نهائي "كان 2025": عقوبات تطال السنغال والمغرب ولاعبين بارزين    إيقافات وغرامات قاسية... الكاف يصدر العقوبات بشأن أحداث نهائي "الكان"        عقوبات صارمة من الكاف بعد نهائي كأس إفريقيا 2025 بالمغرب    بعد انجراف للتربة.. تدخلات ميدانية تعيد فتح طريق كورنيش مرقالة بطنجة    رغم السقوط المدوي أمام الأرسنال... سيدات الجيش الملكي يرفعن راية العرب وإفريقيا في سماء    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    كريستين يشلّ حركة العبور البحري بين إسبانيا وطنجة    رد قانوني حازم من المغرب على اتهامات رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم    مجلس الحسابات يكشف متابعة 154 رئيس جماعة و63 مدير مؤسسة عمومية    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    السلطات ترفع حالة التأهب بعد ارتفاع منسوب وادي اللوكوس    افتتاح السنة القضائية الجديدة بمراكش    غياب أخنوش عن اجتماع العمل الملكي يكرس واقع تصريف الأعمال    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    عالم جديد…شرق أوسط جديد    المجلس الأعلى للحسابات: ميزانية سنة 2024: ضغط على النفقات رغم تحسن في الموارد مما استلزم فتح اعتمادات إضافية بقيمة 14 مليار درهم    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    المجلس الوطني..    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين        الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط    توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مدارات النظرة والصخب البصري
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 15 - 01 - 2016

إن النظرة على خلاف البصر، حرة، فهي تنتقي موضوعها وفق زوايا دائمة التحول. فنحن نُبصر في الطبيعة الغفل، ولكننا ننظر في الذاكرة الثقافية، أي ضمن خزان التيمات التي احتفظت بها عين تنظر وتُسرب المتاح الإنساني إلى موضوع نظرتها. وتلك صيغة أخرى للقول، إن النظرة لا يمكن أن تكون مجرد حامل لفعل بصري مباشر، إنها تقوم، بالإضافة إلى ذلك، بترتيب ما يأتيها من خارجها، أو هي طريقة بصرية في تنظيم التجربة الإنسانية والاحتفاء بالبعد الإيحائي فيها.
النظرة في العين لاحقة على الإبصار فيها، فهي ليست من الرؤية وليست تلك وظيفتها الأولى، إنها جزء من «الحجم الإنساني»، كما تبلور ضمن سيرورات الترميز المتتالي في الذاكرة الإنسانية. لذلك لا نلتفت عادة إلى الكائنات والأشياء الموضوعة للرؤية، بل نحتفي «بتجربة النظرة» داخلها. وذاك هو الأصل في تداول العالم من خلال أفعال بصرية تُصنِّف الموضوعات المدرَكة ضمن اللَّمْح والحدْج والتحديق والرُّنُوِّ والترميق، وهي جميعها تنويعات على أصل ثابت هو الإبصار قبل أن يتحول إلى «نظرة» لا تَرى، وإنما تُدرِك الكونَ استنادا إلى المضاف الثقافي الطارئ.
إن النظرة على خلاف البصر، حرة، فهي تنتقي موضوعها وفق زوايا دائمة التحول. فنحن نُبصر في الطبيعة الغفل، ولكننا ننظر في الذاكرة الثقافية، أي ضمن خزان التيمات التي احتفظت بها عين تنظر وتُسرب المتاح الإنساني إلى موضوع نظرتها. وتلك صيغة أخرى للقول، إن النظرة لا يمكن أن تكون مجرد حامل لفعل بصري مباشر، إنها تقوم، بالإضافة إلى ذلك، بترتيب ما يأتيها من خارجها، أو هي طريقة بصرية في تنظيم التجربة الإنسانية والاحتفاء بالبعد الإيحائي فيها. فخلف المُمَثل في الصورة تختبئ سلسلة من الدلالات التي استلَّتها العين من ظاهر الأشياء وأودعتها في وضعيات لا تثير شُبهة الرائي، أي أضافتها إلى ما استُنبِت في الذاكرة خارج دائرة النفعي فيها.
