غريمالدو يرى بورتو المنافس الأقرب لبنفيكا    اتفاق بين الشركة العامة وجامعة محمد الخامس لتطوير برامج الابتكار    العضو الجامعي مولود أجف ينظم وجبة عشاء على شرف أعضاء لجنة من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم .    جاريث بيل يرد على مورينيو ويحسم موقفه من الانتقال إلى توتنهام    وزارة الدفاع الأميكية: الترسانة الباليستية الإيرانية الأولى في الشرق الأوسط    فارس يدعو المسؤولين القضائيين إلى المحافظة على حرمة المحاكم من انتهاك السماسرة    الجزائريون يكثفون تنظيم مسيرات احتجاجية قبل الانتخابات الرئاسية    أول تصريح ناري من مورينيو بعد توليه قيادة توتنهام    العرائش.. يوم دراسي حول آفاق سوق الشغل والتشغيل الذاتي    استقالة مسيرين من نادي حسنية أكادير    هذه دلالات تعيين بنموسى رئيسا للجنة الخاصة بالنموذج التنموي.. قراءة لمسار الرجل    أنهى مع الفريق سيطرة الرجاء على البطولة.. هل ينجح فاخر في تجربته الثانية مع الحسنية؟    قضية «سمسار القضاة».. المحكمة ترفض طلبات السراح المؤقت    جثة رضيع حديث الولادة تستنفر السلطات بطانطان‬    اجتماع بإقليم زاكورة لمناقشة تدابير مواجهة آثار موجة البرد    طنجة .. توقيف شخص موضوع 25 مذكرة بحث على الصعيد الوطني    شخصيات يهودية مغربية بلوس أنجلس تعرب عن امتنانها للعناية السامية لجلالة الملك    “العفو الدولية” تدعو الجزائر إلى توفير أجواء مواتية للانتخابات    هلال: برلمان الطفل "نموذج بناء" للسياسة المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس    القنصل المغربي بمونبلييه يفتتح المعرض الفني التشكيلي "رؤى عربية"    إدارة الوداد تقرر الطعن في عقوبة جبران    4 قتلى في بغداد بالرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع    المدعي العام الإسرائيلي يوجه الاتهام لبنيامين نتنياهو بتلقي الرشوة وخيانة الأمانة والاحتيال    العثماني: الحاجة إلى العاملين الاجتماعيين قد تصل إلى عشرات الآلاف في السنوات المقبلة    حقينة سد الخطابي بالحسيمة تتراجع من 77 الى 47 في المائة    عبد النباوي يؤكد ضرورة بذل مزيد من الجهود لتوفير الحماية اللازمة للأطفال    فاس: توقيف ثلاثة أشخاص وحجز أزيد من طن من مخدر الشيرا    إقليم الباسك .. باحث جامعي إسباني يسلط الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في تندوف    أمن طنجة يوقف شخصا صدرت في حقه 25 مذكرة بحث    متهم بملف تجنيس إسرائيليين يعترف بحصوله على الجنسية المغربية خلال جلسة المحاكمة    بمليار درهم ونصف.. “إمكان” الإماراتية تطلق مشروعا ضخما بالرباط على مساحة 100 ألف متر مربع    تسجيل هزة أرضية بقوة 3,1 درجات بإقليم ميدلت    بعد كليب لمجرد.. حظر كليب زكرياء الغافولي من “يوتوب”    النعناع ممنوع بأسواق الجملة    العاني يدعو إلى إخراج نقاش الفلسفة الإسلامية من دائرة النخبة    الوالي و”نوح” في فرنسا    العثماني يبحث عن خليفة مدير الأدوية    البراق: 2,5 مليون مسافر من يناير إلى نهاية أكتوبر    مندوبية لحليمي: المقاولات بالمغرب تعرف نسبة تأطير محددة في 25 بالمائة    توبيخ علني نادر من الفاتيكان للسياسة الأمريكية    دراسة أممية: ملايين الأطفال في العالم محرومون من الحرية والولايات المتحدة تحتجز العدد الأكبر    القوات المسلحة تقتني 36 هيلوكوبتر "أباتشي" بقيمة 4,25 مليار دولار    "دون قيشوح" تمثل عروض المسرح الأمازيغي بالمهرجان الوطني للمسرح بتطوان    سكينة فحصي تفتتح مهرجان "فيزا فور ميوزيك" في دورته السادسة    الريسوني: فرنسا مصدر التضييقات العنصرية التي يتعرض لها المسلمون    صحيفة | كريستيانو رونالدو تزوج سرًا بصديقته في المغرب.. والحفل كان من تنظيم بدر هاري!    الفلسفة في المغرب إلى أين؟ د.أحمد الصادقي: لا يوجد شيء قبل السؤال    «آدم» و»معجزة القديس المجهول» بمهرجان السينما المتوسطية ببروكسيل    بوجدور..مشروع جديد لإنتاج 300 ميغاواط من الطاقة الريحية    المغرب من أكثر البلدان أمنا بالنسبة إلى المسافرين    امضغ العلكة بعد الطعام.. لهذا السبب!    بريطانيا تستعين بالقندس للتصدي للفيضانات    دراسة: الصيام 24 ساعة مرة واحدة شهرياً ” يطيل” عمر مرضى القلب    مجموعة مدارس هيأ نبدا تنظم ورشة بعنوان " كيف تخطط لحياتك و تحقق اهدافك " - ( منهج حياة ) .    مسلم يرد على خبر زواجه من أمل صقر بآية قرآنية    تدوينة لمغني الراب الطنجاوي مسلم تنفي زواجه للمرة الثانية    مسلم يكذب خبر زواجه الثاني ب”آية قرآنية”    هكذا علق الرابور مسلم بخصوص زواجه بالممثلة أمل صقر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تحقيق: الإجهاض السري في المغرب بين الإباحة والتحريم
نشر في العلم يوم 28 - 03 - 2013

تداعيات عدم تغيير قانون الإجهاض والاستمرار في التعامل به بنفس الصيغة التي لا تحرم ولا تبيح،مازالت تقود الأطباء إلى السجون والنساء إلى المحاكم والى الشوارع، الظاهرة مؤلمة لها علاقة بالأرحام والأعراض وحياة ملايين النساء اللواتي كان الإنجاب غير المرغوب فيه سببا في موتهن أو طردهن من العائلة، أو التحول إلى الجريمة والدعارة والتشرد في الشوارع كأي حيوان ضال..
في الجزء الثاني والأخير من هذا التحقيق لقاء مع كل من البرلمانية نزهة الصقلي ، والباحث الاجتماعي خالد العبيوي و الشيخ عبد الباري الزمزمي والدكتورة لطيفة الجامعي والأستاذ رشيد مشقاقة و البروفسور شفيق الشرايبي والأستاذ ادريس بنزها ..
300ألف عملية إجهاض تجري كل سنة بالمغرب..
رقم تم نفيه من مصدره
مازال في المغرب وحسب بعض الأرقام التي أعطتها جهات غير رسمية كالجمعية المغربية لتنظيم الأسرة التي قامت ببحث ميداني هو الأول من نوعه حول ظاهرة الإجهاض بالمغرب، فان الظاهرة بلغت حجما خطيرا بل كارثيا، فقد سجل البحث أن 300 ألف عملية إجهاض تجرى كل سنة بمعدل 600 حالة يوميا. رقم لا يمكن بأي شكل أن يحيط بحقيقة واقع الإجهاض الغارق في السرية وحتى الخوف من الفضيحة أو السجن لأنه ممنوع قانونيا الى حد ما، هذه الأرقام والمعلومات تم نفيها خلال لقائنا الميداني مع مسؤولين من الجمعية و نفي وجود مثل هذا البحث..
أقوى العوامل التي تجعل المرأة تسعى لإنهاء الحمل الحفاظ على العمل ومتابعة التعليم:
أُجريت دراسة عام 2008 شملت 27 بلدا، عن الأسباب التي تجعل المرأة تسعى لإنهاء الحمل، وخلصت إلى أن أهم العوامل: الرغبة في تأخير أو إنهاء الحمل، القلق إزاء انقطاع عمل المرأة أو تعليمها، المسائل المالية ومدى استقرار العلاقات.. بعض عمليات الإجهاض تتم نتيجة الضغوط التي يمارسها المجتمع. وقد تشمل هذه الضغوط وصم الأشخاص المعاقين، وتفضيل الأطفال من جنس معين، وعدم الموافقة على الأمومة الأحادية، وعدم كفاية الدعم الاقتصادي للأسر، وعدم الوصول أو رفض وسائل منع الحمل، أو الجهود الرامية إلى تحديد النسل ، هذه العوامل يمكن أن تؤدي أحيانا إلى الإجهاض الإجباري أو الإجهاض بسبب جنس الجنين.
وحسب دراسات دولية فأسباب وقوع الإجهاض المتعمد تختلف من إقليم لآخر. فقد قُدر أن ما يقرب من 46 مليون حالة إجهاض تتم في جميع أنحاء العالم كل سنة. من بينهم 26 مليون حالة تحدث في الأماكن التي يكون فيها الإجهاض قانونيا؛ أما ال20 مليون حالة الأخرى فهي تقع في بلدان لا تقنن الإجهاض.
تلجأ المرأة التي تسعى لإنهاء الحمل في بعض الأحيان إلى أساليب غير آمنة، خاصة عندما يكون اللجوء إلى الإجهاض قانونيا ممنوعا.
تُعرف منظمة الصحة العالم (OMS)الإجهاض غير الآمن بأنه «الإجراء الذي يقوم به أشخاص يفتقرون إلى المهارات اللازمة أو في بيئة لا تتفق مع الحد الأدنى من المعايير الطبية أو كليهما.» تُعرف عمليات الإجهاض غير الآمن في بعض الأحيان بالعامية بإجهاض «الزقاق الخلفي». هذا ويمكن أن يشمل أي شخص من دون التدريب الطبي المناسب، أو الشخص المحترف الذي يعمل في ظروف دون المستوى.
