دراسة: النشويات أكثر ضررا على القلب من الدهون    فاجعة بيزاكارن: 16 مفقود جرفتهم سيول واد تيمسورت    محنة الإسلاميين بين طموحات الثورة ومقتضيات الدولة    رغم عددهم الكبير .. مسلمو كاتالونيا لا يجدون مسجدا للصلاة    اختراق 183 مليون حساب خلال الربع الثالث من 2014    الفوائد السحرية لقشر الرمان    الممثل الامريكي بيل كوزبي متهم بتخدير النساء و اغتصابهن    حقوقيون بالجديدة يدعون الى وقفة احتجاجية تضامنا مع ضحية الاغتصاب بالجديدة بشرى نواس    فيضانات تعري البنية التحية لإقليم الحوز وسلطات مراكش تستعين بمآذن المساجد لإجلاء ساكنة بعض الدواوير المحاذية للأودية    سلطة الإعلام بالمغرب .    محمد دحمان: هاته هي حقيقة وضعية الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بسيدي قاسم    بوهريز: محاربة الغياب بالبرلمان سترفع من نسبة المشاركة السياسية    العثور على رضيع متخلى عنه ضواحي أيت اعميرة اقليم اشتوكة    داعشيو بركان خرجو على ريوسهم: توقيف ثلاثة أشخاص ببركان بايعوا البغدادي ونشروا شريط فيديو تحريضي    الجامعة ستناقش الزاكي في العقد الذي يربط الطرفين    بامعمر : سنفوز على الماص للعب الدريبي بمعنويات مرتفعة    قصبة تادلة تتعرض للترييف    المكتب الجهوي لحقوق الانسان يحتج على باشا تاهلة جراء ترهيبه و تهديداته المتواصلة    سيدي قاسم: مواطن يفني تدخل السلطة لصالحه من أجل تلقي العلاج    مصالح الأمن بالجديدة تواصل البحث عن المجرم الذي هاجم وكالة بنكية وسيارتين بوسط المدينة    توقيف ناشري فيديو مبايعة البغدادي على شبكة الأنترنيت    كرة السلة : جمعية سلا يتفوق على الفتح الرباطي بقاعة البوعزاوي    الزوغي: مهرجان مراكش فرنسي ويحتقر الفنانين المغاربة    من يوقف الزحف الملكي؟ ثنائية رونالدو تقود ريال مدريد لاكتساح ايبار برباعية في اسبانيا    مباراة ممثل المغرب في الموندياليتو والوداد بنتهي بالبياض    العدالة والتنمية يوجه استفسارات إلى نوابه المتغيبين قبل معاقبتهم    نتنياهُو: تل أبِيب ستسحب بطائق الإقامة من مستهدفِيهَا بهجومَات    انتصارات هامة لليونايتد والسيتي وتشيلسي    السيسي يتوجه الى فرنسا وايطاليا في اول جولة اوروبية له    المغرب يعتزم إطلاق صندوق استثمار بقيمة 50 مليون دولار    غوارديولا : أبلينا البلاء الحسن    تونسية تتوّج بلقب "ملكة جمال العالم الإسلامي" في أندونيسيا    الحليمي يواصل "فضح" الوضعية الاقتصادية ويؤكد أن "قفة" المغاربة على صفيح ساخن    إمري : متحمسون لمواجهة برشلونة    قمة ريادة الاعمال تتيح للمغرب إمكانية عرض نموذجه التنموي للعالم    قراءة في بعض صحف اليوم بأمريكا الشمالية    شاهد صور و فيديو: بلجيكي ذو أصول كاميرونية يعلن إسلامه بالزاوية الكركرية بالناظور    سميرة الفيزازي ابنة الناظور، سيدة الطقس الاولى بالمغرب: أوقفت "الشيميو" و إلتجأت للعسل و الخرقوم لمداواة السرطان    شاه روخان يعرض آخر افلامه في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش    عامل إنزكان يحفز المهنيين لتجديد سيارات الأجرة    خبراء ومسؤولون أفارقة يدعون القطاع الخاص الى الاستثمار في البنية التحتية    بعد "السيلفي" حان وقت ال"هيلفي"!    القضاء الإسباني يأمر بإيداع "داعشي" مغربي بسجن مورسية    توقيف رئيس الوزراء البرتغالي السابق في قضية تهرب من الضرائب    عثمان بنجلون أغنى أغنياء المغرب    بشرى خالد متهمة بقتل أربعة رجال وتنتظر مخالب الماضي    أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد الإمام علي بفاس    افتتاح الدورة الثانية من ملتقى المضيق للكتاب والمؤلف    اتصالات المغرب تخرج بأغرب تبرير لضعف خدمات الأنترنت    للمدخنين فقط .. تناول السمك يساعد على الإقلاع عن هذه العادة    ''وفا بنك'' تطلق خدمة '' PayPal'' لأول مرة في المغرب    رئيسُ غينيَا بمراكش.. يثير "إيبولا" ويمتَنُّ لمساندة المغرب    في حوار مع الأستاذ محمد اللوزي حول السينما الإيرانية:    ستة أفلام تعرض للمرة الأولى عالمياً بمهرجان دبي السينمائي    كيف تلقى إدوارد سعيد الموسيقى؟    لهؤلاء نقول ... «من حسن سلام المرء تركه مالا يعنيه    أوروبا تستحوذ على أزيد من 72 في المائة من مجموع حركة النقل الجوي للمطارات المغربية    دور علماء الدين بالأطلس في حركة المقاومة ومعركة لهري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.