التوجهات العامة لمشروع قانون المالية برسم سنة 2022    انتشال مزيد من الجثث قبالة سواحل إسبانيا    عملية تنظيم الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر تقود لتفكيك عصابة خطيرة جنوب البلاد.    فيديو.. حريق ببراريك صفيحية بحي درادب بطنجة    ينتقل عبر الرذاذ.. أعراض السعال الديكي لدى الأطفال    هل سيفرض المغرب جواز التلقيح لدخول الأماكن العمومية؟    وزارة الصجة: المغرب ينتقل إلى المستوى المنخفض لانتقال عدوى كورونا    الشابي يبرمج حصة تدريبية ليلية يوم غد الإثنين بالوازيس قبل السفر صوب وجدة    كومان: "لم أكن أرغب في استبدال أنسو فاتي.. ركلة الجزاء مشكوك في صحتها لكن الحكم لم يشك"    خلاف بين أب و ابنه ينتهي بإزهاق الروح وسط صدمة الأهالي.    عدد الملحقين بالجرعة الثالثة في المغرب يتجاوز 700 ألف شخص    وقفة احتجاجية للجبهة الاجتماعية بمراكش تندد بارتفاع الأسعار وغلاء تكلفة المعيشة    البطولة الاحترافية "إنوي".. نتائج وبرنامج باقي مباريات الجولة 6    أجواء روحانية تحف المصلين بالمسجد الحرام بعد إلغاء التباعد الجسدي    الرئيس المصري يصدر قرارا جمهوريا للسماح لوزير بالزواج من مغربية- صورة    الملك يعين بنشعبون سفيرا جديدا للمملكة المغربية بباريس    البطولة الاحترافية 2.. جمعية سلا يحصد الأخضر واليابس    أكادير : مهنيو الحلاقة و التجميل و تزيين العرائس يلتئمون في لقاء خاص بمقر غرفة الصناعة التقليدية.    في أول تصريح منذ انكشاف هوية "بن بطوش".. زعيم البوليساريو يطلب التفاوض    العدل والإحسان تدعوالحكومة لوقف الانصياع الأعمى للإملاءات الخارجية بخصوص ملف التربية والتعليم    بطولة إسبانيا: اشبيلية يشدد الخناق على قطبي العاصمة    استطلاع: 51% من التونسيين يرفضون انقلاب قيس سعيد    المكتب الوطني للسكك الحديدية يعلن عن عروض تذاكر ب49 درهم    مجزرة الجزائريين في باريس: قصة المذبحة المغيّبة منذ عقود    فيلمين مغربيين يحصدان الجائزة الكبرى لسينما المدينة    قتيل في حريق جراء اصطدام شاحنة و"تريبورتور" بين تيكوين وآيت ملول    مندوبية التخطيط تسجل انخفاضاً في العنف الممارس ضد النساء في المغرب    تسليط الضوء على" قصة نجاح" ميناء طنجة المتوسط خلال الاجتماعين السنويين للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي    الرباط: ورشة عمل حول محاربة تطرف الأطفال والشباب في طنجة والدار البيضاء    بريطانيا تأمر بمراجعة تدابير حماية البرلمانيين بعد مقتل نائب طعنا    دراسة: مدن تركية مهددة بالغرق بحلول 2050    خبراء أفارقة: "البوليساريو" لا تتوفر على مقومات دولة ويجب طردها من الاتحاد الإفريقي..    النقابة الوطنية للتعليم تكشف تفاصيل لقاء كاتبها العام بشكيب بنموسى.. الوزير عبّر عن استعداده للحوار    بنك المغرب: استقرار سعر صرف الدرهم مقابل الأورو    "نص قرائي" يمس المقدسات يحدث جدلا واسعا    فاندربروك: الجيش قادر على العودة بالتأهل من الجزائر    مباراة ودية للمنتخب الوطني لكرة القدم النسوية ضد نظيره الإسباني بمدينة كاسيريس    إبراهيمي: طب المستعجلات يعاني بالمغرب ولن نخرج من الأزمة بدون تعزيزه    عملة بتكوين تتجاوز 60 ألف دولار لأول مرة في 6 أشهر    الممثلة نعمة تتحدث عن مشروعها "لالة ميمونة" وتكشف موضوع أطروحتها وعملها الجديد -فيديو    أزمة في صناعة السيارات في المغرب..