفيذها ؟ إن لم تستحيوا فقولوا ماشئتم.. ياشيخ. وعجيب ما قد تصنعه محنة السجن في المرء.. يا شيخ. ومن قال بأن المؤسسات السجنية ببلادنا لاتعيد تأهيل نزلائها، حتى وإن كانت من فئة خمس نجوم كما زعمتم ؟.. يا شيخ. نشفق لحالكم.. ياشيخ. ولاحول ولاقوة إلا بالله. والسلام عليكم ورحمة الله