إدريس لشكر: إسبانيا غدرت بالشعب المغربي    من المطاردة والاعتقال إلى المراجعة الفكرية مرورا بالأوراش التنموية    الخزينة تجني 17.3 مليار درهم من الضريبة على الدخل و13.6 مليارا فقط من الضريبة على الشركات    في الأفق الإستراتيجي للقضية الفلسطينية    درس فرنسي قد يفيد إسبانيا اليوم    أرباب المقاهي والمطاعم يعتزمون تنظيم وقفات احتجاجية وإضرابات قطاعية دفاعا عن مطالبهم    (صور) بحضور الحموشي.. القنيطرة تحتضن رسمياً نادي الفروسية للأمن الوطني    المثني يركب جرار الاصالة والمعاصرة مرشحا بجماعة جبل الحبيب    ريزر تطلق أنحف لاب توب مخصص للألعاب    البرلمان العربي يثمن إرسال المغرب مساعدات إنسانية عاجلة للفلسطينيين    مولودية وجدة يدك شباك الفتح الرباطي (نتائج البطولة الإحترافية)    ريال وأتلتيكو مدريد المتنافسان الوحيدان حول لقب الليغا بعد خروج البارصا    مصير مجهول لنتيجة مباراة الكوكب وفريق الخميسات في ظل مساعي الاخير لتجاوز القانون    حرمان من ضربة وجزاء وتسلل خيالي.. الرجاء يراسل الCAF ضد حكم جوهانسبرغ    الحجر الصحي والسلالة المتحورة يلغيان مقابلة الرجاء ومولودية وجدة    شباب المحمدية ينفصل رسميًا عن المدرب بنهاشم    مانسوري تستدعي قوة 720 حصان من فيراري Portofino    حموشي يدشن نادي الفروسية للأمن الوطني لتعزيز وتوسيع مهام الخيالة بالشواطئ والتظاهرات الكبرى    توقيف شخصين متهمين بترويج المخدرات والمؤثرات العقلية بطنجة    عن الضحك والبكاء في رمضان    بعد توقيفهم من طرف الداخلية.. رئيس جماعة الوليدية و 2 من أعضائه يمثلون أمام المحكمة الإدارية    المغربية ليلى وهابي تتوج بدوري أبطال أوروبا مع فريقها برشلونة    رفض مجموعة من الفلاحين بمنطقة دكالة قلع الشمنذر السكري بسبب غياب الحوافز التشجيعية    كباقي دول العالم.. شوارع المغرب تنتفض تنديدا بالاعتداءات الصهيونية على الشعب الفلسطيني    بعد قصف مقرات إعلامية بغزة .. "مراسلون بلا حدود" تشكو إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية    توقيف شخصين بشبهة ترويج المخدرات في طنجة    خطوات عملية .. كيف تحمي هاتفك من الاختراق؟    علماء لقاو ان الحلالف والطوبات كيتنفسو من مؤخرتهم!    5 رحلات يوميا .. الجزائر تقرر فتح الحدود ابتداء من فاتح يونيو    الشابي يبدي رضاه بتعادل الرجاء مع أورلاندو بيراتس ويشكر اللاعبين    الحموشي يشرف على افتتاح نادي الفروسية للأمن الوطني بالقنيطرة-فيديو    غياب التشوير الطرقي يتسبب في خسائر مادية و بشرية بمركز بن الطيب يومي العيد    انخفاض في درجات الحرارة وقطرات مطرية الاثنين بهذه المناطق    الحموشي يدشن المقر الجديد للفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء-فيديو    محورية المسجد الأقصى في الإسراء عند اختبار الحقيقة وثبات الصديقين    الرباط.. وقفة تضامنية مع الشعب الفلسطيني    بعد تهديدات الرئيس "تبون".. أول مغربي يتم إقالته في الحال من منصبه بالجزائر    سيارة تنهي حياة أربعيني ضواحي اشتوكة    الشيخ رضوان يستهزئ بالمؤذنين: أصواتهم مزعجة كالماعز والمغاربة يجلدونه: "تاجر دين كيخلي العامر ويتكلم في الهوامش"    خبر غير سار لأرباب المقاهي والمطاعم بعد أنباء التمديد    بشرى للمغاربة: توسيع الاستفادة من عملية التلقيح لتشمل البالغين 45 سنة    كيف يستثمر المغرب علاقاته مع إسرائيل لإيقاف العدوان على فلسطين؟.. العثماني: المغرب اختار الجانب الذي يدعمه    بسبب فيروس كورونا : البروفيسور الإبراهيمي يطرح أسئلة عالقة، و يكشف عن توقعات الوباء بعد مرحلة الاستقرار النسبي بالمملكة خلال رمضان.    