محمد نبيل بن عبد الله في مهرجان خطابي حاشد بإنزكان أيت ملول    توتال" المغرب تسعى إلى حصد 72 مليون دولار بطرحها أسهمها في بورصة البيضاء"    الإسرائيليون الإثيوبيون يتظاهرون في تل أبيب ضد "وحشية الشرطة"    الرئيس الصيني يزور روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا    فيديو: نشطاء إسرائليون يطلقون أغنية تدعو للهرب من "إسرائيل"    صراع النفوذ يغرق جزائر "بوتفليقة" في فضائح وقضايا فساد بالمليارات    مدرب الزمالك يكافئ لاعبيه بالسهر في الرباط بعد حسم التأهل    بنعطية يحذر ميسي وسواريز قبل موقعة نيو كامب    الجماهير الطنجاوية تودع قسم الظلمات بتيفو ضخم -فيديو    المغرب التطواني يكتب التاريخ    الرجاء البيضاوي .. هل رحل روماو ليعود فتحي جمال ؟    وفاة غامضة لمليونير عربي في أفخم فنادق لندن    ملتقى سجلماسة يحتفي بالخصوصيات الثقافية للمنطقة من خلال فن الملحون    مهرجان طنجة للفنون المشهدية يكرم الفنان محمد مفتاح    روبورتاج: اتحاد كتاب المغرب بالناظور يحتفي بإبداع الكاتب الخضر الورياشي    تفاصيل ثلاثة أيام أمضاها الرجاء في الجزائر    الجيش السوري: انتحاري يفجر نفسه في قلب دمشق    تحسن الطقس يضاعف محاولات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا    "إيغودار" .. مخازن جماعية تحصنت 32 قرنا بجبال المغرب    ‘فراش"ينحر يده بشفرة بعد مصادرة سلعته ضواحي اكادير    الاتحاد الوطني لسيارات الأجرة يعلن تضامنه مع عائلة ضحية حادث أسفي    انطلاق البحث الوطني حول البنيات الاقتصادية لدى المقاولات    موراتا: لا أسعى للثأر من ريال مدريد    بُوكُو ظَلاَمْ    كيم كارديشيان طيرات النعاس على معجبيها… بسيلفي مثير (صورة)    طنجة: حصاد يبحث مع نظيره الإسباني قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات    فاتح ماي بتازة يفقد بريقه الاحتفالي والاحتجاجي ...    أنشيلوتي: لا أتعجب من الغزارة التهديفية لبرشلونة    تامر حسني والمغربية بوسيل يرزقان بمولوتهما الثانية امايا    مقتل مسلحين أطلقا النار بمعرض لرسوم مسيئة للنبي في تكساس    صحف الاثنين:"بندقية" تتسبب في حالة استنفار،و الملك يلغي زيارة إلى القنيطرة بسبب العدوي    مجموعة الاتصالات السويسرية "رايتشل أند دو-مساري" تفتح فرعا لها بالمغرب    افتتاح خط جوي جديد بين لندن والصويرة    "خريبكاك" يُسدل ستار نسخته الأولى بخريبكة    إبراز المزايا التجميلية لزيت الأركان بمعرض "بيوتي أوراسيا" بإسطنبول    غادي تشعل بين ملوك وأمراء عريبان. خو ملك السعودية قاليه نتا خالفتي الشريعة ولا طاعة ل اللي خالف الشريعة    إسبانيا تحارب شبكات تزوير عقود عمل المهاجرين المغاربة    جماعة طنجة تتجه لاستغلال المياه العادمة لسقي المناطق الخضراء    قبل ما يقولها بنكيران كلمة "السفاهة" كانت نوضات روينة فالبرلمان الجزائري قبل أشهر + فيديو    ارتفاع نسبة معارضي انفصال كاتالونيا عن أسبانيا    موريتانيا ضيف شرف الدورة الثالثة لمهرجان أسا الوطني لسينما الصحراء    اتهامات لمسؤولين بالمحافظة العقارية ومصلحة المسح العقاري بالجديدة بتكوين عصابة اجرامية والزور والنصب    وزارة التربية الوطنية تمنع سفر التلاميذ ليلا    موزع جديد لأسمدة المكتب الشريف للفوسفاط بالمغرب    الاِتحاد الوطني للشغل بالمغرب الجامعة الوطنية لموظفي التعليم يؤسس فرع تنانت    عاجل | طنجة: أعمال الشغب بشارع محمد الخامس والسطو على ثلاث محلات تجارية    دراسة: اصابات الفخذ قد تنجم عن قلة التمارين الرياضية    علماء: يمكن التكهن بالبدانة المستقبلية.. من خلال "فحص البول"    أطباء يبتكرون جهازاً لإنقاذ الأطفال المصابين بضيق التنفس    العلماء يكتشفون أن الجوع علاج فعال ضد مرض السكري    الرياضة مدخل أساس للتنمية الشرية    فلاح من تارودانت يحصل على الجائزة الأولى عن صنف الأبقار هولشتاين بمعرض مكناس    15 معلومة عن بن لادن: أوقفه شرطي مرور بعد أحداث شتنبر لتجاوزه السرعة ولم يتعرف عليه    البرلمان الإسباني يطالب بتشديد المراقبة على الطماطم المغربية    دراسة: الابتهاج وعدم التدخين من أسباب طول العمر    شيخ مصري: تشغيل القرآن بالمنزل في غياب صاحبه يجلب الجن    الحركة الإسلامية..استسلام بالعقيدة    هل الإسلام دين الحق؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.