الملك يستقبل بالحسيمة مفتش القوات المسلحة    الملك يصدر عفوا عن 443 شخصا وسط ترقب للإفراج عن “معتلقي الريف”    مدرب الرفاع البحريني لا يثق بالترشيحات    الألعاب الإفريقية بالرباط .. المنتخب المغربي ينهزم أمام بوركينا فاسو لأقل من 20 عاما    كيف يمكن أن يتسبب انتقال كوتينيو في تخفيف العبء على برشلونة؟    الورفلي مودعا مكونات الرجاء: “كانت فترة لاتصدق.. سأفتقد الجميع وأتمنى لكم التوفيق مستقبلا”_ صورة    مستشار العثماني يتفاعل مع تغريدة ترامب عن المساواة في الارث    تألق مارسيال يواجهه "قلة إبداع" خط وسط يونايتد    المستشارة الخاصة للرئيس الأمريكي تشيد باعتماد إطار تشريعي جديد حول الأراضي السلالية    وزارة الصحة: التقرير الذي صنف المنظومة الصحية بالمغرب بمراتب متأخرة دوليا يفتقد للدقة والمصداقية    الطلاب الجزائريون في الشارع للأسبوع ال26 على التوالي    إسبانيا.. فتح بحث حول محاولة اعتداء مغربي على منقذة سباحة    عامل إقليم جرادة يشرف على تسليم معدات و تجهيزات مقتناة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية،    منظمة تتهم الجزائر ب"الاحتجاز التعسفي وسوء معاملة" بنشمسي    قتيلة وجرحى ضمنهم 8 كوريين في حادثة سير    بفضل دعم صاحب الجلالة.. المغرب يضع العمل المناخي في صلب سياسته الوطنية    اليوفي يخطط للتعاقد مع لويس سواريز    مالكة وكالة أسفار بتطوان تنصب على 30 محاميا وعدتهم بتنظيم رحلة إلى بلدان أوروبية وقاضي التحقيق يحيلها على السجن    فوائد صحية مذهلة .. 5 أسباب تدعوك لتناول المزيد من الطماطم    ارتفاع عدد ليالي المبيت بمؤسسات الإيواء السياحية المصنفة بمراكش ب8 في المائة    حافلات النقل الحضري الجديدة تدخل للخدمة في الرباط ونواحيها ابتداء من الغد    أقوى الخصومات دليلك الكوبونات وعروض الخصم الأول في العالم العربي    باحثون: الأرق يمكن أن يعرض الأفراد لخطر الإصابة بأمراض قاتلة    صحيفة “ديلي ميل” البريطانية :علماء يطورون جهازا قد يعيد البصر لملايين المكفوفين    وزراء الرياضة الأفارقة والاتحاد الإفريقي يعربون عن امتنانهم لصاحب الجلالة الملك محمد السادس    رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي يعلن استقالته    سيوف وهراوات.. صراع حول أراض سلالية ضواحي طاطا ينذر بمجزرة اتهامات بطمر الآبار وتسميم الإبل ونهب التمور    نشرة خاصة.. موجة حر بالعديد من مناطق المملكة    الباروميتر الإفريقي: معظم المغاربة لم يسمعوا عن التغير المناخي ولا يدركون عواقبه السلبية    تنصيب عدد من رجال السلطة الجدد بإقليم خريبكة    هذا هو مصير الخونة.. سلطات الجزائر تتهم بنشمسي بالتحايل والعمالة وتطرده !!    ارتفاع كبير لدرجات الحرارة ابتداء من اليوم ومناطق ستسجل 46 درجة    رئيس" الباد".. هذه التحديات الخطيرة المطروحة على إفريقيا    ماء الصنبور يهدد الأطفال الرضّع لهذا السبب    لتزامنه مع بداية الموسم.. القلق يسيطر على مدربي الأندية بسبب معسكر المنتخب المحلي    ذكريات عبرت… فأرخت.. أنصفت وسامحت 3 : الزّهراء …    مبدعون في حضرة آبائهم 41 : نادية القاسمي شاعرة وفنانة تشكيلية : خربشات ومكتبة أولى    سفن الصيد الإسبانية تعود للصيد في المياه الإقليمية المغربية    ارتفاع أسعار النفط بفضل آمال التحفيز والتجارة    ثورة الملك والشعب ذكرى 20 غشت 1953.. ماذا حدث في هذا اليوم؟    قصيدة أهل الكهف للشاعر عصمت شاهين دوسكي    تزايد حالات الغش الخطيرة في المواد الغذائية    حفل افتتاح الألعاب الإفريقية الرباط 2019.. مغرب السلام والتسامح    قطة « يتيمة » تحقق أرباحا كبيرة لزوجين عبر « إنستغرام »    إيفانكا ترامب تشيد بعزم المغرب إدخل تعديلات على نظام الميراث.. ورواد “فيسبوك” يطلبون توضيحًا من الحكومة    محامي البشير يثير جدلاً: الرئيس لا يملك إلا منزلًا واحدًا ومزرعة صغيرة    «مناجم» تخسر 370 مليون درهم جراء انخفاض أسعار النحاس والكوبالت : الدرع المعدني لهولدينغ «المدى» يتأثر بالحرب التجارية بين أمريكا والصين    حصيلة حوادث السير بالمدن خلال الأسبوع الماضي    اللمة 16 بوادي لاو… : موعد متجدد لإبراز الحق في الثقافة والفنون والبيئة    » حبوبي قرطاسة » كليب جديد للفنان أيوب الحومي    بسبب الطيار.. سارة نتانياهو تحاول اقتحام قمرة القيادة    زوجة نتنياهو تشيد بجودة حشيش المغرب وتكشف حب زوجها للطبخ المغربي    أيها الحاج.. أي شيء تبتغي بحجك؟    هدى بركات: العالم العربي خاضع للدكتاتورية! (حوار)    لا شأن للزمان بالنسيان    المجتهيييد    حجاج كطالونيا والذئاب الملتحية    الجديدة: تهنئة الى السيد خميس عطوش بمناسبة أدائه لمناسك الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





