الملك يترأس حفلا دينيا إحياء للذكرى 21 لوفاة الملك الحسن الثاني    العاهل السعودي يعزى ترامب في ضحايا حادث فلوريدا    عبد الرحيم شاكير "جوكر" أخضر    قرار جديد من “الطاس” يقرب حكيم زياش من أحد أكبر أندية إنجلترا    تقرير "المنتخب" : 3 أهداف للوداد لمواجهة سان داونز    طنجة.. الأمن يوقف شخص قتل جاره بالسلاح الأبيض عقب نزاعات حول سوء الجوار    عمال حافلات "شركة ألزا" للنقل الحضري بالرباط وسلا وتمارة يخوضون إضرابا عن العمل    العلمي يقدّم المغرب قدوة للأفارقة    حدود الحريات الفردية مناقشة لبعض آراء وزير حقوق الإنسان    الدفاع الجديدي يجدد عقد نجمه لسنة ونصف    الجزائر في آخر جمعة قبل الانتخابات.. مظاهرات عارمة وتوتر يسود الشارع بعد الإعلان عن إضراب عام    الرميد: يجب اتخاذ إجراءات عملية لتفعيل منظومة الحوار والتشاور    تراجع مخزون المياه في سدود المغرب إلى 7.2 مليار متر مكعب    الخارجية الأمريكية: الولايات المتحدة والمغرب يقيمان تعاونا ممتازا يتعين تعزيزه أكثر    بن عبد السلام: المادة 9 تجعل القضاء مستبدا وتمييزا.. والحقوقيون يدعمون المحامين لإسقاطها – فيديو    نبذة عن عبد القادر مطاع الممثل المرموق الذي قتلته الإشاعة قبل الأجل المحتوم    مجلس المستشارين يصادق بالأغلبية على مشروع قانون المالية لسنة 2020 برمته    نزاع “سوء الجوار” يسلب حياة شاب بطعنات سكين بمدينة طنجة    رئيس الوزراء الفرنسي عازم على تطبيق إصلاحات التقاعد    هاجر عبر قوارب الموت.. إسبانيا تسمح للمغربي بوخرصة بالمشاركة في بطولتها ل”التايكوندو”    مرصد: الحكومة عجزت عن إيجاد حل للتهريب بباب سبتة وتكتفي بالترقيع    أغلبية "المستشارين" تصادق على "مالية 2020"    المغرب التطواني يعقد جمعه العام السنوي    حقيقة تضرر الرئتان بسبب السجائر الإلكترونية    الرجل الذي منحه زياش قميصه ليس والد الطفل.. والنجم المغربي يبحث عن الفتى ليهديه قميصه!    طنجة : ملتقى يوصي بضرورة تنمية الصناعات التصديرية والتصنيع المحلي بالبلدان العربية    الرباط.. حريق محدود بالمركز التجاري (رباط سانتر) دون تسجيل خسائر    اليوم العالمي للتطوع.. مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط تحتفي بالتعاونيات    4 قتلى خلال مطاردة الشرطة الأمريكية لشاحنة مسروقة في فلوريدا    بعد أيام من افتتاحه.. النيران تندلع ب"الرباط سانتر"    بهدف حماية المسجد الإبراهيمي ببلدة الخليل من خطر التهويد.. آلاف الفلسطينيين يصلون الفجر بالمسجد    المعرض الوطني للفنون التشكيلية: أيادي النور بمركز تطوان للفن الحديث    مقاييس التساقطات المطرية المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    هكذا ساهم ادماج قطاعي الطيران المدني والسياحة في الترويج للمغرب    الذكرى 21 لوفاة الحسن الثاني.. الملك يترأس حفلا دينيا في الرباط    شاب يعرض الزواج على طليقة مسلم    “متاهة المكان في السرد العربي” للباحث المغربي إبراهيم الحجري    بلاغة الشعر وبلاغة الإقناع    البوليساريو تلعب بالنار مع إسبانيا والأمم المتحدة    تقضي مسافات طويلة للذهاب للعمل… هكذا تخفض مستوى توترك    الليشمانيا تصيب أحشاء رضيعة بزاكورة.. ووالدها يناشد وزير الصحة تبلغ من العمر 9 أشهر    تكريم نجمة “بوليوود” بريانكا تشوبرا في ساحة جامع الفنا    استقالة كومي نايدو أمين عام منظمة العفو الدولية    موظفو الجماعات المحلية يضربون أواخر دجنبر    « تثمين المنتجات المجالية» .. بزاكورة    المترجم ليس مجرد وسيط لغوي    مصادر تنفي وفاة مطاع.. و”العمق” تعتذر لأسرته وقرائها بعد "إشاعة" وفاته    ما يشبه الشعر    وفاة مدير الديوان الملكي والوزير السابق بدر الدين السنوسي    الإتحاد العربي يكشف موعد مباراتي الرجاء الرياضي في كأس العرب    واشنطن تقدّر “مقتل أكثر من ألف إيراني على يد النظام” خلال التظاهرات    دراسة أمريكية: الولادة المبكرة تزيد خطر إصابة الأطفال والشباب بالسكري    توقعات أحوال الطقس اليوم الجمعة.. تساقطات ثلجية بالمرتفعات وأمطار بهذه المناطق    السمنة المفرطة تهددك بهذه الأمراض    أيهما الأقرب إلى دينك يا شيخ؟    مباحثات مغربية سعودية حول الحج    " الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين": قتل المحتجين جريمة كبرى وحماية حق الشعوب في التظاهر فريضة شرعية    حسن أوريد يكتب: الحاجة إلى ابن خلدون    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رجال حول الملك.. المهدي بن بركة سياسي عبقري -الحلقة5
نشر في اليوم 24 يوم 10 - 05 - 2019

اعتمد السلاطين المغاربة عبر التاريخ في تسيير شؤون الدولة، على ثلة من الرجال، إما لانتمائهم العائلي أو لكفاءتهم وولائهم.. وهكذا فقد تميز تاريخ المغرب المعاصر بظهور هؤلاء الرجالات حول الملك، الذين تركوا بصماتهم على مسار الحياة السياسية ببلادنا، كما كان لهم تأثير فعلي على توجيه بوصلتها.. كتاب «رجال حول الملك»، لمؤلفه محمد الأمين أزروال، يرسم بروفيلات للعديد من هؤلاء الشخصيات التي اخترنا نشر ملخصات عنها.