نقص الشرائح الالكترونية يتسبب في فقدان الوظائف    أجواء روحانية تحف المصلين بالمسجد الحرام بعد إلغاء التباعد الجسدي    ابن شقيق السادات "همزة وصل" لنيل السجناء السياسيين في مصر حريتهم    شركة إسرائيلية تحصل على تراخيص حصرية للتنقيب عن النفط والغاز بالداخلة    المغرب يحتل المركز الثالث ب 10 ميداليات في بطولة إفريقيا للسباحة "أكرا 2021"    مقتنيات الأديب الكولومبي "غابريل غارسيا ماركيز" تطرح للبيع    خبير مغربي يُحذر من الاستهتار بإجراءات السلامة الصحية    انطلاق منتدى الإيسيسكو العالمي لعلوم الفضاء    اختطاف 15 مبشرا أمريكيا على أيدي عصابة في هايتي    مهرجان " تاسكوين " في نسخته الأولى بتارودانت    لطيفة رأفت تهاجم القائمين على مهرجان الجونة السينمائي    هناوي: مناهج التعليم بالمغرب تجمع بين الصّهينة والزندقة    طقس الأحد.. أجواء حارة نسبيا وسماء قليلة السحب    الجامعة السينمائية سنة 2021: برنامج غني ومتنوع    عرض فيلم " الرجل الأعمى الذي لايرغب مشاهدة تيتانيك" ضمن أفلام مسابقة الرسمية في مهرجان الجونة    د.بوعوام يعلق على الكتاب المدرسي الذي أورد "نظرية التطور" المخالفة لعقيدة المسلم في الخلق    العرائش تنعي أحد أبناء المدينة ومناضليها البررة ومربي الأجيال محمد السويحلي    من سنن الصلاة المهجورة : السترة - نجيب الزروالي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تجربة المرشدات الدينيات بالمغرب..سياقات وإكراهات
نشر في هسبريس يوم 21 - 01 - 2010

حظي برنامج تكوين مرشدات وواعظات دينيات بالمغرب منذ بدايته بكثير من المتابعة والاهتمام الإعلامي سواء داخل البلاد أو خارجها، وبغير قليل من الجدل والنقاش حول سياقاتها الذاتية والموضوعية التي جعلت من مدبري الشأن الديني بالمغرب يفكرون في إطلاق مثل هذا البرنامج الذي لم يعرف المغرب له مثيلا من قبل، وأيضا حول أهداف التجربة وغاياتها الحقيقية، ثم مدى الإكراهات وجوانب النقص التي تعتريها حاليا ومستقبلا.
وإذا كان بعض المختصين والعلماء المغاربة قد أشادوا بتجربة المرشدات الدينيات باعتبار أن الساحة الدعوية النسائية في المجتمع عطشى لمساهمة واعظات شابات ورعات ومتفتحات وذوات شهادات جامعية عليا، فإن آخرين يتحفظون بخصوص هذه التجربة لكونها ترمي إلى الحد من إشعاع المساجد بالمغرب ومراقبتها والتحكم فيها عن طريق أفواج من المرشدات والواعظات والأئمة أيضا، في حين أن البعض ينظر إلى تجربة المرشدات بعين الشك وعدم الرضا باعتبار أنها تستهدف إقصاء الوعاظ والأئمة والواعظات الذين "لا ترتاح لهم" السلطات المعنية أو المنتمين لجماعات إسلامية مغربية محددة بعينها..
عودة للوضع الصحيح
واعتبر العلامة المغربي الدكتور مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي لمدينة وجدة في حديث لمجلة المجتمع أن تمثيل المرأة في مجال الوعظ والإرشاد هو عودة للوضع الصحيح، باعتبار أن المرأة كانت حاضرة بقوة في ميادين الدعوة والوعظ الديني خلال فترات زاهية من التاريخ الإسلامي، ابتداء من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كُن مرشدات للمؤمنين في ما يهم شؤون دينهم وحياتهم.
وضرب عضو المجلس العلمي الأعلى بالمغرب المثال بالسيدة عائشة زوجة الرسول الكريم رضي الله عنها، التي أخذت العلم الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت من المكثرين في رواية الحديث، بل لا يوجد في نساء أمة محمد صلى الله عليه وسلم امرأة أعلم منها بدين الإسلام، حتى أنه روي عن بعضالصحابة قولهم: ما أشكل علينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حديثٌ قط فسألنا عائشة، إلا وجدنا عندها منه علماً "، وهذا يعني أنها كانت تعِظ وتُرشد الرجال والنساء على السواء ممن استشكل عليهم موضوع أو رأي في أحكام الشرع والدين.