يتعلق الأمر بما يمكن أن يتسلل إلى العين وتُدركَه باعتباره صياغة بصرية تتضمن قصدا إنسانيا يجب الكشف عن مضامينه. أو هي طريقة خاصة في تدبير «الانفعال»، والتصرف في الظلال الدلالية التي تنتشر في كامل الفضاء البصري الموضوع للتمثيل. إن هذه المعرفة وحدها قد تساعدنا على فهم أفضل لميراث إنساني سابق، والكشفِ عن الغايات التي تختفي فيها الإرسالياتُ البصرية المعاصرة. فقد لا تكون العين قد فقدت «سحرها» بعدُ، لكنها تميل اليوم إلى تضمين موضوعها بعدا «اقتصاديا» يغطي على الجمالي فيها. فنحن شهداء، في ذروة البصري، على عودة مأساوية إلى الحسي، لا من خلال شحنة الرمزي فيه، كما يقتضي ذلك كل تمثيل يتم عبر المنافذ الحسية، بل من خلال الانغماس أو الانصهار في «حسية» يستوعبها المباشر في الزمن ونفعية الاستهلاك.
إننا نعيش في الراهن تجربة بصرية جديدة تبدو، في الظاهر على الأقل، وكأنها تُشكل قطيعة كلية مع «عصور النظرة» التي تحدث عنها ريجيس دوبري(1). لقد تخلصت العين من ملكوت الله (الوثن المعبود) وتخلصت من الذاتية ومن عبقرية الفرد المبدع (الفن)، لكي تصنع موضوعها من «الفرجة» العرَضية التي لا تُراكم «نظرات»، بل تلهث وراء تمثيل مباشر «لانفعالات» بصرية هي التعبير الأسمى عن رغبات لا تُشبَع، بل يُعوِّض بعضُها بعضا.
ستظهر للوجود، على غرار الأزمنة القديمة، كائنات جديدة في حاجة إلى العبادة، ولكن بصيغة الانغماس في الحاضر المباشر. ففي مقابل المعبودات القديمة، الأصنام والتماثيل واللقى المتنوعة، ستظهر أصنام جديدة، ميسي ورونالدو وشاكيرا ونانسي وغيرهم من نجوم الفرجة والاستعراض والكرة، أو نجوم الماركات سمارتفون وأيفون ونوكيا وسامسونغ، وكل ما يُصنف ضمن ما يطلق عليه: النجم/ النسق. إن المظهر الخارجي وحده في هذه الكائنات يمكن أن يكون موضوعا للتسويق: التعليب واللون والشكل في الآلة، والجسد في عالم النجوم /الأبطال( تشتعل شبكات التواصل برؤية صدر كاردشيان العاري).
تحيلنا الصورة، في جميع هذه الحالات، على عالم «الافتراض» وحده، أما الواقع فهو من ابتداع التقنيات، ذلك أن المعنى لا يودع في الممثَّل، بل يأتي من العين التقنية ومعجزات فوتوشوب. ذلك أن العين لا تبحث عن صورة، بل تسعى جاهدة إلى التخلص من الفائض فيها، فنحن لا ننظر، فالأشياء هي التي تأتي إلينا.
بعبارة أخرى، إن العين تستهلك في البصري موضوعها دون غاية سوى الاستهلاك ذاته، أما في الفن فإنها تحترق داخله. كل شيء في «البصري» يبدأ في الفعل المباشر والحسي وينتهي عنده. وهو ما يوحي أن «علاقة الصورة الحالية بالمعبودات القديمة أقوى بكثير من علاقتها بالصورة الفنية، ... إنها تستثير الحضور التلقائي للمعبودات القديمة»(2). وتلك إحالة، في حاضرنا المباشر، على ما يمكن أن يُصنف ضمن استهلاك يتخذ شكل حِس مُعَمَم يسكن العين، في ما يشبه ردود أفعال مبرمجة في الرؤية التي تلتقط الصور، فهي البديل البصري عن الأشياء، فحيثما وليت عينيك هناك صورة، شاشة اصطناعية تغطي على الوجود الطبيعي، فنحن لا نرى الواقع، بل نرى صورا عنه.
