التقرير الأممي يكشف تفاصيل مروعة للحظات خاشقجي الأخيرة    بالفيديو.. “عروس مونديال جنوب إفريقيا” تعود للظهور بعد غياب 9 سنوات    اللجنة المنظمة لكأس أمم إفريقيا تعتذر للمغاربة بعد خطئها    نهاية “الصحوة”، ما العمل ؟    الجواهري: نظام سعر الصرف.. لا شيء يبرر حاليا الانتقال إلى المرحلة الثانية من الإصلاح    اجتماع اللجنة المشتركة المغربية الاسبانية بخصوص النقل الدولي الطرقي للمسافرين والبضائع    رئيس "الكاف" متفائل بنجاح البطولة    جمعية طبية تقترح إخراج تعريفة طبية مرجعية    الحارس الحواصلي يمدد التعاقد مع حسنية أكادير لكرة القدم الى غاية يونيو 2021    مصرع عامل للنظافة بأسا    هيفاء وهبي تهنئ لطيفة رأفت بحملها    بعد عرض أغنية”الكان”..غضب عارم على”فيسبوك” بعد بتر جنوب المغرب و تعويضه بعلم الكيان الانفصالي “البوليساريو”    بونو أم المحمدي؟    بعد المدفعية الثقيلة.. “البوليساريو” تبدأ حملة اختطافات لوقف احتجاجات المخيمات    الحرس الثوري الإيراني يكشف تفاصيل إسقاط الطائرة الأمريكية المسيّرة    المتهم السويسري في جريمة “شمهروش”: أتعاطى الحشيش وزوجتي لم تكن محجبة هل هذه مواصفات متطرف!    مليار و475 مليون درهم لتجويد خدمات الأقسام الداخلية والمطاعم بالمؤسسات التعليمية    رسمياً.. أحمد أحمد يعلن اعتماد ال”فار” ابتداءً من ربع نهائي ال”كان 2019″    بالفيديو…الأغنية الرسمية ل"الكان"..بتر جنوب المغرب وتعويضه بعلم"البوليساريو"    مصر تسمح لتلفزيون إسرائيل بتصوير مكان دفن مرسي    خفر السواحل الاسباني يعلن عن فقدان ..20 مهاجرا سريا في عرض المتوسط    السفياني: لا علم للمغرب بمقتضيات “صفقة القرن” وهناك جهات تبتزه من أجل التوقيع على “اتفاق البحرين الخياني”    سان جرمان يحدد مبلغا خياليا من أجل التخلي عن نيمار    الفنانة نجاة الرجوي حامل – فيديو    أجواء حارة بالجنوب خلال طقس نهار اليوم الخميس    المغاربة يحتفلون بالذكرى 49 لميلاد الأمير مولاي رشيد    هشام نجمي: المنظومة الصحية الوطنية تعيش مرحلة تحولات كبرى    حفل توقيع ديوان “رماد اليقين” بالخنيشات    الدار البيضاء … افتتاح المعرض الإفريقي المتجول “أعرني حلمك”    موازين 2019 .. منصة شالة تستضيف حفلات موسيقية لكبار فناني شعب "الروما"    مشاكل تنظيمية تلغي حفلا بأكادير    بتنسيق مع الديستي.. أمن مكناس يطيح بعصابة اجرامية متخصصة في سرقة المنازل    فواكه تساعد في علاج الإمساك    مجموعة بريطانية تستحوذ على 5 في المائة من بنك بنجلون    20 يونيو 1981 .. انتفاضة الدارالبيضاء الكبرى    كارول سماحة ترقص فرحا بحلولها في المغرب – فيديو    قضية الصحراء.. دعم خليجي وإفريقي لافت للمغرب بأروقة الأمم المتحدة    تصريحات أبرز مرشحي رئاسيات موريتانيا تستنفر قيادة « البوليساريو »    الأمراض الوبائية محور ندوة بأكاديمية المملكة    حصتها ستنزل من 30 إلى 22 في المائة : الدولة ستحتفظ ب 8 مقاعد في المجلس الإداري لاتصالات المغرب    حجز سيارات المجلس الإقليمي بمديونة بضيعات فلاحية    وثائقيات قصيرة حول اختفاء الحرف ومعارف الحرفيين التقليديين    جمهورية مصر العربية ضيف شرف المهرجان الدولي للفيلم العربي لمكناس    أثرياء العدل والإحسان يشنون “حرب” المقرات    الصندوق العربي للإنماء يمنح المغرب قرضا بمبلغ 2.27 مليار درهم    رقية الدرهم: مشاركة المغرب في «منتدى الأعمال» تأتي دعما للاتحاد من أجل المتوسط    مشروب ليلي يساعد على إنقاص الوزن أثناء النوم!    بعد “الحرب” مع أمريكا.. هل تراجعت مبيعات هواوي بالمغرب؟    البيت الأبيض: ترامب أُبلغ بإطلاق صاروخ على السعودية    ميركل تؤكد أنها بخير غداة إصابتها برجفة    «مايلن المغرب».. أولى وحداتها لإنتاج الأدوية بالبيضاء    قوات إنقاذ إسبانية تبحث عن 20 مهاجرا مفقودا    سلام الله عليك أيها السيد الرئيس    برلماني من المضيق يُسائل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية    “مايلن المغرب” تطلق أولى وحداتها لإنتاج الأدوية بالمملكة    خبراء: ها مصدر القلق الرئيسي عند المرأة    يهم الحجاج الناظوريين: وزير الأوقاف يعلن عن 6 مستجدات لتحسين ظروف تنقل وتغذية وتأطير الحجاج المغاربة    قصة : ليلة القدر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«رائحة الأركان».. صداقة برائحة الزعفران -الحلقة12
نشر في اليوم 24 يوم 22 - 05 - 2019

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.
