حامي الدين أمام المحكمة مجددا    الصمدي يصف احتجاجات طلبة الطب بأنها غير منطقية ويعلق على السنة البيضاء    وهم يتلاشى    هجوم حوثي بطائرة قاصف "2 كا"على مطار أبها السعودي    منتخب كوت ديفوار يصل مصر يوم الخميس القادم    بيرهوف يتمنى استعادة ألمانيا لعقلية "كرة الشوارع"    الجزائر تتغلب على مالي تحضيرا لكأس إفريقيا    "مافيا الرمال" تهدد السواحل المغربية    الرجاء الرياضي يواجه أحد أندية "الليغا" في هذا التاريخ    مصر تحقق فوزا معنويا على غينيا قبل انطلاق “الكان”    النشطاء منوضينها فمخيمات تندوف.. كيطالبوا بوقفة قدام مقر غوث اللاجئين    مرشح مثلي سيتزوج من رجل إذا دخل البيت الأبيض    بعد تصريحات ولد الغزواني..موريتانيا استقبلات وفد من البوليساريو    “الشباك الوحيد” للاستماع لمشاكل مغاربة إيطاليا    المغرب يعتقل فرنسيا حاول تهريب مخدرات إلى بلده    نتنياهو سمى “ترامب” على مستوطنة فالجولان    أمطار غزيرة تُفسد المحاصيل الزراعية في فرنسا.. والبلاد ستعلن كارثة طبيعية    إختتام فعاليات مهرجان ماطا للفروسية في دورته التاسعة بأربعاء عياشة    رئاسيات أمريكا .. استطلاع يضع ترامب سادسا في نوايا التصويت    فيها ميسي وصلاح ومبابي.. هادي أغلى تشكيلة فالعالم    اكتظاظ المحطة الطرقية بالمسافرين والغياب التام للمسؤولين بالقصر الكبير    أوروغواي تقسو على الإكوادور برباعية نظيفة    شفشاون … إلى متى؟!    دراسة تربط تناول اللحوم الحمراء بالوفاة المبكرة..خبير: من الأحسن الدواجن والسمك    طقوس العرس التطواني.. عادات تمزج بين العراقة والحداثة    وفاة رجل مسن داخل مسجد أثناء أدائه صلاة الظهر    اعتقال المشتبه فيه المعتدي على المواطنة الألمانية    الجزائر: وزيران سابقان قيد الرقابة القضائية خلال يوم واحد في إطار تحقيقات بقضايا “فساد”    برلمان "كيبيك" يؤّيد إلغاء 18 ألف طلب هجرة إلى المقاطعة الكندية    معرض "ذوات" لعبد الكريم الوزاني في مركز تطوان للفن الحديث    اجماع على نجاح النسخة الاولى من الملتقى الجهوي الأول لمسرح الشباب بالعرائش بمشاركة 8 فرق مسرحية+ صور وفيديو    قتيل وجريحة في حادثة بضواحي سيدي سليمان    بالصور… جوائز الدورة الثامنة للمهرجان المغاربي للفيلم بوجدة    أسرار العفو الملكي بالمغرب.. صلاحيات متفردة ورغبة في تنفيس الاحتقان السياسي    عرافي تكتفي بالمركز الرابع في ملتقى محمد السادس    وزير الإسكان يدعو مغاربة المهجر للانخراط في انعاش القطاع العقاري    تفاصيل استجواب الرئيس السوداني المعزول البشير في نيابة مكافحة الفساد    سعد لمجرد يصدر أغنيته الجديدة "نجيبك"    هل غلق المساجد عقب الصلاة يعرقل العبادة؟    اقتصاديون يطلعون على فرص الاستثمار بقطاع الصيد البحري بطانطان    السلفادور تقرر سحب اعترافها ب"الجمهورية الصحراوية" الوهمية    لأول مرة .. المغرب يشارك في معرض القنص بفرنسا بحضور أخنوش .    