وهذا ما يتجلى في نمط بناء الصورة الإشهارية مثلا، فهي لا تبيع فقط، إنها تقوم، من خلال وظيفتها تلك، بإيداع الوهم والتضليل والحلم المزيف في الأشياء والكائنات التي تقوم بتصويرها. ولا يمكن لكل حالات الاستيهام هاته أن تتحقق إلا في صورة جديدة تنكفئ على نفسها من خلال تمثيل «الحسي» منعزلا ومفصولا، وموجودا خارج إمكانية الانفتاح على العوالم الرمزية التي يمكن أن يستثيرها. يتجسد النجم داخل الفرجة «هنا» و»الآن» في «صورة» ستختفي باختفاء فضائل الممَثل أو تراجعها. تماما كما تختفي الماركات أو تنوع من أشكالها، وكما تموت الآلة بفساد أجزائها( (3).
ومع ذلك، لا تُقدم هذه الصورة موضوعا ماديا، إنها تُلغي الواقع لتحل محله، أو تجعل الآلة بديلا عن العين التي لا تلتقط ما تراه، بل تحتفظ بما تبيحه الآلة أو تجيزه. فكل شيء «جاهز» في العين الاصطناعية، إن المعنى يُصاغ داخلها، وداخلها أيضا تتم برمجة أشكال تلقيه (تقنيات الصورة الحديثة). نحن في واقع الأمر أمام نظرة اقتصادية تعتمد الرؤية في صياغة الحاجات وبدائلها في الوقت ذاته. فكل ما يوضع «ملموسا» في الصورة لن يكون سوى ممر ضروري نحو رغبة مودعة في عوالم المنتج. إنها مفارقة عجيبة: « فما يساعدنا على الذهاب إلى العالم هو ذاته ما يحرمنا من رؤيته» (4). إن تعميم الصورة ليس دلالة على حرية العين في اختيار ما يمكن أن تراه، وإنما هو تضليل لها.
إننا محاصرون بتمثيلات بلا مؤلف ولا مرجعية سوى مردوديتها في السوق. ذلك أن الشكل البصري الجديد ليس شيئا موضوعا للتأمل، بل حالة من حالات التشويش على «التواصل الإنساني» في الممارسة النفعية واستيهامات المتعة. إنه تعميم للضوضاء والضجيج اللذين يتسربان إلى العين ويمنعانها من النظرة، وهو ما يوجه رؤيتها في الوقت ذاته. وكل ما في المحيط المباشر، أي كل ما جاء به الإبدال البصري الجديد يدعو إلى ذلك. فمن ميزات «العصر البصري» الذي يتحكم في نظرتنا، «هيمنة الصخب الصوتي على عوالم الرؤية والنظرة. هناك انغماس مطلق في الصورة، كما لو أننا ونحن ننظر لا نقوم سوى بالإنصات لأنغام موسيقى مسترسلة، أو الخضوع لضجيج بلا نهاية، لقد استطاع الصوت، وهو الذي كان سائدا في الفضاء العمومي، استيعاب كل ممكنات البصري وضمه إلى إحساس خالص بالوجود، هو الدليل على أننا موجودون في العالم «(5)، ( يكفي في هذا السياق استحضار الوصلات التي تقدمها دنيا بوتازوت ومرافقها في «البصمة» و»تيد» و»أومو» و»اتصالات المغرب» لكي ندرك ذلك: نحن أمام هرْج ومرْج، كلام لا يتوقف، فالإقناع لا يتم من خلال الصورة بل من خلال استحضار سلسلة من الوضعيات التي ألفتها العين: «الغميق» و»النكير» و»التهريج» واستعادة أفعال يومية بلا معنى ولا عمق، والإحالة على مؤسسات لا وجود لها من قبيل» مجموعة الراحة والنوم»).
