حكيمي يضع بصمته في فوز الإنتر خلال أول مشاركة له في الدوري الإيطالي    رصاصة شرطي تسقط عشرينيا عنيفا في الدار البيضاء    رئيس الحكومة: السيادة الكاملة للمغرب على صحرائه ومبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع المفتعل    بطولة إسبانيا: ريال ينجو من الخسارة امام بيتيس    حسنية أكادير ينتزع فوزا ثمينا أمام ضيفه الفتح الرياضي    الدوري الفرنسي : رين يعزز صدارته ل "ليغ 1" بعد فوز مهم على مضيفه سانت إيتيان    عمدة نيويورك يقاطع قمة بالسعودية تتزامن مع ذكرى قتل خاشقجي    نشطاء يُطلقون "نِدَاءً من أجل الحياة" رفضا لعقوبة الإعدام    العثماني يجدد التأكيد على دعم المغرب المستمر للحوار الليبي والقضية الفلسطينية    خليلوزيتش يؤيد قرار لقجع بخصوص استبعاد اللاعبين المحليين    شالكه الألماني يعلن إصابة المغربي أمين حارث بفيروس كورونا!    حسنية أكادير ينتصر على الفتح الرياضي    الرحماني مندوبا اقليميا للنهوض بقطاع السياحة بالحسيمة    سيدة تبلغ من العمر 88 سنة تجتاز امتحان السنة السادسة إبتدائي    ارتفاع وفيات كورونا بجهة فاس مكناس إلى 294 حالة    بعد نجاح أغنية " الحب يهواياس الشأن" الفنان المبدع خالد ليندو يطرح جديده بعنوان " فونارة ن بينيذا"    حصيلة ثقيلة لكورونا تتوزع على جميع جهات المملكة.. وأكثر من نصف الإصابات بجهة البيضاء -التفاصيل    السيسي يدق آخر مسمار في نعش نيو ديكتاتوريته    منظمة الصحة العالمية تخشى تسجيل مليوني وفاة بسبب "كورونا"    إطلاق الموقع الإلكتروني لمجلة القوات المسلحة الملكية (revue.far.ma)    "خليه يقاقي".. حملة شعبية مغربية لمقاطعة الدجاج    التوزيع الجغرافي لحالات الإصابة والوفاة خلال ال24 ساعة الماضية وحالة الدار البيضاء مقلقة جدا    منظمة الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر وتحذر من وفاة مليوني شخص بسبب الوباء    سوس ماسة :تفاصيل الحالة الوبائية الرسمية لفيروس كورونا بالأرقام.    مرض الانتقاد    رئيس الوزراء اللبناني المكلف يعتذر عن تشكيل الحكومة    الأحزاب المغربية ورهان الانتخابات التشريعية القادمة    الإعلان عن انطلاق الدورة الثامنة عشر للجائزة الوطنية الكبرى للصحافة    الرجاء تُحرم من عبد الرحيم الشاكير لمدة أسبوعين بسبب الإصابة    ضعف الأمطار يلقي بثقله على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في سوس ماسة    الموت يغيب الكوميدي المصري المنتصر بالله    الغربة والأدب    حادثة سير مميتة تنهي حياة متشرد في الطريق السيار بين تطوان والمضيق    مارتيل تغلق المقاهي في العاشرة و الأسواق في السادسة مساءً !    من بينها "الزين اللي فيك".. منع أفلام عربية من عرضها على شاشات السينما بسبب "مشاهد جنسية ساخنة" – صور    الطقس غداً الأحد. جو مشمس بهذه المناطق والحرارة سترتفع ل42 درجة    مصابون بكورونا ينجون من الموت في حادث سير بالقنيطرة (صور) !    بعد أسبوع من إغلاقه.. ميناء الصويرة يستأنف نشاطه    قاصر عمره 17 عام.. جاب الربحة!!!    في ظل نقصان أدوية أعراض كورونا.. "حماية المستهلك" تدعو المواطنين لعدم التهافت وتحمل الوزارة المسؤولية    الرمضاني يطالب النيابة العامة بمعاقبة صاحبات فيديوهات "روتيني اليومي" -صورة    ورزازات..