"المرأة ذات الخمار الأسود"
نشر في كواليس اليوم يوم 25 - 06 - 2019

وقائع القصة مستوحاة من القرن الرابع عشر الميلادي في عهد المرينيين وملوك
بني الأحمر بالأندلس . تجري أحداثها بين مدن فاس وسبتة وغرناطة وقرطبة ،
بطلتها أُنْسُ القلوب ؛ المرأة ذات الخمار الأسود ، سليلة لسان الدين بن الخطيب
الذي سعى به الوشاة إلى السلطان أبي سالم المريني ، ورموه بالمروق والزندقة ..
تحفل فقرات الرواية التاريخية هذه بأحداث جسام وشخوص لامعة في عهد ملوك
الطوائف ، تتخلل فصولها لغة تراثية من صميم الحضارة الأندلسية .

مصرع لسان الدين بن الخطيب

ترقد مدينة فاس بسفوح جبل زلاغ الذي تنافرت حوله حكايا وأقاصيص بأنه وقف بشموخه ، وما زال في وجه زوابع ورياح قائظة ؛ يقال إنها أحيانا تقل نسمات سامة تتسرب إلى الدور والحارات القريبة من باب المحروق ؛ أشهر منطقة شهدت أعنف الحروب والملاحم عبر التاريخ القديم ، وكانت مسرحا لإراقة الدماء بين الخصوم الذين تعاقبوا على استيطان المدينة واتخاذها حاضرة لسلطانهم ، علاوة على كونها كانت ميدانا لضرب رقاب الضالين والمارقين وإحراق جثثهم والتنكيل بها .
صبيحة يوم جمعة قارس ، وبينما كانت السحب تتمطى في سيرها نحو المشرق ، أخذت حشود من سكان المدينة تتقاطر على المنطقة المحاذية للباب ؛ لا تقرأ في سحناتهم ونظراتهم سوى أمارات القلق والخوف من مصير الرقاب التي ستهوي عليها سواعد السيافين بعد قليل !
في خضم الهرج والمرج واللغط ، والأعناق تشرئب وتمتد صوب الباب ، إذا بها تخترق الصفوف لتتوقف في المقدمة ، كانت فارعة الطول ترتدي حايكا فاقع اللون ، متلفعة بخمار أسود تتراءى من خلفه نظرات زائغة وهي تحاول معاينة مشهد هذا " العرس الدموي !" ... دبّت وشوشة بين الحشود ، لكنها سرعان توقفت على وقع صوت جوهري خشن صادر خلف الباب ، ارتعدت له فرائس الجميع : " ... الله أكبر ، تنفيذ شرع الله ، في حق كل مارق ضال .."
لم يكد يتمها حتى هرول بعض الزبانية وحملوا رأسا تقطر دماء ، يهمّون تعليقها على الباب .. وفي أثره صدرت آهات وحولقات وتكبيرات دبّت وسط الحشود دبيب النيران في الهشيم :
" ... نعم ... هو .. هو .. رأسه هذه .. رأس لسان الدين بن الخطيب .. !" . أخذت المرأة تحدق بإمعان في الرأس المعلقة ؛ وقد حفتها سحابة دخان جراء إحراق جثته ، حينئذ أخذت تندب خديها مولولة تارة ومزغردة أخرى وسط ذهول تلك الجموع التي أخذت تشيّع خطواتها قافلة إلى جوادها هناك . امتطت صهوته ووخزت ركابها ليطلق أطرافه للريح ... كانت الأنظار تتعقب مشهد سنابك جوادها تنهب الأرض نهبا ، حتى توارت بين أشجار الصفصاف والعليق .

