هيئات نقابية تطالب بعودة تدريجية للنشاط الاقتصادي وضمان حقوق العمال بعد رفع الحجر الصحي    إقرار العمل عن بعد بإدارات الدولة.. باحث: تكريس الإدارة الإلكترونية وفق أساليب الاشتغال الحديثة    الأستاذة حسنة كجي: المناضل عبد الرحمان اليوسفي قامة فكرية وسياسية متميزة بالعطاء والوفاء للوطن    اتصالات المغرب تطلق خدمة الأداء عبر الهاتف “إم تي كاش”    الصندوق المغربي للتقاعد يطلق خدمة الاستقبال عن بعد    حصيلة الاحتجاجات الأمريكية… 5 قتلى و4400 موقوف في 6 أيام    إسبانيا ترفع الحجر الصحي عن 70% من مواطنيها    بطولة إسبانيا لكرة القدم: السماح بالانتقال إلى التداريب الجماعية بشكل كامل    أول تدريب جماعي لريال مدريد قبل مواجهة إيبار    أمطار رعدية وزوابع رملية بهذه المناطق المغربية    بعد إغلاق أبواب التهريب المعيشي..المغرب يشرع في إنجاز مشروع ضخم بين الفنيدق وسبتة    الجسمي يرد على خبر اعتقاله بسبب فنانة مغربية    إطلاق تطبيق "وقايتنا" لتتبع مخالطي مرضى كورونا    مجلة فرنسية: أداء المغرب نموذجي في مكافحة وباء "كوفيد-19"    نسيت خصوماتها.. حكومة «الإنقاذ الوطني» تزعزع الأحزاب!    لشكر ينجح في إقناع معارضيه بإعفاء وزير العدل خلال تعديل حكومي مقبل    كلام في الحجر الصحي : 37 _ كشف الأقنعة    إيغالو مستمر بصفوف مانشستر حتى سنة 2021    18 حالة شفاء من "كوفيد-19" بجهة مراكش آسفي    هام.. وزارة الصحة.. هذا ما قد يقع بعد رفع الحجر الصحي بالمملكة    وهبي: رفض المحكمة الدستورية تسلم طعن “البام” غير قانوني ولا يليق بمحكمة عليا    أولا بأول    حزب سياسي يطالب حكومة العثماني بإلغاء عيد الأضحى بسبب كورونا    81 وفاة جديدة ب"كورونا" خلال 24 ساعة في إيران    في مفهوم "مجتمع المعرفة": الحدود والمحدودية    ارتفاع نسبة الشفاء من فيروس "كورونا" في المملكة المغربية إلى 73.5 بالمئة مقابل استقرار نسبة الفتك في 2.6    « العدالة لجورج فلويد ».. حكيمي يدعم ضحية الشرطية الأمريكي -صورة    نيويورك تايمز: ترامب نقل إلى مخبأ تحت الأرض في البيت الأبيض بعد تصاعد الاحتجاجات    المغرب يجري 208366 اختبار كورونا.. تأكيد 7819 واستبعاد 200547    تلميذ من الشمال يتألق في المسابقة الوطنية سطار من الدار ويطلب تصويت الجمهور    الدرك ينهي نشاط مروج مخدرات ضواحي بني ملال    مفخرة: مغربي في أكادير يبتكر جهازا فريدا لتعقيم الهواء من الفيروس    توقف أوراش البناء يخفض من مبيعات الإسمنت    "كلوب": الموسم المقبل من "البريمييرليغ" سيبدأ بمجرد انتهاء الموسم الجاري    خريطة كورونا.. جهتا طنجة والبيضاء تتصدران توزيع الإصابات الجديدة    متظاهرون يشعلون النيران قرب البيت الأبيض وترامب يلوح بإنزال الجيش للشارع (فيديو)    قريباً.. "غوغل" تتيح ميزة المكالمات الصوتية عبر "جي ميل"    رحيمي أكثر الرجاويين استفادة من الحجر الصحي    ماذا بعد ضربة كورونا الموجعة للسياحة بالمغرب؟    تدابير صحية خاصة ترافق استئناف الأنشطة التجارية في المغرب    هل تعيد "المآسي الإنسانية" المسار الحضاريّ من الغرب إلى الشّرق؟    بعد إصابتها بكورونا.. معطيات جديدة بخصوص الحالة الصحية للممثلة الجداوي    فضل شاكر يصدر “غيب”.. وهذا ما قاله سعد لمجرد! (فيديو)    الجديدة : مطالب بفتح تحقيق في تسبب سائق دراجة نارية في حادثة سير مروعة من بين ضحاياها فتاتين قاصرتين    رجال جالستهم : فريد الغرباوي حارس كرة القدم السابق والمعلق الرياضي بموقع بوابة القصر الكبير    الدرك الملكي بالدريوش يضبط 400 كيلوغراما من المخدرات معدّة للتّهريب الدولي    خبير أمريكي: وصف وكالة الأنباء الجزائرية لبعض أعضاء البرلمان الأوروبي بأنهم "صهاينة مغاربة" يعتبر خطابا معاديا للسامية    انتشار الأوبئة في "مغرب زمان" .. "وهم العدوى" ومصادر التسرب    تأخر أشغال طريق “تازة” يستنفر وزارة اعمارة    البعد الدعوي عند الدكتور حسن بن عبد الكريم الوراكلي رحمه الله    الجزائر تتقشف أكثر…البرلمان يقر قانون موازنة تكميلي    ما هي حكاية ذي قار مع المستقبل ؟    