الاتحاد الأوروبي: الهجمات ضد المدنيين في حلب انتهاك للقانون الدولي    مازيمبي يطيح بالنجم الساحلي وينتظر الفتح أو بجاية نهائي "الكاف"    أتلتيكو مدريد يحطم عناد ديبورتيفو بهدف غريزمان بالدوري الأسباني    تكريم المخرج عبد الرحمن التازي ضمن فعاليات المهرجان الدولي "قابس" بتونس    ابن كيران خلال المهرجان الافتتاحي لحملة العدالة والتنمية الانتخابية : حضور 20 ألف مناضل هو من " مبشرات النصر"    "البام" يستنكر الاعتداء على مرشحته بفاس ويطالب بالتحقيق    عاجل : رئيس مجلس النواب يستدعي بوانو والزاهيدي    بنكيران لمزوار: الإصلاحات لم تقوموا بها لوحدكم والعمدة على الشيفور    بنكيران: "المباراة انتهت" لصالحنا حتى قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية    فيدير .. بنكيران:ماكينش شي حكومة يذكرها المغاربة إلا حكومتي حتى في قرون الجبال الذين يتكلمون الامازيغية !    ارتفاع في بعض المواد الغذائية وانخفاض في مواد أخرى خلال شهر غشت الماضي    ستة آلاف و992 مترشح ومترشحة يتنافسون على مقاعد مجلس النواب    سبعة أخطاء تسبب الرسوب في الإختبارات الشفوية للأمن الوطني    أهم المباريات المعلن عنها هذا الأسبوع للتباري في أزيد من 748 منصب لولوج الوظيفة العمومية    اعتقال غيني حاول تهريب 7 كلغ من الكوكايين عبر مطار البيضاء    من هو منفذ هجوم واشنطن؟    "الألترات" تواصل مقاطعة مباريات البطولة وتتضامن مع "حلالة بويز"    من المسئول عن حرمان تلاميذ الابتدائي من المحافظ والكتب المدرسية بجماعة سيدي بيبي    تشكيلة الرجاء الرسمية أمام شباب أطلس خنيفرة    ندوة المسرح والإعلام وتوقيع "دارها البوعزيزي" و"برلمان النساء"    حبيبتي لاتعشق نور القمر    مرشحو "بيجيدي" يوقعون ميثاق شرف في افتتاح الحملة الانتخابية    هؤلاء هم أول المستدعين من طرف الناخب هريفي رونار لمباراة الغابون وكندا    الأخ محمد مستاوي وكيل اللائحة للدائرة الانتخابية مديونة: عمالة الإقليم تعرقل مشاريع اجتماعية مهمة ولها تأثير واضح على التعليم بالدرجة الأولى المتمثلة في عدم تسليم مدرسة مليكة الفاسي    قاتل الصحفي "حتر" عاد مؤخرا من الحج..ودار الإفتاء تدين "الاغتيال"    القاعات السينمائية: نوستالجيا الماضي وحاضر تطارده لعنة الإغلاق.. بقلم // المصطفى عياش    المقاولون المغاربة غير راضين عن أداء الإقتصاد الوطني    إيقاف غيني بمطار محمد الخامس لتهريبه الكوكايين    إطلاق مبادرة مشتركة للاستثمار في التكييف في مواجهة التغيرات المناخية بمشاركة القطاع الخاص    بروفايل: "ناهض حتر" .. كاتب صحفي تسبب قلمه بمصرعه    نصيحة ستفاجئك.. لا تقسم قرص الدواء قبل تناوله    الجماهير تُدافع عن زيدان بعدما أخرج رونالدو أمام لاس بالماس    وفاة المخرج المصري أحمد الفيشاوي صاحب « تسلم الأيادي »    خبراء: فوائد طبّية مدهشة لفاكهة المانجو    صاحب أقوى ذاكرة في العالم يكشف أسراره    7 أطعمة لا تتناولها أبدا ومعدتك فارغة    بنشيخة يرفض إراحة لاعبيه قبل مواجهة الخميسات    العربي يتألق من جديد رفقة لخويا ويسجل في مرمى الغرافة    مليلية.. مصرع 38 راكبا في سقوط طائرة في مثل هذا اليوم قبل 18 سنة في أسوء حادث طيران عرفته المنطقة    مقتل محجبة في فرنسا بخمس رصاصات في الرأس    توقعات أحوال الطقس اليوم الأحد    ممثلون مغاربة في ساو باولو    بيع رماد رفات كاتب أمريكي شهير في مزاد علني مقابل 44 مليون سنتيم    بلجيكا..اعتقال مغربية لتحريضها على شن هجمات إرهابية    عبد الله المصباحي.. لماذا؟..    جون أفريك: نمو طنجة مثال ناجح تسعى تونس الاحتذاء به    استخدام شبكات الكهرباء الذكية يعد بحلول ناجعة لاستهلاك أفضل    آلاف من زبناء ياهو يقفلون حساباتهم بعد اختراق بياناتهم الخاصة    دراسة أمريكية: موجات الحر والبرد قد تكون سببا في الولادة المبكرة    المغرب يتخلى عن صديقه بونغو ويؤيد اعادة الانتخابات في الغابون    وراه خاص الدولة تلقا شي حل لهاد الفئة. ها شحال من معاق كاين فالمغرب والعهدة على مندوبية الحليمي    لهذا السبب يتواجد مغني الراب الامريكي "كيفين جيتس" بمراكش    المسافرون عبر مطارات جهة طنجة يتخطون 600 ألف خلال 8 اشهر    الطريق إلى فعالية المسلم    يَا ضَمِيراً في الأَدْغال    10 طرق عملية للتخلص من عادة الاكل في الليل    أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد الإمام البخاري بطنجة    مؤتمر في الشيشان يعيد فتح صدع تاريخي بين المسلمين السنة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.