جنبات القرويين تضج بالحوقلة

من الأعراف التي ظل جامع القرويين محافظا عليها انعقاد حلقات العلم بين العشائين ؛ يؤمها أصحاب الفضيلة من الفقهاء والشعراء والحكماء بحضور عامة القوم ، لكن أحدا لم يحضرها بل تحولت جنبات المسجد إلى زمر الواحدة جنب أخرى تخوض في همهمات لا يستبين لها معنى إلا بالحوقلة والجأر بالدعاء والمغفرة . أحدهم ما انفك يفرك لحيته ويضرب راحته بجبينه ؛ محملقا في المتحلقين من حوله ، قال مزمجرا : " ... نعم .. لم نعد نأمن على أرواحنا من كيد الكائدين وأعين البصّاصين ... ماذا جنى الرجل حتى تمتد إليه تلك الأيادي الآثمة ؟ ..."
آخر معقبا بصوت متهدج : " .. فقط كان بيننا منذ بضعة أيام .. رحمة الله عليه ، كان فقيها ورعا .. لكن ما هي جريرته حتى يلقى هذه النهاية الغادرة ؟ .."
الأول : " .. ما إن علم الحساد بتقلده الوزارتين حتى ضجوا وعميت قلوبهم .. وشوا به إلى السلطان أبي سالم المريني .."
قاطعه ثالث رافعا عقيرته : " .. نعم .. نعم .. كان الوشاة يشكلون مجلس السلطان الغرناطي محمد الخامس الغني بالله ، أكثرهم من الوشاة ، فأوعزوا أمره إلى فقهاء فاس .. وبذلك اتهموه بالإلحاد والزندقة .. "
آخر التحق بزمرتهم : " .. الإلحاد والزندقة .. كيف ؟! وهو العالم الجليل الذي دأب الناس على حضور حلقات تدريسه وفتاويه ، إنه لأمر .."
الأول مقاطعا واضعا سبابته على فيه وبعينين حمراوين جاحظتين : " .. اتهموه في كتابه الأخير : ‘‘ روضة التعريف بالحب الشريف '' ، وقد سمعت بعضهم في المحكمة الشريفة البارحة يردد بعظمة لسانه : .. "لسان النار ستحرقك يالسان الدين .." .
يرد آخر في مؤخرة الزمرة ، ولم يكن سوى تلك المرأة متنكرة في لباس شيخ بسلهام أسود : " .. الويل لهم .. وكيف الفرار من عذاب الله .. { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار } . التفتت إليه الأنظار مرتابة في سحنته ، لكن سرعان ما مال كل منهم على حذائه يريد الانسحاب من المسجد !

