اشتعال خزان وقود بمطار الكويت    الوداد الرياضي لكرة القدم يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    تمديد مدة الملتقى الدولي للفلاحة إلى 9 أيام بمشاركة 70 دولة و1500 عارض        "أسود الأطلس" يرفعون نسق التحضيرات    بنموسى يدق ناقوس الخطر: تباطؤ النمو الديمغرافي وتسارع الشيخوخة في المغرب خلال العقدين المقبلين    بعد حفظ مسطرة الوفاة بمقر "الفرقة الوطنية".. محامي العائلة يطالب بالاطلاع على تسجيلات المراقبة    محمد صلاح سيغادر ليفربول نهاية الموسم الحالي    الأستاذ محمد معروف يكتب ✍️.. ''السائق الكَسَّاب        مجلة إسبانية: "طنجة المتوسط" يقود ترسيخ موقع المغرب كمفترق طرق استراتيجي للتجارة البحرية العالمية    المغرب يستعرض فرص الاستثمار في المنتدى الدولي للاستثمار السياحي والفندقي ببرلين    ندوة دولية بطنجة تستشرف مستقبل المهن البنكية في ظل الذكاء الاصطناعي والتمويل الأخضر    قتيلة بقصف من لبنان شمال إسرائيل    الجواهري: بنك المغرب يعمل على تسريع إرساء سوق ثانوية للديون المتعثرة    حملة طوارئ لدعم الصحة والتعليم في القدس الشريف بتمويل مغربي    المغادرون بصخب.. التدليس السياسي بنيةً لا حادثة في المشهد السياسي المغربي    محكمة "الطاس" تكشف ل"الأيام 24″ حقيقة طعن السنغال في قرار "الكاف"    الكشف رسميا عن القميص الجديد للمنتخب الوطني (صورة)    في المناخ الحربي الذي يسود المنطقة ويرفع من نسبة التهديدات .. تقرير دولي يرتب المغرب بلدا دون آثار الإرهاب    الإمارات تعلن استشهاد متعاقد مغربي مع قواتها وإصابة 5 جنود في هجوم إيراني    لبنان يطرد سفير إيران    أمريكا تحذر من هجمات تستهدف سفارتها ورعاياها بموريتانيا    تراجع أسعار الذهب لليوم العاشر على التوالي    يوعابد: منخفض جوي أطلسي يحمل أمطارا غزيرة ورياحا قوية إلى المغرب    توقيف متورط في ابتزاز سائح بمراكش باستعمال العنف    نشرة إنذارية.. زخات رعدية ورياح عاصفية اليوم الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة    بمناسبة اليوم العالمي.. وزارة الصحة تكشف نسب حالات السل الجديدة بالمغرب    كعك العيد: طقس تاريخي بتكلفة متصاعدة وتحذيرات صحية    باب الكبير يحتضن معرضا فنيا جماعيا بالريشة والصورة    المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة يفوز على تونس في بطولة شمال إفريقيا    بورصة البيضاء تغلق على تراجع طفيف    هذا المساء في برنامج "مدارات" بالإذاعة الوطنية من الرباط :نظرات في سيرة محمد بن أحمد اشماعو، أديبا وباحثا في التراث الشعبي المغربي    الإعلام كسلاح من أجل هندسة الوعي في زمن الحرب والعدوان    لندن تحقق في حريق 4 سيارات إسعاف وسط شبهات بارتباط مجموعة بإيران    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم الموسيقى والأغنية والفنون الاستعراضية و الكوريغرافية برسم الدورة الأولى من سنة 2026    "وينرز" ينتقد التسيير في نادي الوداد    "وردة" تجمع "Inkonnu" ومنال بنشليخة    "حوار نقابي وزاري" يبحث مصير أطر مستشفى الحسن الثاني في أكادير    المغرب يعزز مجهودات التكفل بالسل    