التقدم والاشتراكية يصف تعيينات هيئة الكهرباء ب«الوزيعة»!    "كنوبس" يعتمد إجراءات جديدة لتبسيط مساطر التأمين الإجباري عن المرض لفائدة مرضى السرطان والقلب وفي مجال الجراحة    الخزينة العامة: نفقات صندوق كورونا بلغت 24,7 مليار درهم    السويد تمنع القادمين من المغرب من دخول أراضيها    إقبال ضعيف على أداء صلاة الجماعة بمساجد الناظور بسبب الإجراءات الوقائية الصارمة    الرئيس اللبناني: خسائر انفجار مرفأ بيروت تفوق 15 مليار دولار    الخارجية الأمريكية تقدم المغرب كنموذج في مجال تمكين المرأة    إعلان نتائج اختبارات كورونا للاعبي أتلتيكو مدريد !    الزمالك يستعد لتوجيه ضربة لغريمه الأهلي محورها أزارو    المغرب التطواني يَعد جمهوره بمفاجآت برسم البطولة الاحترافية    مشرملون فحالة تخدير دكدكو 7 طونوبيلات فحي الضحى دليلة بفاس وتعداو على گارديان وها شنو لقاو عندهوم البوليس    دراسة أممية: جائحة كورونا تسببت في أكبر اضطراب للتعليم في التاريخ    روسيا :سيكون من السذاجة توقع رد فعل إيجابي من بعض الجهات بخصوص اللقاح الروسي    مهنيو قطاع النقل السياحي يخوضون إضرابا وطنيا ويطالبون بتأجيل سداد القروض    قانون بطاقة التعريف الوطنية الجديدة يدخل حيز التنفيذ.. وهذه الغرامات تنتظر المخالفين    انتحاران متزامنان وبنفس السيناريو بشفشاون والعرائش    7 حالات تقاست بكورونا فالداخلة    إستئنافية أكادير تؤيد حبس رئيس جماعة ينتمي ل "العدالة والتنمية" شتم عامل تارودانت    ثريا جبران تتعرض لوعكة صحية خطيرة والملك يتكفل بعلاجها    رباب ازماني ل "فبراير" الفيديو عفوي وزوجها فريد غنام يدافع عنها    وصفها ب"الأفعال الحقيرة" .. وزير الداخلية الفرنسي يدين إضرام النار في مسجد بليون    بسبب أزمة قلبية. وفاة عصام العريان، أبرز قياديي ‘الإخوان المسلمين' داخل سجنه بمصر    آرسين فينغر يرفض عرضا لتدريب برشلونة    كيفاش خرجات؟.. بوليس الصبليون حجز اكثر من 4 طن ونص ديال الحشيش جاية من ميناء طنجة المتوسط    الأزمة المالية تدفع حزب الاستقلال لبيع مقرات صحفه وبنحمزة: بيع العقارات ليس حلا لأنها تعتبر رصيدا استراتيجيا للحزب    المادة 42 من مشروع قانون مهنة المفوضين القضائيين..محامو البيضاء يرفضون "المساس بالاختصاص الحصري"    كريستيانو رونالدو يعرض نفسه على برشلونة    ادارة شباب الريف الحسيمي تعين خالد فوهامي مدربا للفريق    عدد الإصابات بكوفيد 19 في العالم يصل إلى 20.2 مليون    هيئة مدنية تطالب بالاستئناف العاجل لمصفاة "سامير"    ناغلسمان: لا أفضلية لأتلتيكو بنظام البطولة الجديد    تسجيل واتساب يحذر من عصابة نسائية يستنفر أمن فاس !    محمد شهاب الإدريسي: إسرائيل أكبر مستفيد من انفجار مرفأ بيروت    عاجل : 25 حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا تسجل بجهة سوس ماسة، أغلبها بأكادير، و هذا تقسيمها حسب الأقاليم.    وفاة الفنان المصري سناء شافع    العيد ليس مناسبة لاستغلال الناس والهائهم عن أهم شؤونهم    إسرائيل تحبط هجوما إلكتروني..