أنس القلوب

هناك بأعلى تلة محاذية لباب عجيسة تقع بناية ذات طراز أندلسي بطابقين ، يتخللها حوش تناثرت على جنباته شجيرات الزيتون والرمان ، يلف المكان سكون تخترقه بين الفينة والأخرى ترنيمات شجية .
رفع بصره إلى رتاج الباب قبل أن يطرقه بخفوت . أطلت امرأة من كوة هناك وهي تنادي بصوت متهالك :
" .. من الطارق .. الطارق ؟ "
" .. هذا ابن مالك الإشبيلي ..."
" .. أي نعم ، ولكن لا أدري إن كانت تريد استئناف دروسها في الموسيقى .. عفوا انتظر .." ، دلفت إلى فناء الدار لتلفي نفسها أمام فتاة في ريعان الشباب ، أخذت لنفسها متكأ وقد احتضنت إلى صدرها النابض بالحياة آلة عود ؛ لا تنفك أناملها الرقيقة تداعب أوتاره ، بينما كانت شاخصة بعينيها الخضراوين إلى السماء وكأنها تودِع مشاعرها الفياضة تلك الترانيم الشجية ، بين لحظة وأخرى كانت تعبث خصلات شعرها نسمات متخفية وراء حفيف أوراق الشجيرات . لم تشأ أن تفسد عليها خلوتها ، لكنها نحنحت قبل أن تستأذنها : " .. سيدتي أُنس القلوب إن أستاذ الموسيقى الإشبيلي بالباب .. أتأذنين له ... " ، قاطعتها بصوت رخيم : " .. أنا في حالة لم تعد تسمح لي بملاقاة أحد .. "
" .. بنيتي .. هذا قدر الله .. منذ غياب المرحوم والدك وأنت تعافين الحياة .. "
" .. هيا دعيه يدخل إلى البهو المجاور حالما أرتدي حائكي .." .
ولجت البهو في خمارها الأسود ، دون أن تصحب معها آلات الطرب ، بادرت الإشبيلي : "
" .. أبا مالك .. لن نطيل المكوث وأنت تعلم أن العِدى ما زالوا يتربصون بنا الدوائر ، لم يكفهم تجريدنا من كل ممتلكاتنا وخدمنا .. ومن يدري غدا أو بعده سيصادرون ما تبقى لدينا ... أراك مطرق الرأس لعلك تحمل لنا خبرا ما ..؟ "
غمغم الإشبيلي بصوت مختنق : " .. نعم سيدتي صدق حدسك ، فقد تناقلت أعين المرينيين أن النّباهي يقف وراء مكيدة الإيقاع بوالدك ، لكني ترددت في البداية بقبول هذه الإشاعة ولم يصدق يقيني حتى قابلت بالأمس أبا جعفر الوضاء إبن الخليفة العناني الذي يتلقى حاليا على يدي دروسا في الاستشفاء بالموسيقى ، فأكد لي صحة هذا النبأ ، وهو الذي أوعز إلى فقهاء فاس ليطعنوا في كتابه "روضة الحبيب في التعريف بالحب الشريف" ، ورميه بالمروق ، فأصدروا في حقه فتوى بإحراقه مع كتبه .." . قادته إلى سرداب هناك ؛ يضم صناديق خشبية محكمة الإغلاق وأومأت له بسبابتها :
" .. أبا مالك ؛ هذه أغراض المرحوم والدي ، يجب إبعادها فأعين التلصص مسلطة علينا وليس أمامنا سوى منفذ واحد هو العبور إلى غرناطة في أقرب الآجال وإلا داهمنا العِدى .."
الإشبيلي مستوضحا : " .. نعم سيدتي ، مطيّتنا سوف تكون جاهزة بعد يومين للالتحاق بمرفأ سبتة ، وربما صادفنا سفينة الكروان لتمخر بنا البحر في اتجاه بلاد الأندلس .."
أنس القلوب مقاطعة : " .. لننطلق في جنح الظلام .. أكثِر من رجال العسس لا تنشغل بالأتعاب وتكاليفها ، واحمِل معك كفاية من الزاد ..." ؛
الإشبيلي يرد بتصميم : " .. نعم سيدتي ، قافلتنا ستضم عشرة رجال بمن فيهم دلّال المسالك وعين القافلة والطاهي والحوذي والحراس .." ، تنحت قليلا إلى الخلف قبل أن تشيعه إلى الباب الخلفي :
" .. من هذا الباب سنشحن الصناديق والمؤونة .. عجّل في الأمر ..."
" ... حاضر سيدتي .."

