القنيطرة..تعيينات جديدة في صفوف رجال السلطة    صورة .. نيمار يعود لتدريبات البرسا    منظمة الصحة العالمية: المغرب من أكثر "الدول العربية" استهلاكا للمشروبات الكحولية    'أليطاليا' تطلق خطا جويا مباشرا بين روما ومراكش    لائحة المنتخب الوطني لمواجهة قطر و ليبيا وديا    هبات ملكية لزاوية سيدي أحمد أوموسى دفين تازروالت    الرئيس التركي الجديد رجب طيب اردوغان يقسم اليمين    قصر بهية في مراكش استقبل أول عارضة أزياء في التاريخ    فيلم دولي يعطل الطريق السيار المداري لمراكش    أحيزون يقدم شريحة احتياط لزبناء المحمول    هذا ما قاله الزاكي بعد انتقال بنعطية لبايرن ميونيخ    والد دي ماريا يكشف حقيقة انتقال ابنه    الباريسي يسعى إلى التعاقد مع بنزيمة    قاضي التحقيق يبدأ الاستماع إلى 9 من 'الداعشيين' بالمغرب    ثمانية قتلى في حادثة سير مروعة    بالفيديو : ربان طائرة يطلب يد فتاة في السماء    أخنوش: المغرب رائد في إنتاج سمك السردين    الشرطة تعتقل شقيقة المتهمين بتنفيذ انفجاري ماراثون بوسطن    ‎رسمياً: القضاء الفرنسي يلاحق مديرة صندوق النقد الدولي والمسؤولة عن الإقتصاد العالمي    ريوس بديلا لدي ماريا في ريال مدريد    الهيتمي: الزيادة في أسعار الماء والكهرباء لن تطال الأشطر الدنيا    منظمة الصحة العالمية تتوقع أن يتخطى عدد المصابين بايبولا 20 الفا    قرض بقيمة 100 مليون دولار لخلق فرص شغل بالمغرب    انتبهوا.. بعد أزمة توقيف يخت الملك محمد السادس.. اجتماع عمل بين وزيري داخلية المغرب وإسبانيا وهذا ما قالاه عن العلاقة بين الملكين    الحليمي: الإعداد للانتخابات المقبلة سيتم بناء على نتائج الإحصاء    شرطي يستعمل مسدسه في مواجهة مجرم بالمركز الحدودي بني أنصار    وضعية الماء بالمغرب جيدة وكافية    والدة الصحافي الأمريكي الرهينة تناشد ابو بكر البغدادي وهذا ما قالت له بدمع الأم    ندوة إفريقية حول دور الموارد البشرية في بلورة أهداف الحكومات بطنجة    العين تعشق    ماذا يفعل الحب بجسد الإنسان    وزير المالية القطري علي شريف العمادي: قطر تتطلع لاستيراد المنتجات الغذائية من المغرب والاستثمار في قطاع الفلاحة    البوليساريو تعترف بإرسال ألبسة عسكرية للعيون، وسفير موريتانيا يحضر تداريبها ببومرداس    أزمة الشبيبة الاستقلالية تتفاقم وشباط يدخل على الخط    مرسي يواجه تهمة التخابر مع قطر.. والنيابة العامة تأمر بحبسه 15 يوما قيد التحقيق    هل تدخل العسكر الجزائري لاستبعاد بلخادم من كرسي الرئاسة؟    يالعينيك    ليلة الوفاء بإفران : احتفاء بعبد الإله الجوهري وبوشتى الإبراهيمي    رسالة عشق    موناكو تحدد مستقبل المهاجم الكولومبي الدولي رادوميل فالكاو    علاياش كتقلب لارام؟ جميع شركات الطيران أوقفت رحلاتها الى البلدان التي انتشر فيها الايبولا و لارام مصرة على رحلات يومية    الوردي: تبرع صاحب الجلالة بدمه ليست بمبادرة جديدة و لا مثيرة للدهشة    بيع نسخة نادرة من أول عدد لمجلة سوبرمان بثلاثة مليون دولار    تأهل آرسنال وليفركوزن إلى دور المجموعات لأبطال أوروبا    فلسطين ضيفة شرف الدورة الثانية لمهرجان الفيلم الوثائقي بأصيلة    مسرحيتا "المحاكمة" و"مطلوب" تنالان نصيب الأسد من جوائز المهرجان القومي    اكتشاف جثة متعفة لرجل قتل داخل فيلته    تحقيقات في ملف خيانة تكشف عن "مقبرة سرية" بتازة    إخماد حريق غابوي شب بإقليم المضيق الفنيدق    مفتي مصر السابق على جمعة : الرسول إستمع للغناء وشاهد الجواري يضربن بالدف و الموسيقى ليست حراما - فيديو    نتنياهو: أقوى ضربة ل"حماس" في تاريخها    لحليمي يراوغ ولا انتصار للأمازيغ في معركة الإحصاء    تقارير و دراسات    إرهابي بريطاني ل"CNN": شرف لي أن أقتل !!    هذا لمن يهمه الأمر؟    النائب الاقليمي للتربية والتعليم يرقد في المستشفى بالجديدة    رسالة مفتوحة من الدكتور عبد الرحمن بوكيلي إلى الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان    سُؤَالُ "الشَّهَادَةِ" في وَفَاةِ الطَّالِبِ الْقَاعِدِيِّ مُصْطَفَى الْمَزْيَانِي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.