تعود أصول المهدي بن بركة أو المهدي القدميري، وهو اللقب العائلي الذي كانت تعرف به عائلته، عند نزوحها إلى الرباط من أحواز بنسليمان، إلى قبائل الشاوية، فقد ولد وترعرع في حي سيدي فاتح أحد الأحياء العتيقة بالرباط، لعائلة شعبية بسيطة، والتحق للدراسة بمدرسة أهلية، وقد أهله ذكاؤه لينال حظوة الدراسة في مدرسة لأبناء الأعيان الابتدائية، وينتقل في الطور الثانوي إلى ثانوية مولاي يوسف وبعد حصوله على الإجازة من كلية الجزائر التي كان الطلبة المغاربة الحاصلون على الباكالوريا في الشعب العلمية، يلتحقون بها لعدم وجود كلية مماثلة بعد في المغرب، وقد تزامن وجوده بالكلية، مع وجود طلبة آخرين أمثال الوطني والمقاوم عبد الكبير الفاسي الذي تخصص مثل زميله المهدي في الرياضيات، والدكتور الخطيب الذي ترأس فيما بعد جيش التحرير، والذي درس الطب في كلية الجزائر، وتخصص في الجراحة بجامعة «السوربون» بفرنسا.
بعد استكمال دراسته وعودته إلى وطنه، عين أستاذا للرياضيات بنفس الثانوية التي درس فيها وكان أستاذا لولي العهد مولاي الحسن، وانخرط مباشرة في العمل السياسي، حيث كان ثاني أصغر الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال، بعد عبد الرحيم بوعبيد وذلك يوم 11 يناير 1944 وعمره لا يتجاوز 25 سنة بعد، وقد كان من المؤسسين لحزب الاستقلال سنة 1945، وتولى مهمة قيادته ليدخل في معارك الكر والفر مع سلطات الحماية، مما حذا بهذه السلطات إلى سجنه أحيانا ونفيه أحايين أخرى، واستمر الوضع على هذه الحال لسنوات، بينما واصل المهدي الانكباب على تنظيم خلايا الحزب، وبث الروح الوطنية في نفوس المناضلين المنضوين تحت راية الحزب، الذين تشكلت منهم الخلايا الأولى للمقاومة، إلى أن تحقق الاستقلال.
وفي 16 نونبر 1956، دخل المغرب للمرة الأولى في تجربة ديمقراطية وتم إنشاء مجلس استشاري الذي اختير أعضاؤه بطريقة التعيين وكانت مختلف التيارات السياسية ممثلة فيه، وتم اختيار المهدي بن بركة رئيسا له.
ظل المهدي بن بركة من موقعه كزعيم للحزب الحاكم ورئيس للمجلس الاستشاري أول برلماني مغربي غير منتخب، وصاحب تأثير قوي على سير الشأن العام وكلمته هي النافذة ورأيه هو الغالب، لأنه كان يتمتع بشخصية قوية وبفكر ثاقب، ودوليا ربط المهدي علاقات صداقة مع كثير من الزعماء، كما زار عددا من الدول، إلا أن نشاطه التحرري وتحركاته المكثفة، شكلت هاجسا لقوى المحافظة التي انطلقت في كيد الدسائس والمؤامرات ضده، سواء داخل الحزب أو على مستوى الدولة، وهو ما أدى به في النهاية إلى فك الارتباط مع القيادة المحافظة في الحزب سنة 1959، وإنشاء تنظيم خاص به، أطلق عليه اسم الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال.
