جزر القمر.. أول بلد عربي يفتتح قنصليته في العيون    المعارضة تنتقد رفع العثماني "الراية البيضاء" أمام لوبيات الفساد    رونالدو يفكر جديًا في الرحيل ويُحدد وجهته المقبلة    فوزي لقجع يحفز لاعبي المنتخب قبل لقاء موريتانيا    الجامعة تصدر عقوبة في حق فريق الوداد    سلا.. اعتقال مقدم شرطة بعد شكاية عن ابتزازه تاجر مخدرات ومشروبات كحولية    مندوبية السجون ترد على مجلس بوعياش وتنشر صورا لموظفين مصابين قالت إن هناك "استهانة غير مفهومة بحق الموظفين"    الشرطة الاسبانية تعتقل عشرات القاصرين المغاربة    ابنة عويطة “كزينة”: محاولتي بلوغ العالمية لصالح المغرب    لجنة التأديب تستدعي يحيى جبران والحكم الرداد    تقرير"المنتخب": الناخب الوطني في قلب الزوبعة    الأميرة للا حسناء تترأس ببوقنادل حفل تسليم جوائز للا حسناء "الساحل المستدام" في دورتها الثالثة 2019    الرئيس الكولومبي ينوه بالتجربة الديمقراطية المغربية وبالإصلاحات التي عرفتها المملكة المغربية خاصة بعد الإعلان عن دستور 2011 من طرف جلالة الملك محمد السادس    البرلماني الطيب البقالي يقدم لرئيس الحكومة مقترحات عملية لدعم تمويل المقاولات الوطنية وإنقاذها من الإفلاس    الPPS يطالب بتوفير حماية دولية للفلسطينيين ووقف جرائم الاغتيال الإسرائيلية في أعقاب التصعيد الإسرائيلي    انتخاب راشد الغنوشي رئيسا للبرلمان التونسي    تساقطات ثلجية مهمة ستعرفها عددا من المناطق بالمملكة خلال نهاية هذا الأسبوع    المحتجون الكاتالونيون يغلقون طريقا سريعا رئيسيا يربط بين إسبانيا وفرنسا    الهداف التاريخي الإسباني دافيد فيا يعلن اعتزاله كرة القدم    عرض الفيلم الريفي "الوحوش" يحظى بمتابعة قياسية بعدما غصّ المركب الثقافي بالناظور بجمهور غفير    أخنوش: تم انتقاء 214 مشروعا لتربية الأحياء البحرية في جهة الداخلة لإنتاج 78 ألف طن ولتوفير 2500 منصب شغل    نواب الفدرالية يطالبون بخفض ميزانية القصر    تصفيات أمم إفريقيا 2021: بداية مخيبة للكامرون وصعبة لنيجيريا    فارس: لا لاختزال نقاش القانون الجنائي في قضايا مثيرة للجدل.. المطلوب احتواء الأزمات    الشاعرة إمهاء مكاوي: بعض الشعراءيحاولون الظهور على حساب شعراء آخرين بتشويه صورتهمالأدبية    بنشعبون يعترف : إسناد نظم المعلومات إلى جهات خارجية ينطوي على عدة مخاطر    التلمودي يتحدث عن خلافه بالعلم ويصرح: الخلاف انتهى بكلمة طيبة    أب لأربعة أطفال ينهي حياته داخل مطبخ منزله    الأستاذ المشرف على ممثلة المغرب في “تحدي القراءة العربي” ل”اليوم24″: تفوقت على الجميع لغة ونقدا وعمقا فكريا    مصرع 13 شخصا وإصابة 1828 آخرين خلال أسبوع    الإسلاموفوبيا تهديد حقيقي لمسلمي إيطاليا    الجواهري: الرقمنة تطرح تحديات معقدة و »غير مسبوقة »    اللبنانيون يقطعون الطرق الرئيسية ويتظاهرون قرب القصر الرئاسي    صندوق التجهيز الجماعي يحقق ناتجا داخليا بقيمة 409 مليون درهم    الناخب الوطني يكشف النقاب عن أسباب إستبعاد حارث أمين عن المنتخب    استنفار داخل المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة بعد إصابة طفلين بداء ''المينانجيت''    محكمة جزائرية تبرئ 