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة        "جنة إيطاليا" رواية للكاتب جمال الفقير.. قراءة في عمق التجربة الإنسانية    مُذكِّرات    صندوق النقد الدولي: الحرب في الشرق الأوسط تؤثر على آفاق النمو الاقتصادي للمغرب والبطالة تحد كبير    مطالب نقابية بمراجعة التعويض عن النقل لفائدة مستخدمي المكتب الوطني للمطارات    عامل إقليم ازيلال في زيارة لمستشفى القرب بدمنات لتفقد أحوال المصابين في حادثة سير    وهبي يفتح صفحة جديدة مع الأسود    مراكز الاقتراع تفتح الأبواب بالدنمارك    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    "ميتا" تطلق برنامجا عبر "فيسبوك" لاستقطاب صناع المحتوى    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التعارف والتواصل والبحث عن المعنى
نشر في طنجة الأدبية يوم 16 - 04 - 2010


تقديم:

شكل المعنى وما زال موضوع دراسات وبحوث علمية كثيرة،لما له من أهمية كبيرة في حياة الأفراد والجماعات على السواء،فما دام الإنسان يطمح إلى تحسين علاقاته مع الذات والعالم من حوله سيبقى في حاجة ملحة إلى كل ما تسفر عنه الأعمال العلمية المتعلقة ب"المعنى"من نتائج تضيء له طريق الحياة والتعايش مع النفس و الغير ؛فكثير من الأزمات والصراعات الإنسانية عبر التاريخ البشري إنما تعود في جزء هام منها حسب ما نعتقد إلى قصور في فهم معاني الكلمات ،أو الأفعال،أو الأشياء، أو فيها معا ،وهو ما يصطلح عليه بأزمة التواصل .
وإذن فموضوع المعنى أكبر وأهم من أن يحصر في موضوعات ضيقة وصغيرة لأنه يمتد سواء كنا على وعي بذلك أم لا إلى أعماق حياتنا الفردية والجماعية.
الحياة نفسها تصبح غير ذات قيمة حينما نعجز عن إدراك معناها. كل الكلمات، والأفعال، و الأشياء تفقد جاذبيتها و إغراءها وقيمتها حين يلفها الغموض واللبس؛ يحل الخوف و التوجس محل الابتهاج والطمأنينة والإقبال، حينما لا نتمكن من إدراك المعاني والدلالات؛ ويحل الصراع ا لصخب والصراخ محل الهدوء والرزانة.والشقاق محل التعاون للسبب ذاته.
إن النشاط الإنساني بأكمله إنما يحيى حينما تدب فيه روح المعاني ؛وفي المقابل يغدو جثة هامدة لا ذوق لها ولا محل في القلب أو النفس إذا وجدنا أنفسنا غير قادرين على التعرف على معانيها التي من أجلها كانت في بداية الأمر؛ولهذا يفضل كثير من الأشخاص وضع حد لحياتهم أحيانا بأبشع صور الانتحار وأشدها إثارة للاشمئزاز والتقزز.يتخذ الإنسان قرار إنهاء وجوده في عالم الأحياء حينما تظلم الدنيا أمام عينيه ولا يعود يرى منها إلا السواد.تغيب كل الألوان الزاهية ،وتفقد الأشياء دلالاتها وذوقها فيقتنع المرء بأن حياة لا معنى لها لا تستحق الاستمرار،فيقع المحظور .
إن المعنى أشبه ما يكون بالروح في قيمته ووظائفه ،فلطالما لاحق الإنسان الروح لأجل إدراك ماهيته وحقيقته دون أن يظفر من ذلك بما يريح البال ويقنع العقل، إلى أن بين الله عز وجل أن ذلك من أمره تعالى وحده وألا سبيل للعقل إليه"يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".
لكن المعنى شأن بشري ،الإنسان مطالب ببذل الجهد اللازم لمعرفته أو مقاربته، وبنقده لأجل تطويره وتحسينه ؛بل لتستمر الحياة الإنسانية على أفضل الوجوه كذلك.
