رئيس جماعة تطوان يستقوي على الموظفين    سنة 2020 السنة الأكثر حرارة على الإطلاق في المغرب (الأرصاد)    واتس اب يوضح عواقب رفض سياسة الخصوصية الجديدة    السودان يلغي رسميا قانون مقاطعة إسرائيل    فلورنتينو: دوري أبطال أوروبا فقد بريقه ودوري السوبر سينقذ كرة القدم    مستوى تقني متميز يطبع نهائي بطولة المغرب في الهيب هوب    مسلسل 'الاختيار 2' وفض اعتصام رابعة.. انقسام المصريين وفزع 'الإخوان'    رغم كورونا و الحظر .. أخنوش يطلق عملية ترقيم 8 ملايين رأس من الأغنام و الماعز بمناسبة عيد الأضحى    هزة أرضية متوسطة القوة تضرب من جديد ساحل اقليم الدريوش    عمر هلال : هكذا أهانت الجزائر و البوليساريو سلطة الأمين العام و قرارات مجلس الأمن    سيميولوجيا خطاب الصورة.. المعنى في المبنى    هذه هي الدول العربية الأكثر تضررا بفيروس كورونا    أ ف ب: جنوب إفريقيا.. حريق كيب تاون يتجه نحو وسط المدينة ويؤدي إلى إجلاء عدد من السكان    رويترز.. البنتاغون: الحشد العسكري الروسي قرب حدود أوكرانيا أكبر مما كان في السابق    رمضان في رحاب القدس والمقدسيين    مخالب النقد تنهش الرئيس التونسي بعد عام ونصف من رئاسته    "الكونتانيك"    أ ف ب.. "على الدول التحرك الآن" لحماية سكانها من "التأثيرات الكارثية للتغير المناخي"    المغرب يرفع الرسوم الجمركية على القمح اللين والصلب    أجواء إيجابية ترافق بعثة نادي الرجاء في تنزانيا    بيريز يصدم عشاق ريال مدريد بخصوص رونالدو    هل المدينة للبيع؟    خرق الطوارئ يجر 112 شخصا للتوقيف بالدار البيضاء    حاجتنا إلى التعلم الذاتي لسد الفجوة الرقمية ومواكبة متغيرات اقتصاد المعرفة    قراءة في الفصل 971 من ظهير الالتزامات والعقود    منع إقامة الصلاة في المسجد بين المنطق السليم والقانون المغربي    الحماية الإجتماعية ورش مندمج يقضي على "الطابور"    فتحي المسكيني: الإنسان هو الكائن الوحيد الّذي يمكنه أن يتمتّع بمدوّنة «حقوق»    الأغنيات المرشحة للأوسكار ستقدم في لوس أنجليس وايسلندا    معرض تشكيلي بالرباط احتفاء بالقدس    "التقليد والحداثة" في فكر "جورج بالاندييه"    بلا حشمة.. حميد الحضري: أنا مع تقنين الحشيش.. وهذا الفنان ظلم صوته- فيديو    التطوع حياة    رويترز.. رئيس وزراء "إسرائيل" يخسر تصويتا مهما على "لجنة رئيسية" بالبرلمان    الشباكية: حلوى انصهرت أصولها الشرقية الأندلسية في المغرب    ماذا يعني الطعن في قرار المحكمة الدستورية؟    تخلف بنحليب عن مرافقة الرجاء إلى تنزانيا يثير ضجة داخل الفريق    عاجل.. اعتقالات بالجملة الآن بهذه المدينة بسبب قرار الاغلاق وحظر التجول الليلي    قاصرون يتحدون حالة الطوارئ بساحة الشبيبة و الرياضة بالناظور    الثقافة والمثقف وتغيير المجتمع    دول علق المغرب السفر منها وإليها.. تعرّف على عددها    نقابة تدق ناقوس الخطر بخصوص تفاقم أوضاع مهنيي الصحة و تطالب بحوار "جدي" و "حقيقي"    الملك يهنئ تالون بمناسبة إعادة انتخابه رئيسا لجمهورية بنين    دراسة: ممارسة الرياضة قد تمنع الوفاة بفيروس كورونا    كورونا.. تسجيل 6 حالات إصابة جديدة و5 حالات شفاء بجهة درعة- تافيلالت    أتلتيكو يؤكد رسميا مشاركته في دوري السوبر    الثروة الحيوانية غادي تزاد ب3 فالمية و القطيع فايت 31 مليون راس و خا الشتا ماجاتش مزيان هادي عامين    الناظور.. عاجل+فيديو: السلطات