المنصوري: أزمة البام ليست صراع ديكة من أجل المسؤوليات والمناصب "فكرتُ مرار في التراجه إلى الوراء"    اللاعبون المحليون يلقنون درسا لهاليلهوزيدش ولقجع ويتأهلون لنهائيات الشان    نهاية سعيدة لقصة حزينة جدل صفقة ضخمة لمكتب السياحة    عثمان الطرمونية كاتبا عاما لمنظمة الشبيبة الاستقلالية خلفا لعباسي خلال المؤتمر 13    يوفنتوس يعزز صدارته لل"سيري آ" بفوزه على بولونيا    التعاون الأمني الدولي: شرطة مطار مراكش تعتقل أمريكية مسجلة خطر    توقعات الأرصاد الجوية لطقس يوم غد الأحد    عائشة الشنا تتعرض للسرقة تحت التهديد بالعاصمة الإسبانية مدريد    الريسوني يكتب.. أنا مع الحريات الفردية    مديرية الأمن الوطني: المعتدي على إمام مسجد بجروح خطيرة مختل عقليا    مراكش.. فرنسي يزاول مهنة ويجري العمليات بدون ترخيص والبوليس يوقفه ويفتح بحثا معمقا في القضية    رؤية أدبية عن قصائد الشاعر عصمت شاهين دوسكي للكاتب العراقي أحمد لفتة علي    اهداف مباراة المغرب والجزائر 3-0 تصفيات امم افريقيا للمحليين    وداعاً للشيخوخة.. وأهلا بالشباب الدائم    زياش يصل إلى 100 مباراة مع أياكس في الدوري الهولندي    أخنوش من طنجة: لا حل لمعضلة تشغيل الشباب إلا بالرقي بمستوى المقاولة المغربية    كلنا أبناء هذا الوطن..وكلنا فيه سواسية .    الجيش اللبناني يعلن تضامنه مع مطالب المتظاهرين ويدعوهم “للسلمية”    مجلس العموم البريطاني يقرر إرجاء التصويت على اتفاق بريكست    بوعشرين لم يستح من أفعاله الجسيمة وطالب بالعفو الملكي.. والمحامي الماروري يبيع الوهم لموكله    حكميمي بأدوار عمالقة    ظهير ملكي يحدد اختصاصات وزراء حكومة العثماني الجدد    مشروع مالية 2020 يرصد أكثر من 79.2 مليار درهم لميزانيات نحو 53 من الصناديق الخصوصية    هيئة حقوقية تراسل وزير العدل من اجل "انقاذ" حياة ربيع الابلق    حمد الله وأمرابط يسقطان فوزير والداودي    "مترشح" لرئاسة الجزائر: سأضيف ركنا سادسا للإسلام!    انتحار اب لخمسة أولاد بضواحي وزان    دراسة: عدوى مكورات الرئة تضعف مناعة الأطفال    مشروع مالية 2020.. هكذا وزعت الحكومة 23 ألف منصب شغل والحصة الأكبر ل"الداخلية"    (ذا هوليوود ريبورتر): المهرجان الدولي للفيلم بمراكش استقطب دوما "أفضل المواهب"    تقارير.. ميسي أجبر فالفيردي على مشاركة هذا اللاعب أمام إيبار    الحكومة تواصل الاقتراض الخارجي وترفعه ب14,8٪ ليصل 3100 مليار سنتيم سنة 2020    هاني رمزي: صدمني محمد السادس حينما التقيته يسبح في شرم الشيخ    مصحات خاصة تعلق العمل بقسم الولادة بسبب نفاد مخزون أحد الأدوية    جائزة المغرب للكتاب .. تتويج وأمل في تغطية تجليات الإبداع المغربي    “بريمرليغ”.. إيفرتون يهزم ويست هام ويتقدم في جدول الترتيب    الدعوة إلى النهوض بالتعاونيات الفلاحية النسوية بالحسيمة    اتهامات بين تركيا والأكراد بخرق الاتفاق في سوريا    كارمين للقصر الكبير تُحِن    تطوان تُسجل ارتفاعا في توافد السياح خلال 8 أشهر بالمغرب    دراسة حديثة تحدر من أدوية شائعة لارتفاع ضغط الدم تزيد من خطر الانتحار بنسب عالية    القبض على مسؤول تنظيم “غولن” بالمكسيك وجلبه إلى تركيا    واشنطن.. الاحتفاء بالموروث الثقافي المغربي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي    فيلم “سنونو كابول”.. الحب في مواجهة