هل تنهي تداعيات الأزمة الليبية الخلافات بين دول الاتحاد المغاربي؟    استنفار السلطات في أعالي الأطلس لتجنب عزلة القرويين    المفكر الفرنسي بيكيتي يناقش بالرباط « الرأسمال والإيديولوجيا »    افتتاح قنصليات بالأقاليم الجنوبية يعكس الدعم المتنامي لمغربية الصحراء في إفريقيا    أونسا:إتلاف اكثر من 17 ألف طن من المواد الغذائية وتحرير 2000محضر    لجنة النموذج التنموي تعقد اجتماعا مع المندوبية السامية للتخطيط    فتح الله السجلماسي يقدم بالرباط كتابه « مستقبل أوروبا في الجنوب »    مصرع شخصين في حادثة سير خطيرة بمنطقة تروكوت    حصريا .. الجباري يصدر ” تشرق الشمس من ناحية الغرب أحيانا”    أمن طنجة يوقف “الكار” و”تكساس” بعد ظهورهما في فيديو “الكريساج ببئر الشيفا”    أمطار مرتقبة ليوم الجمعة    الحكومة الألمانية تصادق على جلب ملايين الأيدي العاملة الماهرة    المغرب يتحسن في “مؤشر الديمقراطية”.. وأداء الحكومة “يتجمد” 96 عالميا والثاني عربيا    خبراء المناخ يحذرون من تأثيرات العاصفة “غلوريا” على المغرب    الدميعي يعلن استقالته من تدريب اتحاد طنجة    الصحراء المغربية.. جمهورية إفريقيا الوسطى كانت على الدوام إلى جانب المملكة    “إسكوبار”.. عنوان أغنية جديدة للفنان أمير    الملك محمد السادس يجري لقاء وديا مع عاهل مملكة البحري    “الديستي” تجهض محاولة تهريب حوالي 3 طن من المخدرات بالناظور    "أونسا" يكشف حصيلة عمليات المراقبة سنة 2019    رسميا : الدحيل يعلن تعيين الركراكي خلفا لفاريا    فيروس كورونا يصل إلى السعودية.. قتل 17 شخصا وعزل 11 مليون شخص    3 قمم عربية حارقة في دوري أبطال افريقيا تحدد ملامح المتأهلين للربع    رضوان جيد يقود مباراتين من العيار الثقيل على المستويين العربي والإفريقي    هام للطلبة المغاربة.. إنشاء أول لجنة مغربية بريطانية للتعليم تساعد المغاربة على الدراسة بالخارج    « أنت غبي ».. وزير سعودي يرد على صحافي سأله عن اختراق هاتف بيزوس    مناهض "التيار الريفي" داخل البام يعلن ترشحه للامانة العامة للحزب    الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام تدعو لتعاون الجميع لتطوير القطاع السينمائي    خلفا للبامي محمد بنقدور.. المجلس الحكومي يعيين ياسين زغلول على رأس جامعة محمد الأول    بسبب النتائج السلبية.. بيدور بن علي ينفصل عن المغرب التطواني    حادث أثناء تصوير كليب لمجرد ومجموعة لفناير.. وعضو الأخيرة ينقل إلى المستشفى    مقدم شرطة يطلق النار على أربعيني هاجم رواد مقهى بسلا بالسكاكين    الرجاء يراسل الكاف من أجل تغيير حكم مباراة الترجي    بعد مقاطعة حكومة الوفاق وحفتر لاجتماعها.. الجزائر تواجه فشل مبادرتها في الوساطة    اسعار المواد الغذائية تواصل الارتفاع باقليم الحسيمة    المغرب يتراجع ب7 مراكز في مؤشر محاربة الرشوة    إلغاء احتفالات العام الصيني بسبب "فيروس كورونا"    ليبيا: إغلاق مطار معيتيقة الدولي بعد تهديد