البقالي: تنازل برلماني "البام" عن تعويضاتهم ليست إلا "مساحيق تجميل رخيصة"    من نصدّق.. محمد يتيم ينفي زيارة الهمة لبنكيران    استمرار مآسي ملسمي "بورما".. العنف شرد 87 ألفا منهم    الوداد ل"البطولة": هذه تعاقداتنا الشتوية    بنعطية يوجهه رسالة للمغاربة: معكم سنذهب بعيدا    زيدان يستدعي لاعبا مغربيا للمشاركة في مباراة الريال أمام سيلتا فيجو    أرقام وإحصائيات عن مباراة التوجو أمام جمهورية الكونغو    ضبط شيرا بمُبرِّد شاحنة في ميناء طنجة المتوسط    المديرية العامة للأمن الوطني تنفي منع محامي إسباني من ولوج المملكة    هذه حقيقة اعتقال فتاة تصور نساء بحمام شعبي بأكادير    5 وجهات تتصدر قائمة حركة النقل الجوي الدولية    تجربة المغرب في المجال الديني نموذج للعديد من الدول الإسلامية    المستشفى الميداني المغربي بمخيم الزعتري يواصل تقديم خدماته للاجئين    محاكمة متهمي "اكديم ايزيك".. النويضي ينسحب والانفصاليون يواصلون الفوضى    قمة الاتحاد الإفريقي: خمسة مرشحين يتنافسون على رئاسة مفوضية الاتحاد الإفريقي    محاكمة اكديم ايزيك.. المحامي الفرنسي يواصل استفزازاته ومواجهات بين الدفاع    "الترفاس" كنز من كنوز الصحراء (فيديو)    السلطات الأمنية الألمانية تحذر من هجمات إرهابية محتملة بمواد كيميائية    حماس تحذِّر من نقل السفارة الأميركة للقدس    "الأراضي المحتلة" تدفع محاميا إلى الانسحاب من قضية "أكديم ازيك"    الترجي التونسي ينسحب بغرابة من مباراته أمام نهضة بركان    استقالة ليكنز من تدريب المنتخب الجزائري    الكاف…ومسلسل الفضائح لازال مستمرا…!    قراءة في تاريخ المباريات الحارقة التي جمعت الأسود والفيلة    الذهب يلامس أعلى مستوياته في شهرين    إسمنت الأطلس لأنس الصفريوي تقترض ملياريْ درهم بهدف تسديد قرض سابق    فلاشات اقتصادية    قريبا.. وجهك "جواز سفرك" بمطارات العالم    حصيلة عمالة اقليم الحوز لسكان المناطق المتضررة من موجة البرد القارس‎    درك سلا يرجع مسروقات السفير الألماني ويعتقل 8 أشخاص    حنان أوبلا ملكة جمال الأمازيغ لعام 2017 حنان أوبلا ملكة جمال الأمازيغ لعام 2017    المناسبة شرط: ياشافي يا معافي...    أركان سوس يتوج بإسبانيا    إيطاليا.. مغربي يرتمي تحت شاحنة ضخمة بعد اكتشاف خيانة زوجته    إدانة 51 قاصرا بتهم الإرهاب بفرنسا خلال عام    جطو: الإصلاح المتعلق بأنظمة التقاعد لم يأت بحلول جذرية    "جرائم الحرب" تلاحق تسيبي ليفني في رحلاتها    دراسة: الإفراط في طهي البطاطس والخبز المحمص خطير    اعتقال 3متهمين باغتصاب فتاة ونقل الواقعة على المباشر عبر "الفيسبوك"    صدق او لا تصدق عميل الكاب 1 يرفع دعوى على عائلة بنبركة في فرنسا    فنانون منسيون.. خالد الزواين فنان مغربي من ممارسة الفن إلى التفويض القضائي    عزيزة القندوسي تنفي خبر سرقتها للكهرباء وتقرر اللجوء للقضاء    استمرار موجة البرد بالمدن وجليد في المرتفعات    علماء صينيون يطورون ورقا مقاوما للسوائل والنار    تطوان بارك يستعد لخلق 1700 منصب شغل في 2017    منطقة السهول بالرباط تسيل لعاب حيتان العقار    بريطانية نعسات وفاقت مور ساعة لقات راسها ولدات بعلوك صغيور    أي جامعةٍ نريد ؟    عين على الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران    خواطر فوسفاطية 1‎    العلامة جمال الدين عطية، نموذج التجديد الفكري المعاصر في مدرسة البناء الحضاري    بالفيديو: محمد المساتي يطرح أول سينغل له بعنوان Mon Amour    المضغ الجيد للطعام يحفز الجهاز المناعي على مكافحة العدوى    جمعية علوم وسلام وطلبة باحثين بسلك الدكتوراه يكرمون أساتذتهم بكلية العلوم    بالفيديو هذا ما فعله حراس بيت الحرام مع شاب ‘بلا قدمين' أراد العمرة!    فيديو: هذه هي صفات وشكل حور العين بالجنة!    الحياة ليست بأيدينا..    الى السادة الوزراء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هنا يرقد اسبينوزا فابصقوا عليه!