التعصب    محتضن الدفاع الجديدي يحدث 8 ملاعب للقرب    الصين تلمح لإبرام اتفاق تجاري مع أمريكا ووقف الحرب التجارية    حقيقة سرقة الدوزي ل »خليوها تهدر »    قانون مالية 2020.. أزيد من 13 مليار لدعم الغاز والمواد الغذائية صندوق المقاصة    الملك الأردني عبد الله الثاني ونجله يشاركان في حملة نظافة    شيراك… صديق العرب وآخر الديغوليين الجدد    13 قتيلا على الأقل بانهيار سد في منجم للذهب في سيبيريا    بمناسبة اليوم الوطني للمرأة.. فاس تكرم عددا من النساء    مثير.. علماء يشكلون ما "يشبه الجنين" في فأرة من دون بويضات أو سائل منوي!    أغاني "الروك" تجمع آلاف الشباب في مهرجان "منظار" بخريبكة    حتى يستوعب فضاء المسجد ناشئتنا    الخصاص في الأدوية يوحّد الصيدليات والمستشفيات    معركة الزلاقة – 1 –    موقف الاسلام من العنف و الارهاب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





منير أبو المعالي يكتب: ومن يُنطح يذهب هباء !
نشر في اليوم 24 يوم 25 - 04 - 2019

ما حدث لعبد الحاكم بنشماش (وهذه هي تسميته الصحيحة وفقا للجريدة الرسمية) ذو طابع سريالي، لكنه ليس دون سوابق. العنف كان، باستمرار، وسيلة التغيير الرئيسة للقيادة في بعض الأحزاب، كما كان أيضا الامتداد الطبيعي للاختناق السائد في الديمقراطية الداخلية. حصل ذلك يوم طلب عبد الرحيم بوعبيد، وهو الرجل الذي يقدسه الاتحاديون كثيرا، سيارات الشرطة لتوقيف رفاقه الذين كان لديهم رأي مختلف حول ما يجب أن يكون عليه مستقبل الاتحاد الاشتراكي. كانت العصي التي طوت ظهور بعض «الطليعيين» شاهدة على قدرة العنف على تسوية الخلافات.
نوبير الأموي كان، شخصيا، واحدا من اليساريين الذين لديهم عقيدة مميزة بشأن الطريقة المثالية التي ينبغي بها فرض القرارات باستعمال العنف. كان جيش الحراس المحتشدين من حوله، في الخيمات التي تعقد بها مؤتمرات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، دليلا مسبقا عما يمكن أن يحدث لمن تسول له نفسه أن يعترض على الزعيم. وَيَا وَيْل من يقترب منه؛ لقد كان لمعبد الأموي حراس آخرون لا يجدون حرجا في طرح المعارضين أرضا ثم جرجرتهم إلى الخارج. كانت المؤتمرات تعقد وكأنها محاكمات جماهيرية، وعليكم سماع شهادات أولئك الذين تشجعوا قليلا لرواية أجزاء من هذا التاريخ.
بيد أن العنف ليس خاصية لدى اليسار وحده، فاليمين أيضا يُظهر براعته في ذلك. حميد شباط، على سبيل المثال، كان نموذجا لا ينبغي الاحتذاء به في الطريقة التي يستخدم بها العنف لتسوية خلافاته. في مؤتمر الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، حيث أطيح بالزعيم عبد الرزاق أفيلال، كانت ملحمة «الكلاب المدربة» هي الفيصل بين ماض كئيب ومستقبل مظلم، وقد غطت سيارات الإسعاف، التي هرعت إلى هناك، على كل الشعارات الجوفاء التي ملأت الأرجاء قبل ذلك. اللكمة التي سددها شباط لوجه عزيز اللبار في البرلمان، لم تكن سوى إعلان للثبات على مبادئ قديمة. ولاحقا، كان شباط نفسه ضحية لذلك العنف المبذول لإقرار التغييرات الضرورية؛ فالرجل لم تسوِّ طموحاته سوى هراوات رجال الشرطة بمدخل مقر نقابته، هو وزوجته وأولاده. ومع ذلك، لم يطوَ العنف من حزب الاستقلال على كل حال، وكان للكراسي المتطايرة، في مؤتمره الأخير، المفعول الجوهري في بناء هياكل الحزب؛ أي منح حمدي ولد الرشيد السلطة المطلقة.