البرلمانية والوزيرة السابقة نزهة الصقلي في حوار ل» العلم»: عدم إكمال الحكومة السابقة لولايتها أجهض مشروع قانون حول تقنين الإجهاض
بناء المزيد من المراكز لحماية الأمهات العازبات والأطفال المتخلى عنهم ليس هو الحل والتغرير بالقاصرات عنف جنسي
تقنين الإجهاض في المغرب مطلب أصبح أكثر إلحاحا من النساء أولا ومن حقوقيين وأطباء وسياسيين خاصة أمام تزايد جحافل الأمهات العازبات ومآسي قتل المواليد غير الشرعيين ، والتخلي عن الأطفال حديثي الولادة، وتزايد معدل جرائم بيع الرضع ، وإيقاف أطباء بسبب تورطهم في عمليات إجهاض فاشلة، هذا إلى جانب انتشار الأمية في أوساط الطفلات الخادمات اللواتي يشكلن نسبة مهمة من الأمهات العازبات وارتفاع أصوات معتدلة تطالب بتقنين الإجهاض والسماح به في حالات محددة، كالاغتصاب وزنا المحارم و عند تشخيص تشوه خلقي لدى الجنين وحماية المرأة صحيا واجتماعيا، كل هذا لم يغير من واقع الحال شيئا ومازالت الصحف تنقل كل يوم أخبارا تتعلق بقتل المواليد وباعتقال أطباء وشبكات للاتجار في الرضع المتخلى عنهم ،بل انتقل الحديث إلى البرلمان وبات الطفل المتخلى عنه في المغرب حالة طارئة فكل يوم يلقى ب27 طفل حديث الولادة إلى الشارع..
وأمام هذه التناقضات واستمرار القانون في التشبث بالمنع والعقاب واستمرار لجوء النساء للإجهاض للتخلص من حمل غير مرغوب فيه ولمعرفة مدى صحة تقديم الحكومة السابقة لمشروع قانون يهدف إلى تقنين الإجهاض ، التقينا نزهة الصقلي البرلمانية ووزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن السابقة، فكان هذا الحوار الذي تحدثت فيه السيدة نزهة الصقلي بقلب مفتوح تارة كسياسية شجاعة، وتارة كامرأة وإنسانة وتارة أخرى كصيدلانية ..
س: ما هو موقف نزهة الصقلي الإنسانة والسياسية من الإجهاض؟
ج: ملاحظة أولى لا بد أن أسجلها قبل أن أخوض في الإجابة ، هي رفضي استعمال مصطلح الإجهاض لأننا حين نستعمل هذا الفعل، يتم التفكير مباشرة و تصور جنين شبه مكتمل يتم إجهاضه ، أنا أفضل استعمال مصطلح الإيقاف الطبي للحمل غير المرغوب فيه وفي الحالات القصوى ، وحديثي موجه لشريحة معينة من النساء ، فحين أقول أنا مع الإيقاف الطبي لحمل غير مرغوب فيه فحديثي لا اعني به سيدة متزوجة مرفهة لا تريد الاستمرار في الحمل مع انعدام علة أو سبب حقيقي يمنعها من الاستمرار في الحمل، بل أتوجه بالكلام لامرأة حامل في وضعية صعبة صحيا أو نفسيا أو اجتماعيا ولا تريد هذا الحمل الذي أحيانا تكون قد تورطت فيه اغتصابا أو تغريرا ، وموقفي منطلق من واقع معاش فالأمهات العازبات في المغرب اغلبهن ضحايا واقعهن الاجتماعي ، فهناك دراسة أجرتها المندوبية السامية للتخطيط في 2003 تشير إلى أن معدل سن الأم العازبة في المغرب هو 23سنة، %40 منهن يتيمات تنحدر اغلبهن من العالم القروي، وبدون أي مستوى تعليمي ومن أسر متعددة الأفراد ..
وأضيف أن نسبة مهمة منهن يشتغلن في البيوت منذ سن مبكرة، ففتاة في هذه الظروف يسهل التغرير بها باسم الزواج فحين تجد من يمنحها الأمل في تغيير واقعها ونقلها من عالم تعيش فيه الفقر والتعب والقهر ويعدها بالبيت والاستقرار تثق فيه بسهولة ويقع المحظور، ولا تتم ملاحقة هذا الشخص بل تتحمل هي أوزار كل شيء وتصبح ملاحقة بالعار بالطرد من العمل وتجد نفسها في الشارع بدون أي مساعدة أو حماية ، وأحيانا يكون الحمل ناتجا عن اغتصاب من أحد أفراد أهل البيت الذي تشتغل فيه فيكون الطرد والتكتم وحماية المغتصب ، والمفروض أن يتغير موقف المجتمع و يضمن حماية المرأة من العنف فالاغتصاب و التغرير باسم الزواج هما معا يشكلان نوعين من العنف عنف مباشر وعنف غير مباشر، لكن المرأة في الحالتين أو الفتاة هي الضحية و ضحية سهلة يعرف الجاني أنها لن تنال منه حتى لو تكلمت، والعنف الثالث الذي تتعرض له هو أنها لا تلقى أي نوع من المساعدة ولا يتم تمكينها من إيقاف الحمل طبيا رغم رفضها المطلق له، فتترك للشارع ولمصيرها الكل يقول»عومي بحرك» وقد تلجأ إلى الإجهاض العشوائي عبر الأعشاب أو وسائل أخرى وقد تدفع الثمن من صحتها أو حياتها ، وقد تستمر في ذلك الحمل مع الاستمرار في استغلالها جنسيا وبعد الإنجاب تتخلص منه بأي شكل حتى بإلقائه في أي مكان والحالات كثيرة ومتعددة ، وحتى إن اختارت إبقاءه معها فهي مرفوضة في جميع الحالات هي وطفلها و يبقيان معا في الشارع أو تلتجئ للدعارة، وكثير من القاصرات الحوامل يهمن في الشوارع بعد أن انفصلن عن أسرهن..
س: هل سبق وأنتم على رأس وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، أن التقيتم بحالات من هؤلاء النساء؟
ج: طبعا سبق أن رأيت والتقيت حين كنت أمارس مهامي في الوزارة فتيات في سن 15 و16 و17سنة حوامل في الشارع تحدثت معهن ، فكان جوابهن أنهن طردن من البيت والشارع هو الملاذ بكل ما يعنيه من اغتصاب وتشرد وأمراض، وأتساءل كيف يستمر البعض في هذا المجتمع وأمام هذه الحالات في التعنت وإغلاق باب المساعدة أمام هؤلاء الفتيات المغرر بهن وتمكينهن من الإيقاف الطبي للحمل غير المرغوب فيه، والإبقاء عليهن داخل الأسرة لان الحمل غير الشرعي في سن مبكرة يعني ضياع الفتاة وضياع مستقبلها، و على المجتمع المغربي أن يكون منسجما مع واقعه. فإنسانيا هذا الواقع مرفوض ولا يمكن الحكم على إنسانة في بداية حياتها لا تتمتع بأي حق من حقوقها أن تفرض عليها تحمل مسؤولية حمل هي ترفضه من الأساس..
س: بالحديث عن الانسجام مع الواقع ، هل تقدمتم بمشروع قانون في عهد الحكومة السابقة يهدف إلى تقنين الإجهاض؟
ج: الحكومة السابقة وضعت خطة عمل تهم مرحلة 2011-2015 وكانت تتوجه لجميع القطاعات الحكومية وقد كان هناك 27 قطاعا، والأجندة الحكومية للمساواة كانت تتضمن الإيقاف الطبي للحمل، وقد جهزت خلال تقلدي مهامي الوزارية داخل وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن مشروع قانون يهم الإيقاف الطبي للحمل، لكننا لم نتمكن من تقديمه لان ذلك جاء تزامنا مع الشهور الأخيرة لعمل الحكومة ، ولن ننسى أننا كنا في حكومة بترت فترة ولايتها حيث كان من المفروض أن يستمر عملها إلى غاية 2012لكنها توقفت عند 2011 بسبب إجراء انتخابات سابقة لأوانها ، ولو أكملت الحكومة ولايتها كاملة لكنا قد قدمنا مشروع قانون الإيقاف الطبي للحمل في الحالات القصوى ، على أي كل تأخير هو فيه مزيد من الوقت لتكثيف الحوار بين الأطياف السياسية وتحسيس المجتمع بهذا القانون وتأثيره على الصحة الإنجابية لفئات معينة من النساء وأيضا حماية الشباب، وذلك أمام الأرقام المهولة للإجهاض السري والتي لا يمكن أن تبقى من الطابوهات، بل يجب التعاطي مع الموضوع بواقعية وهناك حالات استعجالية، كزنا المحارم والتشوه الكبير للجنين، وفي هذه النقطة لا بد من سؤال الأب والأم إن كانا يريدان الاحتفاظ بجنين هو في حالة تشوه وإعاقة كبيرة، وهل الدولة ستساعد الأهل في تحمل مصاريف الرعاية الطبية بعد الولادة ؟ كل هذه الأسئلة والحالات تبرر المطالبة بإخراج قانون يسمح بالإيقاف الطبي للحمل غير المرغوب فيه للحالات القصوى، مع مراعاة الاعتبارات الدينية والنقاش الديني كان دائما مفتوحا في هذا الباب منذ القدم ، وهناك دول عربية وإسلامية غيرت قانون الإجهاض وأصبح مسموحا بإجراء الإيقاف الطبي للحمل، فهناك تونس وتركيا وحتى إيران التي عدلت قانون الإجهاض وسمحت بالإيقاف الطبي للحمل عندما يكون هناك تشوه لدى الجنين، وفي الجزائر سمحت منذ 2004 بإجهاض المغتصبات من طرف إرهابيين ، إذن هناك اجتهادات داخل الكثير من الدول كل حسب واقعه، وعلى المغرب أن يتحرك في اتجاه حماية النساء في وضعية صعبة وتمكينهن من الشروط الصحية اللازمة والرعاية الاجتماعية الضرورية لأنه من العبث وغير المقبول أن نغمض عيوننا، وفي الشارع بنات وأطفال في ظروف لا إنسانية بلا مأوى وبدون مورد للعيش وخارج أي حماية ، تركيا أيضا تسمح بالإجهاض حتى الأسبوع العاشر للحمل ويطلبون موافقة الزوج وفي تونس يسمح بالإجهاض حتى الأسبوع الثاني عشر، وكذا الطوغو و هي عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي أباحت الإجهاض منذ 2009 بالنسبة للحمل الناتج عن زنا المحارم والاغتصاب ..
