النقابات تتدارك "ثغرات الحكومة" لحماية الشغيلة من آثار كورونا    بسبب انتشار فيروس كورونا في جل دول العالم.. وزير الحج السعودى يدعو حكومات العالم الإسلامى للتريث قبل وضع خطط للحج    توقعات أحوال الطقس اليوم الأربعاء في المغرب    كورونا يقطع تصوير فيلم بريطاني بأقاليم الصحراء    جمعية حقوقية تتذكر فلسطين في "زمن الوباء"    أمريكا تسجل 865 وفاة جديدة بفيروس "كورونا" خلال 24 ساعة    كرورنا.. سلطات شيشاوة تتدخل لضبط الأسعار    هل تتسبب "جائحة كورونا السوداء" في إقرار "سنة دراسية بيضاء"؟    وثيقة.. رئيس وأعضاء مكتب جماعة بوعرك يساهمون بتعويضاتهم في صندوق تدبير جائحة كورونا    "كورونا" يدفع مصدري الخضر والفواكه إلى البحث عن بديل لفرنسا    عمالة إقليم اشتوكة آيت باها: "العرض يفوق الطلب"    السعودية تدعو مسلمي العالم للتريث قبل وضع أي خطط خاصة بالحج أو العمرة بسبب كورونا    موسيقى الروك الغربية بين الترفيه والنضال من أجل السلام والحقوق المدنية    رئيس مجلس جماعة الفنيدق يفند “الإشاعات”    الجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي بإقليم العرائش تتدارس عن بعد مستجدات الساحة التعليمية    بسبب خرق حالة الطوارئ الصحية.. والي مراكش يمنع بيع الخمور    المضيق…نداء إنساني لذوي القلوب الرحيمة    مصاب سابق ب “كورونا” يوجه رسالة إلى الموطنين من طنجة: نحن في حرب..التزموا بالحجر-فيديو    بنيعيش تكشف مواكبة "مغاربة عالقين" في إسبانيا    قنبلة يدوية قديمة تستنفر العسكر ضواحي تاونات    احترازا من فيروس كورونا.. المضيق والفنيدق تغلق أسواقها ومحلاتها التجارية في وقت مبكر    السلطات والجمعيات تواجه "زحف كورونا" في غياب المنتخبين بالمغرب    عامل ورزازات يتفقد مركزا لإيواء أشخاص بلا مأوى    تسع إصابات جديدة بفيروس "كورونا" في مراكش    وزير الحج السعودي يدعو دول العالم للتريث في إبرام عقود الحج والعمرة    غريم “كورونا” في إسبانيا بين براثن الفيروس.. إصابة مدير الطوارئ الصحية    فيروس كورونا.. نقابة تشيد بقرار الحكومة القاضي بتعويض العمال عن فقدان الشغل    مرسوم القانون 2.20.292 المتعلق بحالة الطوارئ ودروس الكوفيد 19    “كورونا” تتسبب في وفاة رئيس نادي مارسيليا التاريخي    فتوى جزائرية تجيز للأطباء والأمنيين الصلاة دون وضوء وجمع الصلوات (وثيقة)    عدد إصابات "كورونا" ب"المملكة" يصل إلى 617    عاجل    قرار المغرب ترسيم حدوده البحرية لتشمل الصحراء يدخل حيز التنفيذ    الفيديو المتعلق بالمركز الاستشفائي الرازي قديم ولا يمت بصلة للظرفية التي تعيشها المملكة    للمقاولات المتضررة.. الاتحاد العام لمقاولات المغرب يطلق منصة تفاعلية حول «كوفيد-19»    منح شركة ببرشيد صفقة تزويد الدولة بالمنتوجات الطبية من النسيج    البريد بنك يتيح تأجيل سداد أقساط قروض زبنائه المتضررين من أزمة كورونا    مندوبية التخطيط تكشف معطيات التجارة الخارجية        غرامة مالية لحاريث بعد خرقه الحجر الصحي    العثماني: أزيد من 95 ألف مقاولة صرحت بالتوقف الكلي أو الجزئي عن العمل بسبب أزمة "كورونا"    الCCM يقترح 25 فيلما سينمائيا يعرضون مجانا خلال فترة الحجر الصحي- القائمة    بعد استفاقته من الغيبوبة.. أياكس يلغي عقد لاعبه عبد الحق نوري    الحجر والطوارئ بسبب الوباء هل سيعيد بناء عالم مغاير..؟    