ما هو ملاذك؟ .. معرض بعدسة المجتمع لتوثيق لحظات العزلة الاجتماعية في عصر كورونا    اطلاق عملية استثائية لإجاز بطائق التعريف لفائدة الجالية المقيمة بالخارج    شرعية الاختلاف وضوابطه المنهجية    هكذا أثرت جائحة كورونا في فقه نوازل الأقليات وعلاقة الغرب بالإسلام    مبادئ الديمقراطية وواجب التصدي للهجمة على الاسلام    المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة يدعو إلى تأجيل الرجوع إلى المساجد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





"كورونا" فيروس التحول الاقتصادي والاجتماعي
نشر في هسبريس يوم 04 - 04 - 2020

تعيش الكرة الأرضية إحدى المراحل الأكثر دقة وخطورة في تاريخها، فنحن نواجه أزمة وبائية فتاكة تودي بحياة الآلاف بكل دول العالم، كما نواجه أزمة اقتصادية غير مسبوقة تؤسس لمرحلة من الكساد(dépression) ، قد تكون الأكبر في تاريخ اقتصاد ما بعد اختراع المحرك البخاري. وعالمنا يعيش اليوم تحولات عميقة على كافة المستويات من شأنها إعادة تشكيل الخريطة السياسية والمؤسساتية العالمية والتحول بنا إلى نظام اقتصادي عالمي جديد.
والمغرب سيكون في صلب هذا التحول، وذلك معناه أن مغرب ما قبل كورونا لن يشبه مغرب ما بعد الجائحة، فقد تبين أن مصيرنا الاقتصادي والاجتماعي بين أيدينا، وأن مفهوم "الدولة المتدخلة" (l'État interventionniste) هو الحل لتفادي الأزمات وتحقيق التعبئة الوطنية الشاملة، وهذا حال الدول الأخرى كإيطاليا وفرنسا وأمريكا، وهنا استعملت لفظ الدول الأخرى وليس العظمى، وذلك راجع لكون العالم سيعرف كذلك تحولات في تصنيفات الدول وقدراتها، وقد تكون كورونا مسؤولة عن توزيع جديد لدول العالم بعيدا عن التوزيع الكلاسيكي المرتبط بمفهوم الدول المتقدمة ودول العالم الثالث.
أزمة وبائية بانعكاسات اقتصادية:
يعرف العالم حالة من التوقف الاقتصادي (standby économique) تدابير الحجر الصحي الجماعي الذي اتخذته جل دول العالم من أجل محاربة الفيروس، وهذا التوقف ينعكس بشكل كبير على الاقتصاد العالمي الذي يجد نفسه في الطريق إلى كساد غير مسبوق منذ أزمة 1929 وحالة تراجع اقتصادي عالمي هي الأخطر منذ اعتماد منظومة(bretton woods) بريتون وودس عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. فمثلا يتوقع أن تعرف أمريكا انكماشا(récession) اقتصاديا يفوق 3.3% سنة 2020 وأن تخسر حوالي 3.28 مليون منصب شغل وهو رقم يفوق بخمس مرات ما خسرته أمريكا من مناصب خلال أزمة 2008(crise des subprimes) ، ويرتقب أن تشهد دول الاتحاد الأوروبي حالات انكماش تصل إلى 6% في فرنسا و 5 % في ألمانيا والحال يمكن أن يكون أكثر خطورة في إيطاليا وإسبانيا. وسيعرف جزء كبير من دول العالم الظاهرة الاقتصادية المعروفة بالرُّكود التضخُّميّ(Stagflation)، وهي حالة نمو (croissance) اقتصادي ضعيف وبطالة(chômage) عالية، يرافقه تضخم(inflation) مرتفع.
إن هذه المعطيات تمنح الاقتصاديين حق وصف وباء كورونا ب "الصدمة الاقتصادية الكبرى"، خاصة وأن العالم يتجه نحو ركود طويل الأمد في حالة ما طالت التدابير الوقائية الخاصة بالجائحة، وهذا التوجه مطروح بشكل كبير خاصة بأمريكا وكندا وإسبانيا مما سيصعب مهمة الدول في التعافي السريع(Fast recovery) .