تحاصر مقهى بالعروي.. صاحبها يرفض فتح أبوابها للأمن    مليلية هزات أرضية متتالية تُخرج الساكنة إلى الشوارع    نقابة: مستشفى الأنكولوجيا بوجدة يعيش حالة من الفوضى وسوء التسيير    76,4 في المائة حجم الرواج بثلاثة موانئ حتى متم مارس المنصرم    حصيلة كورونا اليوم: 17319 خداو الجرعة الأولى من الفاكسان و7 ماتو    وزير الرياضة البريطاني: سنبذل كل جهودنا لعرقلة دوري السوبر الأوروبي    مديرية الأرصاد : 2020 كانت السنة الأكثر حرارة على الإطلاق في المغرب !    مفتي مصر : الحشيش و الخمر لا يبطلان الصيام (فيديو)    عمرُو بن الجَموح … رجل من الجنة    جنة بلا ثمن    الألم والمتعة في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أم الثمار
نشر في هسبريس يوم 06 - 03 - 2021

في بداية الستينات، سافر الشاب أبو المتون إلى بلاد دجلة والفرات من أجل التجارة والعلم. قضى سنتين هناك. زار من خلالهما كل بلدان الشرق الأوسط. أعجب بالحضارة البغدادية وخصوبة أراضي المنطقة. تزود بكل ما كان يحتاجه من علم ومعرفة بالحضارة العربية تاريخا وسياسة وفقها. وهو يستعد للعودة إلى بلاده، ناوله أحد الفلاحين، شيخ وقور من المزارعين المتأصلين بالمنطقة بكاملها، عقلة تين، وحمله أمانة زرعها والعناية بها إلى أن تترعرع وتنضج. وهو يستعد للمغادرة، همس له في أذنه منبها: " لقد أعجبت باسمك وسلوكك وجديتك كثيرا. بيدك الآن كنز ثمين، سخره لسعادتك وسعادة ذويك وناس قبيلتك، وإياك التفريط فيه. إنها عقلة من شجرة تين الخليج الأسترالي ذات الأصول الصينية. لكي لا أنسى، عليك اختيار مكان وتربة زرعها بعناية تامة. وصف له طريقة وتوقيت زرعها ومواكبة نموها بدقة متناهية، ونصحه أن لا يقنط ويتفاجأ من حجم جذورها الكبيرة، التي ستظهر بداياتها على سطح الأرض، ولا من طولها الذي سيتعدى ستين مترا. فودعه راجيا له عودة ميمونة وسالمة، وأن يطلب من أهله الدعوة له ساعة تمتعهم بثمارها الأثيث".
في طريق العودة، لم يتوقف أبو المتون من التفكير في أقوال الشيخ البغدادي. استبق كل ما يخالجه واضعا في الكفة الأولى كل ما اكتسبه من علم ومعرفة، وما راكمه من أنس وبلاغة أدبية وسداد في الرأي، ليجبر بكل جوارحه للاستسلام لثقل الكفة الأخرى، الزاخرة بشريط ذكريات السنتين الكاملتين المختوم بكلام الشيخ المربك بحكمته ورسائله.
وصل الرحالة بعد أيام إلى قبيلته بوضعية نفسية قوية، ومهزوزة في نفس الوقت. عاد فصيحا وعالما وخبيرا في السياسة والعقيدة والشؤون العربية، لكنه في نفس الآن وجد نفسه مطوقا بأمانة ثقيلة، لم يسعفه تفكيره للإحاطة بتفاصيلها الكاملة. زرع العقلة طبقا لتعليمات وتفسيرات الشيخ، ومنحها العناية القصوى، لتتوسط أم الثمار بستانا زادته بهاء وروعة.
في بداية السنة الثالثة، تفاجئ بحجم وجودة الثمار. في الصباح الأول، قطع أبو المتون الثمار الناضجة لتمتلئ السلة بسرعة. وهو منبهر ومندهش أمام هذه الخيرات بكمياتها وجودتها، خر ساجدا أمام المولى عز وجل، موجها دعواته وتذرعه لفائدة الشيخ. هرع بعد ذلك إلى منزله، وأوصى زوجته بالحفاظ على السلة المقببة بتين يدهش الأنظار، وتوجه إلى عيادة الطبيبة خزامي ابنة شيخ القبيلة بالمدينة المجاورة. حكى لها القصة كاملة، وناولها ثمرة واحدة مما قطعه في الصباح. انبهرت بدورها وابتسمت، وأسرت له أنها ثمرة تين أسيوية، ولها منافع صحية كثيرة، خصوصا بالنسبة للأطفال.