جنديات في قلب المعركة : انهيار الأوهام المؤسسة للإيديولوجية السلفية والإخوانية    مهرجان مراكش تضع مبلغ 200 مليون ضد "كورونا"    إلى أثرياء المملكة: فكروا بغيركم لتسعدوا بثرواتكم    اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج : الفنان القدير عبد الهادي بلخياط يقول لكم «بقاو ف ديوركم»    لعبة الأمم على ضوء كورونا..!    رضوان غنيمي: خالق الإشاعة خائن لمجتمعه    السجون: شقيقة بطمة وغلامور لا تستفيدان من أية امتيازات تفضيلية في بلاغ لها    "تأجيل" دورة ألعاب البحر المتوسط إلى 2022    مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة يخصص 20 مليون درهم لاقتناء مواد وتجهيزات التعقيم    حسن الظن بالله في زمن الحجر الصحي    كورونا يؤجل حسم نزاعات الوداد الرياضي في المحكمة الدولية    زياش فنان في الملعب والمطبخ … يستغل الحجر الصحي ويحضر وجبة مغربية    الاختلاف في ظرف الائتلاف    الإدريسي: كونوا إيجابيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





“محاكمة” كافكا.. تكريس ممنهج للإنسان ذي البعد الواحد
نشر في عالم برس يوم 17 - 08 - 2019

"المحاكمة" رواية للكاتب التشيكي فرانز كافكا، وقد نشرت بعد موته، مثل أغلب أعماله التي عهد بها إلى صديقه ماكس برود، وتطرح الرواية عدة ثيمات مثل عبثية الوجود، ولا إنسانية العالم الحديث، والاضطهاد السياسي، والشمولية، والذاتية المستلبة أو ما عبر عنه ماركوزه بالإنسان ذي البعد الواحد. وفيها أيضا نقد للمنظومة القضائية، تلك الماكنة التي تقضي بلا دليل أحيانا، وتسحق الفرد بلا رحمة في الغالب، منظومة يستوي فيها قضاة ومحامون ورجال شرطة، نخرهم الفساد والارتشاء والبيروقراطية.
يتبدى غياب المنطق منذ بداية الرواية، حيث تتوالى أحداث غريبة أقرب إلى العبثية يكون ضحيتها البطل جوزيف ك، والكاتب يركز على تلك العبثية ليصوّر من ورائها عقلانية مفرطة أدت إلى ظهور الشمولية، وإلى خضوع الفرد لدكتاتورية المجموعة.
عالم يفقد إنسانيته، ويعادي الفردانية، ليجبر الأفراد على الذوبان داخل المجموعة، فالبطل -السلبي- جوزيف لا اسم له سوى حرفه الأول "ك"، أي أنه يمكن أن يكون أي شخص، ينساق إلى مصير ملغز، لا يملك رغبة في التمرد على وضعه، إذ كان بوسعه أن يهرب من المحكمة، ولكنه فضل التخلي عن كل رغبة في الحياة، ليترك نفسه يقتل شر قتل، ولئن بدا هنا غامضا عصيا على الإمساك، فلأن الإنسان في تصوّر كافكا صار غير شفاف حتى مع نفسه.
اختار البولندي كريستيان لوبا، الذي يعد سيد المسرح الأوروبي في الوقت الحالي مع البلجيكي إيفو فان هوف، هذه الرواية، لأن مصير جوزيف ك، وصراعه غير المتوازن ضد المجهول يشبهان إلى حدّ بعيد ما يدور من نقاش في الواقع البولندي الراهن، وهو نقاش تغلب عليه العبثية بالمعنى الفلسفي للكلمة، ولأن القضية تتجاوز النطاق المحلي لتشمل ما يجري الآن في أوروبا التي تشهد أزمة قيم، مثلما تشهد تهديدا قويا للحريات الفردية، أي أنه أراد من مسرحة "محاكمة" كافكا التحذير ممّا يتهدّد الشعوب من نعرات قومية وخطابات شعبوية تنذر بقيام الشمولية من جديد.