وتتهم قراصنة "لازاروس" بأنها من نفذته    تطويق أحياء بكاملها بالدار البيضاء و منع التنقل بعد تفشي كورونا    البيع المباشر يحقق أكثر من 1.9 مليار دولار خلال 2019 كعائدات في إفريقيا والشرق المتوسط    كورونا تجتاح فرقا كروية مراكشية !    "EMAPHOS " تطلق مشروعا جديدا لمواكبة تطورات السوق العالمي من الحامض الفوسفوري الخالص    سيرة ومسيرة السيدة الحرة .. حاكمة تطوان    طقس الخميس..استمرار الأجواء الحارة وأمطار رعدية ببعض مناطق المملكة    الوزيرة علوي: برنامج إنعاش قطاع السياحة سينطلق هذا الأسبوع ويشمل تأمين المهنيين الأكثر هشاشة مع دعم المشغلين    الحكومة تصادق على كيفية استخلاص الغرامة الجزافية التصالحية طبقا لأحكام الطوارئ    "منتدى أصيلة" يصل سنته 42.. انتقادات تطال التدبير ومطالب برفع الغموض عن مالية المؤسسة    شادي النابلسي يوجه رسالة مؤثرة لوالدته سميرة سعيد    الناقد المغربي حمادي كيروم والمخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد في لقاء اليوم الخميس من ضمن لقاءات مركز السينما العربية    لقد سرق الفساد ما تبقى من خشاش حلم في هذا الوطن !    موظفة سامية بوزارة الصحة تجر خالد أيت الطالب إلى القضاء    "أوبك" تتوقع انخفاض الطلب العالمي على النفط في 2020    فسحة الصيف.. مغرب الأغنياء والفقراء    فسحة الصيف.. حين ابتسم الحظ للطفل ضعيف وملكت قندهار قلبه – الحلقة 2    ابراهيمي: جميع المغاربة سيستفيدون من نفس سلة العلاجات ومنخرطوا "راميد" لن تكون لديهم أي مساهمات    ما أحوجنا إلى فقه إسلامي جديد يموج بالتسامح وحب الحياة؟    فقهاء المغرب.. والتقدم إلى الوراء    فقيه يكشف مظاهر الأنانية التي تصاحب احتفالات عيد الأضحى بالمغرب    أولا بأول    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





القضاة يتنازلون عن صلاحياتهم لفائدة البوليس
اللوم لا ينبغي توجيهه إلى الشرطة أو المشرع وإنما إلى بعض الاتجاهات القضائية المتنازلة عن صلاحياتها التقديرية
نشر في الصباح يوم 02 - 12 - 2010

لقد نص المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية (المادة 290) على إمكانية إثبات عكس ما يرد في محاضر الضابطة القضائية حينما اعتبر أن محاضر الضابطة القضائية يوثق بمضمنها في الجنح والمخالفات إلى أن يثبت ما يخالفها بأي وسيلة من وسائل الإثبات. أي بمفهوم المخالفة أنه لا يوثق بمضمن هذه المحاضر إذا ثبت ما يخالفها، ولكن الاتجاه القضائي السائد حاليا يرفض فتح باب إثبات عكس ما ورد بهذه المحاضر وهو ما يجعلنا في مواجهة أزمة نفي يصطدم بها كل من يفكر في نفي صحة ما جاء في هذه المحاضر.
يجب أن نؤكد أن الدفاع وخاصة دفاع المتهمين ليس لديه أي عداء لمحاضر الضابطة القضائية، لأن مجموعة من المحاضر لا يمكن أن تنظر إليها إلا نظرة احترام بالنظر إلى المهنية والاحترافية والحيادية العالية التي تنجز بها بواسطة عناصر ذات مستوى عال من التكوين والانضباط سواء داخل صفوف الدرك الملكي أو الشرطة، وهذا النوع من المحاضر يمكن للقضاء أن يأخذ به عن قناعة وهو مرتاح الضمير.