وقال بنحمزة بأنزوجات الرسول أيضا كن مرشدات وواعظات يبلغن رسالة الإسلام ويشاركن في توعية المسلمين بما لديهن من علم وفقه تلقينه مباشرة من خير البرية، فكُن يحاولن نشر ما يعلمن إلى النساء والرجال ممن يجهلون أمور دينهم، مضيفا بأن دور الإرشاد الديني من طرف النساء صار مهمشا في بعض المراحل من التاريخ الإسلامي، مما أفضى إلى عواقب وخيمة على الأسر المسلمة، حيث ظهر بجلاء نقص فادح في مسائل تربية الأبناء وتعلم أمور الدين بسبب عدم تأدية النساء لدور الوعظ والإرشاد الديني، فتقلصت مساحات الفضيلة والوعي الإسلامي.
محدثة بطبعها
وأشار بنحمزة إلى كون المرأة بطبيعتها النفسية وتركيبتها الخاصة تعتبر "محدثة"، فهي تحب وتميل إلى الحديث، وبالتالي فإما أنها تتحدث في شؤون دينها مما يعود عليها وعلى أسرتها ومجتمعها بالنفع والفائدة، أو تتحدث في أمور تافهة لا نفع فيها ولا جدوى بل قد يكون ضرر الحديث فيها أكبر وأعظم من غيبة ونميمة وبهتان ولحن في القول.
من ثَم، يضيف رئيس المجلس العلمي لمدينة وجدة، كان حرص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب على الأخذ بيد النساء المتعلمات ممن لديهن تكوين شرعي وورع وتقوى من أجل تكوينهن وتدريبهن حتى يعملن في مجال الإرشاد الديني لآلاف النساء المغربيات في المدن والقرى، اللائي يجهلن كثيرا من أمور دينهن ومن تعاليم شرع الله تعالى ومن فقه وقرآن وآداب إسلامية وتربية
للأبناء وحسن تبعل للزوج والعمل الصالح للجماعة والوطن والأمة، فكانت بالتالي وما تزال هذه التجربة عملا راشدا يهدف إلى الرجوع إلى الأصل، وهو أن المرأة تساهم في الوعظ والإرشاد ما أمكنها ذلك مثل أخيها الرجل.
إصلاح الحقل الديني
ويبرز التساؤل جليا حول السياقات التي جاء فيها إطلاق تجربة الواعظات والمرشدات الدينيات بالمغرب منذ الفوج الأول المتخرج سنة 2005، حيث يكاد يتفق الكثيرون أن هناك أحداثا وظروفا هامة جعلت من المسؤولين عن الشأن الديني بالبلاد ينكبون على إنجاز وإطلاق هذه التجربة المغربية المتميزة.
وقد تحدث أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي حينئذ في حفل تخرج أول فوج للأئمة والمرشدات الواعظات، إذ وجه كلمة مباشرة إلى المرشدات بالقول: "لستم أول أئمة في هذا البلد، فهناك أكثر من 4000 إمام وهم من حفظة القرآن ويقومون بواجبهم.. إنما برنامجكم هذا برنامج اقتضته الظروف، ولو كان بوسعنا أن نرفع مستوى جميع الأئمة والمرشدين إلى مستواكم لفعلنا ذلك، ولكن أول المطر قطرة ثم ينهمر". فما هي هذه الظروف وما هي هاته السياقات؟..
الباحث المغربي في شؤون الحركات الإسلامية الدكتور رشيد مقتدر، يرصد في حديث خص به مجلة "المجتمع" السياقات الذاتية والموضوعية التي جاءت فيها تجربة المرشدات الدينيات بالمغرب، حيث اعتبر أن تجربة المرشدات أتى في سياق إستراتيجية الدولة المغربية لتدبير الحقل الديني وإعادة هيكلته والتي برزت أولى معالمها في بداية 2003 ، إذ تمت إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بإحداث مديريتي التعليم العتيق والمساجد، كما تم سنة 2004 إعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية التي انتقلت من 19 مجلسا إلى 30 مجلس علمي، وتحويل رابطة علماء المغرب إلى جمعية ذات مصلحة عامة سميت بالرابطة المحمدية للعلماء، وإصلاح مؤسسة "دار الحديث الحسنية" وإحداث إذاعة "محمد السادس" للقرآن الكريم وقناة السادسة وغيرها.. وكلها إصلاحات تهدف إلى إحداث بنية مؤسساتية جديدة تروم تفعيل إصلاح الحقل الديني.