لا يمكنك زيارة تارودانت الشمالية خلال فترة الانتخابات ولا تجالس (الحاج بلعيد) عدة مرات، فهو موسوعة شعرية ولغوية، بل مدرسة تفيض تراثا وفكرا ومعينا من تجارب الحياة ومصدر معرفة بأحوال الناس، لدرجة أنه في بعض الأحيان يتراءى لي أن (الحاج بلعيد) يعرفه كل أهل تارودانت ونواحيها ويعرف جلهم، كبيرهم وصغيرهم.
طوال النهار تجده جالسا في مقهى أو على حجرة في زاوية على جانب الطريق بجلبابه وسلهامه، بتواضع الكبار، يجله الناس ويحبونه ويقدرونه، يمرون أمامه ويلقون عليه السلام باحترام يليق بقدره، يرد عليهم بعفوية وطلاقة ويسألهم عن أحوالهم.
(الحاج بلعيد) رجل متقاعد اشتغل لمدة طويلة في التدريس منذ خمسينيات القرن الماضي، درّس في العديد من المدارس العمومية بجهات وأقاليم متعددة في المغرب، يتحدث عنها بتفاصيل دقيقة وكأنه عاد منها فقط بالأمس القريب، قبل أن ينهي مساره المهني بالدار البيضاء كمدير لمدرسة ابتدائية ليتقاعد بعدها ويعود إلى أولوز، مسقط الرأس.
هو رجل في السبعينيات من العمر، درس خلال مساره الدراسي الكثير ممن أصبحوا الآن شخصيات ومسؤولين كبارا في المغرب، فحينما يتحدث عن أحدهم يذكر أنه درس على يديه، وكل تلامذته في تقييمه نجباء، يتحدث عن ذلك دون تباه، فكل التلاميذ كانوا لديه سواسية متساوين في نظره، يحكي سيرهم بفخر ممزوج بكثير من التواضع، لكنه يحسبهم كلهم أبناءه.
والكثير ممن سافر من أهل قريته، بنواحي بلدة «أولوز» وسط جبال تارودانت الشمالية، قد مروا واستقروا ببيته بالدار البيضاء لمدد متفاوتة قبل أن يدرسوا في الثانويات والمعاهد العليا أو الجامعات سواء بالدار البيضاء أو بالرباط، ظلت يد (الحاج بلعيد) بيضاء ممدودة للكثيرين وكانت خيرا عليهم لدرجة أنه لا يتذكر عددهم، كان بيته بالدار البيضاء، كذلك، محجا للعديد من الآباء وساكنة تارودانت ولكل من قصد هذه المدينة من أهل مدشره وقريته ومنطقة تارودانت عموما، من أجل رحلة علاجية أو لقضاء غرض تجاري أو إداري أو غيره.
يتقن (الحاج بلعيد) اللغة الأمازيغية، كما أن له قدرة لا نظير لها في التمكن من قواعد اللغة العربية، فهو كما يفكك رموز اللغة الأمازيغية لثقافته الواسعة بها وبتاريخها، له كذلك إلمام واسع باللغة العربية وبقواعدها وعلومها وبالثقافة الإسلامية، بحيث لا يخلو نقاشه باستشهادات دينية.
وعندما يناقشك (الحاج بلعيد) في اللغة العربية، يبحر بك في عالم الأدب العربي وبحور الشعر التي يحفظ منها الكثير، لا تكاد تذكر أمامه صدر بيت شعري حتى يقاطعك بذكر العجز من البيت، بل يتلو عليك قصيدة شعرية في الموضوع ذاته، وينهي كلامه بإعراب بيتها الأخير، فالحاج بلعيد رجل حافظ لدواوين عدة شعراء من جميع العصور، بدءا بشعر العصر الجاهلي والأموي والعباسي.. وما تلاهم من مراحل.
عندما تهمس بأي بيت شعري أمامه وتخطئ، يسارع فيصلح لك البيت الشعري شكلا ونحوا، ف(الحاج بلعيد) رجل أدب ونحو وبلاغة وشعر بامتياز، يتقن قواعد اللغة والنحو، يبحر بك في آيات وسور القرآن الكريم ليؤكد لك قاعدة لغوية أو يعدل لك فكرة أو يصحح لك مفهوما، فهذا الرجل المتواضع معجم لغوي يسير على قدميه. للحاج بلعيد ثقافة سياسية مهمة تحفل بتاريخ الفكر السياسي المغربي وتطور شخصياته منذ الاستقلال. وحينما التقيته بمناسبة الانتخابات الأخيرة حدثني طويلا عن مشكلة جديدة في الممارسة السياسية، وهي توظيف الدين في الممارسة السياسية، فقد بدا منزعجا من الذين يناقشون الدين من خلال السياسة، يتحدث عن السياسيين ولا يتهمهم، ينتقد السياسة ولا يتقزز منها، لكنه يربطها دائما بالممارسة الأخلاقية «فلا سياسة بدون أخلاق وأشخاص متخلقين يعطون النموذج»، يؤكد (الحاج بلعيد).
كلما عدت إلى الانتخابات بدائرة تارودانت الشمالية أجده متهيئا مستعدا للدفاع عني، يعتبرني ابنه الأصغر، لا يتردد في الجزم بكون انتمائي العائلي وإيماني بالله ورسوله، كما يقول تجعله مستعدا للدفاع عني في كل الاتجاهات من أجل ذلك. يتحدث للجميع عني حتى الجماعات التي لا يعرفها، فالكل يعرفونه، فمن من أهل تارودانت ونواحيها لا يعرف (الحاج بلعيد)؟.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.