لطيفة رأفت في أول ظهور لها بعد حملها-فيديو    دراسة تكشف تأثير طلاق الوالدين على صحة الأطفال!    وسط تصاعد حدة التوتر.. مقاتلات سعودية وأمريكية تحلق في سماء الخليج    الضرائب والمحافظة تحاصران مافيا “النوار”    اكتشاف علمي جديد يساعد على علاج سرطان البنكرياس    "فوربس" تنشر لائحة بأغنى أغنياء العرب    للراغبين في الاستثمار ..هذا موعد وتفاصيل بيع أسهم الدولة في اتصالات المغرب    مؤهلات فاس الحضارية والثقافية .. رافعة أساسية للاستثمار    “رام” تدشن قاعدة جوية بالعيون    ماء العينين: يجب احترام الحياة الخاصة للأفراد وعدم التجسس عليهم    إقليم شفشاون يستعد لموسم صيفي حافل بمعارض المنتوجات المجالية    خبراء: هاعلاش الدهون كتجمع فالكرش    منظمة الصحة تعلن فيروس الإيبولا “حالة طوارئ” للصحة في الكونغو    إزالة الحجاب بين المادي والعقلي 11    زيان: سيمفونية من الدرك الأسفل    وزارة الصحة، ورضى الوالدين والحماية الاجتماعية ما بعد الموت : 1 – مستعدلأن أدفع اقتطاع التغطية الصحية لأبي آدم ولأمي حواء رضي لله عنهماباعتبارهما والدَيْ البشرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«رائحة الأركان».. الحاج بلعيد: أركان الجبل -الحلقة13
نشر في اليوم 24 يوم 23 - 05 - 2019

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.
يتحدث (الحاج بلعيد) في مواضيع مختلفة، يعشق كثيرا السير لمسافات طويلة على قدميه دون تعب، وبمجرد حلول وقت الصلاة يقصد أقرب مسجد، بل ينسحب من اجتماع أو مسامرة أو جلسة مناقشة، ثم يعود لإكمال نقاشاته، لا شيء يشغله عن دينه، ينصت للناس بأدب ولا يثقل عليهم في الحديث، ثم ينسحب ليترك الناس وشأنهم.
يتصرف بنوع من الاستقلالية ممزوجة بنوع من الغموض، إذ لا يحمل للدنيا همّا ولا يجري وراء منافع لذاته، يعيش على القناعة. راغب في عمل الخير، لا يأتيه شخص في طلب ويرده، يشارك الناس جميع أفراحهم وأتراحهم.
كلما رن الهاتف وظهر لي رقم (الحاج بلعيد) أجيب على الفور، إذ للرجل في نفسي مكانة وحظوة، يتصل بي باستمرار للسلام والسؤال عني، أو للتدخل من أجل حالة إنسانية مستعجلة بالمنطقة، وفي بعض الأحيان يخبرني بأخبار هذه العائلة أو تلك، يخاطبني بلقب «الأستاذ» وكثيرا ما أتحرج في دواخلي، وأخاطبه أنا بسيدي (الحاج بلعيد) وأرى في ذلك مفخرة لي، موضوع مكالماته لا تتعدى دعوتي إلى الاتصال بفلان لأنه مريض أو أحد أقارب الآخر لأنه في مأزق أو الدعوة إلى زيارة ذاك لسبب من الأسباب، فهو حريص على إرشادي للسؤال عن أحوال الناس ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم.
يحفزني (الحاج بلعيد) دائما على بناء علاقات إنسانية أعمق وأوسع مع محيطي وأهلي وساكنة تارودانت وسوس كلها، وحينما أسأله عمن يكون الشخص الذي حدثتني عنه ينخرط في سرد عن النسب والانتماء الأسري والقبلي كأنه يعرف العائلات والأنساب كلها، يقدر العلماء كثيرا ويقدر الناس جلال قدرهم، يحدث الكبير كما الصغير، يقول لي وهو يبتسم: “إنهم كلهم عباد لله”.