اعتماد توقيت جديد لإغلاق المحلات التجارية وللتنقلات في الشارع العام    نعمان لحلو: الأغنية المغربية فقدت هويتها ونعيش عولمة ثقافية    السعودية تؤجل تنظيم حفل فني للمغني عمرو دياب    ارتفاع قيمة الدرهم مقابل الأورو بنسبة 0,87 في المائة    مهنيون يدقون ناقوس الخطر من تراجع مردودية قطاع الصيد البحري بشمال المغرب    مكتب الوطني للكهرباء والماء بواد زم يتسبق الاحتجاجات : أغلب الفواتير لا تتجاوز 200 درهم !    تارودانت : قيادة احمر تكسب رهان كورونا بالتآزر والتطبيق الصارم للبروتوكول الصحي    طنجة.. تواصل عمليات المراقبة بالمحلات العمومية التي تقدم المشروبات الكحولية -صور    جولة جديدة من الحوار الليبي في المغرب    قافلة جديدة ديال البوليساريو غادي تخرج للكَركرات باش تسدو    22 قتيلا في تحطم طائرة نقل عسكرية في أوكرانيا    توقيف المشتبه فيه الرئيسي في هجوم باريس و6 آخرين    لجنة اليقظة بأكادير اداوتنان تؤكد على مواصلة التدابير لمحاصرة انتشار كورونا    هذه مقترحات "الباطرونا" بشأن مشروع قانون مالية 2021    الممثل أنس الباز يستقبل مولودته الأولى    رسالة مفتوحة إلى عميد كلية العلوم بجامعة ابن زهر بأكادير    ما قاله بلخياط حينما سئل عن انتمائه لجماعة اسلامية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الواقع الذي يصنع متخيله في مجموعة “أحلام معلبة” للقاص المغربي البشير الأزمي
نشر في بيان اليوم يوم 13 - 12 - 2019

تستطيع القصة القصيرة أن تتحول إلى أداة للبحث والغوص في النفسيات ودهاليزها، ضمن الوضعيات
الاجتماعية القاتمة. بهدف الامساك بنبض الهوامش الملقاة لمصيرها الأعزل. في هذه الحالة، يمكن لهذه القصة أن تتخلق بين الواقع والمتخيل، ضمن مربعات تتحسس قوائمها، أعني على وعي بوجودها المرتعش. حضرتني هذه الفكرة المركبة، وأنا أقرأ المجموعة القصصية “أحلام معلبة” الصادرة عن مكتبة سلمى بتطوان، مؤخرا للقاص البشير الأزمي.
المجموعة تلك، اختارت رصد معاناة أسرة واحدة، في تركيز على أفرادها من أبناء، و بالأخص المدعوة قيد السرد “سليمة” والأم والأب، في علاقاتهم جميعا بالعالم الخارجي الذي يعتبر بشكل من الأشكال الملمح لها هنا، سبب تعاستهم وهشاشتهم الاجتماعية. ورد في المجموعة قيد النظر، في قصة “ذكريات الصمت”: أحتفظ بذكرياتي للصمت.
أحدق في وجه أمي، تجاعيد وجهها تشي بالمعاناة التي عصفت بها خلال ما مر من زمن، تحاول أن تخفيها وراء ابتسامة جهدت في رسمها على محياها. باهتة هي ألوان الابتسامة، تنفلت منها، تجهد ذاتها في إعادتها لتستقر على شفتيها اللتين اعتصرهما الحزن، تسقط منها وتضيع في بحر الأسى. عميق هو بحر الأسى الذي تسبح فيه أمي من فترة، من يوم ألقى أبي الياطر في ميناء العبث.. بحر أمواجه العالية، العاتية تحاصرها. تلفها وترمي بها إلى قعر الألم والمعاناة، وأبي على ربوة اللامبالاة واللامسؤولية يرمي ببصره صوبها وبشيح وجهه عنها، تاركا إياها تتقاذفها أمواج الانكسار. تجهد أمي نفسها في التصدي له، ترميه بنبال كلماتها شبه المكسورة، غير القادرة على اختراق صدره”.