إذا لا يوجد تحريم ديني مطلق وهناك مذاهب تبيح الإجهاض في اقل من 120 يوم أو اقل وهناك دائما اجتهادات مواكبة ، على أي الهدف يبقى هو إخراج هؤلاء النساء والفتيات الصغيرات من حالات الهشاشة القصوى بسبب حمل لا يرغبن فيه، فالأمهات العازبات قضين على مستقبلهن، وأعدادهن في تزايد وكذا أعداد الأطفال حديثي الولادة المتخلى عنهم، والأطفال الذين يكبرون في الشوارع.. إلى متى سنستمر في هذا الواقع دون أي تحرك حقيقي لمساعدة بنات ونساء كل الدراسات والبحوث الميدانية، أكدت تعرض اغلبهن للاغتصاب والتغرير وكلهن من طبقات اجتماعية دنيا وفقيرة وهشة ، وبدون أي تكوين أو مستوى تعليمي؟ فإلى متى ستستمر في بناء المراكز والمآوي داخل كل الجهات والأقاليم؟ فهذا ليس حلا، والمغرب بلغ ما يكفي من النضج سياسيا للنظر للأمور بواقعية أكثر وبات ضروريا فتح الحوار بين جميع الأطياف السياسية، حوار هادئ واقعي ومعقول هدفه إنساني محض وليس تغليب رأي البعض على الآخر..
س: مع استمرار الشد والجذب في هذا الموضوع آلة الإجهاض تشتغل سواء عند الطبيب أو عند العشاب، لكن هناك آفات تقع ومآسي إذن إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وهل الدولة بنت ما يكفي من مراكز لاستيعاب هؤلاء الضحايا ولماذا لا يتم تحسيس الشباب واليافعين عبر إدماج التربية الجنسية في المقررات الدراسية؟
ج: كما قلت سابقا يوجد في كل الجهات والأقاليم مراكز لإيواء الأطفال المتخلى عنهم والأمهات العازبات والنساء في وضعية صعبة ، الذين يرفضون تقنين الإجهاض هم من يرفضون إدخال التربية الجنسية في المقررات الدراسية، بدعوى تشجيع الرذيلة، وهنا لا بد أن أسجل أن هؤلاء الرافضين لتغيير القانون إذا وقعت في بيوتهم وبين ذويهم حالة حمل غير مرغوب فيه، يهرولون مباشرة إلى إجراء الإجهاض ولملمة الفضيحة فلا توجد حصانة لأحد وكل البيوت معرضة لمثل هذه الأحداث ، فلنكن واقعيين ولنؤسس لبناتنا وأولادنا فضاء صحيا للنمو وبناء المستقبل ، وكذا لنعمل من اجل هدف واحد هو تنمية البلاد والرفع من مستوى عيش الإنسان المغربي بجنسيه..
س: انطلاقا من هذا التحقيق أغلب النساء يتحدثن عن الإجهاض بدون تحفظ ومنهن متزوجات ومتدينات بل منهن من جاءت توا من بيت الله ولكن لظروف صحية أو أخلاقية ككبر السن التجأن للإجهاض إذن لماذا يتم حرمان الفقيرات والحاملات سفاحا في سن صغيرة من إجراء الإجهاض في المستشفى العام حماية وسترا لهن؟
ج: في الماضي كانت في المغرب ما يسمى بدار الرحمة وكان الإجهاض السري يمارس سترا للأعراض..يجب أن يؤخذ الموضوع بعيدا عن الإثارة والاتهامات ، لأنه سبق اتهامي خلال تهييئنا لمشروع القانون الخاص بإيقاف الحمل الطبي بأنه ورقة انتخابية ، ولا أرى أي أصوات سيجلبها لي هذا الأمر، على أي فالمنظمة العالمية للصحة تعتبر صحة الأم هي الصحة الجسدية والعقلية والرفاه الاجتماعي، وللتوضيح أنا ضد الإجهاض في الحالات الطبيعية ولكن لا يمكن أن نبقى في وضع التمييز، فالحمل هو في الأصل حدث يرتبط بالسعادة والفرح لكنه بالنسبة للبعض حالة تراجيدية ومأساة فقليل من العائلات التي تجرؤ على فضح زنا المحارم وحتى الاغتصاب لذلك فهذا الموضوع يبقى خاضعا للسرية لارتباطه بسمعة العائلة ، وبكثير من التعقيدات الاجتماعية والقانونية، وبالتالي لا بد من حسم الأمر ووضع قانون يسمح بإيقاف الحمل طبيا بناء على تصريح الراغبة فيه..والمرأة بطبيعتها لا تلجأ إلى الإجهاض إلا في الحالات القصوى التي تكون فيها حياتها مهددة صحيا أو اجتماعيا، لان الأمومة هي غريزة عندها والحمل يجب أن يكون كما قلت سابقا حدثا سعيدا ، بدل أن يصبح الحمل في الشارع والإنجاب في الشارع وبدل المهد تكون المزبلة أو القتل وغيرها من النتائج القاتمة للحمل غير الشرعي ..
الشيخ عبد الباري الزمزمي رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النوازل و عضو مؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ل «العلم »:
المنع القانوني الحاصل هو منع عبثي لا يقدم خدمة للمجتمع والقانون يجب أن يكون في خدمة المجتمع وليس في اشقائه
هو الشيخ عبد الباري الزمزمي رجل ذو هيبة وفكر متحرر، اشتهر بإجاباته الدقيقة والواقعية عن أسئلة تعتبر من الطابوهات، التي يحب الكثير منا أن يناقشها مع نفسه أو في مجالس تكون غالبا في صالونات الحلاقة أو في الحمام ، حيث الضباب والبخار والجسد المتحرر من ملابس تخفي ما تخفيه فتكون الفضفضة والبوح مع دلق الماء على الجسد السخن.. فللجسد شهوات أخرى غير الأكل واللباس وجمع المال، شهوات تعذب وتلبى في جميع الأحوال وبأي وسيلة....
الرجل لم يكن يختبئ وراء إجابات ملتبسة وغامضة بل كان يجيب ويقول كلمات تنتشر كالنار في الهشيم لان الدين في اعتقاده جاء ليحرر الإنسان وليس ليقيده إلى جذع طابوهات من صنعه ، وفي كل مرة كانت تحدث ضجة وكأننا مازلنا في زمن «نوضو تركدو وطفيو الضو» ..
موضوع تحقيقنا هو الإجهاض ولمعرفة رأي الشرع فيه اتصلنا بالشيخ عبد الباري الزمزمي رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النوازل و عضو مؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين..لنتابع نص الحوار..
س: دينيا هناك اختلاف بين المذاهب الفقهية فيما يخص الإجهاض، فمنها من يجمع على إباحته قبل إتمام الحمل أربعين يوما والبعض يزيد من هذه المساحة الزمنية حتى المائة وعشرين يوما وآخرون يتحفظون أو يحرمون الإجهاض بشكل نهائي ماذا يقول الشرع ؟
ج: هي مسألة خلافية ويجب الاستدلال بالنصوص الواردة في هذا الموضوع ، فقبل بلوغ الجنين ستة أسابيع يمكن إجراء الإجهاض، لان الجنين لم ياخذ بعد صفته البشرية بل هو مجرد نطفة والطب الحديث اثبت هذا علميا واقر به، وهناك حديث صريح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم سَلَّمَ : إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعَظْمَهَا ، إلى آخر الحديث ، إذا فالجنين قبل أربعين يوما ليست فيه حياة بشرية كما قال العلماء بل هي حياة نباتية وقبل هذه الفترة فالإجهاض مباح شرعا وللمرأة الحق في إجرائه وليست عليها تبعات شرعية جراء هذا الفعل ، واعتبارا لهذا فالإجهاض أصبح محددا في حالتين الأولى اختيارية إذ يمكن للمرأة التخلص من حملها الذي لا ترغب فيه سواء لأسباب صحية أو اجتماعية كالتي أثقل كاهلها وذهبت صحتها من كثرة الأولاد أو الحمل السفاح وغيرها من الأسباب، والحالة الثانية حيث يصبح الإجهاض اضطراريا وهو حين يتجاوز الحمل مرحلة الأربعين يوما في هذه الحالة يسمح بالإجهاض في الحالات الصعبة كأن تكون حياة الأم مهددة إن استمرت في حملها وذلك بعد مراجعة الطبيب وإثباته ذلك في تقرير طبي يشرح خطورة الحالة، فالأم هي الأصل وهي عماد الأسرة والقاعدة الفقهية تدعو إلى اختيار اخف الضررين. إذن فالواجب التضحية بهذا الجنين وليس بالأم التي بوفاتها تتعطل الأسرة تماما ، والحالة الثانية ثبوت تشوه الجنين طبيا ، وان ولد سيكون في شقاء وألم هو ووالديه وعلى الدولة أن تعي هذه المسالة وتقوم بدورها بإنقاذ الأم و هذا الطفل من المعاناة ، وذلك بالحسم قانونيا في موضوع الإجهاض والحالة الأخرى التي يكون فيه الاجهاض اضطراريا هي عند الحمل الناتج عن زنا المحارم أو الاغتصاب..
س: الكل بات يعرف الآن واقع الإجهاض السري في المغرب وما يخلفه من ضحايا بين النساء بسبب خضوعهن لإجهاض عشوائي أو داخل عيادات لا توجد فيها التجهيزات اللازمة ، وأيضا ظاهرة الأمهات العازبات المشردات في الشوارع مع رضعهن داخل المدن الكبرى والأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع واعتقال الأطباء، كيف تقرأون هذا الواقع في ظل منع القانون للإجهاض ؟
ج: هذا منع عبثي لا يقدم خدمة للمجتمع ، لان الأصل في وضع القوانين أن تخدم المجتمع وليس أن تشقيه، والأطباء يقدمون خدمة طبية ولا يمكن الاستمرار في هذا الوضع و الحكومة الحالية تتجه نحو هذا الموضوع ، واتضح لي من خلال مشاركتي في ندوة نظمها فريق العدالة والتنمية بالبرلمان وكانت هناك دعوة إلى رفع العقوبة عن الإجهاض باعتباره أمرا واقعا لا يمكن مقاومته..