الأديان جاءت و الفلسفات والفنون كانت جميعها لأجل منح الحياة معنى يستحقها وتستحقه.
رحلة البحث عن معنى الحياة شاقة ومضنية، استعملت فيها أنواع كثيرة ومختلفة من مناهج التفكير. من الفلاسفة، و المتصوفة من أمضى حياته كلها أو معظمها في تلك الرحلة دون أن يعود منها بما يشفي الغليل؛ ليبقى الإشكال الأزلي يسألنا ما المعنى؟ أين المعنى؟ من أين يأتي المعنى؟
لاشك أن هذه الأسئلة لا تستمد قيمتها من جدتها، وإنما تكتسبها من جديتها وجدواها، وأنها ستبقى قائمة ما بقي الإنسان متمسكا بحقه في الحياة بسعادة واطمئنان.
ولأن هذا المقال ليس فلسفيا وإن كان فيه شيء من التفلسف،فإنا سنترك جانبا السؤال عن المعنى باعتباره سؤالا وجوديا على ما يكتسيه من أهمية،لنركز اهتمامنا لاعتبارات منهجية على المعنى بصفته عماد التواصل وأساس التعارف بين بني الإنسان أفرادا وجماعات.
لا نريد حصر التواصل في المحادثات الثنائية ،أو داخل المجموعات الصغيرة،ولكنا نرغب في ما هو أوسع من ذلك مدى بكثير ،وهو التواصل بين الشعوب والأمم ، التواصل بين الحضارات و الثقافات الإنسانية بأبعادها العميقة والمختلفة؛ومع ذلك لن يكون بمقدور أية دراسة للمعنى إبعاد الإنسان منتجا كان أو مستهلكا للمعنى أو مساهما في ذلك كله بأي شكل من الأشكال عن دائرة البحث.
ما المعنى؟ ، أي هل للمعنى وجود ما يمكن الإمساك به؟هل للمعنى عناصر محددة يتحقق بها كيانه ،أي يكون بها" الهو" "هو"؟.
المعنى موجود، وإلا فقدت الحياة الإنسانية مبرراتها، لكن وجوده من نوع خاص، كالوجود الروحي تماما، نحسه، ونتذوقه، ولكنا لا نمسك به؛ وجود نتعرف عليه من خلال خصائصه وصفاته لا من خلال ذاته.
فما هي هذه الخصائص إذن؟
من الصعوبة بمكان إجمال خصائص المعنى وصفاته،ولكن حسبنا هنا أن نورد منها ما نراه ضروريا لمقاربته أو الاقتراب منه.
أولا –المعنى سيرورة:
ليس المعنى معطى ثابتا،ولكنه سيرورة ،دائم التغير والتلون ،شديد الحساسية لمحيطه اللساني والخارج لساني.
المعنى دائم التشكل و التكون، مستعص عن الضبط؛ ولذلك تكاد قراءاتنا للأعمال الفنية والأدبية وللنصوص التاريخية والدينية لا تنتهي.
المعاني تتجاوب بحساسية عالية جدا مع محيطيها اللساني أو ما يسمى بالسياق اللغوي، والخارج لساني الذي هو الموقف التواصلي بكل أبعاده النفسية، و الاجتماعية، والثقافية، و الحضارية كذلك.
وهكذا سنجد مثلا أن عبارة "السلام عليكم" ستفرغ من محتواها المعروف الذي هو أداء التحية،لتؤدي معنى المعاتبة حينما تقال بعد نقاش حاد لم ينته إلى نتيجة ترضي أيا من الطرفين.