نشر في طنجة الأدبية يوم 28 - 04 - 2011

نحرم ونلعن وننبذ ونصب دعاءنا على باروخ اسبينوزا بإجماع الطائفة، وبوجود الكتب المقدسة ذات الستمائة وثلاثة عشر ناموساً المكتوبة فيها. نصب عليه اللعنة كما صب ياشوع لعنته على أريحا. نلعنه كما لعنت إيلي الصِّبْيَةَ، وبجميع اللعنات المدونة في سفر الشريعة. فليكن ملعوناً ومغضوباً عليه، ليلاً ونهاراً، في نومه ويقظته، ملعوناً في ذهابه وإيابه، وخروجه ودخوله، ونرجو الله ألا يشمله بعفوه أبداً، وأن ينزل عليه غضبه وجميع لعناته المكتوبة في الكتاب والشريعة. ندعو الله أن يمحو اسم اسبينوزا من هذا العالم، وأن يفصله للأبد من كل قبائل بني إسرائيل، وأن يحمله جميع اللعنات المكتوبة في الأسفار.
وأنتم يا أهل الطاعة نسأل الله أن يحفظ حياتكم، ولتعلموا أنه يجب عليكم ألا تربطكم باسبينوزا أية علاقة، فلا يجب لأحد أن يتحدث معه بكلمة، أو يتصل به كتابة، أو يقدم له مساعدة أو معروفاً. يجب ألا يقترب منه أحد على مسافة أربعة أذرع، ولا يجتمع معه أحد تحت سقف واحد، ولا يقرأ أحد شيئاً جرى به قلمه أو أملاه لسانه».
لا بأس عليك عزيزي القارئ إذا ما تطاير في وجهك من هذا النص الغاضب بعض من شرر اللعان، إنه نص اللعنة الذي أصدره المجمع اليهودي في امستردام في 27 يوليو عام 1656 ضد الفيلسوف اسبينوزا. وإنه ثمن التفكير في زمن التقليد؛ وقدر المفكر عندما يتيقظ ويُحَايِثُه حِراك الإبداع. إذ لابد له من أن يرتطم بالتقليد السائد ويشاكسه. لأن التقليد لا يفكر بل يشتغل على حراسة فكر الأموات. وإذا ما فكر التقليد فوظيفته الوحيدة هو أن «يبدع» وسائل لإيعاق حركة الفكر وتكبيل فعله.
لكن ثمن التفكير في زمن سطوة التقليد يكون أحيانا باهظاً، ففي إحدى الليالي اعترض سبيله شاب طعنه بخنجر في عنقه، وكان عازما على ذبحه لتقديمه قربانا لمرضاة الطائفة، فهرب اسبينوزا ونجا بأعجوبة من موت محقق؛ لكنه أدرك الخطر المحدق به، فعاش أواخر حياته منبوذا من طائفته، في عزلة وشظف عيش، متخفياً خشية أن تطاله يد غادرة تريق دمه؛ حتى أنه إمعانا في التستر غير محل سكناه، وبدل اسمه من باروخ إلى بندكت، وعاش يقتات على تعليم الأطفال، وصقل زجاج النظارات.
لقد وقف حياته في شبابه على خدمة الدين اليهودي، فدرسه بعناية فائقة، وأمضى ليالي طوالاً في بحث متونه. ثم جاوز المتن التقليدي إلى بحث النصوص التي أنتجها الفكر اليهودي فقرأ كتب ابن ميمون، وحداي بن شبروت، وابن عزرا، وتعمق في صوفية ابن جبريل، وبهرته الرؤية الأنطولوجية القائلة بوحدة الوجود، تلك التي بلورها موسى القرطبي. وبنزوع فكري نهم لا يشبع درس فلسفة ابن رشد، واللاهوت المسيحي؛ فتأثر بشخصية المسيح، وانبهر بتعاليمه؛ غير أنه لم ير فيه سوى بشر، وأنكر إلوهيته فكان ذلك سبباً في تألب المسيحيين هم أيضا ضده. وجذبته الفلسفة فقرر تعلم اللاتينية لينفتح على التراث الإغريقي القديم. فكان ذلك مَعْبَرًا إلى اللقاء بسقراط وأفلاطون وأرسطو.. وكان مشغولا بماهية البنية الأنطولوجية للوجود، فأعجب بالنظرية الديمقريطية القائمة على التفسير الذري لِقِوَامِ الكون، كما تأثر بالفلسفة الديكارتية وبنهجها القائم على أولوية الكوجيتو ووجوب التحرر من الأوهام والأفكار المتلقاة؛ غير أنه رفض ذلك الفاصل الديكارتي بين الفكر والامتداد.
استوعب اسبينوزا أفكار زمانه، وجاوزها، درس التقليد اللاهوتي السائد، ثم تخطاه نقديا برؤى لم يحتملها خدام معبد استقالة الوعي، فكان أن عاش ومات منبوذاً ملعوناً، بل لقد قرأ بنفسه قبل وفاته نصاً شعرياً هجائياً يستبق موته، كتب فيه نَاظِمُهُ توصية بأن يُنحت على شاهد قبره: «هنا يرقد اسبينوزا فابصقوا عليه»!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.