توقيف أحد السلفيين بالعروي "متلبسا" بتهمة الخيانة الزوجية    قيادية بالبيجيدي تهاجم " الملحمة" وتقول: الوطنية توطدها الديمقراطية و العدل و الحرية    جولة في أبرز صحف أمريكا الشمالية    أمن أكادير يلقي القبض على بارون للمخدرات حررت في حقه 150 مذكرة بحث على الصعيد الوطني    توماس سعيد باللعب للفريق الأول لنادي ريال مدريد    تاتا هو الأبرز لقيادة الأرجنتين خلفا لسابيلا    الملك يستقبل التلميذة مريم بورحيل ويوشحها بوسام من الدرجة الاولى    مجزرة جديدة للاحتلال ب"الشجاعية" توقع 17 قتيلا وعشرات الجرحى    الرباط: انفجار قنينة غاز بمنزل يحتضن حفل عقيقة    البافاري ينفي إهتمامه بلاعب الريال    حركة المسافرين على مستوى مطار ورزازات    رسميا : الوداد يتعاقد مع الشافني    داتي: المغرب نموذج لاستقرار اقتصادي وسياسي في قارة تعيش النزاعات    الكتاني: البنوك المغربية المتواجدة بإفريقيا تساهم في اقتصاد البلدان الإفريقية    ثمانية تلاميذ يفوزون بمنحة الاستحقاق في الدورة الخامسة من المباراة العامة للعلوم والتقنيات    عاجل: درك أولاد عبو بإقليم برشيد يفك لغز جريمة قتل، والمشتبه به يحاول الإنتحار    فرنسا تخصص تمويلا قدره 10 مليارات يورو لتشجيع استخدام الطاقة المتجددة    نقذ الذات. محمد السادس في خطابه يتساءل: هل إختياراتنا صائبة؟ ويؤكد أن المغاربة لا يستفيدون من الثروات الوطنية    عاجل..بعدما تساءل الملك عن ثروات المغرب..يستقبل نزار بركة والجواهري لإعداد هذه الدراسة    هؤلاء وشحهم الملك في الذكرى ال15 لوصوله للحكم    صاحب الجلالة يتوصل بالعديد من برقيات التهاني    بمناسبة عيد العرش.. الملك محمد السادس يصدر عفوه على أزيد من 13 ألف شخص    عيد العرش.. مشاعل الحرس الملكي تحول فضاء ساحة البريد بالرباط إلى متحف من اللوحات الاستعراضية الرائعة    العنزي: الفنانون لم يتلقوا أي مقابل مادي نظير مشاركتهم في الملحمة    أفضل وأسوأ جواز سفر .. المغرب يحتل المرتبة ال75 عالميا    كتائب القسام تبث شريطا لعملية اقتحام مركز عسكري اسرائيلي وقتل عدد من الجنود(+فيديو)    مباراة التوظيف بوزارة الصحة .. 2600 منصب    بحث عن متغيب ينحدر من مدينة عين بني مطهر﴿ برڭم﴾ عمالة جرادة ولاية وجدة    بث مباشر لخطاب العرش على موقع تلكسبريس...    البارصا يرصد 43 مليون يورو لضم ماركينيوس من "البياسجي"    هزُلت ..نائب أردوغان يحث النساء التركيات بعدم الضحك علنا حفاظا على الأخلاق!!    جون كيري للملك في عيد العرش: صداقتكم تبعث على الاعتزاز    رودي جارسيا: بيبي؟ الأبطال لا يتصرفون هكذا!    ر ئيس روما الايطالي : بنعطية سيستمر مع النادي.    صلاة العيد في مصر: اختلاط بين الرجال و النساء يشعل نقاشا دينيا+ صور    النفاق الاجتماعي    حزب الله يقصف دورية اسرائيلية و أنباء عن توسع دائرة المعارك بالمنطقة    فايسبوك يتفوق على غوغل ويحصد 1.6 مليار دولار في يوم واحد    صندوق النقد "يساند" المغرب بخمسة مليارات دولار    ملحمة "المغرب المشرق" تشعل الفيسبوك المغربي    انخفاض أسعار العقارات بسبب تراجع الطلب    قاصرات يقاضين الخطوط الجوية البريطانية بسبب تعرضهن لجرائم جنسية من طرف هذا الطيار    جمهور المغنية الإيطالية المحبوبة في أمريكا اللاتينية يكتشف عضوها التناسلي بالبيرو وهي ترد: عندي واحد بحال كلشي (فيديو وصورة)    انفراد. ورطة مالية للكاتب العام لوزارة الصحة. إبرام صفقة ب 60 مليار سنتيم لشراء "لقاحات بادو" دون التوفر على سنتيم واحد لأدائها    (+فيديو):فضيحة أخرى من مصر: العلم المغربي على خصر راقصة كاباريه    هذا هو الفيروس القاتل الذي نشر الهلع في العالم بسبب رحلة طيران    «النقد الدولي»: إصلاح المقاصة وأنظمة التقاعد والنظام الضريبي ضروري    «وداعا كارمن» المغربي يُتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان «الشاشات السوداء»    نتنياهو يرفع الرايات البيضاء استسلاما ويستنجد بكيري طلبا لوقف اطلاق النار.. انها الخسائر المتعاظمة في جبهات القتال وصمود رجال المقاومة الاسطوري.. وشكرا اهل غزة    الملحمة الوطنية المغرب المشرق – الكليب الرسمي    العيد: ماذا لو بمشاعر حقا حقيقة؟    عيد بأية حال عدت يا عيد...    العاملون بالمركز الصحي الحدادة يفندون إدعاءات ما نشرته جريدة وطنية بوجود لقاحات فاسدة ويطالبون بمحاسبة المفترين..    العثور على "زر تشغيل/إطفاء" الشهية في دماغ الانسان    مفاجأة.. علماء بريطانيون: الحشيش يكافح نمو الخلايا السرطانية    من الشماريخ إلى الصواريخ ..دجل المرجفين وثبات الصامدين    بنِي غَزَّةَ    عقدة «أبوإسحاق الحوينى» من النساء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

دمنات مكان بديع يعزف سيمفونية الأفول
نشر في أزيلال أون لاين يوم 08 - 02 - 2011


إهداء:
إلى ساكنة دمنات،
إلى كل من يسكنه عشق دمنات،
أهدي ما أحكي.