هذه ليست وقائع معزولة، وليست ماضيا مشينا. هذه ثقافة سائدة ومستمرة، وقد غرست بتأن من لدن هؤلاء «الديمقراطيين» الذين لا يرغبون في تخطيط حدود الديمقراطية. سيكون عسيرا ألا تقع جلبة عنيفة في مؤتمر حزب بالمغرب، وحتى وإن كان كل شيء قد رُتب بعناية.
قلت ذلك لأن الأحزاب غير الديمقراطية، أو كما نسميها ببعض الإجحاف التاريخي، أحزاب الإدارة، وهي عادة يمين مشوه، لا تُمارس العنف المادي بهذه الأشكال المعتبرة لدى الديمقراطيين. يكون الجميع مطأطئ الرأس، غير عابئ ب«الزعيم» ولا بمناصبه. إنهم يعلمون أن القرار لا يدور في تلك النواحي، ومن العبث البصق في وجه الريح. الاحتجاج المدروس مرغوب فيه في سياق عمليات التجميل المطلوبة حاليا، لكنه لا يخرج عن حدوده. التجمع الوطني للأحرار مثال مناسب لذلك.
مثله مثل الأصالة والمعاصرة، حيث صنعت سنوات طويلة من التربية على الخنوع السياسي مدرسة سلام غريبة. كانت لإلياس العماري، وهو «الزعيم» الحقيقي ذو النزعات المسالمة شكلا، طريقة عصية على الفهم في تدبير خلافات حزبه. كان يصنع ما يشاء، ولم يكن لمعارضيه -حتى أعلاهم شأنا- سوى بعض أعمدة الجرائد لحكي مظالمهم.
لكن «البام» تغير، أصبح أمينه العام، بنشماش، رجلا «عاديا»، لا يمشي في الأسواق بالطبع، لكنه لا يمثل شيئا ذَا قيمة لدى أعضاء حزبه. الميراث الثقيل لسلفه كان يجب أن يُوزع بطريقة يقبلها أولئك الذين يعتقدون أنهم صنعوا بنشماش، بعدما كانوا صنيعة لإلياس. وفقا لهذا التحليل المسنود بالوقائع، لم تكن صفعة إبراهيم الجماني على الخد الأيمن لبنشماش سوى النتيجة الطبيعية للكيفية التي يحاول بها الأمين العام تدبير حزبه. يحاول الرجل تقليد إلياس دون أن تكون لديه أنياب. صاغرا، على غير عادته، متوسلا بانتهازية، بماض متساقط، لم يستطع بنشماش فعل شيء إزاء سطوة من هم أقوى منه. لذلك، كان مثيرا للسخرية أن يذهب وسيطه، العربي المحارشي، بمعيّة شخص غريب عن الحزب، كعبد الوهاب بلفقيه، إلى بيت الجماني نفسه طلبا للصلح. الانهيار الشامل للقيم، كما تحدث عنه بنشماش، لم يبدأ في تلك اللحظة التي هوت فيها يد الجماني على وجهه، وإنما كان فاقعا للعين منذ عقد من الزمن.
الصفعة على خد بنشماش ليست عنفا عشوائيا، كلا، هذه صفعة تؤذن بنهاية الرجل نفسه. هكذا علمتنا دروس تاريخ الأحزاب؛ العنف ليس سوى الوسيلة التي يجب أن تنتهي بها مصائر الأشخاص، ومن يسقط أرضا يذهب هباء.
التركيبة الكيميائية، التي تحكم بها الأحزاب نفسها قسرا، تجعل من العنف ذلك الشر الضروري في نهاية المطاف. إن طريق المكاسب المبعثرة هو هذا، وبهذه الكيفية الجنونية التي تسمح بها الديمقراطية نفسها؛ يسيل الدم وكأنه يتدفق من جرح وخزة موقف سياسي صائب وجد في قبضة اليد دفاعا أخيرا، وبالطبع، يجب أن تكون يدا خشنة مثل تلك التي لدى الجماني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.