5 متظاهرين في قضية رفع الراية الأمازيغية    بدء الجلسات العلنية بالكونغرس الأميركي في إطار إجراءات عزل ترامب    وزير العدل: القانون الجنائي يجب أن يحقق التوازن في احترام للحريات أكد أن المغرب قادر على ذلك    جنوب إفريقيا.. تعيين الباكوري رئيسا للجنة قيادة « ديزيرت تو باور »    الإله الفردي والإله الجماعي والحرية الفردية    الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري تمنح ترخيصا لخدمة إذاعية موضوعاتية موسيقية جديدة    نحو 25 ألف قاصر عرضوا على أنظار محاكم المغرب في 2018    الجواهري: التطورات الاقتصادية تضع القوانين على المحك    المغاربة في صدارة السياح الوافدين على أكادير خلال شتنبر 2019    بعد مسيرة مشرفة.. لقب تحدي القراءة العربي يضيع من فاطمة الزهراء أخيار    مهرجان طنجة للفنون المشهدية    المخرج المغربي علي الصافي ضمن لجنة التحكيم المهرجان الدولي للفيلم بمراكش في دورته ال 18    النيابة السودانية تخاطب سلطات السجون بتسليم البشير وآخرين    الوصية في الفقه والقانون وتطبيقاتها الإرثية 1/2    خصائص الحركة الاحتجاجية العراقية .    رغم مطالبة الفرق البرلمانية.. رفض فرض الضريبة على البيسكويت والبسكوي والمنتجات المماثلة والبريتزي    البيضاء.. خبراء دوليون يتباحثون حول الامراض التنفسية    طنجة.. انتشار الكلاب الضالة يهدد سلامة الساكنة    كيف يفسر انتشار النفاق الاجتماعي في المجتمع المغربي؟    شاب يتعرض لسكتة قلبية يوميا طوال 14 عاما    شاهدوا بالفيديو.. أجواء "الحضرة" في الزاوية الكركرية بالعروي إحتفالا بذكرى المولد النبوي    جماعة العدل والإحسان بالقصر الكبير في بيان للرأي العام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«رائحة الأركان».. الحاج بلعيد: أركان الجبل -الحلقة13
نشر في اليوم 24 يوم 23 - 05 - 2019

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.
يتحدث (الحاج بلعيد) في مواضيع مختلفة، يعشق كثيرا السير لمسافات طويلة على قدميه دون تعب، وبمجرد حلول وقت الصلاة يقصد أقرب مسجد، بل ينسحب من اجتماع أو مسامرة أو جلسة مناقشة، ثم يعود لإكمال نقاشاته، لا شيء يشغله عن دينه، ينصت للناس بأدب ولا يثقل عليهم في الحديث، ثم ينسحب ليترك الناس وشأنهم.
يتصرف بنوع من الاستقلالية ممزوجة بنوع من الغموض، إذ لا يحمل للدنيا همّا ولا يجري وراء منافع لذاته، يعيش على القناعة. راغب في عمل الخير، لا يأتيه شخص في طلب ويرده، يشارك الناس جميع أفراحهم وأتراحهم.
كلما رن الهاتف وظهر لي رقم (الحاج بلعيد) أجيب على الفور، إذ للرجل في نفسي مكانة وحظوة، يتصل بي باستمرار للسلام والسؤال عني، أو للتدخل من أجل حالة إنسانية مستعجلة بالمنطقة، وفي بعض الأحيان يخبرني بأخبار هذه العائلة أو تلك، يخاطبني بلقب «الأستاذ» وكثيرا ما أتحرج في دواخلي، وأخاطبه أنا بسيدي (الحاج بلعيد) وأرى في ذلك مفخرة لي، موضوع مكالماته لا تتعدى دعوتي إلى الاتصال بفلان لأنه مريض أو أحد أقارب الآخر لأنه في مأزق أو الدعوة إلى زيارة ذاك لسبب من الأسباب، فهو حريص على إرشادي للسؤال عن أحوال الناس ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم.
