قال محمد الهيني، المحامي بهيأة تطوان، إن استقلال السلطة القضائية المؤسساتي لن يكتمل وسيبقى ناقصا، مالم يتم تحقيق أربعة إصلاحات إستراتيجية مهمة في درب تعزيز الاستقلالية وتوطيدها، وهي الاستقلال المالي للمحاكم، وإشراف المجلس الأعلى للسلطة القضائية على المحاكم وقضاتها وموظفيها إشرافا كليا والمعبر عنه باستقلال المحاكم مؤسسات وقضاة وموظفين بدون استثناء، وإلغاء وزارة العدل وتعويضها بالوزارة المكلفة بالعلاقة مع السلطة القضائية، واختصاص المجلس الأعلى للسلطة القضائية بإصدار كل النصوص التنظيمية لمرفق القضاء وكتابة الضبط، وهو الاستقلال التنظيمي وبإعداد الميزانية. وأشار الهيني إلى أن سلوك الحكومة إزاء التقاعس عن إصدار مشاريع المراسيم والقرارات المتصلة بتدبير الجانب المالي للوظائف والمسؤوليات القضائية، أو تفعيل الاستقلال المالي لمؤسسة النيابة العامة، أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو المحاكم كمؤسسات قضائية مستقلة، لا يمكن تفسيره إلا في مسلسل التضييق على ولادة حقيقية للسلطة القضائية والرغبة في إخضاعها والتأثير عليها لتكون تابعة للسلطة التنفيذية بدون أي استقلالية تذكر، وبالتالي الحكم عليها بالفشل انتقاما من حلم الاستقلالية، الذي طالما تمنينا أن نراه واقعا وحقيقة لذر الرماد في الأعين كما تبتغي الحكومة. واعتبر القاضي السابق، الذي عايش لفترة الحراك في شأن استقلال السلطة القضائية، أن توازن السلطات وفقا للدستور يقتضي تقسيم مالية الدولة على السلطات الثلاث بشكل متوازن، ويفرض أن ينال القاضي أجر رئيس الحكومة ممثلا للسلطة التنفيذية ورئيسي البرلمان كممثلي السلطة التشريعية «لكن ما نعيشه اليوم من التضييق المنظم والممنهج على السلطة القضائية وأعضائها يثبت بقاطع عدم وجود أي نية للحكومة في تنزيل الاستقلال المالي وتحصين القضاة اقتصاديا واجتماعيا تبعا لمركزهم وكرامتهم وكرامة الرسالة التي يشغلونها لقطع الطريق على أي منفذ يمس تخليق مرفق القضاء ونزاهته والثقة المفترضة فيه». وأوضح الهيني أن السلطة القضائية اليوم في مفترق الطرق ويراد تحجيم دورها، من قبل حكومة العدالة والتنمية لإقبار استقلاليتها وإهانة اعضائها لتكريس تبعيتها للسلطة التنفيذية، سيما أن الميزانية التي كان يتم توفيرها لوزارة العدل سابقا إبان رئاسة وزيرهم للعدل لها انقطع صبيبها اليوم وكأنه يراد الانتقام من الفصل بين وزارة العدل والسلطة القضائية للحنين نحو التبعية، مضيفا، «فرغم تقديرنا لدور وزير العدل الحالي وحسن نيته في تدبير المرفق، إلا أن الحكومة غير مبالية بأهمية توفير شروط استقلال السلطة القضائية وإنضاج التجربة وإنجاحها لصالح الاستقلال المؤسساتي المالي الحقيقي وليس الصوري ولصالح ضمان كرامة القاضي ويدخل ضمنها تحصينه ماليا بمراجعة الأجور بشكل دوري وضمان حصوله على التعويضات عن الوظائف والمسؤوليات حتى يبت في القضايا ويحكم بضمير، لأن الضمير وحده لا ينفع»، فالاستقرار المادي هو عنوان الكرامة والضمير والثقة والإحساس بالمسؤولية، لأن الشجاعة لا تكفي إذا كان القاضي غير محصن من مغريات الوظيفة، فعلى الحكومة أن تحاسب نفسها في هذا المضمار. وأكد القاضي السابق أنه ثبت جليا من تنطع الحكومة وظلمها للسلطة القضائية، أنها تقول للقضاة إن الاستقلالية لا تنتج بالقانون وإنما بإرادتي التي يمكنها أن تعصف بأي شيء، طالما أنها تملك مفاتيح الرزق ومصادر التمويل، «مما يجعل مطلب الاستقلال المالي للسلطة القضائية بجميع أجهزتها ومحاكمها وقضاتها وموظفيها اليوم، هو الفيصل لإثبات الذات وقطع مداخل التأثير عليها وفي غيابه، فإن الاستقلالية ليست سوى خدعة قد يصدقها الحالمين من أمثالي، لأن السلطة القضائية التي لا تمتلك حتى حق اقتناء قلم للمحاكم، هي سلطة بدون اسم ولا مسمى».