مباشرة بعد عودته إلى القبيلة، أخذ السلة، وذرع بها الدروب موزعا أنصاف الثمرات على الأهالي، مخصصا ثمرة كاملة للأطفال. في اليوم الموالي، عم الحديث بين ناس القرية والقرى المجاورة عن الشجرة الصغيرة وقدرتها الإنتاجية. في اليوم الثالث، تحولت مبادرة أبو المتون إلى دروس وعبر. لقد تعتع سكون القبيلة، وتزلزلت النفوس ضد عدم الإبلاء والنفور من الجهود، ليتقرر بالإجماع إقامة صلاتي الفجر والصبح في اليوم الموالي جانب الشجرة المبروكة وراء الزعيم والإمام الذي سطع نجمه. تحولت الشجرة الشريفة إلى رمز باشق، وملجأ يحج إليه الناس، يصلون بجوارها، ويرفعون الدعوات إلى رب العالمين، شاكرين شيخ بغداد وراجين له الصحة والعافية والرزق الوفير.
ترعرعت الشجرة، وأصبح الأهالي ينعتونها بأم الظل والثمار، وتقدم أبو المتون في السن، وأصبح زعيما وإماما لقبائل النخالة بأكملها. تحولت الشجرة إلى رمز للوحدة والتضامن، ونمى الذكاء صفوف الأجيال، وسمت قدراتهم الجسمانية ونفسية شخصياتهم. بسبب وفرة الثمار وعلو الشجرة المباركة وكثافة أغصانها النافعة، أصبحت ثمارها تكفي لجل أسر قبائل النخالة وأصهارهم في المناطق الأخرى. لم يبق جائع في القبيلة. التين والخبز بالقمح الجاف أصبحا وجبة مميزة.
مات أبو المتون، رمز الخير والوحدة والقوة. مات المخاطب والمفاوض القوي للأمير. بدأ الصراع على خلافته، وأجج بفعل فاعل. وسادت التفرقة بين القبائل، بل وداخل قبيلة الزعيم نفسها. لم يعد للشجرة الشريفة حام رسمي. انقطع تنظيم التظاهرات الدينية والاحتفالية بجوارها، وأصبحت القبيلة وخيراتها وشجرتها الشامخة عرضة للاختراق.
بعدما تحولت غصونها إلى بهاء، تغازل الشمس نهارا، وتداعب ثريا الكون في الدجى، انفرطت العزائم، وانقادت النفوس وراء الأطماع والتغرير، وقل من يكترث بأنفتها وعزتها وفخرها وبسالتها. التجرؤ عليها أصبح جائزا بعدما كان محرما قطعا. لقد آد عليها الاعتداء. مكائد صناع الإزعاج والسأم المستأجرون تضاعفت بجرعات عنيفة سهلت إحداث المنافذ لوصول المناشير والفؤوس إلى أغصانها. قاومت لوحدها تأثير انجراف التربة من حولها. تركت لحالها، وهي التي اعتادت العناية في كل ساعة. تركت في غفلة عرضة لبطش أياد جبارة واعتداءات خريفية دائمة. تمد يدها في صمت آملة أن تجد منقذا من ذويها. أصابها الإجحاف الذي أجهد صمودها، وأخمد عنفوانها الطبيعي.
عاشت أياما عصيبة قبل قرار إبادتها. عاشتها بزعماء قبائل متناحرين رافعين شعار :"من حقنا النصيب للتنازل على الشجرة المبروكة وتاريخها المجيد". يقولون لأتباعهم في كل مناسبة: "عليكم بالنصيب، خذوه أو انتزعوه، ولا تنسحبوا، لم يعد لدينا أي أمل في بناء الوحدة، والنجاح في الدفاع عليها مجددا. يجب أن نبيع أم الثمار بثمن باهض. لا تستحضروا رهانات المستقبل. على الأجيال الصاعدة زرع شجرتهم والعناية بها بطريقتهم".
تكررت هذه الخطابات على آذان أم الظل والثمار. تئن تارة، وتنوح رغما عنها تارة أخرى. تتكبد الخسائر. تنخر قواها يوميا من الداخل، وتسابقها الموت إلى نقطة النهاية، لكنها مصرة بكل ما تبقى لها من معنويات لمقاومة عشوائية السفهاء زمن التفاهة. طمعت في استيقاظ ضمير أبناء القبيلة وإمكانية ارتياعهم من الإهانة والإذلال والإذعان.