قافلة في طريقها إلى سبتة

في جوف ليل بهيم تسللت عربة بجوادين بين أشجار العليق حتى إذا توقفت بالباب الخلفي ترجل أحدهم وأسرّ بهذه العبارة ملتفتا إلى آخرين أخذوا ينزلون من العربة تباعا : " ... الحذر .. الحذر يارجال هناك شحنة من الصناديق فلْتركنوها إلى الخلف .."
. صعدت ذات الخمار الأسود إلى مقدمة العربة ، وفي أثرها صعد الإشبيلي والحراس .
فرقع الحوذي سوطه في الهواء إيذانا بالإقلاع .. فلم يكن منها إلا أن استعرضت أمام ناظريها ، وبغصة شديدة ، موقع منزل لسان الدين بن الخطيب ، وكأنها تودع المكان بغير رجعة .
شقت القافلة مسارها وسط أدغال وأحراش كثيفة ، حتى إذا توارت قليلا عن دور متناثرة هناك .. وبينما كانت أنوار خافتة تلوح في الأفق البعيد كعلائم لغبش الفجر ، ذهب الجميع في نوم عميق على وتيرة عجلات العربة ترقص بهم ذات اليمين وذات الشمال .
كان الحوذي لا ينفك عن فرقعة سوطه لحث الجياد على المد في سرعتها . وكانت الشقة بعيدة مضنية ؛ والعياء بدأ يأخذ بحوافر الجياد بعد يومين من السفر الشاق مما أجبرهم على إراحة القافلة وإمضاء ليلة تحت الخيام .
انتشر العسس حول العربة ، وبعد أن خمدت نيران الطهي آوى بعضهم إلى الفراش ، في حين ظلت عيون العسس تترصد كل حركة مشبوهة من حولهم . وما إن مال الليل إلى هزيعه الأخير حتى لاحت لأحدهم من بعيد جياد أشبه بأشباح تتحرك في ظلمة الليل ؛ هبّ أحدهم مستنفرا بقية الحرس ، امتشقوا سيوفهم وأخذوا أهبة المواجهة قبل أن يداهموهم على حين غفلة ... كانوا عبارة عن شرذمة من قطاع الطرق ملثمين تترصد غنائمها وسط تلك الأحراش . التحموا بهم مشاة قبل أن يجندلوهم إلى الأرض وأخذوا في وكزهم وطعنهم .. وفي غمرة صهيل الجياد وصليل السيوف وصراخ الكر والفر استفاقت ذات الخمار الأسود ؛ ولم تلبث أن جردت سيفها وزعقت وسط رعب الفلول وهم لا يدرون بعد أجِنّي هذا الذي كان يرقص بسيفه أم آدمي ؟!