لهذا فهذه المجموعة تؤسس لوحدتها الموضوعية، أي أننا نرى التيمات تمتد في القصص. منها تيمة الطفولة المغتصبة أي حرمان الأطفال ومطاردة عيون البشر لهم أو ما تسميهم المجموعة بالذئاب البشرية. فضلا عن سلطة الأب الذكورية وتربص الآخرين بالأسرة، أثناء منعطفات الحياة، منها الموت . . لهذا فالمجموعة تغوص في النفسيات، سعيا إلى رصد ما يسري في الدواخل، في صلته بالآخر. بهذا، المجموعة تزخر بحمولات اجتماعية ونفسية. انطلاقا من أسرة، في سعي حثيث إلى تصوير الملامح والحالات، طبعا في شرك القصة الذي له إرغاماته منها أن الكاتب اختار تكسير السلطة الذكورية ولو من خلال اختيار سارد “امرأة”، في تقمص للحالة والوضعية. وفي هذا تعميق لمقولة السارد التي هي في واقع السرد، طريقة في الحكي أي تقديم الحكاية بشكل ما. وهو ما سعت إليه المجموعة من خلال تثبيت عين امرأة، مشاركة في الأحداث، تقيم بين الواقع و المتخيل السردي أيضا. في هذا السياق، فالحكاية في المجموعة تعتني بالحالات ضمن وضعية اجتماعية خانقة. وبالتالي فالأحداث تتطور تصاعديا، بنفس درامي يعمق الملامح والحالات النفسية من خوف وتردد وقلق، فكان من الطبيعي حضور الوصف في أشكاله العديدة، وصف الشخوص في جدلية مع الأمكنة التي غدت بدورها مشاركة في بناء الدلالة العامة للنصوص. بل أكثر من ذلك، هناك نوع من التوازي بين الحدث والمكان الذي بدا ضيقا، مهمشا.. إنه مكان ذو امتداد في التاريخ وفي النفسيات أيضا. نقرأ من نفس المجموعة مقطعا حكائيا في قصة “سكون الليل”:
” فؤادي ينفطر عند ناشئة الليل .. الظلام يسربل المكان ووطأة المشاعر الثقيلة تجثم على صدري، ظل الألم يطل من عيني أمي تحت ضوء بئيس للشمعة اليتيمة بالبيت. نفذت كل الشموع التي كانت متواجدة. علينا أن نقضي الليالي المتبقية تحت سلطة الظلام. وعلى أمي أن تقضي ما تبقى لها من الحياة تحت وطأة ظلام وظلم أبي. لم تعد طيور السعادة تحلق فوق عش الزوجية،
هشا وقابلا للانكسار أصبح”.
اختارت المجموعة أرضها السردية أسرة، تشخص
معاناة حياة رقعة جغرافية لها أحلامها الصغيرة من لعب وتطلع لحياة سوية وكريمة. لكن الصد يلازمها بأشكاله. ومنه تحركات شخوص متسلطة بدافع الرغبة والغريزة. كأن الأمر يتعلق بعلاقات حيوانية لا منبه أو موجه لها. ضمن هذا المستنقع، تبدو حياة الأطفال والنساء آثمة ومحاصرة. كما أحلام معلبة، ليس فقط أحلام أسرة بل أحلام القصة أيضا التي تسعى إلى تكسير ذاك التماس بين الواقع والمتخيل. فكان الوصف السردي موغلا في رمزية تنسج عن قرب، من عناصر المحيط ( بحر، ظلام، نوافذ، فراشات…). ورد في قصة “وخز الأحلام”، من نفس المجموعة: ” أسبح بنظري إلى الأفق بهيام .. أيد كثيرة متشابكة، تريد الالتفاف حولي وإخراجي للفضاء الرحب، وأنا أجهد نفسي للانفلات من قبضتها والبقاء، لفترة غير محددة، في رحم أمي.
بدأ الحقل يقفر واليوم الغائم يزداد جهمة والتراب الداكن للأرض يحدث في العين والقلب شقوقا غائرة. طيور سود تحوم فوق رؤوسنا وتصدر أصوات شؤم نذير وأمي تردد أدعيتها بصوت هافت ودون توقف”.
أعرف القاص البشير الأزمي الذي تدرج سردا في هدوء. إنه يبني مربعاته القصصية على حافة الواقع، ساعيا إلى رصد غرابته، من خلال استقصاء ما تنطوي عليه الهوامش. كأنه يهدف إلى تدوين سيرة المحيطات المرمية لمصيرها وقدرها. فكان لا بد من حضور الاجتماعي، وبأدق اليومي، في جدل مع النفسي. ويبدو أن القاص يركز على ما هو نفسي، ليس بمنظور علم النفس ولكن من خلال وصف حاذق يقدم الصفات والحفريات الصموتة، في ارتباطها بالأحداث والأفعال الدقيقة. وهنا تبرز يد الصانع التي تنسج قصة عارفة بالواقع والسرد. لهذا، في تقديري، وجب انصاف القصاصين، من خلال ضبط الخصوصيات السردية والاختيارات الجمالية. وفي ذلك غنى للمدونة السردية مغربيا وعربيا. والبشير الأزمي واحد من تلك الأقلية التي تعارك الواقع في السرد، دون ذوبان الآليات الجمالية التي تتخلق بين الواقع في تناقضاته وغرابته، و المتخيل الذي يصنع حلة سردية مناسبة لفكرة أو رغبة صغيرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.