ابراهيم اليدي – ارسموكن كل موجة نقاش تنطلق على مجموعة ارسموكن بريس تتلاشى كما لو ان شيئا لم يكن، وهذا يبرز سؤالا محوريا حول ضعف التفاعل رغم ان القضايا المطروحة تمس حياة الجميع ؟ هذا السؤال يكشف خريطة اجتماعية معقدة تتقاطع فيها الحساسيات السياسية والتجارب الفردية وامال الناس وخيباتهم ايضا. إرسموكن ليست كتلة متجانسة، بل فسيفساء من فئات تتفاعل مع النقاش العمومي وفق خلفيات وتجارب مختلفة. فالفئة السياسية تراعي كل حركة بحذر، فاعجاب بسيط يصبح خطوة محسوبة، والنقد او التاييد يقرأ في ميزان الاصطفاف. المنتخب يتحرك وفق حسابات دقيقة، والتابع يراقب ويختبر، و الانتهازي يجمع المؤشرات ليبني مصلحته القادمة. وبالقرب منهم يتحرك الفاعلون المدنيون والثقافيون بطرق متباينة. بعضهم انسحب بعد ان فقد الامل في قدرة النقاش الرقمي على صناعة التغيير، اخرون فضلوا دوائر صغيرة وامنة بعيدا عن التصنيف السياسي، وهناك من يشارك لحظيا ثم يختفي، ليس خوفا، بل لان ضوضاء المشهد تخنق الفكرة قبل ان تكتمل. اما عامة الساكنة فهي فئات اوسع. فهناك من يرى النقاش الرقمي ترفا غير مرتبط بمشاكله اليومية، وهناك المتشكك الذي اضعفته التجارب السابقة وفقد الثقة بالوجوه السياسية، وهناك من جرب التفاعل مرة ثم اختار الصمت بعد ان خذلته النتائج. وتبقى الفئة الاكبر والاوسع تأثيرا هي المتابع الصامت؛ يقرأ ويفهم ويراقب ويصنع جزءا كبيرا من الوعي الجماعي دون ان يترك اثرا مباشرا. وتظهر ايضا فئة نقدية رقمية مستقلة تبرز عند احتدام النقاش حول قضايا خدماتية او تنموية، تطرح اسئلة حادة ثم تختفي مع اول شرارة جديدة، ورغم محدودية حضورها الا ان اثرها في تشكيل النقاش العمومي واضح وملموس. إن ضعف التفاعل بالمجموعة لا يعني غياب الاهتمام، بل يعكس تعقيد المشهد: الخوف من التاويل السياسي، الارهاق من الوعود، هشاشة الثقة في الجماعة، والشك في جدوى النقاش نفسه فالصمت هنا ليس فراغا، بل شكل من اشكال الحضور الرقمي الذي يعيد تشكيل الوعي الجماعي ويرتب الاولويات ويطرح اسئلة حقيقية حول التدبير المحلي وصنع القرار. ورغم ذلك، يبقى التفاعل ضرورة لا غنى عنها. فالنقاش العمومي لا يتحرك بالصمت، فالمشاركة باي درجة كانت، تمنح للنقاش وزنا وتقدم للفاعلين مؤشرات حقيقية تمنع استمرار الدائرة المغلقة التي يعيد فيها الصمت انتاج نفسه. التفاعل ليس اصطفافا سياسيا، بل مسؤولية جماعية تكشف الاخطاء وتقوي اليات المحاسبة. وفي المحصلة، لا يمكن اعتبار النقاش في ارسموكن غائبا، فكل الفئات، الحاضرة والصامتة والناقدة والمنسحبة، تشارك بشكل مباشر او غير مباشر في تشكيل هذا المزاج الرقمي المعقد. غير ان المستقبل يحتاج الى حضور اقوى و إرادة لكسر دائرة الصمت المتكرر، لان ترك الساحة بلا صوت لا يصنع تغييرا، بينما التفاعل الواعي يمنح للنقاش معنى ويدفع بالشان المحلي نحو مسار اكثر وضوحا ومسؤولية.