حفتر بإسقاط طائراته    جهة الدار البيضاء سطات تحصل على قرض بقيمة 100 مليون دولار    بسبب “حمزة مون بيلي”.. بطمة خارج طاقم مسلسل على قناة “ام بي سي5”    توظيف مالي لمبلغ 3,5 مليار درهم من فائض الخزينة    الرصاص الحي ينهي عربدة مجرم خطير على ساكنة حي الانبعاث بسلا    الاتفاق يريد البطاقة الدولية للمغربي أزارو    سعد لمجرد مطلوب في موازين    العرائش تسجل أعلى مقاييس التساقطات المطرية خلال 24 ساعة    مجلس المنافسة يوقع اتفاق شراكة مع المؤسسة المالية الدولية من أجل تقوية قدراته المؤسساتية    الشيخ العلامة بوخبزة في حالة صحية حرجة    نداء للمحسنين .. طلب مساعدة مادية أو عينية لبناء مسجد في حي ايت حانوت بأزغنغان    الشفاء العاجل لأخينا الناشط الجمعوي والإعلامي رشيد الراضي بعد إصابته بوعكة صحية    أهمية الرياضة بعد الوضع    “أشقر” بكاري يتوج بجائزة الشباب    “فكها يامن وحلتيها” بالرباط    خطورة زيادة وزن الأطفال    هام لمستعملي الوتساب.. ميزة جديدة للحفاظ على الأعين    في محاولة للحد من انتشار فيروس "كورونا" .. الصين تمنع سكان "ووهان" من السفر    فيروس كورونا الغامض يحصد 17 ضحية و571 حالة    عبد اللطيف الكرطي في تأبين المرحوم كريم تميمي    الريسوني عن تطبيق الحدود.. أصبحنا نعيش تحت سطوة إرهاب فكري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بناء مجتمع المعرفة
نشر في العمق المغربي يوم 28 - 07 - 2018

لا يمكن وضع نموذج تنموي دون وضع رؤيا للمجتمع الذي نريده من هنا عشرين إلى ثلاثين سنة. والرؤى لا تفرض من فوق أو من طرف الخبراء. ولكنها نتيجة عملية تداولية ونقاش مجتمعي عميق يشارك فيه الجميع ويتبنى الجميع نتائجه. هذا أمر صعب في الوقت الحالي الذي يتميز بالتذمر والإحباط ولكن لا مفر من القيام بهذا التمرين والأخد بجميع الآراء وتركيبها للخروج برؤيا واضحة عن المجتمع الذي يريده المغاربة والمستقبل الذي يريدونه لأبنائهم.
من خلال النقاشات السياسية والمجتمعية يبدو أنه لن يكون هناك خلاف بأن الرؤيا سوف لن تحيد عن الصياغة التالية: "مجتمع متعلم وعادل ومنصف يعيش على اقتصاد المعرفة كأساس للشغل والعيش الكريم ويستعمل موارده بشكل مستدام ويؤمن بقيم المواطنة الحقة المبنية على حقوق وواجبات واضحة وعلى تثمين الموروث الثقافي ثثمينا سليما وصالحا، وتسوده حكامة قوامها المسؤولية والمحاسبة والشفافية." هذه الرؤيا المستقبلية أو شيء قريب منها أساسية لكي يتبنى المغاربة خارطة طريق متفق بشأنها تشكل نبراسهم في الحاضر والمستقبل.
نموذج تنموي متجدد يتطلب كذلك تصورا محددا للتنمية الاقتصادية المنشودة. على ماذا يجب التركيز؟ ما هي القطاعات التي تخلق قيمة مضافة عالية؟ ما هي القطاعات التي تخلق الشغل؟ ما هي القطاعات ذات الصبغة الاجتماعية؟ على ماذا يجب التركيز ولماذا؟ سنركز هنا على التصنيع والتكنولوحيا واقتصاد المعرفة على أنني قد تطرقت للقضايا الأخرى والجوانب الأخرى في مقالات سابقة.