إن لعالم الوفرة إكراهات هي جزء من حالات الاستعراض الذي يقوم عليها. ف»الفرجة» هي ما يميز الحياة المعاصرة، وهو ما يحدد طبيعة الفضاء العمومي الذي يتحرك داخله الإنسان. فمنتجات الحياة كلها تُقاس بموقعها داخل هذه الفرجة، فلا مردودية لها سوى هذه الفرجة بالذات. لذلك أصبحت الصورة هي اليافطة التي من خلالها يتم عرض الذات واستيعابها ضمن دورة استبصارية لا تتوقف، ربما يلعب فيها الإحساس بالزمن الدور الرئيس: لقد أصبح الناس يعشقون صورهم أكثر مما يلتفتون لحقيقتهم، فاللحظة لكي تكون لا يجب أن «تُعاش»، بل يجب أن تُمثل بصريا، ذلك أن الحاضر أمام العين وحده قابل للتداول، أما تمثلاتنا عنه في الذاكرة البعيدة والقريبة فلا قيمة له ( النزعة الاستعراضية الجديدة التي تدفع الكثير من سكان الفيسبوك إلى نشر أوضاعهم، كلِّ أوضاعهم، أمام كلِّ الأعين، بما فيها أحيانا الحالات الأكثر حميمية في حياتهم: ماذا يعني السيلفي الجديد، هل هو نرجسية مريضة، أم «قلق رهيب» كذاك الذي تحدث عنه هايدغر وهو يشير إلى «الكائن من أجل الموت» (l'être pour la mort).
يتعلق الأمر في جميع هذه الحالات بإستراتيجية تواصلية تُقصي كل حالات «التمثلات الرمزية» و»الانفلات الإيحائي»، لتركز فقط على اختيار ما يجب أن يحضر في العين حافيا، أي ما يجب أن يُوَجَه إلى إشباع لحظي، كما تقتضي ذلك كلُّ حالات الاستهلاك المباشر. لم نعد نملك حق الرؤية، فالرؤية مودعة بشكل سابق في مجمل الشاشات التي تفصل بيننا وبين العالم، وتمنعنا من التعرف على الواقع.
إن الحقيقة ليست في ما أتداوله بشكل فعلي، بل في ما هو معروض في الصورة. إن الصورة كيان ثابت (الصورة لا تعرف النفي أبدا)، أما الشيء بين يدي فمُعرض للتآكل والاهتراء: سامسونغ أو سمارتفون الذي بين أيديكم ليس حقيقة، إنه وهم، نسخة مبتذلة موضوعة لتداول مدنس، أما الأصل فموطنه الصورة، فبمجرد ما تقدم الشركة شكلا جديدا، في الصورة، نُسارع إلى التخلص من النسخة التي نملك من أجل الحصول على نسخة جديدة هي أقرب إلى النموذج الأصل الذي تضعه الصورة للتداول. وهذا ما يفسر الخلط الذي تقوم به استراتيجيات العرض دائما بين وظيفة الشيء وبين صورة الماركة التي ينتمي إليها. إننا نشتري نوعا لا نسخة معزولة، ومن يذهب إلى السوق ليس فردا معزولا بل «نوعا ثقافيا». فلا ثقة في منتج بلا هوية. ولا خير في مسحوق لا يقوم سوى بالغسيل، ولا خير في عطر يطرد الروائح ولا يبشر بزوج أو عشيق.
بعبارة أخرى، إن الشاشات البديلة تمنعنا من الرؤية، لأنها توجهنا إلى ما يجب أن نراه وكيف نراه، وما يجب أن نرغب فيه ونشتهيه. لقد كانت العين حرة في التصرف في عوالمها يوم كانت تختار موضوع نظرتها، ولكنها الآن أسيرةُ ما يُعرض عليها في كل مكان، لأنها تكتفي بالرؤية. وتلك أيضا الحالة التي تُبنى داخلها الصورة الإشهارية، فنحن لا نُمسك فيها بموضوع حقيقي، بل بصورة عنه، تماما كما لا نمسك من اللحظة بسعادة فعلية، بل بما يوحي أو يوهم بعوالم السعادة ضمن قطبية تقابل بينما ترى العين وما يجب أن تتجنبه: نْقى من النْقاوة نْقاوة تيد، لا يمكن أن تعني سوى شيء واحد: لا نبيعك سيدتي منتجا، بل نبشرك بأصل الوجود فيه: لا نعطيك مسحوقا يمنحك بياضا في الأشياء، بل نمدك بخاصية البياض كما كانت قبل أن تكون هناك أشياء بيضاء. إن البياض كخاصية موجود في كل الأشياء، ولكنه يحيل، باعتباره أصلا، على البياض قبل وجود الأبيض: هو ذا المضمون الأنتروبولوجي للوصلة، وهو مضمون لا تراه العين ولكن ذاك ما يلتقطه اللاشعور ويحتفي به. إننا في كل حالات العرض هاته، حالة النجم/البطل وحالة الماركة وحالات المنتجات الاستهلاكية، أمام دعوة إلى حسية يلعب فيها المظهر الخارجي الدور الرئيس: إننا لا نحلم بشيء أكثر من حلمنا بجمال الممثلين والممثلات، ولا نحتفي بشيء أكثر من احتفائنا برشاقة الرياضي وقدرته على القفز أو التصويب أو المراوغة؛ كل شيء يتم في الجسد، منه يبدأ وإليه ينتهي. يتعلق الأمر بالتمثيل لعوالم حسية، منها تستمد البطولة مضمونها وفيها تتحقق ومن خلالها تختفي أيضا.