س: لكن هناك تيار يرفض فكرة مناقشة الحسم في موضوع الإجهاض داخل هذا الحزب وقد سبق للسيدة بسيمة الحقاوي وزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن أن دعت في احد لقاءاتها مع الصحافة إلى تنظيم استفتاء شعبي من أجل الحسم في مسألة الإجهاض هل يستدعي تقنين الإجهاض استفتاء الشعب؟.
ج: هذا أمر خطأ، فالأمر يستدعي حكم الشريعة وليس حكم الناس فلا يمكن استفتاء الناس هل نقتل أو لا نقتل بل نستفتي الشريعة والحديث النبوي صريح فقبل أربعين يوما الإجهاض مباح واختياري وبعده يلزم التقنين ودائما وفق قاعدة أخف الضررين..
س: المعروف أن المغرب يتبع المذهب المالكي ، وهذا المذهب يحرم الإجهاض من الاصل كيف يمكن التعامل مع هذا الأمر ؟
ج: من يحرم الإجهاض بالمطلق هم فقهاء جامدون ، فنص الحديث النبوي صريح وإباحة الإجهاض قبل إكمال الحمل ستة أسابيع انتهت إليه أكثر المجامع الفقهية في العالم الإسلامي ، وعلى المجلس العلمي الأعلى في المغرب أن يحسم هذا الأمر، فلا يمكن إجبار المرأة في ظروف صحية أو اجتماعية صعبة أن تستمر في حمل لا تريده كحمل زنا المحارم والحمل المتكرر وغيرها من الحالات الصعبة، إضافة إلى أن رفع المنع عن الإجهاض وتقنينه بشكل ايجابي سيرفع عنه السرية وسيصبح ممكنا التحسيس بمخاطره وأيضا سيقلص من تكلفته المادية الباهظة التي تدفع بالنساء إلى اللجوء إلى طرق غير طبية للتخلص من حمل لا يردنه أو إنتاج ظواهر لا تخدم المجتمع فكما قلت القانون وضع ليخدم الناس ويسهل حياتهم وليس للزيادة في شقائهم..
الباحث الاجتماعي خالد العبيوي :
الناس لا يتوانون عن خرق كل تشريع قانوني أو مقدس ديني لتجنب الفضيحة والعار..
س: هل يمكن اعتبار الإجهاض السري ظاهرة اجتماعية؟
ج: تشير الصحف المغربية إلى أن المغرب يعرف يوميا ما بين 600 و800 حالة إجهاض سري، فهذه الأرقام كفيلة بتناول الإجهاض بوصفه ظاهرة اجتماعية. لكن خطورة هذه الظاهرة تكمن في كون القانون المغربي للإجهاض لا يلائم الوقائع الاجتماعية على الأرض. مما يضطر النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب أو الحمل الناتج عن ممارسات جنسية خارج مؤسسة الزواج أو ضحايا زنا المحارم وما شابه ذلك إلى اللجوء إلى الإجهاض السري خوفا من الفضيحة أو إنجاب أطفال غير مرغوب فيهم.
س: بالنسبة للإشكالات الدينية والقانونية التي تثيرها الظاهرة، كيف يمكن تجاوز هذه الإشكالات والحسم فيها دون الإخلال بالثوابت ؟
ج: لا شك أن الإجهاض في المغرب - باعتباره بلدا تحكمه التقاليد والأعراف الاجتماعية والدينية-يثير إشكالات أخلاقية ودينية وقانونية، ومنعه يفرز تأثيرات نفسية واجتماعية، سواء تعلق الأمر بالمرأة أو الأطفال أو أوساطهم الاجتماعية، ويؤدي، فضلا عن ذلك، إلى تفشي حالات من الأمراض النفسية والاضطرابات الاجتماعية وتكاثر ما يعرف بظاهرة «الأم العازبة»، وكذا انتشار حالات الأطفال المتخلى عنهم. دون أن نغفل، لجوء المرأة إلى الإجهاض يعرض حياتها وحياة جنينها للخطر، ويمنعها من التمتع بصحتها النفسية والاجتماعية. وكذا التمتع بالأمومة كحق اختياري. وهذا ما يجعل الإجهاض يشكل ظاهرة اجتماعية تتأرجح بين القبول الاجتماعي والرفض الديني والقانوني. هذا التأرجح دفع بالظاهرة إلى ممارستها في الخفاء بعيدا عن أنظار المشرع القانوني أو الديني، وتجرى في البيوت وأوكار الشعوذة، وفي أحسن الأحوال من طرف أطباء مغامرين. ولكن رغم أن الممارسة تحاط بسرية تامة، فهذا لم يمنع الناس من تداولها في نقاشاتهم العادية. وما يجعل الظاهرة في تنام هو أنها تلبي طلبا اجتماعيا ملحا، حيث يستفيد من خدمات الإجهاض فئات اجتماعية مختلفة، بدءا من النساء المعنيات، بالإضافة إلى الأطباء والممرضين المخاطرين والمعالجين التقليديين. لكن بما أن الظاهرة تمارس سرا فإنه يصعب ضبطها إحصائيا، لاعتبارات اجتماعية وقانونية. وما الأرقام التي تروج إلا تقديرات تقترب من الواقع أحيانا وتجانبه أحيانا أخرى. لأن لا أحد من الأطراف الممارسين لهذه الظاهرة يستطيع البوح بها جهرا.
ثنائية الاجتماعي والقانوني
في ظاهرة الإجهاض
س: ألا ترى أن القانون الخاص بالإجهاض أصبح متجاوزا بالنظر إلى ما يجري في الواقع؟
ج: ما نود الإشارة إليه هو أن الجميع بات مقتنعا بأن النصوص التي تجرم الإجهاض أصبحت متجاوزة أمام ارتفاع الطلب على هذه الممارسة السرية. فرغم أن النصوص القانونية والدينية تمنع الإجهاض وتحرمه، إلا أن الناس لا يتوانون عن خرق كل تشريع قانوني أو مقدس ديني، يتعارض مع أي دافع نفسي أو حافز اجتماعي لتجنب الفضيحة والعار. لأن لا أحد يقبل أن يعيش عيشة الذل والهوان، من جراء إنجابه لأطفال غير مرغوب فيهم لأسباب مختلفة. بل حتى هؤلاء الأطفال أنفسهم، عندما يكبرون فإنهم يصبحون عرضة لقاموس من السب والشتم (أولاد الحرام وغيرها من التعابير القدحية)، أو يتم التخلي عنهم فيحرمون من حنان الأم ورعاية الأب.
س: بالنظر إلى الأرقام الموجودة والتي تكشف عن تطور الإقبال على الإجهاض ألا ترون أن لا المنع القانوني أو التحفظ الديني لم يمنعا الناس من اللجوء إلى الإجهاض كوسيلة للتخلص من حمل غير مرغوب فيه بل البعض لا يناقش إن كان هناك حظر أم لا لأنه هو الحل مهما كانت التبعات أو النتائج ؟
ج: إن الإشكالية الاجتماعية المطروحة أملتها ظروف عدم التنصيص القانوني على ممارسات الإجهاض في مجتمع تقليدي محافظ يدين بالولاء للتقاليد والأعراف، منها ما هو ثقافي، ومنها ما هو ديني، أو لنقل بالأحرى، منها ما هو ناتج عن انتماءات اجتماعية محددة، أو قراءات معينة للدين.
إن ثنائية الواقعي والقانوني، واقع الإجهاض وقانونية ممارسته، وكذا التباعد الحاصل بينهما في الزمن والتأويل، يدفعنا إلى إثارة تساؤلات حول طبيعة العلاقة بينهما، وحدود التباين أو التداخل أو التكامل بين الواقع الاجتماعي والنص القانوني.
إن الثنائية المشار إليها تحولت إلى جدلية بين الاجتماعي والتشريعي، مما أدى إلى تباينات بين الوقائع الاجتماعية المتغيرة باستمرار وثبوتية النصوص القانونية. فهل للمشرعين من الجرأة ما يسمح لهم بتقييد الوقائع بقواعد معيارية وضعية، مادامت المعايير غالبا ما تخرج من رحم الممارسات المتغيرة باستمرار؟ لماذا لا يعمل المشرع على مسايرة مستجدات الواقع بما يخدم مصالح الناس ويواكب احتياجاتهم؟
س: هل يمكن الاستمرار طويلا في هذا الوضع وترك الأمور تسير على نفس الوتيرة واللجوء إلى العقاب بدل إيجاد الحل في أمر يتعلق بالصحة وبالوضع الاجتماعي لفئات مهمة من المجتمع؟
ج: لا أحد يجادل في أن الغاية تكون دائما لصالح الوقائع، من جهة لأن الوقائع تسبق زمانيا النصوص القانونية. ففي البدء كانت الممارسة، ثم يأتي النص التشريعي ليعززها أو يدحضها؛ ومن جهة ثانية، لأن التصرفات تفرض نفسها على الأفراد والجماعات، لهذا فتأثيراتها لا ينكرها إلا جاحد.
من المسلم به أن ضغوطات الواقع لا يمكن تجاهلها، ولكن عوض أن يساير التشريع هذا الواقع الاجتماعي المتغير والمتجدد باستمرار، ويحاول تقنينه وتقييده في نصوص وأحكام ثابتة، فإن ما هو ملاحظ في حالة الإجهاض في المجتمع المغربي هو الممارسة الاجتماعية للظاهرة، بشتى صورها وأشكالها، بمعزل عن المعايير القانونية التي من المفروض أن يؤطرها. وبدل أن يظل الواقع في تبعية متبادلة مع القانون، لكي يضمن التداخل بين سلطتي الواقع والنص، فإننا نشهد تباعدا خطيرا بينهما، مما يفسح المجال لتصرفات تمارس في الخفاء، تفتح الباب على مصراعيه أمام نماذج من السلوكات غير المقبولة اجتماعيا وأخلاقيا. وهذه بالفعل إشكالية اجتماعية، لتجاوزها يقتضي النظر إلى واقع الإجهاض بأحواله المتعددة والمتباينة، وجعل التشريع المغربي يساهم في فهم العادات المجتمعية التي فرضها التطور الاجتماعي لأحوال الناس وتقلبات أزمنتهم. كما أنه على التشريع أن يتلمس التغيرات الاجتماعية وتوظيف حدوثها ومؤثراتها ضمن السياق القانوني. مادام أن جوهر القانون وروحه هو مراعاة ظروف الأفراد ومصالحهم المتغيرة والمتقلبة والمتباينة. فأحكام الواقع ومقاصد القانون هي التي تبقي على جدلية النص القانوني والواقعي الاجتماعي لإثراء القانون ولضمان رعاية حقوق الناس ومنافعهم.