التوجه الصناعي للمغرب استراتيجي ودعم الصناعة، رغم تكلفته العالية، من شأنه أن يقوي من تنافسية العرض التصديري المغربي ويخلق قيمة مضافة ستساهم في خلق الثروة والمساهمة في نمو الاقتصاد والناتج الداخلي الخام. سوف لن تخلق الصناعة العشرات الآلاف من مناصب الشغل (نظرا للاستعمال المتزايد للآلة والربوتات والذكاء الاصطناعي في الإنتاج) ولكنها أساسية لتنويع الاقتصاد والنمو والتنافسية على المستوى الدولي. المرحلة المقبلة من التنمية الصناعية يجب أن تهتم بمسائل الذكاء الاصطناعي، والنانوتكنولوجيا، والمعطيات الضخمة، والحوسبة السحابية، والهندسة الجينية، والدرونات والربوتات والسيارات بدون سائق وغيرها… من أجل ذلك يجب العمل على تأسيس العشرات من المعاهد المتخصصة بشراكة مع القطاع الخاص والجامعات الدولية والمغربية وبدعم قوي وطويل الأمد من الدولة المغربية. هذا ما قامت به كوريا وسنغفورة ونيوزيلاندا وفنلندا وما تقوم به حاليا الإمارات وقطر والمكسيك وماليزيا وأندونيسيا وغيرها.
يجب العمل على وضع استراتيجية وطنية بعيدة المدى للعلوم والتكنولوجيا والاختراع تتضمن: دعم تدريس العلوم في المدارس والثانويات والجامعات؛ خلق نوادي العلوم والاختراع على مستوى دور الشباب ودور المواطن وجمعيات المجتمع المدني ووسائل التواصل والإعلام؛ خلق وكالة وطنية لدعم الاختراع؛ وضع مؤسسة مشتركة قطاع عام/خاص لدعم البحث والتنمية بشراكة مع الجامعات ومراكز البحث؛ وضع جوائز وطنية وجهوية ومحلية للعلوم والاختراع؛ خلق صندوق وطني لدعم الرقمنة والبحث في ميادين الذكاء الاصطناعي والعلوم المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة؛ وضع مخطط وطني لدعم براءات الاختراع على أمل الوصول إلى عشرين ألف براءة اختراع في السنة (بدل 1000 حاليا)؛ وخلق أقطاب صناعية جهوية تعتمد على البحث والاختراع والإبداع الصناعي والتكنولوجي المحلي والجهوي وإيجاد التطبيقات الصناعية وبحث إمكانية تعميمها وتسويقها.
اقتصاد المعرفة أساسي لخلق الطفرة التنموية المنشودة بقيمة مضافة ملموسة. وهذا يقتضي إنشاء 200 إلى 400 وحدة جامعية في غضون الخمسة عشر سنة المقبلة على أساس معدل ثلاثة إلى أربعة وحدات جامعية خاصة وعمومية ومختلطة على مستوى كل إقليم؛ ويجب أن تكون هذه الوحدات مرتبطة ارتباطا وثيقا بقضايا البحث والتنمية في ميادين العلوم والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية والاجتماعية وقضايا التنمية المحلية. بالإضافة إلى نوادي الفكر والعلوم والأدب والفلسفة والفن،يجب توجيه العمل الفكري والنقاش العمومي على مستوى الندوات والتكوين والتواصل وبناء الأفكار إلى الخلق والإبداع وابتكار الحلول لقضايا اقتصادية وزراعية وصناعية وفكرية وأدبية؛ هذا ما تقوم به دول كقطر والإمارات العربية والهند والفيتنام وجنوب إفريقيا والبرازيل والمكسيك الآن لردم الهوة الفكرية والرقمية والصناعية مع الدول المتقدمة. يجب أن ندخل باب عصر المعلومات من بابه الواسع ونكون أجيالا وأجيالا متدربة ولها الكفايات على استعمال فكرها وعقولها لإنتاج القيمة المضافة (بدل الاعتماد على سواعدها أو على الموارد الطبيعية).