وللسياقات العلمية ،والسياسية،والثقافية تأثير مباشر على معاني الكلمات ،والأفعال،و الأشياء؛فلفظ "الإرهاب"،و"الإرهابي"مثلا عند الغالبية العظمى من الساسة والمثقفين الغربيين يحمل معنى غير المقصود به في الآية الكريمة"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين لا تعلمونهم الله يعلمهم"،فهو عند الغربيين الاعتداء على الأبرياء،والمدنيين المسالمين،وهو كذلك رفض التعايش مع المخالفين ،وتهديد الأمن والاستقرار العالميين حينما يصدر عن شخص أو جماعة خارج مجالهم الحضاري ،وهو كراهية الحياة كذلك.والإرهابي عموما هو المسلم والعربي؛ في حين أن"الإرهاب"في الآية الكريمة جاء بمعنى "ردع العدو"،أي إظهار القوة التي تجعله يفكر كثيرا قبل أن يقرر الاعتداء على المسلمين.
ويأتي "الترهيب"عند المربين المسلمين مقابلا للترغيب،أي تعميق خشية الله تعالى في نفس المؤمن ليردع عن اقتراف المعاصي ،والآثام؛ولذلك فالتواصل بين الحضارات والثقافات ،ينبغي أن يفضي إلى "التفاهم"،أي أن يفهم كل طرف الآخر على الوجه الأصح أو الأقرب إلى الحقيقة على الأقل ،يفهم ذاته وهويته،ورؤيته للحياة وللعالم من حوله؛وهو ما سماه القرآن الكريم ب"التعارف"في قوله تعالى:"...وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.... "، لأنه في هذه الحالة فقط يمكن أن يتحقق كل ما نرجوه من وراء التواصل، من تعايش، وتبادل للاحترام والتقدير، وسلم واستقرار، وغير ذلك من المعاني والقيم السامية والنبيلة التي تقوم عليها الحياة الإنسانية.
لبلوغ هذا المبتغى لن نكون في حاجة فقط إلى مؤهلات لغوية عالية،ولكنا سنكون فضلا عن ذلك في أمس الحاجة إلى ما سنصطلح عليه بالكفاية الثقافية؛هذه الكفاية هي التي ستمكننا من إدراك المعاني التي تمنحها هذه الأمة أو تلك لقيم كونية مجمع عليها إجمالا من حيث المبدأ من مثل الحرية،والمساواة ،و الأخوة ،والعدالة،والتقدم،والتخلف،والقبح ،والجمال؛وهي التي ستنير لنا الطريق لمعرفة نقط الاتفاق والاختلاف في تفاصيلها.
هذا التعارف هو الذي سيتيح لنا فرصة التساؤل عن إمكانية الاتفاق على وجود قيم كونية من عدمه، قيم تحمل في داخلها معان كونية كذلك يمكن أن تكون محل إجماع بين كل بني البشر.وبناء على ما يسفر عنه هذا التعارف من نتائج سنرى هل فرض قيم حضارية ما على سائر الأمم والشعوب يخدم التعايش بين الناس كل الناس أم لا ؟بفضل هذا التعارف سنفهم إذا ما كان الإنسان في كل بقاع الأرض ذاتا نمطية واحدة أم ذواتا مختلفة عن بعضها البعض؛ وبه مرة أخرى سنكتشف رؤية كل أمة أو شعب للعالم من حوله وللمعاني التي تقوم عليها.
لإنجاز هذا "التعارف"وليس مجرد "التواصل"سنكون في حاجة إلى الإبحار في أعماق مختلف الذوات الحضارية العالمية للتعرف على مضامينها ومعانيها الجوهرية،وذلك بتنشيط الدراسات العلمية الرصينة والنزيهة في مجالات الاجتماع ،والأنطربولوجيا ،وعلم النفس واللسانيات ،والعلوم الدينية،و غيرها .