يحب (الحاج بلعيد) في أغلب الأحيان أن يسير وحيدا، محدثا نفسه، يقرأ القرآن، أو ينشد مدحا في سيرة الرسول صلى لله عليه وسلم، أو ينشد شعرا، جدي، قليل المزاح، يحتفي بأي شخص يلتقيه في الطريق، يستجيب لدعوة هذا وذاك، يجتمع مع الجميع والكل يحب مجالسته، فالجلسة بوجود (الحاج بلعيد) لا تخلو من استفادة وإفادة في تواضع تام.
يعتبر (الحاج بلعيد) قبلة المحتاجين وخير وسيط وفاعل خير، تقضى كثير من حوائج الناس على يده، ما أن يأتيه شخص بطلب حتى يخرج هاتفه البسيط من جيبه ويتصل بهذا الشخص أو ذاك قد يكون عرفه أو تتلمذ سابقا على يديه، يتوسط لدى هذا المسؤول أو ذاك لقضاء حاجات الناس، فكل الزمن حتى الافتراضي للحاج بلعيد ملك للناس، يقول دائما: «نحن خلقنا في هذه الدنيا فقط، لعبادة لله والسعي إلى الخير لفائدة الناس”.
لا يريد (الحاج بلعيد) مغادرة قريته الصغيرة، مسقط رأسه بضواحي منطقة «أولوز»، ربما، لأنها تسكن روحه ووجدانه، أو، ربما، لأن هواءها النقي ينعش صدره، أو أكلها الطبيعي بالمواد الطبيعية الأصيلة كالزعفران وزيت الأركان يناسب صحته، لهذا يكره (الحاج بلعيد) السفر إلى الدار البيضاء حيث يملك بيتا آخر هناك سكنه لسنوات عديدة، يفضل بيته التقليدي البسيط بقريته على بيته العصري هناك بالدار البيضاء.
حينما تنتهي الانتخابات يسلم عليّ مهنئا ثم يختفي، فالرجل بهيئته وهيبته يحمل تاريخا من التدريس، علم الكثيرين ومازال يعلم بأخلاقه وبتواضعه الجميع.
حينما يحدث الجماعة يثير اهتمامها، يرد على هذا ويشاكس الآخر دون الإخلال بالاحترام ولغة وأخلاق وأدب الحوار، معاشه الزهيد يكفيه ويجعله مرتاحا بين ثنايا جبال الأطلس، يضحك ويردد: «لقد رجعنا إلى من حيث انطلقنا» وكأنه يقول: “الحمد لله الذي عدنا فيه إلى قواعدنا سالمين”.
عاش الحاج بلعيد أستاذا ومدرسا، كما سبقت الإشارة، وظل أستاذا في الأخلاق والتواضع. ولا شك أن مثل هؤلاء قلائل في زمننا، لا تكتب عنهم الكتب ولا تنشر صورهم في الصحافة، فهم لا يحبون الأضواء، وإنما يكفيهم العيش واحتلال المواقع الرمزية في قلوب الناس، إنهم أعمدة مجتمع إنساني وأخلاقي في القرى والمداشر، يقف الناس لهم إجلالا واحتراما.
أمثال الحاج بلعيد كثر في سوس، يعيشون على الكفاف، لا يثقلون على أحد ولا يسيئون للآخر، ينصحون الناس من حولهم، يتواصلون مع الجميع دون فرق بين الصغير والكبير وبين الغني والفقير.
يحدثني (الحاج بلعيد) دائما واحفظ له جملة تقول: «احرص على رحمة من في الأرض يرحمك من في السماء»، والتي يختزلها بقوله: «ارحم ترحم فالكل عباد لله». أطال لله عمر (الحاج بلعيد) ذلك الرجل الودود الجميل العميق الاستثنائي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.