يحفزني (الحاج بلعيد) دائما على بناء علاقات إنسانية أعمق وأوسع مع محيطي وأهلي وساكنة تارودانت وسوس كلها، وحينما أسأله عمن يكون الشخص الذي حدثتني عنه ينخرط في سرد عن النسب والانتماء الأسري والقبلي كأنه يعرف العائلات والأنساب كلها، يقدر العلماء كثيرا ويقدر الناس جلال قدرهم، يحدث الكبير كما الصغير، يقول لي وهو يبتسم: “إنهم كلهم عباد لله”.
يحب (الحاج بلعيد) في أغلب الأحيان أن يسير وحيدا، محدثا نفسه، يقرأ القرآن، أو ينشد مدحا في سيرة الرسول صلى لله عليه وسلم، أو ينشد شعرا، جدي، قليل المزاح، يحتفي بأي شخص يلتقيه في الطريق، يستجيب لدعوة هذا وذاك، يجتمع مع الجميع والكل يحب مجالسته، فالجلسة بوجود (الحاج بلعيد) لا تخلو من استفادة وإفادة في تواضع تام.
يعتبر (الحاج بلعيد) قبلة المحتاجين وخير وسيط وفاعل خير، تقضى كثير من حوائج الناس على يده، ما أن يأتيه شخص بطلب حتى يخرج هاتفه البسيط من جيبه ويتصل بهذا الشخص أو ذاك قد يكون عرفه أو تتلمذ سابقا على يديه، يتوسط لدى هذا المسؤول أو ذاك لقضاء حاجات الناس، فكل الزمن حتى الافتراضي للحاج بلعيد ملك للناس، يقول دائما: «نحن خلقنا في هذه الدنيا فقط، لعبادة لله والسعي إلى الخير لفائدة الناس”.
لا يريد (الحاج بلعيد) مغادرة قريته الصغيرة، مسقط رأسه بضواحي منطقة «أولوز»، ربما، لأنها تسكن روحه ووجدانه، أو، ربما، لأن هواءها النقي ينعش صدره، أو أكلها الطبيعي بالمواد الطبيعية الأصيلة كالزعفران وزيت الأركان يناسب صحته، لهذا يكره (الحاج بلعيد) السفر إلى الدار البيضاء حيث يملك بيتا آخر هناك سكنه لسنوات عديدة، يفضل بيته التقليدي البسيط بقريته على بيته العصري هناك بالدار البيضاء.
حينما تنتهي الانتخابات يسلم عليّ مهنئا ثم يختفي، فالرجل بهيئته وهيبته يحمل تاريخا من التدريس، علم الكثيرين ومازال يعلم بأخلاقه وبتواضعه الجميع.
حينما يحدث الجماعة يثير اهتمامها، يرد على هذا ويشاكس الآخر دون الإخلال بالاحترام ولغة وأخلاق وأدب الحوار، معاشه الزهيد يكفيه ويجعله مرتاحا بين ثنايا جبال الأطلس، يضحك ويردد: «لقد رجعنا إلى من حيث انطلقنا» وكأنه يقول: “الحمد لله الذي عدنا فيه إلى قواعدنا سالمين”.
عاش الحاج بلعيد أستاذا ومدرسا، كما سبقت الإشارة، وظل أستاذا في الأخلاق والتواضع. ولا شك أن مثل هؤلاء قلائل في زمننا، لا تكتب عنهم الكتب ولا تنشر صورهم في الصحافة، فهم لا يحبون الأضواء، وإنما يكفيهم العيش واحتلال المواقع الرمزية في قلوب الناس، إنهم أعمدة مجتمع إنساني وأخلاقي في القرى والمداشر، يقف الناس لهم إجلالا واحتراما.
أمثال الحاج بلعيد كثر في سوس، يعيشون على الكفاف، لا يثقلون على أحد ولا يسيئون للآخر، ينصحون الناس من حولهم، يتواصلون مع الجميع دون فرق بين الصغير والكبير وبين الغني والفقير.
يحدثني (الحاج بلعيد) دائما واحفظ له جملة تقول: «احرص على رحمة من في الأرض يرحمك من في السماء»، والتي يختزلها بقوله: «ارحم ترحم فالكل عباد لله». أطال لله عمر (الحاج بلعيد) ذلك الرجل الودود الجميل العميق الاستثنائي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.