وزير الخارجية السينغالي: مبادرة الحكم الذاتي المغربية "تجسد الإرادة الحسنة للمغرب"    التسابق نحو رئاسة الجهة ينطلق مبكرا في الدار البيضاء    « سميا» تفتتح بالمغرب أول سوق للسيارات المستعملة تحت علامة BMW    اتفاقية تعاون في مجال اللوجستيك بين المغرب والسينغال    معرض بلادي في دورته السابعة بالناظور    نائب القرضاوي يتقدم وقفة احتجاجية في طنجة ضد الإعدامات في مصر    إصابات وخسائر واعتقالات في مواجهات بين الطلبة والقوات العمومية بفاس    وزارة الثقافة المغربية تحتفي بفن العود    المقاومة الريفية في الشعر الأمازيغي الريفي    لأول مرة .. عدم غسل الكعبة في شعبان و هذا هو السبب    لاعبو ريال مدريد يطالبون بيريز بهذا المدرب لتدريبهم الموسم المقبل    | الحكمان جيد والكزاز يحسمان مصير خنيفرة والحسيمة    ألفارو غوتييرز يقود الإدارة الفنيّة في الشباب    مبيعات الفوسفاط وقطاع السيارات تساهم في انخفاض العجز التجاري بحوالي الثلث    وزارة الصحة تطلق عملية (كرامة) لوضع حد للانتهاكات ب "بويا عمر"    | احتجاجات بحي القدس بالعيون على الزيادة في تسعيرة الماء والكهرباء    عاجل: مقتل 30 مصليًا في تفجير انتحاري بأحد المساجد الشيعية شرق السعودية(+صور)    يحدثهذا فقط في مصر..!    السد القطري يتعاقد مع تشافي رسمياً    أبحاث طبية: الأواني المصنوعة من الألمنيوم تسبب الزهايمر وهشاشة العظام    تعانين من الذئبة الحمراء ..هذه أفضل الأطعمة التي يجب تناولها    لجنة برلمانية تستدعي المسؤولين عن ملف النقل السككي والطرقي    | تعيين أربعة وزراء جدد    | منتخب إسرائيل للجيدو يدخل التراب المغربي بعد احتجازه في المطار    | الوداد أولمبيك خريبكة أمام شبابيك مغلقة وحفل فني احتفالا بدرع البطولة    | «اتصالات بين السلطات المغربية والجزائرية حول العائلة التي طلبت اللجوء»    الخارجية الفرنسية: "التبليغ الرسمي" إجراء مسطري عادي تنص عليه اتفاقية التعاون القضائي بين فرنسا والمغرب    | اختتام أضخم مناورات عسكرية في تاريخ إفريقيا    | القضاء الإسباني يدين عنصرا بالديستي بسنتين سجنا بتهمة تهريب المخدرات    | جطو يوجه انتقادات للحكامة الضريبية ويخلص إلى: «غياب سياسة جبائية محلية»    | واشنطن : تسريع الدعم للعشائر السنية في العراق    | السعودية : المؤبد لمدان في الهجوم على السفارتين الأميركيتين في افريقيا    | «ضد بوالو» واحد، فن الشعر مع فليب بيك    | «طريق الحقل» ل. مارتين هيدجر (1 .. تأثير الفلسفة البوذية كان حاضرا في هذا العمل    يا أمة الجزائر ضحكت من جهلكم الأمم: عملية الترحيل القسري لسكان "البراريك" تلهب نيران الاحتجاجات بالعاصمة(+فيديو وصور)    شاب تطواني يفاجئ عائلته و يلتحق بسوريا بدون جواز سفر    | نشأة الشيعة و جذورها التاريخية بين آراء الشيعة وغير الشيعة    | جلالة الملك يعزي أسرة الجنرال عبد العزيز بناني ويستقبل والد الشهيد بحتي    رئيس الحكومة يحل بالأردن للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا    تيزنيت : الجماعة الحضرية تنظم أياما تحسيسية لفائدة مهنيي الحلاقة لجماعة الحضرية تنظم أياما تحسيسية لفائدة مهنيي الحلاقة    بريطانيا تطرد مغربيا خطيرا والداخلية تبدي استيائها    | عفوا كافكا... سأدبج تعزية وأزور المقبرة!    اجهزة متطورة و تشويش على الهواتف لمواجهة الغش في الباكلوريا    أمن الرباط يوقف التسولي بعد مفاوضات ل13 ساعة    صحيفة إسبانية: رونالدو خارج أسوار ريال مدريد قريباً    المصممة عتيقة: فيلم "الزين لي فيك" أكد أن أصبح المغرب أصبح وجهة للسياحة الجنسية    فاس.. تنظيم ملتقى الفيلم المغربي في دورته العشرين ما بين 3 و 6 يونيو المقبل    مجموعة سويسرية للأسمدة الحيوية تعتزم إحداث 15 منشأة في المغرب    تفكيك شبكة إجرامية متخصصة في الاتجار في المخدرات الصلبة تنشط بين مدينتي الناظور وبني ملال    وزان: تقديم مشروع التهيئة الهيدروفلاحية للمحيط السقوي لسد واد المخازن بكلفة اجمالية تقدر بنحو 610 مليون درهم    داعش تبيع جميلات الايزيديات في أسواق النخاسة وهن عاريات    تايلور سويفت تتصدر قائمة أكثر نساء العالم إغراءً    القدوة    المغرب والسنغال يوقعان 13 اتفاقية تعاون خلال زيارة محمد السادس    ملح الطعام الزائد يؤثر سلبا على الإنجاب ويؤخر البلوغ    في ذكرى إمام الجهاد والفتوة ...    رسمياً: الشباب يضم لاعب الفيصلي    دراسة: الطفل الذي يتعرض للعنف أكثر عرضة للسمنة عند الكبر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.