ولكن بالمقابل هناك محاضر خالية من الحيادية والمهنية، بل قد تصل أحيانا إلى حد التلفيق والافتراء، بعد أن يتحول محرروها إلى أطراف منحازة ضد أطراف أخرى خاضعة للبحث، وهو ما يجعل هذه المحاضر محل تشكك مشروع، ومن المفروض ألا يبني عليها القضاء أحكامه التي تصدر باسم أعلى سلطة في المملكة. إن العلاقة بين القضاء ومحاضر الضابطة القضائية لا ينبغي أن تخضع لتحليل طفولي يفكر بمنطق الغلبة، من يغلب من؟ ولكن القضاء يجب أن يتعامل مع هذه المحاضر بمسؤولية. فلا يمكن أن نطالب القضاء بأن يرفض كل محاضر الضابطة القضائية، كما لا يمكن أن نرضى بالاتجاه القضائي السائد حاليا والذي يتجه نحو قبول كل محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات دون استثناء. ورغم أن المجلس الأعلى نفسه يؤكد في قراراته المبدئية أن محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات تخضع للسلطة التقديرية لقضاء الحكم، إلا أننا نجد أن هذه السلطة تتعطل لدى العديد من القضاة الذين يميلون إلى المصادقة على ما يرد في هذه المحاضر للهروب من تعقيدات إخضاع هذه المحاضر للتمحيص والتقييم والترجيح، وهو ما يستدعي من القاضي مجهودا أكبر وكفاءة أكثر على مستوى صياغة الحكم وتعليله والبحث عن حيثية أخرى بديلة عن أشهر حيثية لدى قضاء الجنح والمخالفات وهي: «وحيث إن محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات يوثق بها... الإدانة».
إن تتبعنا للعمل القضائي الزجري بخصوص الجنح والمخالفات ومعاينتنا للمكانة الاستثنائية التي تحتلها محاضر الضابطة القضائية في وجدان الكثير من القضاة ، والحالات النادرة المعدودة والمحصورة التي خرج فيها بعض القضاة عن «الإجماع القضائي» حول قدسية نصوص الضابطة القضائية واستبعدوا محاضر أو أبطلوها أو أبطلوا بعض الإجراءات المرتبطة بإنجازها.
إن تأمل هذا «الإجماع القضائي» لا يفيد إلا خلاصة واحدة هي أن محاضر الضابطة القضائية تتصف بالكمال و لا يعتريها الخطأ ولا النسيان، ولا يتصور فيها التحريف أو النسيان، مع أن الواقع يشهد بوجود محاضر حررت بمهنية وحيادية وموضوعية، كما يشهد بوجود محاضر تخللتها أخطاء أو عيوب مسطرية غير مقصودة، وشهد كذلك بوجود محاضر خرجت عن المهنية وارتكبت فيها انحرافات جنائية.
وهذا يثبت أن العمل القضائي الزجري لا يمارس رقابة ناجعة وفعالة على هذه المحاضر ويعطي شهادة عذرية غير حقيقية للعديد من المحاضر الفاسدة.
وهو ما يفرض إعادة النظر في هذا «الإجماع القضائي»، وقبول فكرة أن محاضر الضابطة القضائية عمل بشري قابل للأخذ والرد.
لذلك فحينما ندعو القضاء إلى أن يمارس رقابته على محاضر الضابطة القضائية ويقبل عليها حين يجب الإقبال، ويدبر عنها حين يجب الإدبار، فإنما ندعوه بذلك إلى تقديم خدمة وطنية تساهم في تطوير عمل الضابطة القضائية وتدفعه نحو الاحترافية والمهنية والجودة. فإذا كان ضابط الشرطة القضائية بصيرا، وكان القاضي المكلف بتقييم محضره بصيرا أيضا فلا يمكنك إلا أن تنتظر حكما قضائيا راقيا فوق السحاب، أما إذا كان ضابط الشرطة القضائية أحول والقاضي المكلف بتقييم محضره أعمى فانتظر آنذاك حكما زائغا عن سكة الصواب. وإذا أصبحت محاضر الضابطة القضائية حاليا هي التي تحدد مصير الأشخاص المقدمين للعدالة في الجنح والمخالفات ، فإن المسؤول عن ذلك هو القضاء، لأن الضابطة القضائية تقوم بعملها بغض النظر عن نوعية هذا العمل في حين لا يمارس العديد من القضاة الصلاحيات المخولة لهم قانونا.
