غالباً ما يترفع المثقفون عن المسلسلات التلفزيونية، مشاهدة وتأملاً وكتابة. وهم محقّون بالطبع، فالمسلسل التلفزيوني قائم على الثرثرة والتطويل، ولا يمكن مع مواصفات كهذه أن نتحدث عن فن. المسلسل نسيجه الثرثرة، بينما يقوم الفن على البناء والتكثيف والاختزال. لذلك نجد من المثقفين من يعيب على زملائه متابعة المسلسل، إن لم نقل مشاهدة التلفزيون من أساسه، الذي يسميه بعضهم «علكة العين»، فالمسلسل لربات المنازل والعجائز ومكسوري الأرجل، فمن يستطيع أن يلزم نفسه بأن يقعد قبالة التلفزيون في ساعة محددة يومية لثلاثين يوماً لمتابعة حكاية يمكن أن تروى في جرعة زمنية واحدة، كأن تُختصَر في فيلم لا يتعدى زمنه ساعتين. لقد أدرك كتاب السيناريو الكبار، أمثال المصري الراحل أسامة أنور عكاشة هذا الداء، فراح يتحايل عليه بأن يجعل لكل عابر في المسلسل حكايته ومساره، فلم يعد المسلسل يتمحور حول بطل وحيد، بإمكان النادل في المقهى، والبائع في الطريق، وسائق التاكسي، بإمكانهم أن يرووا حكاياتهم بين مشهدين، ولكن ما ذلك إلا شطط وتطويل آخر. المسلسل في النهاية يأتي ليناسب مناخ المشاهدة الهش، حيث بإمكان المرء أن يستمع إلى بقية الحلقة من المطبخ، وأن يدير حواراً مع الساهرين ثم يعود إلى المتابعة من دون أن يشعر بأن شيئاً قد فاته. كذلك فإن حمولة إضافية تضاف إلى المسلسل، تجعل منه مستحيل المشاهدة، هي الإعلانات التجارية، والتي، للمفارقة، ستزيد مساحتها مع تزايد أهمية المسلسل. لكن عاملاً آخر يجعل من الدراما التلفزيونية الأكثر هشاشة وسطحية بين مختلف الفنون هو أن رقابات عديدة تتراكب فوق بعضها تقف في طريق المسلسل. فالمسلسل السوري على سبيل المثال عليه أن يتخطى حواجز عديدة، محاذير السياسة في بلاده، ومحاذير الجهة المنتجة التي غالباً ما تكون خليجية، وعليه أن يراعي أيضاً رقابة البلدان التي يطمح إلى العرض على شاشاتها. المسلسلات السورية بالذات تصلح نموذجاً لعبث الرقابة، وكذلك نموذجاً لمجموعة من الإرادات التي تحكم قبضتها على المخرج. وليس كل المخرجين يحاولون التفلّت من تلك السيطرة، بعضهم لا يكف عن القول »اربط الحمار مطرح ما بيقول لك صاحبه«. لا أدري لماذا أتذكر بالذات مسلسلاً ك «نزار قباني» الذي أخرجه باسل الخطيب، فظهر فيه القباني حملاً وديعاً مقصوص الجناحين، بل بدت قصائده بعثية، هو الذي قضى عمره مناوئاً وهارباً من قيود البعث وشركاه، كما بدت قصائده محجبة، هو الذي لم يترك على المرأة ستراً إلا ورفعه. لكن ما لا ينسى حقاً المشهد الأخير في المسلسل، ذلك الذي ظهر فيه منتج المسلسل، بالطول الكامل، قارئاً الفاتحة على قبر القباني، بات المسلسل كما لو أنه فيديو منزلي للمنتج. وعموماً بالإمكان تخيل المسلسلات السورية لو أعيد إنتاجها بعد الثورة؛ ما الحال الذي يمكن أن تصبح عليه. لكن الأكثر إمتاعاً أن نعيد عرضها جميعاً بعد الثورة فقط من أجل جرعة من الضحك. لقد تسنى لي مرة زيارة موقع تصوير مسلسل «عائد إلى حيفا» عن رواية غسان كنفاني المعروفة بالاسم نفسه (وهو للمصادفة من إخراج باسل الخطيب أيضاً)، وكان العمل بممثلين وفنيين سوريين ولكن لمصلحة قناة «المنار»، فكان أن أضيف إلى كادر العمل شاب لبناني، وضع كرسياً إلى جانب المونيتور، مثله مثل المخرج، يراقب ما فلت من الثياب، يحاول تكييف ملابس الممثلين على مقاس مشاهدة تلك القناة التلفزيونية. لم يكن الهم مطابقة الملابس مع ما يتطلبه المكان (حيفا في ثلاثينيات القرن الماضي)، بل مع ما يستريح له بال المنتج. دوافع سياسية الأخطر من الرقابة على المسلسلات الإرادة السياسية التي تريد للدراما التلفزيونية أن تكون أداة من أدواتها، كان ذلك شديد الوضوح في الأعمال السورية، إلى حد أنه يمكن قراءة التوجهات