لمزيد من التوضيح سأقدم بعض القيم على سبيل التمثيل لا الحصر.لاشك أن "الحرية" من القيم الكونية السامية النبيلة التي لا يوجد خلاف حول أهميتها وضرورتها لتحقيق كرامة بني بشر ،لكن بالمقابل لن يكون باستطاعتنا الاعتقاد أن مدلولها ومعناها واحد لدى الناس جميعهم الحرية عند المؤمنين بالأديان السماوية تقف عند حدود الشرائع الدينية ،في حين أن الملحدين لا يرون لها حدودا دينية ؛والحريات الفردية عند البعض قد تبيح الزواج المثلي،والنظر إلى الشذوذ الجنسي باعتباره سلوكا مقبولا،في الوقت الذي ينظر إليه "المؤمنون" على أنه مخالفة للفطرة والدين.
المساواة كذلك قيمة كونية وإنسانية مطلوبة ومنشودة من قبل الجميع، لكن المسلمين مثلا لن يعتبروا أبدا المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى شكلا من أشكال المساواة في الحقوق والواجبات.
كل الناس يعشقون الجمال ويكرهون القبح ،ولكنهم ليسوا بالضرورة متفقين على معناه أو حقيقته ،ولذلك قد يثير منظر الرجل المتزوج من أربع نساء كثيرا من الامتعاض والتقزز في بعض النفوس في حين أن نفوسا أخرى تنظر إليه على أنه من المباح أو حتى من طيبات الحياة التي لإتيانها من المسوغات الدينية والاجتماعية ما يكفي.
من الذي يتجدد المعنى أو فهمنا له؟؟وبعبارة أخرى هل المعنى حقيقة مستقرة في عالم المثل، وأن ما نتبادله بيننا ليس سوى مجرد انعكاس لها يتلون بتلون الشروط التي يظهر فيها؟
وإذا كان المعنى على هذه الدرجة من التجدد واللبس، فما حقيقة التواصل القائم في عالم الناس منذ أن كانت الخليقة إلى اليوم؟وهل يمكن القول أن هذا التواصل مبني على مجرد أوهام لارصيد لها في الواقع؟
لاشك أن العلاقات اليومية العادية القائمة بين الناس في كل مكان تتم عن طريق كل أشكال التواصل اللفظي وغير اللفظي بل وحتى الوجداني ،وأن ذلك التواصل تعترضه كثير من عوائق لايكف الإنسان عن الاجتهاد في تذليلها وتجاوزها ؛وأن ما تمت الإشارة إليه من تجدد وغموض لو كانا على الوجه الذي ذكرناه لدخلت حياة الناس في فوضى عارمة وظلمات حالكة عنوانها البارز هو"فقد المعنى"؛ولكن على العكس من ذلك فإن التواصل بين الثقافات المختلفة ،ومع الفنانين والمبدعين إنما يكتسب حلاوته ويستمد طراوته بل وحتى حياته مما تتصف به معانيه من تجدد وغموض .
فالفنان والأديب حين ينجز أعماله لوحات كانت أو نصوصا أدبية أو معزوفات موسيقية ،أو حتى أعمالا درامية ،يبث فيها معان لا يجمع متلقيها على حقيقتها التي تتباين باختلاف ما أدركه أو أحسه كل منهم على حدة .
حتى النصوص الدينية المقدسة يتجدد فهمها على وجه الإجمال لا التفصيل "فالقرآن لا تنتهي عجائبه"وإلا لماذا لم تستخرج معانيه من قبل دارسيه ومفسريه دفعة واحدة حتى في أفضل العصور الإسلامية الذي كان فيه الناس أقرب إلى فترة نزول الوحي؟ف"المعاني أبدا تتردد وتتولد..."
لامجال للقول بأنا أمام قرآن يتغير حسب الأزمنة والظروف ،ولكنا يقينا أمام معان جديدة تكتشف لأول مرة من نص لم يتغير ولم يتبدل؛ ولاشك أن هذه الخاصية من أهم ما يمنح القرآن طراوته الخالدة.