من أجل الوصول إلى مجتمع المعرفة والاختراع من الضروري تغيير المناهج وطرق التدريس لكي لا تعتمد على الحفظ والتكرار والتقليد الأعمى وترتيل المقولات والأحاديث والتركيز بدلها على القراءة النقدية، على كفايات التحليل والتمحيص وفهم المشاكل وابتكار الحلول. هذا يقتضي ثورة تربوية عارمة يقودها الأساتذة ومخططو التربية وعلماء البيداغوجيا. وهذه الثورة لا يجب أن ننتظر بأن تحصل بين عشية وضحاها. بل هو عمل طويل الأمد. سنغفورة لم تتحولإلى نظام تربوي مبني على الإنجاز والجودة والابتكار إلا بعد ثلاثين سنة من العمل والتجريب والإصلاح.
وهذا يقتضي القضاء على الجهل والأمية في غضون العقد المقبل. يجب علينا اعتماد منهاج صارم وسرعة في التكوين على الكتابة والقراءة واعتماد قاعدة معطيات حول التوزيع السوسيولوحي والجغرافي للمستهدفين من أجل اتخاد القرارات وتركيز الاعتمادات. المنهجية المتبعة حاليا في محو الأمية بطيئة وتقليدية وغير ناجعة. بالموازاة مع توديع الأمية إلى الأبد يجب التركيز على ردم الهوة الرقمية والعلمية وهذا يقتضي تضافر جهود المدرسة والمجتمع المدني والمقاولة ووسائل الإعلام من أجل تكوين مستمر وتواصل وتبسيط للأفكار والاختراعات وتنظيمها تواصليا من أجل أن تصبح في متناول الجميع.
البنية التحتية من طرق وفضاءات للخلق والابتكار وجامعات ومناطق صناعية وشبكات الربط الصبيبية والتواصلية لا يجب أن تشكل عائقا أمام دخول المغرب عالم المعرفة والابتكار. لايجب أن نبقى إلى الأبد ننتظر توفير القاعدة "البنيحتية" للإقلاع الاقتصادي. مجتمع المعرفة لا يمكن أن يكون ومناطق لازالت معزولة ومشكل الولوج إلى الخدمات لا زال مطروحا والربط على شبكات التواصل لم يتم حله بصفة نهائية. قطع المغرب أشواطا مهمة على هذا المستوى ولكن عليه الآن أن يقطع مع الخصاص في البنية التحتية بشكل نهائي.
مجتمع المعرفة ممكن وقابل للتحقيق شريطة أن تكون لدينا العزيمة والإرادة السياسية وبعد النظر والصبر والتخطيط الاستراتيجي والقدرة على التتبع. وهذا يقتضي جيلا جديدا من رواد التنمية لهم معرفة دقيقة بالمشاكل ولكن كذلك بالحلول والقدرة على ابتكار الحلول وأخد القرارات من أجل بلوغ الأهداف. مجتمع المعرفة يعتمد على الرأسمال الفكري للمواطنين والفاعلين والمقاولات ومنظمات البحث والجامعات والطلبة وهذا يعني تحولا مجتمعيا ينبني على احترام وصقل ملكات الابداع والاختراع وتشجيعه وثورة ذهنية فيما يخص التعلم والتربية والبيداغوجيا وإعادة ترتيب الأولويات على مستوى الاستثمار في البحث والتنمية والمعاهد والجامعات. كل هذا يقتضي قفزة جبارة ونوعية إلى المستقبل. يجب تحرير التنمية من قضايا قاعدة الهرم (حسب مازلو) والدفع بها إلى أعلى إن أردنا أن نتجاوز التأخر وردم الهوة وفي نفس الوقت الاستثمار في المستقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.