خارج القواعد.. شباط يوقع اتفاقيات تعاون وشراكة مع حزب العدالة والتنمية    أم سجين : إبني يضرب ويعذب ويجبر على تقبيل الأقدام ؟؟؟‎    الهجهوج يقود الأولمبيين للفوز ببوركينافاسو    المنتخب المغربي للملاكمة يُسقط نظيره الأوكراني    تكوين حوالي 50 إماما فرنسيا بالمغرب    ساعي بريد أرجنتيني وراء القضبان لإخفائه أزيد من سبعة آلاف مراسلة    في بريطانيا.. طفلة عمرها 4 سنوات تنقذ أمها من الموت    نبتة الكيف ثروة وطنية    ميسي يريد دي ماريا إلى جانبه في البارصا    تاكلفت: دار الصانعة بناية تولد معاقة كإخواتها السابقة.    فم الجمعة :: والدة العضو النشيط في نادي التواصل " الراشدي محمد " في ذمة الله    صفحات من زجل اقليم أزيلال تقياد لمقال" حرفي لمساوي "‎    بلاغ لوزارة الداخلية حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة    النخبة بين ثورية التحليل وواقعية الرصد    الأزهر : العرب استعادوا قوتهم واجتمعوا على قلب رجل واحد    وفاة سائق في انقلاب شاحنة بتطوان    منتخب أوروغواي لكرة القدم يحل بأكادير لإجراء مقابلة ودية ضد نظيره المغربي    إكرامُ الميِّتِ دفنُه    حقائق عن حساسية الربيع وكيفية علاجه    نصر الله: السعودية"تقف خلف تنظيم داعش" والتفجيرات في سوريا والعراق    الحمد لله    عبد الإله ابن كيران يحل بشرم الشيخ للمشاركة في أشغال الدورة ال26 للقمة العربية    فاخر يبعد بورزوق من معسكر المحليين    الشرطة الالمانية تفتش منزل الطيار الالماني الذي أسقط طائرة "جرمان وينكس" وتحجز حاجياته وتقتاد شخصا من داخل المنزل + فيديو    شباط ل"كود": لم ألتقي بالملك وأنا راني فتركيا    OCP توقع عقدا جديدا لتزويد الهند بنصف مليون طن من الحامض الفوسفوري    الفنان نبيل شعيل يحيي حفل موازين    فالبونيا: بإمكاننا الاستفادة من الهزيمة أمام البرازيل    وفاة عازف الغيتار البريطاني الشهير رينبورن عن 70 عاما    سميرة سعيد تكشف عن الحب الحقيقي في حياتها    ارتفاع إنفاق السياح الأجانب الذين زاروا إسبانيا    أمير المؤمنين يدشن معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات    البنك الدولي يمنح قرضا للمغرب بقيمة 130 مليون دولار    الملك يصلي ب"الأخوة الإسلامية" في الرباط    تنظيم الدورة الرابعة للملتقى العربي للفنون التشكيلية بالقنيطرة    تكريم وجوه مسرحية وتربوية في افتتاح الدورة الرابعة لجائزة محمد الجم للمسرح المدرسي    هل كانت صفقة بين الدولة وجماعة العدل والاحسان ابان 20 فبراير. نادية ياسين تفجرها. عبد السلام ياسين برد الطرح باللي كان العالم العربي كلو شاعل /فيديو/    مزوار: القمة العربية بشرم الشيخ تنتظرها ملفات أساسية    غضب عارم لجمهور الرجاء بعد الخسارة أمام حسنية أكادير    "غوغل" تستعد لإطلاق خدمة دفع الفواتير عبر جيميل    منتدى بباريس متم الشهر الحالي حول تمويل مكافحة التغيرات المناخية بمشاركة المغرب    أكثر من 40 ألف زائر توافدوا على معرض العقار وفن العيش المغربي في بروكسل    الشبيبة الاشتراكية تشارك في فعاليات المنتدى الاجتماعي العالمي بتونس    ***عبد الله البقالي // يكتب: حديث اليوم***    أخنوش:كل البوادر تشير إلى أن الموسم الفلاحي سيكون جيدا على جميع المستويات    جلالة الملك يتلقى اتصالا هاتفيا من أخيه سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي    قنصلية المغرب بمرسيليا على اتصال مباشر بعائلة الضحيتين المغربيين    نائب رئيس البرلمان الليبي: حصيلة الجولة الأخيرة من المشاورات الليبية خطوة إيجابية كبيرة    بالصور : قُبلَة تتسبب في وفاة رضيعة بعد شهر من ولادتها    افتتاح مهرجان "أنديفيلم" للسينما والاعاقة    الممثلة زهور المعمري تحصل على شقة كهدية في "ليلة نجوم الشاشة")    استقرار رقم معاملات "مناجم" في 3840 مليون درهم مع نهاية دجنبر 2014 (عدسة أحداث.أنفو)    دراسة: النوم لساعات متوسطة يطيل العمر    علامات استفهام إلى حواء    إكتشاف علاج جديد يقي المصابين بمرض السكري من العمى    مجموعة "مناجم" المغربية تبرز ريادتها في مجال التجديد العلمي    جاسوسة فوق العادة .. ! 1/4    التطرف والإرهاب...نظرة في الحلول والأسباب(6)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.