فعندما تنهار الأحلام الكبيرة، ينسحب الأبطال الحقيقيون أمام زحف «النجوم». تود المرأة أن تكون مثل الممثلات أو تتماهى في الممثل، ولكنها لا تستطيع ذلك، فتُصرِّف هذا الإحساس في المحيط المباشر: هي أحسن من جارتها في مسحوق الغسيل وخرق الأطفال و»كنور» و»البصمة» و»التركيبة الرباعية». فما لا يمكن تمثيله بصريا لا قيمة له.
فلا فرق إذن بين الوثن في الألفيات السابقة، وبين البطل الرياضي أو نجم الغناء والسينما في عصرنا الحاضر، عدا أن الأول كان يُقربنا إلى الله زلفى، أما الثاني فيشدنا إلى لحظة عابرة في زمنية تتميز باستهلاك مُعمم : ما يمكن أن يستوعب انفعال عابر سيختفي سريعا ليحل محله انفعال آخر، ضمن دورة زمنية لا تتوقف أبدا، فداخلها يُلغي الأبطال بعضهم بعضا: اختفى بيلي واختفى مارادونا بعده، كما اختفى قبلهما آخرون وجاء آخرون وها هي هيفاء تسير إلى الشيخوخة، ولم يعد أحد يذكر روبي المصرية ومنظر بريجيت باردو يثير الشفقة والتقزز. الفرجة وحدها ستظل البطل الحقيقي لأنها ليست موضوعة للعبادة بل موجهة نحو إنتاج معبودات.
إن تصوير العالم من خلال «استنساخ حرفي» هي طريقة مثلى للتمويه على الحقيقة فيه: كل شيء يوضع أمام العين في بداهته، ولكن التكاثر في الصور يُلهيها عن رؤية الأشياء في حقيقتها. لقد ظهرت طرق جديدة «للتصديق» على الواقع، فليست الحقيقة فيه هي ما يمده بعناصر وجوده، إن واقعيته قائمة على قدرته على استيعاب استيهامات العين. وهي صيغة أخرى للقول، إن الواقع لا يُخبر، أو ليس بؤرة لحالة تُطابق بين التسمية والشيء كما يقول المناطقة، إنه يمد الذات المبصرة بما يمكنها من الانزياح عنه. وهو ما عبر عنه دوبري بقوله، «لقد حل الفعل «رأى» محل الفعل « أفهم» (6).
إن الصورة في السجل البصري الراهن في أغلب حالاته موجهة إلى الترفيه ( أو التضليل )، إنها لا تراكم، بل يلغي بعضها بعضا ( لا وجود لنص بصري ثابت في الإشهار ). إنها لا تملك رهبة الوثن ولا جدية اللوحة كما يقول دوبري، إنها تبحث عن الأُلفة في العين، وبذلك تضع دائما قدرا من السخرية والعبث والعرضية في الأشياء التي تمثلها، إنها عابرة للوجدان، كما هي عابرة كل الانفعالات وحالات الاستهلاك اليومي.
------
1-انظر كتابه Régis Debray : Vie et mort de l'image, éd Gallimard, 1992 وخاصة الفصل الثامن les trois âges de l'image وترجمته إلى العربية: ريجيس دوبريه : حياة الصورة وموتها، ترجمة فريد الزاهي ، إفريقيا الشرق، 2007 .
2-نفسه ص411
3-ظر مقالنا « أبطال للقمامة» في وهج المعاني، سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، 2013 .
4- Régis Debray : Vie et mort de l'image,op cit , pp.492-493
5-نفسه ص 383
6- نفسه ص 492 Visualiser c'est expliquer, « je vois » a remplacé « je comprends »


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.