وفي المغرب، يمكن التكهن بنفس سيناريو الاقتصاديات العالمية لسببين رئيسيين مرتبطين بدرجة انفتاح الاقتصاد الوطني على العالم والتي تتجاوز 80%، وثانيا بدرجة التوقف الاقتصادي ببلادنا خاصة على مستويات قطاعات السياحة والتجارة والخدمات والصناعة والفلاحة دون إغفال حالة الجفاف التي تمر منها البلاد. لكن الترابط (corrélation) بين مدة الطوارئ الصحية ومردودية الاقتصاد الوطني تبقى كبيرة حيث كلما زادت هذه المدة كلما اقتربنا من سيناريو الانكماش والعكس صحيح. وفي العموم يمكن توقع نسبة نمو 1 الى 1.2% كنسبة نمو في أكثر السيناريوهات تفاؤلا ونسبة انكماش قد تصل إلى مستويات تفوق 6% في أكثر السيناريوهات تشاؤما.
لذلك فالتعافي السريع للاقتصاد الوطني والعالمي مرتبط بمدة الأزمة ومدى قدرة الدول على الصمود أمام الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالجائحة، لأن أسوأ ما يمكن أن يقع هو أن تنهار قوى الدول وقدرتها على التفاعل السريع مع الأزمات الفرعية للجائحة.
ويجب على دول العالم العمل على وضع إجراءات تقنية متقدمة لضمان تعافي الأسواق، وهنا نوصي بضرورة توقيف التداولات لمدة 60 يوما والعمل على تقسيم الأسهم(Stock split) ذات القيمة الكبيرة لتسهيل تداولها والاكتفاء بمكافحة الخطر(Risk premium) في السندات السيادية المنخفضة التصنيف الائتماني في درجة الاستثمار(Investment grade) وكل السندات الفاسدة(Junk bonds) .
النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
ستساهم جائحة كورونا في تسريع مسار اعتماد نظام اقتصادي عالم جديد، لكن لا يجب التسرع في القول إن منظومة العولمة ستنتهي أو تتقلص، لأن ما يحكم وجودها هو المصالح التجارية والمالية. ويصعب التكهن أن هذه المصالح ستزول لأن هناك دائما دول قادرة على الانتاج ودول تستورد أو دول تملك هذه الخصائص معا. لكن يمكن أن تظهر معالم جديدة للسياسات الحمائية أو لتطوير الصناعات الوطنية السيادية كصناعة الأدوية والأسلحة، وفي المقابل ستتمدد العولمة للتقنيات الحديثة المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة كالذكاء الاصطناعي والروبوت والتكنولوجيات العالية الدقة.
إن النظام الاقتصادي العالمي الجديد سيكون ثنائي القطبية، نظام ستتقاسم فيه أمريكا والصين العالم التجاري والمالي، مع بروز تغيرات مؤسساتية عديدة سيكون من أبرز تجلياتها انتهاء صلاحيات مؤسسات(bretton woods) بريتون وودس. فالعالم اليوم لن يحتاج للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بقدر ما سيحتاج ل "بنوك دولية للقيم" لا تقتصر مهامها في تقديم القروض بقدر ما تساهم في تقديم الأفكار التنموية وتقوية الأجندات الاقتصادية والاجتماعية للدول.
وهذه التحولات التي يمكن أن يقبل عليها العالم، تشكل رهانات وتحديات بالغة الأهمية لمستقبل الأمة المغربية، لذلك فالنموذج التنموي الجديد ينبغي أن يبنى على أسس تهم تقوية المناعة (Résilience) الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، وفق منهج يجعل من التعليم والصحة رافعة التنمية ومحرك انبثاق مغرب ذكي ومنتج وآمن صحيا لأبنائه. وينبغي كذلك إعادة النظر في فلسفة تدبيرنا للفقر، حيث أن أزمة كورونا أبانت عن نقص كبير في هذا المجال، وهذه فرصتنا لبناء دولة اجتماعية قوية إزاء كل الصدمات الاقتصادية والكوارث الوبائية أو الطبيعية.
إن التحول التنموي ببلادنا، يجب أن يضع الإنسان في طليعة اهتماماته، والسعي نحو صناعة الاستقرار بشكل متقدم ورصين، فمن حق المغاربة أن يكون مستقبلهم التنموي مبنيا على توجهات اجتماعية عميقة ومستدامة، لأن دولة الاستقرار وخلق الثروة في سياقنا المغربي، لن يكون لها وجود دون اعتماد مبادئ "دولة الرفاهية"(État Providence) .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.