إدريس بنزها محامي بهيئة الرباط :
القانون المغربي تضمن نوعا من المرونة أباحت الإجهاض ما دام النص الجديد يتحدث على ضرورة المحافظة على صحة الأم
ما زال الإجهاض السري في المغرب يحصد المزيد من الأرواح في صفوف الأمهات، ويقود الكثير من الأطباء إلى المعتقلات، رغم أن الفعل الذي قاموا به هو فعل طبي محض، واقع لا يجب السكوت عنه خاصة بعد تداول أرقام من جهات متعددة تعلن جميعها عن تجاوز الظاهرة للحدود الطبيعية ، وأصبح واقع الحال يفرض إحداث تغيير في قانون تجاوزه الواقع..
وللحديث في هذا الجانب القانوني، التقينا الأستاذ إدريس بنزها محامي بهيئة الرباط، الذي اعتبر الإجابة في هذا الموضوع تستدعي بعض التريث والبحث لكنه لم يتحفظ في الإجابة بالقول انه مع الإجهاض خاصة بالنسبة للحمل السفاح وتشوه الجنين وحين تكون حياة الأم مهددة لنتابع ..
س: الإجهاض قانونا ودينيا شبه محظور في المغرب لكن في الواقع يمارس وبوسائل متعددة كيف تقرأون هذا الواقع ؟
ج: بداية يجب تعريف الإجهاض، فالإجهاض في اللغة هو إلقاء الحمل ناقص المدة، أو ناقص الخلق و سواء أكان الإلقاء بفعل فاعل أو تلقائيا، و له مترادفات كالإسقاط و الإلقاء و الطرح و الإملاص 1.
و اصطلاحا لا يخرج استعمال كلمة إجهاض عند الفقهاء عن المعنى اللغوي، و هو إلقاء الحمل ناقص الخلق، أو ناقص المدة 2.
و إن كان الفقهاء لم يختلفوا حول تحريم إجهاض الحمل بعد نفخ الروح فيه و اعتباره جريمة توجب عقوبة، إلا أنهم قد اختلفوا حول حكم إجهاضه قبل نفخ الروح فيه اختلافا كثيرا، و تعددت الآراء حتى في المذهب الواحد، بين مجيز على الإطلاق، أو قبل الأربعين يوما فقط، أو الجواز لعذر و المنع عند عدمه، أو المنع المطلق، أو الكراهية .
و إذا كان تجريم الإجهاض متفق عليه مبدئيا في أغلب القوانين الجنائية المقارنة، فان هناك استثناءات أباحته، فرضتها إما ضرورة إنقاذ حياة الأم من الخطر (المادة 453 من ق ج قبل التعديل)، و إما ضرورة المحافظة عليها فقط (القانون السويسري و القانون المغربي بعد تعديل المادة 453 ق ج بمرسوم 1 يوليوز 1967) و إما ضرورة اتقاء العار و الفضيحة، كأن تكون المرأة قد حملت بالجنين كرها إما من جراء اغتصاب أو نتيجة علاقة جنسية مع أحد المحارم الذي يحرم التزوج به (القانون الايطالي و البولوني) 3.
ففي القانون الفرنسي كان الإجهاض جناية، وبعد إدخال بعض التعديلات أصبح جنحة، حيث صدر تعديل لهذا القانون سنة 1923م، وَخَفِضَ الجزاء إلى عقوبة الحبس مع رفع العقوبة إذا قام به الأطباء أو الصيادلة أو طلبة الطب أو المولٍّدات.
و المشرع الجنائي المغربي ، جرم كغيره الإجهاض مبدئيا و عاقب على ارتكابه من أي كان بعقوبات مختلفة، كما عاقب على المساعدة و التحريض عليه و ذلك في المواد 449 ق ج إلى 458 منه، و الاستثناء الذي يسمح بإجراء الإجهاض يتعلق بحالة ضرورة المحافظة على صحة الأم، عملا بالمادة 453 ق ج المعدلة بعد أن كان قبل التعديل يشمل فقط الحالة التي تجهض فيها المرأة من أجل إنقاذ حياتها من الخطر متى قام به طبيب أو جراح علانية و بعد إخطار السلطة الإدارية، و شتان كما هو واضح بين الضرورة للإجهاض في المادة 453 ق ج قبل التعديل و بعده، بحيث يمكن القول في شأن هذا التعديل بأنه تضمن نوعا من المرونة قد تؤدي إلى إباحة الإجهاض في أغلب حالات الحمل غير المرغوب فيه ما دام النص الجديد أتى بعبارة عامة في تقييد للإجهاض بضرورة المحافظة على صحة الأم، و هي كما هو واضح من الشمول الذي قد يسمح بإدخال كل حالة حمل غير مرغوب فيه ضمنا بسبب غياب التحديد الدقيق للمبررات المبيحة جديا لوضع حد للحمل فيها4.
*عناصر الإجهاض :
عاقب المشرع الجريمة في المادة 449 ق ج فقال : ((كل من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلى أو يظن أنها كذلك، برضاها أو بدونه سواء كان ذلك بواسطة طعام أو شراب أو تحايل أو أية وسيلة أخرى يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات و غرامة من 200 د إلى 500 د.
و إذا نتج عن ذلك موتها فعقوبته السجن من 10 إلى 20 سنة)).
و يلاحظ أن المشرع المغربي في الفصل 453 المعدل لم يرتب عن مرتكب الإجهاض أي عقاب إذا ما تبث أن دواعي الإجهاض تقتضيها ضرورة المحافظة على صحة الأم على أن يقوم بها علانية طبيب أو جراح بإذن من الزوج.
و لا يطلب الإذن المذكور إذا ارتأى الطبيب المعالج والمتتبع أن حياة الحامل في خطر شريطة تقيد الطبيب المعالج بإشعار الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم
و هكذا فإن عناصر انتفاء الجريمة تقتضي توفر ما يلي :
أولا : إنقاذ حياة المرأة الحامل.
ثانيا : الحفاظ على صحة المرأة البدنية أو العقلية .
ثالثا : تشوه الأجنة.
رابعا: انتقائية خفض عدد الأجنة للتقليل من المخاطر الصحية المرتبطة بتعدد الحمل.
خامسا : القصد الجنائي..
.لكن وأمام ما باتت تفرضه الظاهرة التي تحولت إلى واقع ملموس، ينتج العديد من الضحايا فلابد من تغيير هذا القانون في الاتجاه الذي يسمح للمرأة بالتخلص من الحمل غير المرغوب فيه...
الأستاذ بنزها ألح على إدراج أسماء المراجع التي اعتمدها في إجاباته وهي :
1? لسان العرب لابن منظور.
2-إجهاض الحمل و ما يترتب عليه من أحكام في الشريعة الإسلامية للدكتور عباس شومان.
3- القانون الجنائي المغربي، ذ العلمي عبد الواحد.
4- نفس المرجع السابق ذ العلمي عبد الواحد.
5- مجموعة القانون الجنائي المغربي.
الأستاذ رشيد مشقاقة رئيس نادي قضاة المغرب ل"العلم":
الإجهاض محرم في مرجعيتنا الفقهية بشكل مطلق والقانون أفسح استثناء لا يمكن استغلاله
مازالت الأحكام القضائية الصادرة في قضايا تهم الإجهاض تثير الكثير من الجدل، خاصة وان الكثير من المتابعين أو المتابعات في هذه القضايا هم أطباء وطبيبات كل جرمهم هو أنهم قاموا بفعل لا يخرج عن الإطار الطبي، والقانون لم يمنعه بشكل كامل ، بل هو متاح ويمارس بشكل يومي، فالإحصائيات التقديرية المتداولة تشير إلى أن حوالي 600 حالة إجهاض تتم يوميا داخل العيادات الطبية ، علما أن اغلب العيادات خاصة المتخصصة في أمراض النساء والتوليد تتوفر على الآلات والأجهزة التي تستخدم في الإجهاض الطبي وتم اقتناؤها بشكل قانوني من شركات تمارس نشاطها داخل المغرب وبشكل قانوني أيضا، الفصل445 من القانون الجنائي يجرم أي محاولة للتخلص من الجنين ويسد كل السبل أمام المرأة للتخلص من حمل لا ترغب فيه سواء كان شرعيا أم لا و"تعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم، كلّ امرأة أجهضت نفسها عمدا أو حاولت ذلك أو قبلت أن يجهضها غيرها أو رضيت باستعمال ما رشدت إليه أو ما أعطي لها لهذا الغرض" الفصل إذا واضح ولا يتماشى مع ما تنص عليه مبادئ حقوق الإنسان والحق في الإجهاض احد هذه الحقوق."
ولمناقشة هذا الموضوع التقينا الأستاذ رشيد مشقاقة رئيس نادي قضاة المغرب فكان هذا الحوار ..