سياقات تجربة المرشدات
ويضيف مقتدر بالقول إن وضع برنامج خاص بالمرشدات والأئمة يأتي في سياق تغيير بعض المناهج الدراسية وإصلاحها لا سيما المتعلقة منها بالتأطير الديني، وهي خطوة سبقها تعيين امرأة عالمة بالمجلس العلمي الأعلى سنة2004 والذي وصل مع التعديل الحالي لأربعة عالمات بالمجلس العلمي الأعلى، بالإضافة إلى عضوية النساء العالمات والواعظات بجميع المجالس العلمية المحلية
بالمغرب، وقد وصل عدد المرشدات والواعظات إلى حوالي 200 مرشدة دينية.
واعتبر مقتدر أن وضع برنامج خاص لتخريج 150 إمام و50 مرشدة كل سنة واختيارهم من حفظة كتاب الله أو نصفه واشتراط حصولهم على الإجازة في مختلف التخصصات الشرعية منها والقانونية والعلمية والاجتماعية، وإخضاعهم لبرنامج تعليمي لمدة اثني عشر شهرا يأتي في سياق السعي لإنتاج فئة من الواعظات والمرشدات ذوات الثقافة الشرعية والملمات بعلوم العصر وتقنياته.
والهدف وفق مقتدر هو الحد من سلبيات التشدد الديني والغلو الإيديولوجي الذي نجم عن التأثيرات السلبية لبعض التيارات السلفية المتشددة أو الداعية للعمل المسلح، وهو ما تجسد فعليا في المغرب بعد تفجيرات 16 مايو 2003 بالدار البيضاء، إلى جانب العمل على التبرير الشرعي للاختيارات الدينية بالمغرب المحددة في "العقيدة الشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني" كثوابت دينية
تجسد الهوية الدينية للمغرب والدفاع عنها والسعي لبثها بين الجمهور، إلى جانب الدفاع عن الإسلام والمؤسسة الملكية والوحدة الترابية كثوابت سياسية.
وأشار المتحدث إلى كون تجربة المرشدات تسعى أيضا إلى إظهار المغرب كبلد أكثر انفتاحا وليبرالية تجاه المرأة وحقوقها، وأنها مثل أخيها الرجل في الحقوق السياسية التي أبرزتها مدونة الأسرة المغربية سنة 2004، مضيفا عاملا آخر وراء تجربة المرشدات وهو وجود بعض المواضيع بالغة الحساسية التي تتحرج النساء من طرحها على العلماء والوعاظ، والمرتبطة بالقضايا النسائية المرتبطة
بالجنس أو التوليد وغيرها، فأتى تخريج مرشدات دينيات من أجل رفع الحرج على النساء في القضايا "الحساسة".
مهام وطموحات
إن "رفع الحرج على النساء" الذي يتحدث عنه الدكتور مقتدر هو ما تطرقت إليه سناء فلوتي، مرشدة دينية، في حديثها مع "المجتمع"، حيث أكدت أن تجربة المرشدات انطلاقا من عملها الميداني غنية وذات فائدة كييرة بالنسبة للنساء المستفيدات بفضل التوعية الدينية من خلال إلقاء دروس في فقه العبادات والمعاملات مع شروحات لكيفية الوضوء أو الغسل من الجنابة وغير ذلك من المواضيع التي تتحرج كثير من النساء في السؤال عنها لمختصين أو وعاظ ذكور، ثم بفضل التوعية الاجتماعية من خلال شرح كيفية المعاملات مع الزوج وطرق تربية الأبناء تربية إسلامية سليمة وناضجة والحث على الخصال الحميدة من صدق وإخلاص وأمانة..
وتضيف سناء بأنه من مهام المرشدات أيضا تحفيظ القرآن الكريم للنساء وإلقاء محاضرات وندوات في مناسبات وطنية ودينية سواء بالمساجد أو في بعض دُور الشباب أو المؤسسات التعليمية أو المؤسسات الخيرية مثلا، فيكون الجمهور المستفيد أكثر وأشمل، فضلا عن محو الأمية للنساء خاصة كبيرات السن.