ترك أبو المتون فتاة وحيدة، جميلة في عمر الوردة، اسمها أتينيا. حكت لها أمها بالتفاصيل المملة تاريخ الشجرة المبروكة وأمجاد القبيلة تحت زعامة أبيها. بعد سنة من الأفول والاستياء مما آلت إليه وضع القبيلة، بلغت سن الرشد. ركبت حصان أبيها، وجابت دروب القبائل كما فعل أبوها في السابق. دخلت المساجد، ومقاهي الشباب، ورحاب الأسواق، واستطردت في الحديث أينما وأنا حلت مبرزة أهمية التوقان والحنين للماضي القريب. لقد رددت على مسامع الشباب، بصوتها الشجي، أن الإملاق والعوز والعجز ليس من شيم الآباء الزعماء.
عادت بعد أيام إلى منزلها، وتمددت على سريرها. انغمست في ذهوب عميق جراء ذهولها من جهل جيل الشباب لتاريخهم المجيد. نامت متعبة، لتتردد على مخيلتها أحداث كابوس حبس أنفاسها، وبث في روحها قشعريرة لم تتعود عليها. رأت في منامها أجنبيا، محاطا بشباب مفتولي العضلات، حاملين المناشير والفؤوس متجهين نحو الشجرة المباركة. انقطع حدث هذا الكابوس ليبدأ آخر. تحول هذا الأجنبي إلى جثامة جائر طامع في اقتلاع البركة ذات الأصول الصينية، وتحويل أرض بستانها إلى مشروع معماري. لقد اعتمد على خطة الإبادة بالتدرج. تسوق مادة سامة مميتة لجذور الأشجار من سوق بلدة اسمها الساعدية. بصفته السلطوية ومكر دسائسه، توسع نفوذه هناك بعدما انصاع مندوب القبيلة لسلطته. كان لدى هذا المندوب عطار خبير بأنواع أعشاب المنطقة. اختار له هذه المرة عشبة سامة للقضاء على أم الثمار. تأكد من مفعولها بالتجربة. وضع كمية منها في إناء كبير. أوقد خادمه النار حتى يغلي ماء الإناء وتتفسخ العشبة. صفى ما يقارب عشر لترات في كل يوم. سخر أحد حراسه، وهم كثر، وأمره بالحفر خفية قبل طلوع الشمس إلى أن تظهر معالم إحدى الجذور العميقة لأم الثمار، وبسكب ذلك الماء العلقم السام عليه. وأمره بإرجاع التربة إلى مكانها، وتكرير العملية في اليوم الموالي. لقد عاودتها في المنام أحداث أخرى. مقاومة الشجرة كانت معجزة. تشبثت بالحياة. كلما يبس غصن بفعل المادة السامة، تأزر بعدد كبير من الأغصان الرطبة. أحد جذورها العميقة المنغمس في صخرة غنية بالمواد العضوية كانت تنبعث منه الحياة باستمرار. تكررت الدسائس، وأينعت الأغصان الخصراء الكثيفة، وانتفى أي أمل في إزهاق روح شجرة المكارم.
استيقظت أتينيا مفزوعة بفعل صراخ منبعث من كل مكان، توجهت جريا نحو أم الظل والثمار، لتجد الأجنبي محاطا برجاله ورجال القوة العمومية وبجرافة كبيرة، شاهرا حكما قضائيا يقضي بملكيته للبستان، وسكان القبيلة، نساء ورجالا وشبابا يتقدمهم الأطفال، يولولون، ويولولون، .......
في رواية أولى، يحكى أن حاكم المنطقة قد أعطى الأمر باقتلاع الشجرة الميمونة، وتم حفر جنباتها بعمق، وقطعت جذورها لتنفصل عن صخرة غذائها، واندحرت في صمت مريع.
في رواية أخرى، بعد وصول أتينيا المكان، خاطبت ناس قومها بالاصطفاف وراءها وتمكينها من العنزة السوداء والسكين الحاد. تم ترصيص الصفوف، لتأمر الجميع بالاستلقاء والتمدد على بطونهم أمام الجرافة. تقدمت الصفوف الممددة، كبرت وشهدت بوحدانية الله وشفاعة رسوله، وذبحت العنزة وتمددت فوق دمائها. بعد ساعتين، التحق فرسان القبائل الأخرى بالمكان ذكورا وإناثا، وحاصروه. تراجع الأجنبي، وعادت الهبة للقبيلة. منذ ذلك اليوم، تحولت أم الثمار مجددا إلى رمز في التغذية ومحاربة الجوع والفقر ومصدرا لإنتاج العقل، لتنتشر زراعة أشجار التين الصينية بكل قبائل النخالة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.