س: كثر الحديث عن الإجهاض وكثرت التصريحات المتناقضة حوله. ماذا تقولون عن الإجهاض؟
ج: ، الإجهاض محرم في مرجعيتنا الفقهية بصفة مطلقة و مجرم في القانون الجنائي ، ويسمح بالإجهاض الطبي عندما تكون حياة الأمم مهددة أو عند تشخيص تشوه شديد عند الجنين ، أما خارج هذه الحالات التي تكون فيها الحياة مهددة فلا يمكن السماح بهذه العمليات ومتى حدثت يجب معاقبة الفاعلين وفقا لما جاء في القانون الجنائي الذي حدد أركان الجريمة، ونحن لا نتفق مع من يقول إن الإجهاض يدخل في إطار الحرية الشخصية للمرأة، القانون أعطى للمرأة الحق في تزويج نفسها لتحصينها ،أما الإجهاض وإذا ثبت انه وقع خارج إطار الزواج فهو دليل على الفساد ويجب متابعة الفاعلين وفقا للجريمة المرتكبة
س: كيف يمكن محاربة الإجهاض السري إذن؟
ج: أولا يجب تنظيم العلاقة بين الجنسين ، والسماح بالإجهاض هو تشجيع على الدعارة والانحراف ، فقد أصبحنا أمام سوق مفتوحة لبيع الأعشاب وكل ما يلزم للتخلص من الحمل سواء داخل المدن أو القرى وحتى الصيدليات تبيع أدوية محدثة للنزيف، وهذا كله تشجيع للمنحرفات وتقوية لظاهرة البغاء ، وبيع هذه الأعشاب أو الأقراص لهذا الغرض هو فعل جرمي ومؤذي لصحة المرأة وقد يكلفها حياتها، لذلك وجب تثبيت العقاب والنصوص القانونية حددت متى يجب السماح بالإجهاض الطبي..
س: هل سبق أن أصدرتم حكما في قضية تخص الإجهاض؟
ج : نعم وكان ذلك في محكمة الاستئناف بالرباط و كانت حالة مؤلمة لسيدة توفيت جراء الإجهاض، وهي مستخدمة بنكية خضعت للإجهاض في إحدى المصحات للتخلص من حمل نتج عن علاقة غير شرعية مع شخص هو إطار يشتغل معها في نفس المؤسسة البنكية ، وقد ارتكبت الطبيبة خلال قيامها بإجهاض المرأة خطا طبيا نتج عنه تمزق بالرحم أدى إلى نزيف حاد ، وتم نقلها بطريقة غير قانونية لمستشفى عمومي بسلا وهناك فارقت الحياة ..وقد حاولت الطبيبة التخلص من المسؤولية بادعاء أن المرأة كانت تعاني من نزيف قبل الخضوع لإجهاض في المصحة ، لكن الخبرة الطبية كشفت أن الوفاة نتجت عن النزيف الذي أحدثه الخطأ الطبي الذي ارتكبته ، وقد تمت معاقبة الجميع بعقوبة سالبة للحرية بدءا من الوسيطة إلى المتهم و الفاعل الرئيسي والطبيبة وأيضا طبيب التخدير وتراوحت الأحكام بين خمس سنوات وثلاث سنوات..
س:كيف يساهم الإجهاض في التشجيع على الرذيلة؟
ج: إجراء الإجهاض لأي كان دون البحث في الأسباب المؤدية له يمكن أن يخفي جريمة بشعة كجرائم الاغتصاب الذي تترتب عليه مجموعة من الأحكام وتفسح المجال للمغتصب بالإفلات من العدالة، فهناك الاغتصاب المؤدي للافتضاض والحمل وهذه جريمة بشعة وعدد من الضحايا هن قاصرات، والمفروض أن يتم توجيه القضية للعدالة لايقاف المعتدي وليس إخفاء معالمها ، كما انه يشجع على الفساد والعلاقات غير الشرعية ونحن دولة إسلامية لها هويتها ومرجعيتها الفقهية التي تحرم الإجهاض بشكل مطلق اللهم الاستثناءات المحددة في النصوص القانونية، والتي لا يجب الركوب عليها لإجراء الإجهاض فاغلب المتورطين يريدون استغلال هذا الأمر بادعاء أن حياة المرأة الحامل كانت مهددة..
الدكتورة لطيفة الجامعي الكاتبة العامة للجمعية المغربية لتنظيم الأسرة وأخصائية في أمراض النساء والتوليد ل"العلم":
لأنها تعنى بالصحة الإنجابية والجنسية وعلى مدى أربعين سنة بالمغرب ، كان لابد من لقاء أحد مسؤولي الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة، للخوض معنا في هذا التحقيق حول الإجهاض السري بالمغرب، فكان اللقاء مع الكاتبة العامة للجمعية الدكتورة لطيفة الجامعي وهي طبيبة مختصة في أمراض النساء والتوليد ونائبة الرئيس التنفيذي للاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة (وتمثل منطقة العالم العربي)، الدكتورة الجامعي أكدت في حوارها معنا على ضرورة التركيز على سبل الوقاية من الحمل غير المرغوب فيه ومن الأمراض المتنقلة جنسيا ونشر الوعي بين فئات اليافعين و الشباب، حتى لا نصل إلى مرحلة الإجهاض لأننا أمام جيل ينفتح بشكل يومي على الانترنيت في عالم باتت العلاقات الجنسية متاحة ووصفت من يرفض إدماج التربية الجنسية في المقررات المدرسية بالجهل، واعتبرت أن التغيير بات ملحا في قضية الإجهاض لأننا في القرن 21، والتطور يجب أن يطال حتى القانون في ظل الممارسة السرية للإجهاض والتي باتت الأرقام حولها تتزايد مع أنها لا تعترف بهذه الأرقام لان الإجهاض يظل يمارس في محيط تلفه السرية، لذلك تبقى تلك الأرقام غير علمية وغير دقيقة حسب قول الدكتورة الجامعي ..وألحت كذلك على ضرورة فتح الحوار داخل المنزل وداخل المدرسة حول جسد الطفل وأعضائه الحميمية وما ينتج عن الممارسة الجنسية، حتى لا يأخذوا معلوماتهم من الانترنيت أو من الأصدقاء أو يكونوا ضحايا اعتداءات جنسية ، والطفل رغم صغر سنه فهو يطرح أسئلة لها علاقة بالإنجاب بالجنس بالخلق والمفروض على الأهل إعطاء الإجابة الصحيحة والملائمة لسن الطفل، حتى ننمي جيلا واعيا ومدركا لمخاطر الجنس المبكر والاغتصاب والإجهاض ، بدل سياسة النعامة التي تصر الدولة على سلكها في هذا المجال والمشاكل الاجتماعية تتنامى وكذا الأمراض الجنسية تنتشر حولنا واغلب الضحايا هم من الشباب..
لنتابع نص الحوار..
س: هل أنت مع تقنين الإجهاض أو إباحته بشكل مطلق؟
ج: كوني مغربية مسلمة ارفض أن يصبح الإجهاض متاحا بدون تقنين ، بل ليتقرر الإجهاض أو لنقل الإيقاف الطبي للحمل لا بد من وجود أكثر من طبيب يطلعون على الحالة ويقررون إن كان يحق لها أن تقوم بالإجهاض أو لا
س: إذا جاءتك امرأة متزوجة وطلبت الإجهاض بسبب ظروف اجتماعية هل تقومين به؟
ج: لا، عليها أن تتبع وسائل الوقاية لحماية نفسها من حمل لا ترغب فيه
س: هناك نساء حملن وهن يستعملن حبوب منع الحمل وأخريات حملن باللولب ومع فشل هذه الوسائل فان المرأة تتوجه مباشرة إلى التخلص من حمل لم تخطط له ولا ترغب فيه لأسباب خاصة بها وهي أسباب تكون قوية ولا تترك لها المجال للاختيار بإبقاء الحمل أو إيقافه؟
ج: نعم لهذا نطالب بتغيير القانون، فانا كطبيبة مارست المهنة لفترة مهمة لا أريد أن ادخل في مشاكل قانونية ، لذلك لا بد من تغيير القانون أما وسائل منع الحمل تبقى وسائل غير مضمونة مائة بالمائة ، ومع ذلك فهي ذات فعالية ونحن في الجمعية نقدم هذه الخدمات باثمنة رمزية فمثلا اللولب وهو الوسيلة الآمنة أكثر، وتبلغ تكلفته في الجمعية 50 درهما وثمنه في القطاع الخاص 800درهم ، ووسائل منع الحمل متاحة داخل جميع مراكز الجمعية التي تتوزع على مجموعة من المدن المغربية وعددها 26 مركزا وتعمل جميعها على تجويد مستوى الوصول لخدمات الصحة الجنسية والإنجابية لكل الفئات على الصعيد الوطني ودون تمييز وتفادي طرح أسئلة إن كانت المرأة متزوجة أو غير متزوجة. ما يعنينا نحن هو الحماية والوقاية من الحمل غير المرغوب فيه، ومن الأمراض المتنقلة جنسيا، والمفروض على الدولة بكل مكوناتها أن تتماشى مع ما يفرضه العصر، فشباب القرن 21 ليسوا هم شباب الأمس ولا يمكن تقييدهم في ظل التطور التكنولوجي والانفتاح على العالم والتنقل وكل هذا يسهل العلاقات بين الجنسين ، لذلك على الدولة أن تتحرك في اتجاه حماية هؤلاء الشباب بالتوعية وإتاحة كل الوسائل للوقاية من الحمل غير المرغوب فيه ومن مخاطر الأمراض الجنسية التي تبقى تكلفتها باهظة على صحة الفرد وعلى الدولة ، لذلك فبرنامج الصحة الإنجابية يجب أن يتطور في اتجاه تسهيل الولوج لجميع الخدمات داخل المراكز الصحية العمومية دون إخضاع المرأة لسؤال هل أنت متزوجة أم لا وكذلك الشاب، وذلك لايقاف ظواهر اجتماعية مقلقة تؤدي إلى مآس يذهب ضحيتها شباب ، وأيضا توفير الموزع الآلي للعازل الطبي في عدد من نقط البيع قرب الصيدليات وغيرها حتى يتمكن الشاب من اقتنائه بلا حرج، وهذه الوسائل البسيطة تدخل في إطار السياسة الوقائية من الحمل غير المرغوب فيه وكذا من الأمراض المتنقلة جنسيا..