ولفتت المرشدة إلى كون أنشطة وتوجهات المرشدات تحرص على الحفاظ على "ثوابت الأمة من عقيدة أشعرية ومذهب مالكي وإمارة المؤمنين (الملك)، مضيفة أن المسؤولين عن تدبير الشأن الديني بالبلاد ارتأوا من خلال تجربة المرشدات الدينيات بأن ينقوا مجال الإرشاد من بعض شوائبه المتمثلة في كونه كان مرتعا للفوضى وعدم التقنين، وكان بعض الأئمة والوعاظ السابقين يشتغلون بعقلية أنهم
"يتملكون" تلك المساجد، وأنه لا ينبغي لأحد أن يخطب في الناس أو يعظ أو يرشد مكانهم؛ فتولدت تجربة الأئمة والمرشدات لتبرز أن هناك شبابا مغاربة ذا طاقات علمية وعقليات متفتحة يُشهد لهم بالورع وببعض العلم الشرعي اللازم وبالتواصل الجيد مع عموم الناس سيما مع النساء منهم.
تكوين المرشدات
وحول جانب التكوين لدى هؤلاء المرشدات الدينيات، أجابت هذه المرشدة الدينية بأن أقل مستوى تعليمي لدى المرشدات بالمغرب هو الإجازة الجامعية (الليسانس) في مختلف أصناف التخصصات، وهناك منهن الحاصلات على شهادات جامعية عليا أو درجة الدكتوراه، وهن حافظات لنصف كتاب الله تعالى على الأقل، وتلقين تكوينا لمدة سنة كاملة في العلوم الشرعية واللغات وتقنيات التواصل
الحديثة، مشيرة إلى أن تلك المعارف التي درسنها تعتبر بمثابة "مفاتيح" فقط للعمل كمرشدات وليست علوما معمقة..
وحسب لائحة الشروط والالتزامات التي تعلن عنها الوزارة المعنية كل سنة، فإن الطلبة الأئمة والطالبات الواعظات المرشدات يلتزمون طيلة السنة الدراسية بحضور جميع المحاضرات النظرية والحصص التطبيقية، كما أن نظام الدراسة والتكوين نظام خارجي، وتتقاضى المرشدات الطالبات منحة شهرية قدرها ألفا درهم مغربي( 250 دولار) طيلة مدة التكوين، ويتم توظيف هؤلاء المرشدات الواعظات في المساجد بواسطة عقد للقانون العام يحدد مهامهم وحقوقهم والتزاماتهم، ويتقاضون الأجر والتعويضات الخاصة بموظف السلم العاشر بالمغرب (حوالي 450 دولار شهريا).
ومن أهداف التكوين وفق الوزارة : "تمكين الشباب الحاصلين على شهادات جامعية عليا في مجال الإمامة والخطابة والإرشاد، والتعود على طبيعة عمل الإمامة والإرشاد والوعظ، والإيمان به لقداسته وأهميته، وتكوين مرشدات وأئمة.
من أهل الورع والتقوى والاستقامة، فضلا عن العلم والدراية بشؤون الدين ومستجدات العصر، والقدرة على المساهمة في استتباب الأمن الروحي والطمأنينة في نفوس الناس وتنزيه المسجد من كل ما قد يخل بحرمته...".
نقاط القوة والضعف
ويعود الأخصائي في الشؤون الدينية بالمغرب الدكتور رشيد مقتدر ليتحدث ل"المجتمع" عن مواطن القوة والضعف في تجربة المرشدات الدينيات، فمن جملة إيجابياتها: " فتح مجال الوعظ والإرشاد للنساء وإشراكهن في تدبيره، وهي مسألة جديدة في العالم العربي والإسلامي، وهو ما يفسر الاهتمام الإعلامي الغربي خاصة بموضوع المرشدات والواعظات الذي يسعى لتسويق نموذج جديد
للتأطير الديني في التجربة المغربية، علما أن المجالس العلمية المحلية تضم العشرات من الواعظات والعالمات اللائي لم يلقين نفس الاهتمام الإعلامي".
ويضيف مقتدر بأن السياسة العامة للدولة المغربية في تدبير الشأن الديني وإصلاحه انسجمت مع التوجه السياسي العام للبلاد الذي خصص "كوطة" (حصة) سياسية للنساء منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2002 مرورا بالاستحقاقات التشريعية لسنة 2007 ، ووصولا للاستحقاقات المحلية ل 12 يونيو 2009 ، مما فسح المجال لتأثيث المشهد السياسي المغربي بالعنصر النسائي، وبالتالي العمل على التغيير لصالح المرأة من القمة، وهو نفس ما يلاحظ داخل الحقل الديني الذي بدت فيه المرأة أكثر ظهورا مقارنة مع مرحلة ما قبل 2000.