من مرفأ سبتة إلى مملكة غرناطة

تزدحم مراكب عديدة بهذا المرفأ الذي كان قبلة للتجار المرينيين العابرين إلى إفريقيا عبر المغرب . وكانت راسية هناك سفينة شراعية قيل إنها تتردد بين مملكة غرناطة والمغرب كل شهر ... لغط وحركة دائبة وسط بحارة وتجار ومسافرين وغرباء .. قادمين من الإمبراطورية العثمانية وأعماق إفريقيا ؛ لاحت من بينهم المرأة ذات الخمار الأسود صحبة الإشبيلي يقتفون خطوات الحمّالة في طريقهم إلى وسْق صناديقها . كان مقتل لسان الدين بن الخطيب ما زال متداولا على ألسنة بعضهم بكثير من الاستهجان والاستنكار ، ولو في سرية تامة حتى لا تتناهى إلى مسامع البصّاصين وعيون المرينيين الذين ينتشرون كالجراد في كل جنبات المرفأ .
فُكّت الأربطة فتحركت السفينة وتحركت معها عصي مجاذيف ضخمة على الواجهتين ، كانت تتهادى على المياه وتبتعد قليلا على أرصفة المدينة وسط سماء صافية محملة بنسمات خفيفة ؛ تداعت لها أشرعة السفينة منتصبة جهة المشرق . كانت هناك مقاعد خشبية مغشاة بالجلد والصوف ؛ أعُدّت للمسافرين ، وأسفل منهم في طوابق خاصة ، شحنات من ذخيرة الأسلحة والسلع والمؤونة .
كانت المرأة ذات الخمار الأسود لا تنفك عن الإسرار بحديثها إلى الإشبيلي حول المركز الذي كان يشغله أبو الحسن علي النباهي في مملكة غرناطة كقاضي قضاتها وأمين سر خليفتها محمد الخامس الغني بالله .. وأمها الغرناطية التي كانت تنحدر من أصول جرمانية ، وقصة اختفائها داخل ردهات قصر الحمراء . كانت معظم أوقاتها ؛ على متن السفينة ؛ تقرأ أوراقا من مخطوط والدها ‘‘ روضة التعريف بالحب الشريف '' ، متنهدة بين الفينة والأخرى ومحوقلة أو متسائلة في قرارة نفسها : " .. أيعقل أن تحمل هذه المعاني النبيلة ما يعكر صفوها واتهام صاحبها بالكفر والمروق ؟! إنها فتاوي هؤلاء الأجلاف وعلى رأسهم الجُعْسوس كما لقبه والدي رحمة الله عليه .." .
كانت سادرة في لواعجها لكن سرعان ما انصاعت إلى لغة البحر وعبابه ، حينما شعرت بارتجاجات وتمايلات أفقدتها توازنها ، فالتفتت فإذا بالمسافرين يضجون تكبيرا وصراخا ؛ كانت ليلة بريح عاتية وأمواج صاخبة ، شرعت تضرب وسائد السفينة .. كما كانت هناك نداءات متلاحقة صادرة من جموع البحارة يتسلقون حبال السفينة يحاولون تعديل اتجاه الأشرعة : " .. عاصفة .. .. عاصفة .. ! إلزموا أماكنكم .. ابتهلوا إلى الله .. " .
اشتد عواء الرياح مصحوبة بسيول جارفة ؛ تلاطمت الأمواج على أثرها وحفت بالسفينة من كل جوانبها ، فأصبحت تتأرجح ؛ تعلو وتنخفض ، لعل المياه كانت قد قصمت الصاري وصار تحت رحمة الزوبعة ترفع السفينة عاليا لتهوي بها إلى جزْر منخفض . بدت جنباتها تنفك والسيول تتسرب إلى داخلها . وفي خضم الأمواج وهي تلطم أجزاءها راح الجميع يستميت في الظفر بوسيلة نجاة .. لكن الزوبعة لم تخلف فيهم سوى قطع أخشاب وشظايا وصناديق وجثث عائمة ... ومع إطلالات بوادر الفجر الأولى خفت قوة الرياح وأخذ البحر يستعيد سكونه ، فيما تحولت السفينة إلى ركام متناثر وبقع سوداء ؛ كانت تتراقص بها المياه في اتجاه ضفاف برية ؛ كانت تلوح وسط ضباب البحر .
ظلت متمسكة بقطعة خشبية ؛ تجذف بكلتي يديها ورجليها ، فلما أضناها التعب أولت أمرها لقدرها ، وسرعان ما عادت إليها الحياة ، وقد قذفت بها المياه هناك على بساط من الرمل ، استيقظت مذعورة وحانت منها التفاتة إلى ما حولها فألفت نفسها طريحة أرض خلاء ، بينما كانت هناك بقية قطع وخرق هي كل ما صاحبها من السفينة وحمولتها .
تحت أشعة الشمس الدافئة ونسمات البحر العليلة أخذت تتأمل لحالها والليلة الرهيبة التي لف فيها الموت كل شيء كان على متن تلك السفينة المشؤومة .