رسالة إلى خطباء الجمعة    عجز الميزانية يرتفع ليبلغ 22.5 مليار درهم    اليوم الوطني للمسرح    رسميا.. وزارة الصحة تعلن عن توسيع جديد للفئة المستهدفة بالتلقيح ضد كوفيد-19    اختيار المخرجة والممثلة والفوتوغرافية الفرنسية ماريون ستالينس رئيسة للجنة التحكيم    مصر.. وفاة الفنانة ناديا العراقية جراء إصابتها بكورونا    المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية صرح علمي رائد لمواكبة التطورات التي تعرفها الجريمة وطنيا ودوليا    وصلة فكاهية من تقديم الكوميدي صويلح حول أنواع الأحلام...في "الليلة سهرتنا"    الفنانة دنيا بوطازوت بطلة فيديو كليب "شوف الزمان"للفنان زكرياء الغفولي...إليكم كواليس التصوير    "أمواج المتوسط" أنطولوجيا مختارات شعرية في 500 صفحة تصدرها سلسلة ابداعات طريق الحرير في العيد الخامس لتأسيسها    تعزية في وفاة الممثل عبد القادر دوركان    أوبل تقدم ثوب الراليات للموديل Corsa-e    فولكس فاجن تكشف عن Tiguan Allspace الجديدة    لُمَح من عداوة اليهود للمسلمين    لهذا السبب يبقى الشعب الفلسطيني لا نظير له أبدا على وجه الأرض..!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التجاور والتجاوز في رواية " الأنجري"
نشر في طنجة 24 يوم 23 - 04 - 2021

شكلت رواية "الأنجري" تجربة أدبية فريدة حاول من خلالها الأكاديمي والأديب محمد نافع العشيري، أن يسلط الضوء على أبعاد مختلفة، بأسلوب أدبي متميز، مزج فيه بين مجموعة من العناصر التي يمكن عدها متجاورة حينا، ومتجاوزة حينا آخر.
والمقصود بمفهوم التجاور في هذه المداخلة، تكامل مجموعة من العناصر القريبة من بعضها، نوعا أو تجنيسا، أو وظيفة في بناء الرواية، والسعي نحو تحقيق غاياتها ومراميها، أو بعبارة أخرى، عدد من العناصر المتشابهة، والتي تتضافر في ما بينها، وتتلاحم أجزاؤها لتعطي في الأخير بنية كلية هي بطبيعة الحال العمل الروائي في كليته.
أما مفهوم التجاوز فيُعنى بتحديد العناصر المتباينة في العمل الروائي، والتي تشكل انزياحا وخروجا عن القواعد المرسومة للرواية، مما يتيح ترسيخ هذه القواعد، وتوضيح السمات المميزة للعمل الروائي، بحيث يخلق التباين إمكانية أكبر لتحديد عناصر العمل ومميزاته، مثلما تكون الكتابة بالأبيض واضحة على الخلفية السوداء، والعكس صحيح..
فالتجاور بمثابة درجات اللون الواحد، أما التجاوز فهو شبيه بالاختلاف بين لونين متغايرين أحدهما داكن والآخر فاتح.
أولا: إشكالية التصنيف.
وفيه نثير السؤال الآتي: إلى أي نوع روائي تنتمي رواية الأنجري؟
إن المتتبع لشخصية الأنجري أو البطل(محمد المرابط الأنجري)، يجد أن الأحداث تتسم بارتباطات واقعية: طفولة-هجرة- زواج- عودة- انحراف ثم توبة... مه ما تقتضيه واقعية بعض الشخوص والأماكن( فال فلوري، الزميج، القصبة، كدية الحماري، سينما الريف...)، بالإضافة إلى التطرق لمواضيع لها علاقة بالحياة اليومية للناس من زواج، وولادة، وسياسة، وفلسفة... يجعلنا نحكم بانتماء الرواية لجنسها الطبيعي وهو جنس الرواية الواقعية الاجتماعية...