أما مواطن الضعف والقصور في تجربة المرشدات الدينية، فيوجزها رشيد مقتدر في كون مردوديتها المباشرة لم تظهر بعد بكيفية ملموسة، كما أنها لم تتمكن من فرز نموذج مغربي في التعامل مع التأطير الديني للنساء، بالإضافة إلى أن حجم التحديات المطروحة أمام المرشدات والواعظات يطرح سؤال تلاؤم البرنامج التعليمي الذي يخضعن له خلال سنة واحدة على المستوى البيداغوجي والمنهجي
مع حجم المهارات والمعارف التي اكتسبنها خلال هذه الفترة..
وسجل الأخصائي المغربي أيضا حصول مجموعة من المشاكل المرتبطة بطريقة إدماج هذه الفئة من المرشدات والواعظات بعد التخرج، فالمحظوظات منهن يرسلن إلى التأطير في بعض المساجد أو إرسال بعضهن للخارج خاصة في رمضان، بينما تظل بعضهن تمارسن مهام إدارية داخل المندوبيات التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أو داخل بعض المجالس العلمية".
ويطرح المتحدث مشكلا آخر يعترض طريق هؤلاء المرشدات، ويتمثل في إعادة التكوين والتأهيل للمرشدات والواعظات بعد خروجهن للعمل الميداني حتى يواكبن التطورات الحاصلة على المستويات الشرعية الدينية والبيداغوجية التواصلية، مشيرا إلى أن هذا الموضوع يعد من بين أبرز المشاكل التي ستعترض الآفاق المستقبلية لهذا البرنامج في السنوات المقبلة.
إكراهات أمام مرشدة
لكن المرشدة الدينية سناء فلوتي ترد على د. مقتدر بخصوص إشكالية إعادة التكوين والتأهيل أو ما يسمى بالتكوين المستمر، بالقول إن المرشدات الدينيات لسن في الحقيقة بحاجة ماسة إلى هذا التكوين المستمر، وإذا ما شعرت أية مرشدة بأي نقص فإنها تستطيع أن تقوم بتكوين ذاتي في ما لمسته قصورا أو نقصا في معرفتها الدينية..
وبررت هذه المرشدة قولها بأن المرشدات لسن بحاجة حقيقة إلى تكوين مستمر بأنهن في عملهن الميداني واليومي يتعاملن مع نساء عديدات في المساجد، وهن أميات في أغلب الحالات، ويسألن عن مواضيع بسيطة وعادية في العبادات أو المعاملات، مما تستطيع المرشدة أن تجيب عنه من خلال دراستها وتكوينها الشرعي، فضلا عن تدريبها لتكون مرشدة دينية.
وسردت فلوتي مجموعة من الإكراهات التي تعترض ميدان بعض المرشدات الدينيات خاصة اللواتي تم تعيينهن في البوادي والقرى أو في مناطق على هامش الحواضر والمدن، ومنها صعوبة التنقل بين المساجد دفعة واحدة مما يعني مشقة في تغطية جميع المساجد في المنطقة التي تشتغل فيها المرشدة، وأيضا الضعف الكبير في المستوى الثقافي والتوعوي للنساء المستفيدات، ومشكلة عدم مواظبة النساء القرويات على حضور الدروس والحصص التعليمية والوعظية بسبب تحملهن أعباء كثيرة خارج المنزل، حيث إن المرأة القروية عادة تشتغل في الحقل وفي الزراعة أو السقي..الخ، الشيء الذي يفضي إلى انقطاع في الاستفادة من طرف هؤلاء النساء رغم المجهودات التي تبذلها المرشدة في إقناع المرأة القروية بأهمية تلك الدروس والحصص التعليمية.
وتضيف هذه المرشدة الدينية إكراها آخر يتجسد في عقلية بعض الأزواج/ الرجال الذين يرفضون تلقي زوجاتهم لدروس في العبادات والمعاملات والوعظ ويمنعونهن من ارتياد المساجد، خشية أن تتوسع مداركهن وتتنمى معارفهن بحقوقهن وواجباتهن، فينعكس ذلك على طاعتهن لهم، وهو منظور قاصر وخاطئ لبعض الرجال.."، تقول هذه المرشدة الدينية.
* مجلة المجتمع عدد1879


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.