السياسية عبر النظر إلى توجهات الدراما. فقبيل تدشين عهد جديد من العلاقات التركية السورية كان معظم المسلسلات يتحدث عن رعب الاحتلال العثماني لسوريا، وكان مسلسل نجدت أنزور «إخوة التراب» نموذجاً لذلك. إذا ساءت العلاقة مع الفرنسيين أنتجنا مسلسلات عن فترة الاحتلال الفرنسي، وإذا أردنا أن نوحي بأن البلاد تغيرت وأن عجلة الإصلاح ومحاربة الفساد قد دارت دفعنا إلى السوق بسلسلة كوميدية مثل «بقعة ضوء» أخذت مجدها في انتقاد الفساد والمفسدين، حتى وصلت إلى انتقاد أجهزة الأمن. لكن المسلسل التلفزيوني، برغم كل ما قيل ويقال، سرعان ما يأخذ طريقه للتأثير في ملايين البشر، الأمر الذي يحوله، أبطالاً وشخصيات وأمكنة ولغة وملابس، إلى مرجعيات لا يمكن تجاهلها. يصبح المثقف المتعالي إزاءها معزولاً، غير فاهم كثيراً من الإشارات والرموز التي تحيط به. سيتحول ذلك الخيال التلفزيوني واقعاً، واقعياً أكثر من الواقع، حتى لو كان العمل رديئاً إذا كتب له الانتشار، وليس الجودة معيار الانتشار، سيمضي حياته بين الناس بطريقة أخرى. ولنا هنا في مسلسل «باب الحارة» بأجزائه العديدة مثالاً، وهو قد تغلغل في حياة الناس إلى حد أن مقاهي ومحال يصعب حصرها تكنّت باسمه، إلى حد أن الناس حفظته وقلدته كلاماً وإيماء وملابس، بل إن إعلانات تجارية كثيرة استوحت المسلسل، إزاءها قد يبدو جاهلاً بالفعل من لا يعرف مرجعية تلك الأشياء في المسلسل الأم. لكن أغرب ما سمعته بخصوص هذا المسلسل يتعلق بالثورة السورية الراهنة، حين انتفضت ثائرة سورية على الفيسبوك رافضة أن يصبح علمُ الاستقلال، الذي يرفعه الثوار في التظاهرات ويدفعون مقابل ذلك ثمناً باهظاً، أن يصبح هو علم سوريا، رفضت برغم وقوفها مع الثورة، قال لأن هذا العلم هو علم «باب الحارة». نسيت الثائرة أن المسلسل رفع العلم لأنه علم الاستقلال. أثر «باب الحارة» لا يشبهه إلا أثر المسلسل الكوميدي «ضيعة ضايعة» للكاتب ممدوح حمادة والمخرج الليث حجو. لقد فعل المسلسل ما لم تقدر عليه وزارة السياحة حين جعل السوريين يتدفقون بشكل غير مسبوق إلى قرية السمرا في أقصى شمال غرب البلاد، حيث جرى فيها تصوير المسلسل. تحولت السمرا، الضيعة المهملة التي يسكنها الأرمن، إلى محج لمشاهدي التلفزيون، وراح سكان القرية يعتاشون من لهفة الزوار الذين كانوا يصرون على دخول بيوتهم، بيوت أبطالهم التلفزيونيين، يقف كل على شباك ليستعيدوا ويرددوا حوارا كاملاً مستلاً من مشهد تلفزيوني. قبل ذلك كان الأثر الأكبر للمسلسل المصري، الذي أكمل ريادة الثقافة المصرية وأثرها في بلاد العرب، التي كان كل نقاش فيها صدى لما يكتب ويناقش، يسري أو يحارب في مصر. ومع المسلسل المصري ليس من المبالغة القول إن مصر، لغة وسلوكاً ومشكلات وسواها هي مكوّن من هوية العرب في شتى بلادهم. يمكن مثلاً تتبع كيف أثرت اللهجة المصرية في لهجات الآخرين، والتي عايشها العرب يومياً عبر أعمال تلفزيونية درامية أو سينمائية ومسرحية كوميدية منقولة عبر التلفزيون. لكن برغم الأثر الكبير للمسلسل التلفزيوني يصعب القول إنه أقوى تأثيراً من الأدب، على نحو ما تفعل السينما حين تنهل من عمل أدبي، فتصبح السينما هي المرجع، بحيث يصعب التحرر من أسر الشخصية الأدبية كما رسمتها السينما. لقد كان مسلسل «الزير سالم» جيداً، ولكن لا يمكن القول إن ملامح سلوم حداد الذي لعب الشخصية طغت على شخصية الزير. كذلك الأمر مع شخصيات تلفزيونية كصلاح الدين الأيوبي وأبي الطيب المتنبي وأسمهان ومحمود درويش. لا يستطيع المثقف، برغم كل شيء، أن يترفع عن المسلسل ويتجاهله ما دام بإمكانه (المسلسل) أن يصبح مرجعياً إلى هذا الحد. وهذا لا يعني ترقية للمسلسل الذي سيبقى في أحسن أحواله فناً من الدرجة العاشرة. عن «السفير»