لكن الكاتب كثيرا ما يجرنا ويغوص بنا بعيدا، قاطعا حقبا وأزمانا إلى الوراء، فيضعنا في سياقات زمنية من الماضي حلو ومره، مده وجزره( عبور طارق بن زياد، محاكم التفتيش، حرب المقاومة...) مما يدفعنا إلى القول إنها تنحى منحى الرواية التاريخية.
والجدير بالذكر أن بعض الشخصيات الحقيقية التي يكاد يعرفها كل سكان طنجة، والأماكن التي نعرفها وما لحقها من تحول وتغير، ووصف الكاتب لها بدقة متناهية، تجرنا جرا إلى جنس السيرة، دون إيلاء كبير أهمية، هل هي ذاتية أم غيرية.
على أن الكاتب قد زين هذه الرواية ببعض الفقرات ذات البعد العجيبي أو الأسطوري، وهو ما فتحها على آفاق أرحب ودلالات رمزية عميقة.
وبجانب هذا التجاور، يظهر التجاوز في مستوى التجنيس، فالرواية حاضنة ومستوعبة لأجناس أدبية متنوعة، أبرزها الشعر، والمقامة، والرحلة، والسيرة، والنادرة...فشكلت انتقالات جمالية، وكسرا للرتابة، وهذا ما جعل القارئ دوما متجدد النفَس في القراءة، فأنت لست بسهل ممتد عبر عبر الأفق ذي طبيعة واحدة، وشكل متكرر يشعرك بالملل، ولا تتسلق جبلا مُنهِكا، بل تنوع في المسارات والتضاريس والمناظر، وهذا ما ينسيك مشقة الطريق وطولها، فالتنوع والترقب جعلا فعل القراءة متعة متجددة.
فالشعر بإيحاءاته، ودفقاته العاطفية، سواء أكانت غزلية أم صوفية، والمقامات بزخارفها وسجعها وجناسها، والنوادر بطرافتها وهزليتها جعلت العمل الروائي لوحة مصبوغة بألوان عدة، وأشكال جمة، يجد القراء فيها ضالتهم وإن اختلفت أذواقهم( شعر عمودي- التفعيلة)، كما يجعلها قابلة للقراءات المتعددة المتجددة.
ثانيا: الإشكالات والقضايا.
رواية "الأنجري" صرح غني زاخر بالمعطيات الفكرية والفلسفية، فهي تتطرق على لسان شخصياتها، إلى عدد كبير من القضايا الفكرية والفلسفية، والتي تنم عن غزير معرفة وعمق اطلاع كاتبها ( العقلانية والديمقراطية- الماركسية والدين- التصوف- الرأسمالية والإعلام- اللغة والهوية- المدرسة والرأسمالية- التطرف- الحداثة…) ، وهذا الطرح للقضايا فرض خروجا مؤقتا عن أساليب بلاغة الإمتاع إلى أساليب أخرى تحقق بلاغة الإقناع، فيوظف الحوار وسائل الإقناع والحجاج والمنطق، من دحض وتمثيل، ومقارنة، وتعريف واستنتاج….فتخرج بسلاسة من الحكي والسرد والوصف… إلى التفسير والشرح والتأكيد….
لقد أبان الكاتب في هذا الباب ثقافة واسعة، واطلاع كبير وإلمام بالإشكالات المرتبطة بعدد من التوجهات الفكرية، والظواهر الفلسفية، لكن الأهم من ذلك توليف ما نراه متباينا وغير قابل للجمع في بوثقة واحدة وبنية نصية متكاملة متماسكة..
ثالثا: اليومي والرمزي.
أ:الأحداث:
أحدثت هذه الثنائية تباينات عدة في مسار الرواية، من خلال تداخلات كثيرة بين مسارين يومي اعتيادي، وآخر رمزي، مع ما يخلقه هذا الربط والتداخل من إيحاءات، وما يمرره من رسائل، كالانتقال من مشهد طنجة، إلى تذكر سفينة نوح، ثم الصراع الأسطوري بين هرقل وأنتي الذي أفضى في النهاية إلى زواج تنجي برجل غريب، حيث مازال هذا الإحساس الرمزي إلى يومنا هذا، فيكثر القول( طنجة كتعطي غير للبراني)، أو الحكاية التي تتحدث عن بوعراقية الذي كان يحمل خبزة عرضها على مجموعة من أبناء طنجة، فرفضوها أنفة، ثم عرضها على مجموعة من عابري السبيل فتلقفوها واقتسموها كسورا في ما بينهم.