من الأشياء التي كانت تثير الشبهات حول توجهات المهدي من قبل المحافظين، ما حكاه لي الصديق محمد الفاتحي الذي شغل لسنوات مهمة كاتب المهدي الخاص، ذلك أنه يوم قام عبد الكريم قاسم بالانقلاب على النظام الملكي في العراق، طلب المهدي مقابلة الملك محمد الخامس الذي استقبله وطلب منه أن يعترف المغرب بالنظام الجمهوري في العراق، فقال له محمد الخامس هل تطلب مني أن أعترف بالذي أطاح بنظام ملكي وأنا ملك، فأجابه المهدي بقوله: أنت لست أي ملك، بل أنت ملك التحرير الذي لا يشبهه أي ملك، فالملكية المغربية كانت عبر التاريخ رمزا للجهاد ومدرسة للوطنية، عكس ملكيات المشرق العربي التي صنعها الاستعمار الانجليزي. وكان أن صدر في نفس اليوم بلاغ الاعتراف بالنظام العراقي الجديد، وزار محمد الخامس فيما بعد العراق واستقبله عبد الكريم قاسم.
شارك بن بركة في انتخابات 1963 بعد أن استعاد عافيته من الحادث الذي تعرض له قرب بوزنيقة، وتطلب العلاج شهورا بألمانيا، وترشح بدائرة يعقوب المنصور الشعبية واستطاع بقوة خطاباته أثناء الحملة الانتخابية، أن يحشد جماهير غفيرة للتجمعات التي عقدها في هذا الحي، وكان لها صداها كبير، وفاز بنسبة أصوات كبيرة رغم الحملة التي شنها ضده الجهاز الإداري الذي يدبره وزير الداخلية رضا كديرة .
وهكذا أصبح المهدي عضوا برلمانيا إلى جانب زعماء سياسيين آخرين، أمثال الزعيم علال الفاسي والطريس والخطيب وغيرهم من الشخصيات السياسية، إلا أن المهدي لم يمارس قط مهمته كبرلماني، ذلك أنه اختار العيش في المنفى بفرنسا، بعد أن شعر بأن القوى الرجعية كثفت من تحركاتها ضده، إذ سرعان ما اتهم بتدبير الانقلاب على النظام الملكي، فيما عرف بمؤامرة 1963 التي وقعت فيها محاكمة العديد من العناصر الاتحادية، وصدر في حقه غيابيا حكم بالإعدام، الشيء الذي اضطره إلى الإقامة في المنفى بفرنسا، وظل يواصل من هناك نشاطه السياسي ومعارضته للنظام، وخلال تلك الفترة كتب بيانه السياسي والإيديولوجي، على غرار البيان الشيوعي لماركس، وأطلق عليه اسم «الاختيار الثوري»، وهو البيان الذي وضع فيه تصوره لمغرب تقدمي اشتراكي، تكون فيه المبادرة للجماعة لا للفرد، وتكون فيه وسائل الإنتاج ملكا للدولة وحدها، في نوع من استيراد نموذج قد ينجح في بلدان أخرى، لكنه صعب التحقيق في بيئة مثل البيئة المغربية الإسلامية المثقلة بالتقاليد والأعراف. بعد ذلك دعم بن بركة الجزائر في حرب الرمال، سنة 1963، فعرفت علاقته بالنظام توترا.
وتطور نشاط بن بركة لينسق مؤتمر «القارات الثلاث» الذي كان مقررا أن ينعقد بهافانا عاصمة كوبا سنة 1966، وكان هدفه خلق تكتل سياسي دولي أكبر حجما واستقطابا وأكثر فاعلية كذلك من تنظيم دول عدم الانحياز، وذلك بهدف التصدي لإخطبوط الإمبريالية داخل دول القارات الثلاث، والعمل على تحريرها من هيمنته المقيتة، وهو ما أثار حفيظة زعيمة الإمبريالية العالمية الولايات المتحدة، ومن ثم وضعت جميع تحركات الزعيم المهدي تحت مجهر مراقبة مخابراتها ومخابرات الدول السائرة في فلكها، وبذلك أصبح هدفا مطلوبا كما أضحت حياته مهددة بين الحين والآخر، وفي هذا الصدد حكى لي كاتبه الخاص محمد الفاتحي أن الزعيم المهدي، أخبره أن الأمير مولاي علي سفير المغرب بباريس، وبتكليف من الملك الحسن الثاني، أجرى اتصالات مع الزعيم المهدي وتباحث معه في شأن إمكانية العودة إلى بلده، ووضع الترتيبات اللازمة لذلك، وتهيئ الأجواء لهذه العودة، ويضيف نفس المصدر بأن السفير قدم له عرضا بتشكيل حكومة وطنية برئاسته، لكنه قبل المرور إلى مرحلة تنفيذ العرض الذي قبله المهدي، كانت أجهزة المخابرات التابعة للولايات المتحدة قد أعدت خطتها بتنسيق مع المخابرات الإسرائيلية والفرنسية وبمشاركة عناصر من المخابرات المغربية التي كانت تضمر عداء للمهدي، وعلى رأس هذه العناصر الجنرال أوفقير، ووقعت الواقعة يوم 29 أكتوبر 1965، عندما تم استدراج المهدي إلى باريس، تحت ذريعة المشاركة في فيلم سينمائي، وتم اختطافه في واضحة النهار أمام مقهى مشهور بباريس، فاختفى وإلى الأبد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.