الحد الأدنى من التفاهم قائم على أرضية "المعنى المركزي"، وبالمقابل يعزز سوء الفهم مواقعه على أرضية "المعنى الهامشي" أو" ظلال المعنى"، أو"أصداء العلامات الانفعالية والعقلية"، إلى جانب حلاوة التحليل وتجدد الفهم وخلود الأعمال الفنية والأدبية.البحث عن المعنى مغامرة ممتعة ومحفوفة بالمخاطر،قد تفضي إلى التعارف المذكور في الآية الكريمة من سورة الحجرات"يا أيها الناس إنا حلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..."(جزء من الآية 13 من سورة الحجرات)؛ وقد تكرس القطيعة بين أطراف العملية وتثير الصراعات والأحقاد.
حينما نتجاوز الدلالة المركزية للعلامات كيفما كانت تلك العلامات خاصة إذا تعلق الأمر بالتواصل بين الشعوب والأمم نجد أنفسنا في" عالم معان ذاتية" تحمل شحنات عاطفية عالية تختلف باختلاف التجارب والخبرات المعيشية والعاطفية لمستعمليها تجعل من الصعوبة بمكان التفاهم حولها دون دراسات معمقة وموضوعية يكون هدفها الأسمى هو "التعارف".
ثانيا-المعنى غامض، وملتبس:
المعنى ليس شفافا، وإنما يكتنفه الغموض، واللبس، ولذلك نعاني في محادثاتنا من سوء الفهم، أو عدم التفاهم، أي حمل الكلام على غير المعنى المراد منه في الأصل.
هل المتلقي يكتشف المعاني التي أودعها الملقي في رسالته أم يبنيها على نحو آخر قد يكون مخالفا للمعنى المراد في الأصل؟
لا شك أن التواصل أمر واقع بين الناس وإن تعددت واختلفت أشكاله وطرقه؛ولا ريب كذلك أن قطاعات واسعة من بني البشر تتداول فيما بينها حقائق ومعان لا يختلفون حولها ؛كما هو شأن الباحثين في المجالات العلمية الدقيقة ،وعامة الناس في علاقاتهم اليومية سواء تعلق الأمر بحياتهم الشخصية أو بحياتهم العامة، يتواصلون كذلك بنحو ميسر جدا.وإذا كان الأمر على هذه الحال فأين الغموض اللاف للمعاني إذن؟.
لا يبرز هذا اللبس أو الغموض بشكل واضح حينما تكون أدوات التواصل من قبيل اللغة الوظيفية أو العلمية،لخلو الأولى تقريبا من التعابير و الصور البلاغية ،ولاعتماد الثانية فضلا عن ذلك على جهاز اصطلاحي دقيق متواضع عليه شكلا ومضمونا بين مستعمليه.لكن حينما يقع إلقاء وتلقي "معنى ما" من خلال ثقافتين مختلفتين فإن الالتباس وتعدد الفهوم يقع لامحالة ،وكذلك إذا صارت أدوات التواصل وأشكاله جزءا من المعنى ولو كان المنطلق أرضية حضارية واحدة كما هو الشأن في قراءة الأعمال الأدبية والإبداعات الفنية المختلفة؛وفي هذه الحالة يشكل غموض المعنى ميزة إيجابية لأنه هو"سر خلود" بعضها.
بم نتلقى المعاني؟
على خلاف ما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى من أن المعاني إنما تدرك بالعقل وحده ، لأن "المعاني صوغ العقل" ؛ وعلى ما لهذا الفهم من وجاهة على اعتبار أن الأسئلة الكبرى وخاصة الوجودية منها طرحت وتمت مقاربة أجوبتها كذلك بطريقة عقلية صرفة كما توحي بذلك مظاهر الأحداث على الأقل ،إلا أن إدراك المعاني أو حتى التساؤل عنها قد تم بطرق أخرى مخالفة في سياقات عدة ؛ "فمعنى الحب"رغم كل ما قيل عنه في الأديان، والفلسفات ،وسواء اتفقنا على تجلياته أم لا، فإنا جميعا على كل ما بيننا من اختلافات عرقية، وجنسية، وعمرية، واجتماعية، وثقافية ،ودينية، وغيرها نشعر "بالحب"بقلوبنا.