إن الكثير من الممارسين والمحامين أصبحوا لا يؤمنون بجدوى التحقيق ما دام أغلب قضاة التحقيق يكتفون بالبحث في حدود ما سطر بمحاضر الضابطة القضائية دون زيادة أو نقصان.
كما أن الكثير من المحامين أصبحوا لا يحسون بوجود مسطرة اسمها البحث التكميلي المخولة لقضاة الحكم لتجاوز نقائص المحاضر وللوصول إلى الحقيقة، لأن المحامين أصابهم التعب من طلبها دون أن يستجيب أغلب القضاء لطلباتهم.
بل إن بعض المحامين أصبحوا يؤمنون بعدم جدوى المرافعة في مواجهة محضر ضابطة قضائية يتضمن اعترافا بجنحة أو مخالفة معروض على قاض عاجز عجزا مهنيا دائما عن المس بقدسية هذا المحضر بإبطاله أو استبعاده ، وعاجز عجزا مؤقتا عن إعطاء المتهم حقه في إثبات خلاف ما ورد بالمحضر، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة التشويه الجمالي الذي يصيب المحاكمة في عدالتها وتوازنها.
إننا لا نطلب من القضاء أن يرفض محاضر الضابطة القضائية ولكن فقط أن يقبل هو مناقشتها، لأن القضاء وإن كان يقبل مناقشة هذه المحاضر من طرف الأطراف و الدفاع، فإن المشكلة الكبرى هي أن القضاء يرفض أن تكون هذه المحاضر موضوع مناقشة لديه في قناعاته الداخلية.
إذن فأصل المشكلة هو نفسي وعاطفي بالدرجة الأولى، فالمشكلة ليس مصدرها عناصر الضابطة القضائية لأن هؤلاء يقومون بأعمالهم، ما هو صالح منها و ما هو دون ذلك، والمشكلة ليس مصدرها أيضا المشرع ، لأن هذا الأخير فتح الباب لإثبات عكس ما يرد في هذه محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات (المادة 290)، ونص صراحة أن المحاضر لا يعتد بها إلا إذا كانت صحيحة في الشكل (المادة 289) واعتبر هذه المحاضر مجرد معلومات في الجنايات ( المادة 291)، كما أنه لم يمنع القضاة من استبعاد محاضر الضابطة القضائية وإنما ترك لهم سلطة تقدير للأخذ بها، أو عدم الأخذ بها، شريطة التعليل، وهو ما كرسته أعلى محكمة بالمملكة وهي المجلس الأعلى.
ولكن المشكلة تكمن في هذا الحب والتعلق الشديد بمحاضر الضابطة القضائية والذي تحول إلى شغف سكن قلوب العديد من القضاة ، ولما كان الحب يعمي ويصم كما يقال، فقد كان طبيعيا ألا تنفع تحذيرات الدفاع من بعض المحاضر المحبوبة دون وجه حق، ولا أن تفلح مرافعات المحامين ولا كلمات الصد التي يحاولون إسماعها لبعض القضاة في زعزعة هذا الحب أو النيل منه. لذلك فموقفنا واضح وكلمتنا للقضاة الممارسين في مجال القضاء الزجري هي أن هناك فعلا محاضر ضابطة قضائية تستحق حبهم، ولكن هناك بالمقابل محاضر أخرى لا تستحق هذا الحب لأن عيوبها وتشوهاتها كافية للنفور منها.
يوسف وهابي المحامي بالجديدة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.