على مشارف حصون غرناطة

كانت القوافل لا تفتأ تعبر بين أشهر المراكز التجارية على عهد بني الأحمر ، ولها عدة مسالك وسبل لا يضلها التجار والمسافرون وأهالي كل منطقة . لاحت من بعيد ؛ ومن خلال أوراق الصنوبر ؛ آثار نقْع متطاير في السماء سرعان ما انقشع بمقدمة قافلة بأربع عربات وجياد مطهمة ؛ تحث طريقها إلى غرناطة ، ضمن ركابها كانت هناك نساء إحداهن بخمار بنّي متقادم ، يبدو عليها أمارات الضنى والعياء .. فيما يبدو أنها لم تكن مكترثة لقدميها اللتين تعرضتا لتورم شديد من فرط تنقلها حافية القدمين ، ولا عبأتْ بالتمزقات التي يشي بها حايكها الذي تعفّر بالأتربة ورطوبة الأجواء .
استغرقت الرحلة أكثر من ثلاثة ليال ، ولم تكن تقوى على محادثة أحد أو محاولتها استبيان ما كان يشغل الأهالي وأحاديثهم عن مملكة غرناطة وعلاقتها ببني مرين في المغرب ، بل كانت تتحرق شوقا إلى وصولها إلى مشارف مدينة غرناطة آخر حصون بني الأحمر هناك .
ترجلت من العربة وأخذت نفسا عميقا ، وعيناها تتأملان سماء مدينتها كما لو أنها كانت على موعد مع طفولتها المبكرة التي أمضتها بين حاراتها وأسواقها ، منتشية بألحان وترانيم أندلسية . ما زالت تذكر أزقتها ودورها وجيرانها ، وترددها على العديد من أقربائها النصارى والمسلمين بحكم المكانة التي كان يتبوأها والدها في أوساط الغرناطيين وبين رجالات مملكتها ، من خلفاء وأمراء .
طرقت بابا لرياض قديم يبدو مهجورا ، لكن بعد طول إلحاح سمعت صوتا يتناهى إلى مسامعها : " بألا أحد يقطن هنا " .. التفتت وإذا بها أمام شيخ طاعن في السن بعباءة رثة :
" .. سيدي هلا زلت تذكر أهل بني خطيب ..؟ "
بصوت أجش وفاه فاغر : " .. ومن لا يذكرهم لقد رحلوا جميعهم .. لا أعلم ما حل بهم أيام الطاعون الذي ضرب المنطقة .."
أكُنت تغشى هذا الرياض ، وتختلط بأهله .. هل كنت ...؟"
قاطعها : " .. نعم وأيم الله .. أكاد أشتم في رائحة حديثك أنك غرناطي أم فقط يتماثل لي ذلك ..؟"
" .. ألا زلت تذكر صبيتهم وآباءهم ..؟"
" .. نعم .. .. نعم .. ، منهم لسان الدين بن الخطيب وحسن أبو يونس وإبنتهم الشقراء ... لعل إسمها أُنس ...أنس .. أنس القلوب .." . تقدمت منه وهمست في أذنه : " ... سأودِعك سرا وتتعهد لي بألا تفشيه لأحد .." . لم تكد تنه عبارتها حتى أزاحت عنها الخمار وبدت سافرة الوجه وضاءة الخدين .. ، تأملها الشيخ بذهول وهو يطرق الأرض بعكازته : " أهذه أنت .. أنس القلوب ما شاء الله .. ما شاء الله .. مرحبا " . اقتفت خطواته إلى داخل عرصة هناك ، ثم ناولته دينارين لابتياع أغراض لها .

داخل مجلس القضاء

من الأعراف التي حافظ عليها ملوك بني الأحمر انعقاد مجالس القضاء كل يوم جمعة ؛ يقصدها عامة الناس للفصل في قضاياهم ومنازعاتهم تبعا للتشريعات الإسلامية والفقه المالكي المذهب الذي كان سائدا في بلاد الأندلس ، وتنعقد في ساحة رحبة بباب العدالة بجوار مقر السلطان ؛ يؤمها كبار القضاة تحت إشراف القاضي الأكبر أو قاضي القضاة علي بن عبد الله النباهي والذي يُسْند إليه أمر إصدار الفتوى في القضايا الكبرى أو العويصة باسم السلطان الحاكم .
كانت متحرقة شوقا إلى حضور هذا المجلس ، وقد ارتدت هذه المرة خمارا شفافا ورداء أندلسيا مزركشا يكشف عن أنوثتها التي تتفجر بالحياة ، مرورا بصدرها الناهد إلى خسْرها الدقيق وأطرافها العلوية البضّة . انْتحت مكانا منزويا قريبا من الدكّة المعدة لقعود القضاة . كان صحن المسجد غاصا بالحضور أصحاب القضايا والنوازل والمنازعات ، وما هي إلا لحظات وتلج الباب هيئة القضاة بعمائمهم البيضاء وعباءاتهم البنية والمنسدلة معهم إلى الأسفل بنعال جلدية ضاربة إلى السواد ؛ فيهم كتبةٌ يتأبطون سجلات ضخمة من ورق البردي ، لكن ظلوا واقفين إلى حين التحاق كبيرهم مزهوّا بطيلسانه الضارب لونه إلى الذهبي ، وعلى إثره دبّت وشوشة بين الحضور : " .. ها ها ها .. أيْ نعم القاضي ا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.