س: إذا تم وضع قانون يبيح الإجهاض ، هل ستقومين به؟
ج: نعم، لكن لا يجب أن يكون متاحا بشكل مطلق بل في حالات خاصة، مثل الحمل الناتج عن زنا المحارم والاغتصاب وعند تشخيص إصابة الجنين بتشوه كبير، وحين تكون صحة الأمم مهددة هي وحياتها
س: ألا تجدين أن القاصرات يجب أن يدخلن أيضا ضمن هذه الحالات فأغلبهن يكن ضحية التغرير ولا علم لهن بوسائل منع الحمل وبعضهن حملن من أول علاقة جنسية..؟
ج: طبعا القاصرات أيضا يجب أن يكن ضمن الحالات التي يسمح لها بالإيقاف الطبي للحمل، وقد مرت علي حالة أثرت في كثيرا ، فقبل بضع سنوات اتصلت بي طبيبة عامة وطلبت مني إن كنت أوافق على إجهاض فتاة قاصر حملت وتخاف مواجهة أسرتها ، رفضت طلبها وبعد مدة اتصلت بي الطبيبة نفسها لتخبرني أن القاصر ألقت بنفسها من احد الجسور بتمارة أمام القطار لتضع نهاية لحياتها ..انه واقع مؤسف..
س: كيف تنظرين إلى اعتبار البعض الدعوة إلى إدخال التربية الجنسية في المناهج الدراسية تضليلا وتشجيعا على الدعارة ؟
ج: اعتبره تخلفا محضا في ظل واقع صحي كارثي، فهناك الإجهاض السري وهناك الاغتصاب والسيدا ومشاكل اجتماعية وصحية أخرى بسبب غياب وعي الشباب بمخاطر العلاقات الجنسية المبكرة وغير المحمية، ، وأنا لا أدعو إلى شيء لا أقوم به في حياتي الخاصة، فابني حين كان تلميذا في إحدى المدارس الإعدادية التابعة للبعثة الفرنسية طرحت عليهم الأستاذة سؤالا يتعلق بالجهاز التناسلي ، فأجاب الطفل إجابة صحيحة فاجأت الأستاذة فسألته من أين عرفت هذه المعلومات فرد عليها : والدتي طبيبة وحاورتني في هذا الموضوع .. إذن إلى متى سنستمر في سياسة النعامة وترك الأمور تسير نحو مصير سيئ هذا تخلف غير مقبول..
س: في أي سن يجب أن يلقن الطفل هذه التربية؟
ج: قبل البلوغ
س: بعض النساء يبدأن الإجهاض في البيت أو عند القابلة أو بواسطة الأعشاب، وعند حصول مضاعفات يتوجهن إلى المستشفى العام، لكن يتم رفضهن بدعوى عدم الرغبة في تحمل مسؤولية إجهاض يمنعه القانون. ما هو ردكم كطبيبة ومسؤولة عن جمعية تعنى بالصحة الإنجابية وبصحة الأم والتخطيط العائلي ؟
ج: خشية الأطباء من المشاكل القانونية مفهومة، لكن ليس لأي طبيب الحق في رد امرأة مهددة بالموت ، في هذه الحالة هو يتحمل مسؤولية اكبر والقانون يسمح بتقديم العلاجات الضرورية لمضاعفات الإجهاض إن كانت حياة الأم مهددة..ومخاطر الإجهاض غير الآمن كبيرة ..
س: في البحث الميداني الذي قمنا به قابلنا سيدة أكدت طردها من مستشفى عمومي وهي تعاني من آلام حادة ساعات بعد خضوعها للإجهاض، وبعد أن تم فحصها من طرف "طبيبة" أمرتها بالتوجه نحو العيادة التي أجهضت نفسها فيها لأنها لا تريد تحمل المسؤولية في إجهاض لم تقم به؟
ج: لا أظن أن الطبيب سيرفض تقديم العلاج، فواجبه هو إنقاذ حياة المريض..
س: هل أطباء الجمعية يقومون بإنهاء الإجهاض المتعمد علما أنها تتوفر على أطباء متطوعين في كل الاختصاصات ؟
ج: لا لأننا لا نتوفر على قاعة مخصصة ومجهزة بالآلات التي يتطلبها الإجهاض، بل نكتب لها تقريرا عن الحالة ونوجهها لأقرب مستشفى ..
س: الأرقام المتداولة حول الإجهاض السري كبيرة ومهولة ومنها ما هو صادر عن جمعيتكم وأخرى أعلن عنها البروفسور الشرايبي؟
ج: لا اعتقد أننا أصدرنا أرقاما تخص الإجهاض السري ،بل أؤكد أنها غير موجودة وفي النهاية أنا لا اتفق مع أي أرقام متداولة ،لأنها غير دقيقة ولم تحص بطريقة علمية لان الإجهاض في المغرب سري ، وقد قلت هذا للبروفسور الشرايبي في احد اللقاءات معه..
س: ما تعليقك على اعتقال الأطباء بسبب إجرائهم للإجهاض علما أنه يدخل في إطار الممارسة الطبية ، واغلب الحالات التي تتابع قضائيا لم يتم إيقافها بسبب مضاعفات صحية جراء الإجهاض بل بسبب شكاوى تقدم بها أهل المرأة التي خضعت للإجهاض أو هي نفسها؟
ج: هذا الاعتقال غير مقبول ، و إذا استدعى الأمر الإيقاف فيجب أن يطال جميع الأطراف و إخضاعها للمسطرة القانونية ، وليس الطبيب فقط، كما حصل مع الطبيبة التي أوقفت مؤخرا بالرباط، بعد تقدم امرأة بشكوى ضدها، الطبيبة متابعة قضائيا في حالة سراح بينما المعنية بعملية الإجهاض والتي تقدمت بالشكوى تزوجت بصديقها الذي كان وراء حملها غير الشرعي وليست متابعة لا هي ولا صديقها ، لان أصل الشكوى كان هو الضغط من اجل الزواج..وعلى العموم فالأطباء يقومون بعمل لا يخرج عن إطار مهامهم الطبية والقانون لا يمنع الإجهاض بصفة كلية لذا يتوجب البحث عن دواعي إجراء هذا الإجهاض، وكل هذا يفرض تغيير القانون لان الواقع تجاوزه ولا يمكن تحميل الأطباء مسؤولية وضع غير سوي اجتماعيا وقانونيا، ولا بد من القطع مع سياسة النعامة ومع الجهل..حماية لشبابنا ومجتمعنا وعلى الجميع تحمل مسؤوليته بعد ذلك..
البروفيسور شفيق الشرايبي رئيس جمعية محاربة الإجهاض السري في المغرب ل"العلم":
مازلنا نتحاور مع الأحزاب السياسية من أجل تقنين الإجهاض الطبي خدمة لصحة المرأة المغربية
كعادته مازال الطبيب والمسؤول عن مستشفى الليمون القديم بالرباط المختص في الولادة وأمراض النساء ورئيس جمعية محاربة الإجهاض السري في المغرب البروفسور شفيق الشرايبي كما كان خلال لقائي معه في 2007، يدافع بحدة عن رفع السرية عن الإجهاض الممنوع قانونيا في المغرب ، قانون يقول عنه الشرايبي تجاوزه الواقع الذي أضحى نافرا من التناقض الذي يغرق فيه ، لأنه أمام ما يحصل يوميا من مضاعفات لنساء يردن الموت بدل الاحتفاظ بجنين لا يرغبن فيه مطلقا ويمتن بالفعل ، فنحن أمام صمت غير مقبول، ولا أرى ما يمنع الدولة من الحسم في الإجهاض كما تم الحسم في عهد الملك الحسن الثاني في القانون الخاص بتحديد النسل حيث دعا الى اعتماد برنامج التخطيط العائلي وأمر بإدخال وسائل تنظيم الأسرة للمغرب ، وكان البلد العربي الأول الذي نفذ هذه الخطوة التي كانت دواعي القيام بها اندلاع مظاهرات بالدار البيضاء نهاية الستينيات وكان القانون المغربي يجرم تحديد النسل والتحريض على تقليص الولادات ، بعد ذلك تشكلت الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة في 1971 والقرار الملكي كان حكيما بالنظر الى نتائجه ، ونحن اليوم في حاجة إلى قرار شجاع يخص الإجهاض يخدم الصحة العمومية ويرفع عنه السرية ليصبح مقننا في اتجاه يخدم صحة المرأة الجسدية والنفسية والاجتماعية ويفتح الباب للتحسيس والتوعية ودعم نساء الطبقات الهشة .. اللواتي يذهبن ضحية الاجهاض العشوائي..
س: أنشأتم جمعية محاربة الإجهاض السري في المغرب سنة 2008 ما الذي تغير بعد أربع سنوات تقريبا من هذا التاريخ؟
ج: هناك تغيير طبعا فمناقشة الإجهاض لم تعد سرية ولم تعد من الطابوهات، فوسائل الإعلام بجميع أنواعها أضحت تطرح هذا الموضوع للنقاش مع مختصين، وتبرز الوضع الكارثي الذي أفضى إليه واقع السرية وما يخلفه من ضحايا، وقمنا بعقد مجموعة من الندوات داخل مدن متعددة وأيام دراسية وعقدت الجمعية كذلك مؤتمرين تم فيهما استدعاء أطباء ورجال سياسة وقانونيين وعلماء دين، وكان النقاش ثريا، والأمور تسير في منحى ايجابي يخدم بالدرجة الأولى صحة المرأة المغربية، كما حدثت لقاءات داخل البرلمان ونحن في تواصل ونقاش مع الأحزاب السياسية التي أبدت ستة منها موافقتها على صياغة مشروع قانون لتقنين الإجهاض، و نحاول الاتصال بالأحزاب السياسية الأخرى التي مازالت تتحفظ على الخوض في هذا الموضوع الذي أصبح يثار في البرلمان من خلال أسئلة ممثلي بعض هذه الأحزاب ..
