ولائم انتخابية تطيح بمسؤولين في الأمن والدرك    اللوائح الانتخابية تهدّد سلامة الانتخابات    موضة الشبكات الاجتماعية    مواطنون يوقعون عريضة مساندة لفيدرالية اليسار الديمقراطي بأكدال    مستقبل الصناعة التقليدية بمدينة فاس في ضل غزو المنتجات الصينية    المترشّحون الجدد يُشكّلون 70 بالمئة في الانتخابات الجماعية    الاتحاد الاشتراكي بايت ملول: لائحتنا بخير... و"البيجيدي" يغطي ضعف لائحته بمهاجمتنا    "لوصيكا" وشباب الريف يتأهلان بشقّ الأنفس    رئيسة ليبيريا: شكرا للمغرب لأنه لم يتخل عنا    ستيف جوبز "عبقري قاس" في فيلم وثائقي جديد    نيمار يحتفل بعودته بجانب ميسي وسواريز    البئر الجديد.. حصيلة جد ايجابية من المشاريع التنموية خلال 6 سنوات رغم الاكراهات المالية (روبورطاج)    مصرع جندي وإصابة آخرين في اشتباكات قوات الأمن وانفصاليين من حزب العمال الكردستاني بتركيا    حجاج يحتجون على رفع وزارة الأوقاف تكلفة أداء المناسك    الملك سلمان ينهي إجازته في طنجة متجها إلى أمريكا    محيط العمل المليء بالرجال يزيد توتر المرأة    تنظيم الدورة الثالثة لمهرجان تادارت للفنون الشعبية    من حسْنِ التَّدبير احترام قانون السَّير.. بقلم // عبد اللطيف عبضاري الحداوي    مرض جلدي خطير ينتقل بين ساكنة قصر أكدال بجماعة بوزمو.. "الجمرة الخبيثة" تنتشر بسرعة البرق...    أولاد تايمة: الجمارك تحجز أكثر من 1200 كلغ من المجوهرات    أميركي مسيحي يعيش مع 4 نساء يقيم دعوى للسماح بتعدد الزوجات    الفلكي الذي تكهن بوفاة نور الشريف وفاتن حمامة يكشف عن لائحة جديدة من الفنانين    واش غادي يتحبس سعد المجرد إلا دخل للأردن؟. ها علاش    المغرب يتراجع في مؤشر الحرية    بند يرهن انتقال ديارا مقابل ملياري سنتيم    فاطمة النجار: الجاسني كان زوجا وأخا ومربيا ورجل مبادئ لم يغير ولم يبدل    برناردينو ليون يدعو إلى إنهاء الحوار السياسي الليبي "في أسرع وقت ممكن"    مولودية الداخلة تعتذر عن مواجهة الفتح الرباطي بسبب " تخلف ولاية الجهة عن دعم سفر الفريق"    قضية غامضة: العثور على 71 جثة لمهاجرين سوريين داخل شاحنة مهجورة بالنمسا    لاعب جديد ينضاف لغيابات أسود الأطلس أمام ساوثومي    | انطلاق عرص فيلم «محمد رسول الله» الإيراني مشاهد: كنت أتمنى أن يكون هذا الفيلم أفضل من فيلم العقاد    العبادي يأمر بتسهيل دخول العراقيين إلى المنطقة الخضراء في بغداد    النفط يستقر بعد مكاسب قوية بفعل صعود الأسهم    متمردو جنوب السودان والجيش يتبادلان الاتهامات بشن هجمات بعد اتفاق    | صاحب «ذاكرة ملك» إيريك لوران يبتز الملك محمد السادس ويطالب 30 مليون درهم للتراجع عن نشر كتاب حول الملك والمغرب    بنكيران:المغرب اليوم يعيش ثورة هادئة في ظل الاستقرار واحترام المؤسسات    | القرعة تنصف الجميع وتحرج يوفنتوس الإيطالي    | بولت لإكمال الثلاثية وفرح لإتمام الثنائية في دورة بكين    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    مليار شخص استعملوا "الفايسبوك" في يوم واحد    حجز كميات مهمة من الخمور المهربة بالدارالبيضاء    الدار البيضاء تطلق معرض لطيران رجال الأعمال    قراءة في أبرز عناوين صحف الجمعة 28 غشت 2015    الأوربيون يفضلون السفر إلى البلدان الإفريقية عبر الطائرات المغربية    أكسفود بيزنس: المغرب يتموقع في السوق العالمية لصناعة السيارات    وفاة الفنان هاني مطاوع مخرج مسرحية "شاهد مشفش حاجة"    أياو ميموني يخيق.. أغنية ساخرة للكوميدي ميموني حول الإنتخابات والناظور    تسجيل تسع حالات بمرض "الجمرة الخبيثة" في أملشيل    مجموع مصاريف الحج برسم هذا العام يبلغ 30 ألفا و342 درهما و45 سنتيما    | الإيسيسكو واليونسكو تنظمان في الرباط مخيم التميز العلمي للفتيات    حجز مسدسات وسيوف ساموراي في ميناء طنجة المتوسط    | مقتل جنديين من الحلف الاطلسي في أفغانستان    قائمة الرجاء المستدعاة لمباراة الإياب أمام شباب المسيرة    | سلام على الجَهَلَة    شفشاون..شخص يذبح زوجته بطريقة "داعشيشة" ويسلم نفسه للدرك    الملك محمد السادس يستقبل الرئيس الفرنسي بطنجة في شتنبر المقبل    "وزارة حدّاد" تؤكد انتعاش القطاع السياحي في المغرب    سيلين ديون تنعى زوجها قبل رحيله؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.