وقد اعتمد لوبا كعادته على فرقة تعد نحو عشرين ممثلا، واستند في مقاربته لرائعة كافكا إلى سيرة الكاتب التشيكي ومراسلاته، ليضفي على العمل المسرحي أبعادا تتجاوز الأثر السردي، مثلما جعل الأثر معربا عن صراع بين التخييل والواقع.
وقد ركز على تيه جوزيف ك الذي تم إيقافه لأسباب يجهلها، واقتيد إلى متاهات محاكمة تتحدى العقل، ومن خلال ذلك الصراع ضد مجهول لا يقيم وزنا للمنطق، تناول لوبا مسألة "الإلحاح على الحقيقة" التي تهم الناس أجمعين، وتمنعهم من الاكتفاء من المشهد بالفرجة، وفي ذلك تعرية للنظام البولندي الذي يبسط هيمنته على المجتمع، ووسائل الإعلام، والحياة الثقافية.. ومن ورائه سائر الأنظمة القامعة للحريات.
يفسر لوبا إقباله على مسرحة أعمال روائية معروفة، بأن مبدعي العوالم السردية أكثر تغلغلا في الفضاءات المخفية للحياة، وأن المؤلفين الدراميين (باستثناء قلة قليلة أمثال تشيخوف وبيكيت وتوماس برنهارد) هم أصحاب مشاريع مسرحية، يتفننون في صياغة الحوار البشري على نحو يخدم خرافاتهم، والحال أن الحوار الحق بين الناس هو فوضوي ولا يسرد أي خرافة.
والأعمال النثرية، لا سيما نصوص المبدعين الذين يستكشفون حدود ما يستعصي على الإمساك، تقترح على المقتبس والمخرج غايات وتحديات أقرب إلى المستحيل، وهو ما يمنح حقل بحث واكتشاف أوسع من مجرد إخراج مشاريع مسرحية لمؤلفين دراميين، لأن ذلك البحث يتوجه أكثر ما يتوجه إلى الأسرار البشرية، ما يسمح بتقمّص مسعى يوجد فيما وراء الحوار، حيث تنشأ في الغالب روح التمثيل المستقلة.
ويعتقد لوبا أن في الإمكان تسمية الواقع بعدة طرق، كالواقع الشفاف أو واقع العلاقة الكبرى، ويمكن إدراك ذلك من خلال الكائن الطقوسي، والمجموعة الجسدية والإيقاعية التي يمثلها الممثلون، في إطار عناية متبادلة، واستثارة مشتركة تنشأ بفضل مشاركة الممثل الواعية داخل الإيقاع وأحداث الفضاء، فضاء المسرح وفضاء المتفرجين.
وفي رأيه أن خلق مثل تلك المجموعة الفضائية الزمنية مع المتفرج، التي يمكن تسميتها بالمجموعة الطقوسية، يسمح للمتفرج بإيجاد مدخل إلى موضع التمثيل الذاتي والحوارات الداخلية للممثلين، وبذلك يمكن أن يحظى بمشاركة إيجابية، يكون فيها الصوت الآخر حاضرا هنا والآن ليشكل استعارة دائمة، على غرار أعمال بريخت الذي وجد في المسرح فضاء مخصوصا يعمّق الخطاب السياسي أو الاجتماعي.
وكعادته، أبدع لوبا في خلق أجواء هذا الوحش الغامض، الذي يهاجم الفرد ويكبله بقوانين مشبوهة، ويتهمه بجريمة غير واضحة، باسم قيم مزعومة، وفي ذلك دلالة على ما تشهده عدة بلدان أوروبية، من النمسا والمجر إلى بولندا وحتى إيطاليا بعد صعود اليمين المتطرف إلى السلطة، إنها تشخيص لعبثية الواقع الاجتماعي الذي يتحكم فيه المغتصبون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.