حلي وشمك
أيتها الدنيئة البهية
فكي ضفائرك
أيتها العظمة المنسية
دمنات مكان فاتن يردد نشيد البهتان. دمنات مدينة ليست بالمدينة؛ تنمو شيئا فشيئا؛ وتزداد طولا وعرضا.. وفوضى؛ وتنكسر طوبا طوبا . .الأمكنة والأزمنة تتقاطع بدمنات بحيث يصعب الفصل بينهما. وفي متابعة الجدلية القائمة بين تاريخها وجغرافيتها، بين مركزها وهوامشها، بين دروبها وزقاقها، بين ماضيها وحاضرها؛ تبقى الأسئلة مثارة ومثيرة باستمرار: إلى متى تبقى هذه المدينة بلا عنوان؛ بلا خريطة؟ وهل يستطيع المرء سبر أغوارها وطلاسمها؟ ومتى يستفيق من السبات من يؤول إليهم خراجها؟ وهل لأهلها من طريق للخلاص من متاهاتها؟
دمنات مكان ذاكرة. مكان عابق بالتاريخ والسحر والجمال؛ مكان متفرد؛ يجمع بين الحيرة والدهشة والسخط؛ بين المعنى والفوضى. لوحة مطرزة بالماء والحسن؛ موشومة بالخراب. صورة بديعة مخدوشة بالنسيان وعنف الزمان والإنسان. الأسوار ساقطة والأقواس عالقة واللقالق من الأبراج هاربة. هي دمنات، ساهم في تشكيل هويتها وشخصيتها عناصر حضارية عديدة وأبعاد متنوعة منها الرمزي والمادي؛ الفكري والفني؛ الاقتصادي والسياسي. كما تناوب على تدبير شؤونها وتدمير معالمها جبابرة يؤول إليهم عدسها ومرقها. أما الكادحين والبسطاء من أهاليها فعلى أكتافهم حملت الأتربة، وبأرجلهم الحافية دكت الأسوار والأحصنة؛ وفي عيونهم البائسة تلمح بجلاء أحلامهم الكبيرة؛ ولا أسماء لهم في الشوارع والأزقة.
تلك هي دمنات فضاء يتداخل فيه الضوء والعتمة، الصوت والصمت، الزرقة والبيئة؛ فضاء تعايشت بين أحضانة ديانات وثقافات، لغات ولهجات، فنون و زوايا وشجون؛ فضاء روحي بامتياز؛ فضاء يستمد بلاغته من امتداد الظلال وشعرية الخراب. فضاء يوحي ببهاء نادر سهل وممتنع. الذي يزور دمنات تسكنه تهاويلها إلى أمد طويل. والذي يحبها تغمره رغبة و نشوة متجددة في اكتشاف دهاليزها المتعرجة وصاباتها الضيقة. ومن لم يتزوج بنتا من بنات دمنات مات أعزبا.
