نداء إلى نساء ورجال الصحة للمشاركة المكثفة في الإضراب العام الوطني    أكد أنه لن يشركه في اللقاءات إن لم يغير سلوكه: ريدناب يهاجم المغربي تاعرابت ويقول إنه يمكنه الركض أسرع منه    اوزين : صحة المغاربة غالية والمغرب لم يعتذر عن تنظيم الكان    التصعيد ضد المعطلين متواصل: الحكم على 9 ب 21 سنة حبسا يصيب المعطلين بصاعقة أمام استئنافية الرباط‪.. ‪*الحكومة سجلت فضيحة في تاريخها وحركت أجهزتها لتوجيه تهم لضرب حركة المعطلين    الدولة تنفق على قطاع الصحة أزيد من 12 مليار درهم    أي دور للإعلام في إصلاح منظومة العدالة؟    سعد الدين العثماني    هذا هو عدد الملايير المحولة للمغرب في هذه الفترة    لعنة القدافي تلاحق فرنسا سياسيا واقتصاديا    بالفيديو:مقتل رئيس "توتال" الفرنسية في حادث طائرة بموسكو    محامون يتظاهرون ضد إطلاق الجزائر الرصاص صوب المغاربة    مؤشرات قوية عن وجود النفط قرب مدينة سيدي إفني    رجم رجل وامرأة أدينا بالزنا في منطقتين يسيطر عليهما جهاديون (فيديو)    كريستيانو رونالدو لم يسبق له التسجيل في "الأنفيلد"!    مانشستر يونايتد يعرض 25 مليون يورو لضم بيكيه    الفيفا يعلن عن بداية بيع تداكر مونديال المغرب    شاهد صور القميص الرسمي الجديد للوداد    تريا العلوي تكرم بمهرجان الدولي للمسرح الجامعي    30 حالة تسمم إثر شرب مياه عين ملوثة بطاطا    إصابة 16 ممتهن للتهريب المعيشي جراء التدافع بباب سبتة    ايت ملول: الدمعة تحكي المأساة، تلميذة بين دروب الدعارة تبيع جسدها    الفرنسية إيزابيل اوبير رئيسة لجنة تحكيم المهرجان الدولي للفيلم بمراكش    قتيلة وجريحة في حادثة سير بوادي زم    الداودي: إتقان اللغة الإنجليزية شرط لولوج مهنة التدريس الجامعي بالمغرب    المغرب سيقترض 24 مليار درهم من الخارج في 2015    هشام الإدريسي يفشل في كسب رهان مباراته الأولى مع الكاك أمام نهضة بركان    قراءة في مضامين بعض الصحف المغاربية لليوم    بروكسيل: اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي قد تتولى ملف محجوبة حمدي داف    الصحة العالمية: الأجهزة المنتشرة في المطارات لن تحمي المغرب من «إيبولا»    آبل تحقق ارقاما قياسية و تبيع 40 مليون من هاتفها أيفون 6 في شهر واحد    مطالب بالتحقيق في أسباب فشل مشروع تصفية مياه البحر خصصت له أربعة ملايير سنتيم بطانطان    ولاية أمن طنجة تكشف عن إستراتيجيتها لحماية المؤسسات التعليمية    شقيق الصالحي: رصاصة الجندي الجزائري اخترقت خد شقيقي وهشمت أسنانه وأنفه    فرقة الكاروزيل للحرس الملكي تشارك في الدورة السابعة لمعرض الفرس بالجديدة    المغرب يعود لساعته القانونية الأحد المقبل    أول محطة حرارية بواسطة الطاقة الشمسية في المغرب تدخل حيز العمل في 2015    القصص في القرآن الكريم: دراسة موضوعية وأسلوبية.. بقلم // الصديق بوعلام 57    طرد خليجية من أوبرا في باريس رفضت خلع نقابها    «سليد» لمخرجه ياسين الإدريسي يتنافس لمهرجان نواكشوط الدولي للفيلم القصير    ساعة ذكية خلال أسابيع قليلة من مايكروسوفت    أبرز عناوين الصحف الصادرة اليوم    مسجد الحسن الثاني رابع أجمل المساجد في العالم    المعارضة الجزائرية تدعو إلى انتخابات سابقة لأوانها لتفادي "مخاطر تحلل الدولة"    الصحافيون اكثر قلقا ازاء تغطية ايبولا من تغطية الحروب    قطر والمغرب يوقعان عقودا تجارية بقيمة 27.4 مليون دولار    "برنامج مقاولتي" الوسيلة التي تحولت من نعمة إلى نقمة    بنهيمة متخوف من مستقبل 'لارام' بسبب الضرائب    جائزة البابطين تختار المغرب للاحتفال بيوبيلها الفضي    كوبان من القهوة يوميا يقللان فرص الرجال بالإنجاب    فيديو..ببغاء يهاجم عازف كمان بسبب أغنية "تايتنك"    فنان يحبس سحابة في منزله ليصورها    شرب الماء البارد بعد الأكل يتسبب في سرطان الأمعاء    جائحة "داعش" أخطر أوبئة التطرف: 1 التطرف وباء    الغثائية..حال المسلمين بين الكم و الكيف.    رئيس الشيشان معجب بالمغربية ميساء    جائزة الأطلس الكبير للكتاب يوم 26 أكتوبر بالرباط    "قاسم حول" يكتب: حكم النساء في الصبح وفي المساء!    2M تستعين ب«دارويني» للطعن في حديث النبي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.