كيف يؤلف القلب "رسائل الحب"؟ وكيف يقرأها ويميز فيها بين الصحيح و المزيف ؟تلك أسئلة لا ندعي القدرة على الإجابة عنها لكن حسبنا طرحها لتأكيد أن "المعنى"مبحث أشمل وأوسع من أن يحصر في الدراسات اللغوية ،أو الأدبية فقط، وأنه يمتد ليعم حياتنا كلها في مختلف مستوياتها وأبعادها.
الحب يحصل في داخلنا ،الحب قد يعبر عنه برمز ،أو حركة، ،أو إشارة فيتلقفه قلب ما ويسعد به ،فيبادلك مثله ،لكن قد لا يتمكن قلب آخر من اكتشافه وفهمه ،لأن القلب ليس وحده من يفك رموز الرسالة ،بل البصر والذوق والعقل كذلك جميعا أو أشتاتا .وهنا يتدخل كذلك عنصر الثقافة بمدلولها الواسع من جديد،فيتضح من ذلك كله أننا إنما نكتشف هذا المعنى بكليتنا دون أن ندرك كيف يحدث ذلك .
التعارف إذن عملية ننخرط فيها بكليتنا وجدانيا، ومعرفيا، وثقافيا بشكل يغني تجاربنا ويتيح لنا الفرص الهادئة للتبادل والتثاقف، والتعايش .فكثيرا ما أغلقت أبواب الفهم في وجه العقول نتيجة رسائل سلبية تلقتها القلوب ،وكثيرا ما مهدت القلوب الطريق لتفاهم العقول.
كما أن من شأن "المعنى"إذا فهم على الشكل الذي عالجناه به في هذا المقال أن يمنحنا كثيرا من التسامح والمرونة حين تدافعنا مع من يختلف عنا ،ومعنا، وبذلك ستتاح لنا جميعا فرص حقيقية للتعارف الحق.
الخوف قبل أن يكون فكرة نفهمها بعقولنا ،فهو" معنى"يسري فينا فنفك رموزه بأحاسيسنا ،نشعر به حينا يهاجمنا وحين يخلي سبيلنا ،معنى مهما قيل في تعريفه لن يكون بمقدوره مجاراة الوجدان في توضيحه لنا،ولذلك نجد أوصاف الأدباء له أقرب إلى حقيقته من تعريفات الفلاسفة واللغويين.
أما الجمال فليس بمقدور التدقيقات النظرية الأكاديمية الإحاطة بمعناه مهما فعلت، ولكنا في لحظة من لحظات الإشراق الروحي نستحوذ عليه ويستحوذ علينا فنتذوقه بأرواحنا ووجداننا وإن كان بالإمكان أن يكون لعقولنا في بعض الأحيان من ذلك نصيب.
الكراهية كذلك لا ندرك معناها إلا حينما نحس به يمزقنا من الداخل سواء كان صادرا عنا أو موجها من غيرنا نحونا.ولنتأمل كيف نميز بين سلوك عنيف في حق الواحد منا حينما يكون تعبيرا عن الكراهية، وحينما يكون لغير ذلك الغرض.
أسئلة المعنى كثيرة وشائكة لاطاقة لنا بها ،فهي تحاصرنا من جميع الجهات،والمعنى يسري فينا ومن حولنا دون قدرتنا على الإمساك به،ولذلك لامناص لنا من القناعة بمقاربته والانفتاح على كل تجلياته مهما كانت غريبة علينا حتى نعترف ببعضنا البعض ونعايش بسلم وسلام.
وأخيرا هاأنذا أعلن نهاية مجاراتي للمعنى في هذه الجولة معترفا بضعفي أمامه وأغادر ساحة المبارزة وفي نفسي شيء منه إلى حين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.