تتجه الأنظار، يوم الخميس المقبل، نحو المركز الثقافي "أحمد بوكماخ" بمدينة طنجة، حيث يُرتقب أن تُفتح أبواب قاعة العرض أمام المواطنين، وذلك لتدشين مسار حاسم يرهن مستقبل عقاراتهم لعقد كامل. ففي خطوة تترقبها ساكنة مقاطعة "طنجة – المدينة" بكثير من التوجس والاهتمام، أعلنت جماعة طنجة عن إطلاق ما يُعرف بمسطرة "البحث العلني" لمشروع تصميم التهيئة الجديد، وذلك في سباق مع الزمن يمتد من 26 فبراير الجاري وحتى 27 مارس 2026. ووراء هذا المصطلح التقني الجاف، أي "البحث العلني"، تختبئ، في الواقع، النافذة الديمقراطية والقانونية الوحيدة التي تُجبر الإدارة على كشف أوراقها وخرائطها للعموم. وعمليا، فإنها فترة سماح مدتها شهر واحد، يُسمح خلالها لأي مواطن بولوج قاعة العرض خلال أوقات العمل الرسمية، وذلك لتفحص الرسوم البيانية الدقيقة وضابطة التهيئة المرافقة. والهدف من هذه المكاشفة هو الإجابة عن هواجس ثقيلة تؤرق الساكنة؛ إذ من خلال هذه الخرائط، يكتشف المالك المصير المخصص لأرضه أو منزله في التخطيط المستقبلي للمقاطعة. وهنا تتضح الرؤية حول ما إذا كان العقار سيتحول فجأة إلى مساحة خضراء يُمنع البناء فيها، أو ستُنتزع ملكيته لصالح شق طريق أو بناء مدرسة، أو حتى ما إذا كانت هناك قيود جديدة ستُفرض على عدد الطوابق المسموح بتشييدها. "التعرض".. سلاح المواطن القانوني وإذا ما استشعر المواطن أن المخطط العمراني الجديد يعصف بحقوقه المكتسبة أو يلحق ضررا غير مبرر بعقاره، فإن المشرع المغربي يضع بين يديه آلية دفاعية حاسمة تُسمى "التعرض". وفي لغة التعمير، فإن التعرض ليس مجرد تذمر أو شكوى شفهية، بل هو اعتراض رسمي، مكتوب وموثق بالحجج، يُدوّن شخصيا ومباشرة في "سجل الملاحظات" الضخم الموضوع رهن إشارة العموم بعين المكان. ولكي يكتسي هذا الاعتراض قوته القانونية، يشترط أن يكون دقيقا، وأن يضم هوية المالك، ومراجع الرسم العقاري، فضلا عن توضيح تقني وموضوعي لأسباب المطالبة بتعديل مقتضيات التصميم. وهنا يبرز عامل الوقت كأكبر تحدٍ؛ إذ إن تاريخ 27 مارس 2026 لا يشكل مجرد موعد لنهاية العرض، بل يُعد "أجلا مسقطا للحقوق". فبعد إغلاق السجل في هذا اليوم، يصبح أي اعتراض يُقدم للإدارة كأن لم يكن، وبالتالي يفقد أي أثر قانوني. طريق طويل نحو الجريدة الرسمية وبمجرد طي صفحة السجل، تنتهي علاقة المواطن المباشرة بالمشروع، لتبدأ، في المقابل، الوثيقة رحلة مؤسساتية شاقة داخل ردهات الإدارة. إذ تُحال الاعتراضات والملاحظات أولا على مجلس مقاطعة "طنجة – المدينة"، ثم تُعرض، بعد ذلك، على أنظار المجلس الجماعي في دورة تداولية. ورغم النقاشات الساخنة التي عادة ما ترافق هذه الدورات دفاعا عن مصالح الساكنة، فإن رأي المنتخبين في قضايا التعمير يظل، بقوة القانون، رأيا "استشاريا" محضا لا يُلزم الإدارة المركزية. وعقب ذلك، تنتقل الخرائط وسجلات التعرض، مرفقة بتقارير الوكالة الحضرية، إلى العاصمة الرباط، حيث توضع على طاولة "اللجنة المركزية للتعمير". وهذه الهيئة هي صاحبة الكلمة الفصل، إذ تملك السلطة الحصرية للبت في كل تعرض على حدة، كما تقرر قبول التعديلات أو رفضها، استنادا إلى توازن دقيق بين حقوق الملكية الفردية، من جهة، وضرورات المنفعة العامة وتوجهات التخطيط الحضري، من جهة أخرى. وتُختتم هذه السيرورة المعقدة بصياغة الأمانة العامة للحكومة لمشروع "مرسوم المصادقة". وما إن يُنشر هذا المرسوم في الجريدة الرسمية، حتى يتحول تصميم التهيئة من مجرد مشروع قابل للنقاش إلى قانون إلزامي صارم، إذ يُشرّع الأبواب أو يوصدها أمام رخص البناء، ويحكم قبضة التخطيط على مقاطعة طنجة-المدينة لعشر سنوات قادمة.