لا يمكنك أن تدخل إلى دمنات إلا عبر بوابات معروفة ومعدودة؛ يملك مفاتيحها العارفون بأسرارها والملمون بأبجدياتها ورجال البلاد ونسائها. يسهل اختراقها من العابرين و الغرباء شريطة التسليم والسلام؛ فهذا باب "لإعرابن" مفتوح على مصراعيه للعرب والعجم لأن أهل الدار أمازيغيون بالكرم معروفون؛ وذاك باب "العيد" أطلاله تروي حكاية الحضور والغياب للمارة؛ وآخر "لإكادين" مشرع على الخصرة والبيئة والماء. وأنت المنبهر ببلاغة المكان، تجوب الدروب والزقاق، "الملاح" و"الفلاح" و"القصبة" و "إفشتالن"... تتحسس الزمن بحسرة وهو يتسلل إلى الطوب والحجر عبر الشقوق والثقوب.أينما وليت وجهك كل شيء آيل للسقوط في سكون. رائحة التراب الزكية ممزوجة برائحة البول النتنة تفوح من أخاديد السراديب و أركان الحيطان في كل مكان. والناس على الرصيف يرتشفون قهوة الصباح والمساء في زحمة أيام ناعسة. لكن ما يثير استغرابك أكثر وأنت تدور حول المدينة هي تلك البنايات الفوضوية من الإسمنت المسلح الجاثمة على البيئة والمتناسلة كالفطر تزحف في عجب وصخب وتأتي على الأخضر واليابس لتحل مكان رياضات الزيتون وجنانات الرمان.
وأنت تبكر على الخروج إلى المدينة؛ تتلقفك صباحاتها الغارقة في الصمت والبرودة؛ وحين تبدأ في التنقيب عن الذكريات الباقية فيها، يأخذك الحنين إلى دروب الطفولة الجامحة والطافحة بالعفوية. وتندهش حين تكتشف ملامح لمدينة أخرى غير التي تعرفها.. وتتألم. غير أن خطوات الصبا الصغيرة المبصومة على الطين وأناملها المغروسة على ألواح الصلصال في المسيد لازالت تشهد على رونق وحيوية المكان قبل أن تمتد إليه الأيادي الآثمة لتلطخ الجدران وتشوه معالم العمران.
للماء نصيب وافر بذاكرة دمنات. تتمرأى فيه كزهرة النرجس. الماء طرز دمنات وهي من طرز الماء. عرفت بوفرته ونقاءه منذ الأزل، شكل مجالها الطبيعي وتعايش مع الساكنة من المرج إلى الرياض إلى سراديب البيت؛ حيث أن سواقي "أيت يحيى" و"مدلالة" عانقت الأراضي وصالت وجالت، وجعلت منها بساتين يعلو فيها الرمان ويزهر كل موسم الجلنار. كما أن ماء دمنات قد نحث في الصخور الكلسية الصلبة للجبال أغلى تحفة؛ أهداها للعالم بأسره: وهي مغارة "إمينفري" النادرة، القنطرة الطبيعية، الصرح الشامخ والغامض والغارق في الحكايات والأساطير المحلية المشبعة بالأحلام؛ المتنفس الطبيعي للسكان والزوار والملاذ الروحي للفتيات الجميلات لتطهير أجسادهن الملتهبة خلسة من النحس وسوء الطالع في الإرتباط. أما نهر "محاصر" فهو كالمدينة محاصر بالأزبال و النفايات؛ فقد كان بالأمس القريب يعج بالحياة والأسماك حين كان يتكلف باستقبال الزوار بخرير مائه الزلال؛ تتدفق منه اليوم شلالات من الواد الحار وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف.
تلك هي دمنات؛ أنت المتحدث عنها تتحدث عن مخزونها التراثي المثقل بالثقافة والفن والتعبد؛ تراث متعدد المشارب ومتنوع الأبعاد والزوايا؛ حين تستحضر إيقاعات "الدقة الدمناتية" ذات المتن المفحم والموزون تتقاطع مع مدن عريقة أخرى؛ وحين تحملك نغمات "التبيضة" إلى دفء المنازل وحميمية الفضاء تستمتع برائحة الأبازير في "الطنجية" الممزوجة بنفحات العطور اللطيفة المشفوعة بلغة الغمز واللمز من وراء حجاب شفاف مجازي يدعو إلى لقاء نسائي صرف ومتقد. وحين تنخرط بوعي أو بلا وعي في ليلة من ليالي "عيساوة" أو "حمادشة" وفي ساحة من ساحات الزوايا تطلق العنان بوفاء للحضرة وللذات في طقوس عجائبية تمزج العقل بالعبث وتحملك بهدوء إلى أقاصي التوحد بين الروح الطاهرة والجسد المنهك و تتحصل على مكاشفة قوامها "المحبة لله". أما آهات وصرخات "لعامت" "نايت" "شتاشن" و"إواريضن"فهي تشدك عبر خيط رفيع يمتد من تخوم الأطلس المنتصب الشامخ كالنظم الأمازيغي الأصيل إلى ثنايا الكبد. وأنت تستحضر كل هذا الزخم التراثي المثقل بالحضارة الإنسانية في هذا الربوع الصغير في الوطن والكبير في القلب، تتساءل في نفس الآن عن مصير إرث ضاع ويضيع؛ بعضه تعرض للفلكرة والتنميط والقرصنة من طرف المجالس البلدية البائدة و السائدة في مواسم البهرجة والعبث بالتراث والثقافة؛ والبعض الآخر في الظل يتعرض بصمت للتلف والنسيان. فمن ياترى سينقد هوية دمنات من المسخ والمحو؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.