س: على ذكر الضحايا ومنذ بداية تعاطيكم مع الإعلام، كشفتم عن أرقام مهولة احدثت رجة بين المتتبعين حيث أعلنتم أن حوالي 1000حالة إجهاض تسجل يوميا بالمغرب، منها 600 حالة تتعرض لإجهاض طبي و 250 لإجهاض غير طبي و 100 حالة تتابع الحمل ، إلا أن الكثيرين ومن داخل الوسط الطبي يشككون في هذه الأرقام كونها غير علمية والظاهرة أصلا سرية ؟
ج: الأرقام هي تقديرية وقد حصلت عليها من خلال حساب مجموعة العيادات المختصة في طب النساء والتوليد الموجودة في كل من الرباط والدار البيضاء، وقمت بعملية حسابية استنادا إلى عدد حالات الإجهاض التي يمارسها هؤلاء الأطباء داخل عياداتهم ، إضافة إلى الأطباء العامين والجراحين ،أما الإجهاض العشوائي فلا يمكن ضبطه اللهم الحالات التي تفد إلى المستشفى في وضع صحي حرج..
س: هناك من يتهم المطالبين بتقنين الإجهاض بالإجهاز على حياة بريئة وبالتطاول على حق الجنين في الحياة وتشجيع على الدعارة ؟
ج: نحن ندافع على صحة الأم وأي سياسة يجب أن تضمن هذا الحق في الصحة والحياة للام أولا، وان لا يصبح موضوعا للمزايدة السياسية والاتهام بالتشجيع على الدعارة لهؤلاء نقول الدعارة مشكل اجتماعي المفروض التعاطي معه بواقعية ومساعدة النساء اقتصاديا وإيجاد الحلول بدل ترك الحال على ما هو عليه ، فالمقاربة الأمنية لا تحل المشاكل الاجتماعية، وواقع الإجهاض السري الذي يريد هؤلاء إبقاءه في وضع الكارثة الذي هو فيه الآن نواجهه نحن الأطباء، ونقف على الواقع الحقيقي للحمل غير المرغوب فيه، حيث نواجه حالات نساء ياتين إلى المستشفى وهن يعانين نزيفا حادا بعد إجهاض فاشل اجري بالأعشاب أو بإدخال آلة حادة إلى الرحم أو أدوية غير مناسبة وبطرق غير آ منة يدفعهن إليها اليأس والخوف، وجميعها تفضي إلى مضاعفات تهدد حياة المرأة، إن لم يتم إنقاذها بشكل مستعجل، فنزيف الرحم هو نزيف قاتل ومهدد للحياة إضافة إلى حالات تهتك المهبل وتمزق الرحم و تكون تعفنات تودي إلى الوفاة وكذا التخلي عن المواليد والانصراف إلى المجهول في حالة نفسية قاتمة، ولا يعقل أن ندافع عن كتلة من الدم ونصر على الإلقاء بالمرأة غير الراغبة في حمل يعرضها للطرد من العائلة أو للموت انتحارا أو قتلا من احد أفراد الأسرة إلى الشارع ونحكم على ذلك الجنين بالإلقاء به إلى الموت في المزبلة والشارع..
س: بعد هذه السنوات من الدفاع عن قضية صعبة،هل لانت مواقف بعض معارضيكم ، وخاصة علماء الدين؟
ج: بالعكس هؤلاء منفتحون على النقاش ومن هؤلاء الرئيس الجهوي للمجلس العلمي لطنجة الذي كنا اجتمعنا معه في إحدى الندوات في 2008 وكان متشددا في رفضه للإجهاض، وبعد خمس سنوات اجتمعنا في ندوة نظمتها المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة ووجدت أن موقف الرجل تغير، و أصبح مقتنعا بتقنين الإجهاض ، ومن الأحزاب التي تعاطت مع الجمعية منذ البداية حزب العدالة والتنمية الذي بادر إلى تنظيم يوم دراسي حول الإجهاض بالبرلمان وكانت الآراء مختلفة وكل دافع عن قناعاته، ومواقف الكثير من المسؤولين داخل هذا الحزب هي مواقف ايجابية وعلى رأس هؤلاء الدكتور سعد الدين العثماني والسيد مصطفى ارميد والسيد مصطفى الخلفي وجميعهم منفتحون على النقاش وعلى ضرورة إيجاد حل لوضع الإجهاض السري في المغرب..
س: لكن هناك معارضة قوية لتعديل القانون الخاص بالإجهاض من داخل هذا الحزب، وهي السيدة بسيمة الحقاوي وموقفها معروف منذ أن كانت برلمانية وحزبها في المعارضة ،والآن هي وزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن ومازالت محافظة على موقفها الرافض هل تأملون التغيير في وجود مثل هذا الموقف؟
ج: أنا طبيب وأدافع على صحة الأم ، وأدافع عن الإيقاف الطبي للحمل داخل بيئة طبية سليمة وإخراج الإجهاض من الممارسة السرية المحفوفة بالمخاطر إلى الممارسة الطبية ، واعرف معاناة النساء من جراء الحمل غير المرغوب فيه، وقابلت حالات مؤلمة لنساء في مقتبل العمر فقدن الصحة وفقدن الحياة أو الأمل في الإنجاب وأخريات تخلين عن مواليد بعد الولادة في ظروف نفسية قاهرة، كل هذا أعيشه بشكل يومي داخل المستشفى ، والإجهاض السري هو من المشكلات الصحية المستعصية والمسبب ل13%من وفيات الأمهات بالمغرب وصحة الأم هي من أولويات السياسة الصحية بالبلاد وصحتها تعني صحة المجتمع ، أما موقف السيدة بسيمة الحقاوي فيستند على الوجهة الدينية ، وقد بادرت إلى إنشاء جمعية للحفاظ على الحياة "تدعو إلى مناهضة الإجهاض ..أما حزب العدالة والتنمية فساهم في خلق هذا النقاش حول الإجهاض السري وقد قابلت خلال لقاء ببوزنيقة قبل أشهر السيد عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة ، وسألني خلال حديث معه إن كنت أطالب بإباحة الإجهاض بصفة مطلقة أم بتقنينه، فقلت نحن مع التقنين ،فرد: إذن نحن لسنا على خلاف..
وأظن أن الجميع يريد الوصول إلى حل توافقي من اجل تعديل هذا القانون بالاتفاق طبعا مع الأحزاب الأخرى ومع جميع المتدخلين من مجتمع مدني وحقوقيين وعلماء دين..
س: في الأسابيع القليلة الماضية تم اعتقال مجموعة من الأطباء بعد تقديم شكاوى ضدهم من نساء وقاصرات خضعن للإجهاض داخل عياداتهم كيف تنظرون إلى استمرار اعتقال الأطباء بسبب الاجهاض ؟
ج:مسلسل اعتقال الأطباء مستمر، فإحدى الدراسات التي تمت خلال 2009 أبانت عن اعتقال حوالي 164 طبيب وطبيبة 60 منهم توبعوا في حالة اعتقال و12 تم سجنهم ، وتوصلت الجمعية خلال الأسابيع الأخيرة باتصالات تفيد اعتقال مجموعة من الأطباء ، فمؤخرا تم اعتقال طبيبة بورزازات وهي طبيبة عامة قامت بإجهاض فتاة قاصر حملت خارج الزواج لم تحدث لها أي مضاعفات صحية،لكن بعد تخلي صديقها عنها وانكشاف أمرها وجهت الاتهام للطبيبة ، وحالة أخرى لطبيبة بالشاون وهي في القطاع العام جاءتها حالة سيدة تعاني من نزيف قامت بواجبها الطبي، وصادف أن عاين بعدها طبيب آخر المريضة فاخبر مدير المستشفى أن الطبيبة قامت بإجراء إجهاض غير قانوني وبادر هذا الأخير إلى الاتصال بالنيابة العامة والطبيبة تتابع في حالة سراح ،أقول من المفروض أن يكون هناك تقصي فالنزيف يعني أن حياة المرأة في خطر إضافة إلى اعتقال طبيب بالدار البيضاء ومتابعة آخرين في الرباط وغيرها من المدن إضافة إلى اعتقال ممرضين وعاملين في القطاع الطبي ..
س: على ذكر الأطباء، هناك حالات يتم رفضها في المستشفيات العمومية كونها تعمدت الإجهاض وتطرد من المستشفى رغم وضعها الصحي الحرج ؟
ج: هذا أمر غير مقبول طبيا وإنسانيا وفي مستشفى الليمون ترد علينا الكثير من هذه الحالات والأطباء يقومون بواجبهم وذلك بإنهاء الإجهاض بطريقة طبية آمنة وتخليص المرأة من آلامها ومن كل ما يمكن أن يهدد سلامتها الصحية ..
س: هل تسالون المرأة قبل إتمام الإجهاض إن كانت متزوجة أو لا؟
ج: لا نطرح أي أسئلة فبعد الفحص يتم توجيهها إلى العلاج، فالنزيف خطير وأي دقيقة تمر دون تلقي العلاج، تعني الموت
هناس: ألا تفكرون في تنظيم وقفة تحسيسية في الشارع العام للتحسيس أكثر بهذه القضية؟
ج: لا نريد إحراج أي جهة ، مع أن الشارع كان هو السبب في تبني المغرب لبرنامج التخطيط العائلي وتنظيم النسل وكان القانون المغربي حينها يجرم تحديد النسل أو التحريض عليه، فبعد اندلاع مظاهرات بالدار البيضاء نهاية الستينات أمر الملك الحسن الثاني بتبني برنامج للتنظيم العائلي وتغيير القانون وكان المغرب البلد العربي الأول الذي بادر إلى هذا الاتجاه لخفض معدلات الولادة ، وفي 1971 تم إنشاء الجمعية المغربية لتنظيم الأسرة التي مازالت تعمل وبفعالية في مجال الصحة الإنجابية والجنسية بالمغرب وذلك بشراكة مع وزارة الصحة..
س: هل تعاملتم مع المنظمة الهولندية "نساء فوق الأمواج" التي جاءت بسفينتها إلى الشواطئ المغربية قصد تحسيس المغربيات بالإجهاض الآمن؟
ج: جاءت هذه الجمعية على متن سفينتها إلى المغرب بدعوة من صبية"جمعية مالي" التي أرادت أن تركب موجة لا تعرف خطورتها وقد كنت نظمت ندوة صحافية أبنت فيها عن رفضنا في الجمعية لمثل هذه المبادرات ، التي لا تخدم ما نعمل من اجله منذ سنوات ولا تخدم التغيير في القانون الخاص بالإجهاض الذي ننشده ونتحاور فيه مع المجتمع السياسي والمدني والديني..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.