يتجاور البعدان اليومي والرمزي في رواية" الأنجري"، ويتجاوزان بعضهما حينا آخر، لكنهما مقابلين يعمل كل منهما على إتمام رؤيا الكاتب، وهي العودة إلى الذات وإكمال الدائرة لنقطة انطلاقها، فطنجة هي البدايات، وطنجة هي المنتهى...
يحضر البعد الرمزي كذلك من خلال التأملات التي كان يشرد فيها بطل الرواية، فاستطاع بذلك أن يعيش ونعيش معه فترات تاريخية ومحنا وكروبا (محاكم التفتيش مثلا)..
ب- الشخصيات:
تجلى البعدين الرمزي واليومي أيضا من خلال شخصيات الرواية، فإن كانت شخصيات كل رواية تأخذ أبعادا رمزية وتجسيدا لمثيلاتها في الواقع، إلا أن بعض شخصيات الرواية تأخذ أبعادا رمزية صرفة، ويمكن تحديد رمزيتها من خلال الأنواع الأتية:
شخصيات رمزية أسطورية: انتي، هرقل، تنجي، دون كيشوت، سانشو..
شخصيات رمزية تاريخية: طارق بن زياد، الفونسو، إيزابيل، فرناندو، فليب الثالث، خينيمو دي روخاس، أمير غرناطة..
شخصيات رمزية صوفية: أحمد بن عجيبة، محمد البوزيدي، الشيخ أحمد الرشا، الشيخ عبد الكريم بن قريش، البوصيري، الششتري....
شخصيات أدبية: بنسالم حمي؛، حسن أوريد، نزار قباني محمود درويش، شكري..
شخصيات رمزية واقعية: لقد استطاع الكاتب أن يخلق رموزا خاصة من شخصيات عرفناها أو سمعنا بها، وهي مازالت حاضرة معنا، والتي شكلت فعلا رموزا طنجية مشهورة، كالأستاذ بن عبد الله الشهير بفاندام، وعبد السلام الأناقة، وحنيفزة وعبد الإله دبيزة.. وهي شخصيات أثارت فينا حس الانتماء للرواية، بل إننا أحسسنا أننا موجودون فيها...
ج- الفضاء:
شكل الفضاء بدوره تباينات وانتقالات جسدت التنوع القائم في الرواية، ودلالاتها الرمزية، فيأخذنا الكاتب في فضاءات زمانية ومكانية، مرتبطة بالواقع الراهن، أماكن فى أنجرة وأخرى بطنجة، وأخرى بإسبانيا، غير أن الانتقال الزماني من خلالها عبر فترات مختلفة، يولد لها حالة من التعدد الإحالي، فأنجرة تنتقل من الحاضر للماضي القريب مع حروب المقاومة وعصر الجزر، أو الماضي البعيد مع غزوات طارق بن زياد وموسى بن نصير، وانتقام لوليان الغماري حاكم سبتة، وهنا رمزية عصر المد والقوة، أما العصر الحاضر فهو عصر التحول، والتراوح بين الضياع والبحث عن الذات..
أما الفضاء الإسباني، فسار بنوع من المفارقة بين عصر حديث شكل فيه الملاذ والفرصة، وعصر قديم كان فيه عذابا ونفيا وتهجير، وعصر أقدم منه جسد العزة والقوة والحضارة... مما يثير أسئلة كثيرة حول نسبية الانتماء والوطن.
خلاصة
رواية الأنجري عمل أدبي روائي منفتح، ضم بين جنباته أشكالا أدبية متنوعة(مقامة، شعر، حكاية، أسطورة، نادرة، نص تاريخي، سير... )، كما أنه غير تقليدي في تعاطيه مع مكوناته، وطريقة عرض أحداثه التي يتداخل فيها الواقعي والتاريخي والرمزي والفكري، إنها عمل شيق كان لعاملي المجاورة والمجاوزة بالغ الأثر، وهو ما جعلها تتضمن النسق وتبتعد عن الرتابة، وتستغل الحوار دون الوقوع في فخ الثرثرة، كما أنها قربت إشكالات فكرية واجتماعية وتاريخية بشكل عميق ومبسط، والأهم من ذلك أنها أعادت لطنجة حائكها الذي كان قد عراها عنه محمد شكري.. وتبقى الجملة المترددة في بداية الرواية ونهايتها على لسان أب البطل"عش كما عشتُ".. هي محور الرواية باكتمال الدائرة والعودة إلى الأصل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.