رحيل روجر مور "جيمس بوند" عن 89 سنة    الملك يعرب عن إدانته الشديدة للاعتداء الذي استهدف مانشستر    العمراني للبام: شوية ديال الخجل والحشومة    العمراني يبرئ « شباب الفيسبوك » من تهمة الإرهاب بمجلس النواب    العثماني يهاجم "البام" ويحملها مسؤولية "حراك الريف"    فضائية أمريكية: منفذ هجوم مانشستر سلمان العبيدي.. داعشي ليبي    الإفريقي التونسي يفشل في تجاوزعقبة كمبالا الأوغندي    "مانشافت" يفتح أبوابه للاعب أياكس أمين يونس    البوشحاتي يُطالب "الجامعة" بعقد جمع عام إستثنائي    صدمة في الوسط الثقافي المغربي. الشاعرة وداد بنموسى تحاول الانتحار بحرق نفسها داخل شقتها بطنجة    فلكي مغربي يكشف عن أول أيام رمضان بالمغرب    تغيير مواقيت العمل بالنسبة للإدارات العمومية والجماعات الترابية خلال شهر رمضان    زاناكو قبل مواجهة الوداد.. ثقةٌ وصدارة وهجومٌ قاتل يتهدّد دفاع "الأحمر"‎    توقيف مغربيين بمدريد لتمجيدهما الإرهاب    المكتب الوطني للسكك الحديدية يعلن عن مواعيد جديدة للقطارات في شهر رمضان    أعضاء الوفد الوزاري رفيع المستوى يبرزون الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة في مجال الإستثمار بالحسيمة والمناطق المجاورة    برشلونة يرفض مساندة رئيسه السابق    دراسة: البروكلي يمنع الإصابة بسرطان البروستاتا    فيديو.. صياد مخاطبا الوزير أخنوش بالحسيمة: ما عندي بو الوقت دابا    ميركل تعرب عن "حزنها" و"صدمتها" ازاء اعتداء مانشستر    زخات مطرية ورعدية غدا الأربعاء مع استمرار ارتفاع الحرارة    الحاجب.. ارتفاع عدد ضحايا استهلاك "الماء القاطع"    بنعطية في التشكيلة المثالية للدوري الإيطالي    مواقف محرجة وطريفة تخللت زيارة ترامب إلى إسرائيل    أسرة غوارديولا تنجو من الموت في انفجار مانشستر    توقيف شخص بسلا هاجم الشرطة بكلبين بعدما اختطف سيدة واغتصبها    أسرة غوارديولا تنجو من انفجار مدينة مانشستر    قضية اكديم إزيك: شهادة مسؤول بالدرك الملكي تكشف لأول مرة عن حقائق خطيرة    "أمنية بنك" أول مصرف تشاركي يوقع على بداية عمله في المغرب    لهذا غاب الملك عن قمة العربية الأمريكية بالسعودية    "كان" في يومه الخامس.. مواجهة بين أبرز فيلمين يتنافسان لنيل "السعفة الذهبية"    ما قاله مدير أعمال ابتسام تسكت عن مرضها    ترامب يشجب هجوم مانشستر ويقول إن منفذيه "أشرار خاسرون"    بالفيديو: "GPC كارطون" توقع اتفاقية مع كليمنجارو للبيئة    زيان عبر "كود" للملك: كريفي كنحس بالحگرة وخاصكم تحيدو هاد الحكومة. امين عام الحزب الليبرالي اكد ان زيارة الوفد للحسيمة اهانة لهاد الشعب    سعد لمجرد يعود إلى حياة العالم الافتراضي    22 ساعة.. الصيام بالدول الاسكندنافية    "داعش" يعلن مسؤوليته عن هجوم مانشستر    الثراء الفاحش لمليارديرات المغرب زادت نسبته بحوالي 13 في المائة في ظرف سنة    المندوبية السامية للتخطيط تحين معطياتها الديمغرافية    مهرجان فاس… دورة الموسيقى الراقية    باطمة تحتفل ب"Baby shower" على طريقة "Barbie" احتفالا ب"غزل"- فيديو    انخفاض مبيعات الإسمنت ب4.7 في المائة    عدد ساعات الصوم في المغرب و باقي دول العالم    اعتقال رئيس برشلونة السابق ساندرو روسيل    صحيفة "الباييس": طنجة.. إلدورادو جديد للشركات الإسبانية    العمران تعرض تجربة المغرب في محاربة السكن غير اللائق بتونس    جسم غريب يشعل الحدود الكورية    اجتماع بالداخلة لضبط الأسواق في رمضان    حرمونا من الزين . حسناء فاتي جمالي طبيبة ف"قلوب تايهة" والعرض ماشي فرمضان    فنانون منسيون .. عبد اللطيف هلال الفنان الهادئ والمسرحي المتميز    دراسة. القهوة كتحميكوم من سرطان المرارة    أطباء يحذرون من تناول السوشي    جمعية خيرية لرعاية الايتام بامريكا .. محطة انسانية بامتياز (فيديو )    عدد ساعات الصوم حول العالم في رمضان    حسن الكتاني: محمد بن عبد الكريم الخطابي كان وهابيا    "الصحة": وضع المينانجيت تحت السيطرة بزاكورة    دراسة: النوم الكافي ليلا يزيد جمال الوجه وجاذبيته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مارس 73 -عمر دهكون ومن معه : الإعدام يوم عيد الأضحى

صباح اليوم الثاني من نونبر 1973، أصدرت وزارة الأنباء بلاغا صحفيا جاء فيه أن المحكوم عليهم بالإعدام في ما سمي بمحاكمة القنيطرة من طرف المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية، المعروفين بقضية «مولاي بوعزة» قد نفذ فيهم الإعدام يوم الفاتح من نونبر 1973 في الساعة السادسة صباحا و 38 دقيقة بالسجن المركزي بالقنيطرة، بحضور رئيس المحكمة ووكيل الملك ومحامي الدفاع.
الذين نفذ فيهم الإعدام في ذلك اليوم الذي صادف احتفالات عيد الأضحى كانوا عمر دهكون، عبد الله بن محمد، أيت لحسن، بارو مبارك، بوشعكوك محمد، حسن الادريسي، موحا نايت بري، تفجيست لحسن، أجداني مصطفى، يونس مصطفى، أمحزون موحى، ولحاج، بيهي عبد الله الملقب بفريكس، دحمان سعيد نايت غريس، أيت زايد لحسن، حديدو موح، محمد بلحسين الملقب ب «هوشي منه».
من هم؟ ماهي قضيتهم التي استنجدت الدولة المغربية للحد منها إلى العقوبة القصوى؟ كيف تراكبت عناصر السياسة والنضال والقمع، في ثلاثية مستحيلة الحل، إلى أن وصلت بعدة مناضلين إلى الوقوف أمام فرقة الإعدام، وجها لوجه أمام موت؟ وما هي الأحداث التي حدثت في مولاي بوعزة أو أحداث 3 مارس 1997 أولا؟
منذ بداية سنة 1973، اجتاز المغرب موجة من الأعمال المسلحة استهدفت المؤسسات الحكومية في بعض المدن والبوادي، وكانت هذه الأحداث التي أعقبت انقلابي 71 و 72، تتويجا لعمل سرّي فرضته على مجموعة من المناضلين آنذاك ظروف الانحسار السياسي و «التزمت» المؤسساتي في البلاد، ومع بداية شهر مارس 1973 «تسللت» مجموعة من مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الحدود الجزائرية المغربية، والتحقت بأعالي الأطلس لإشعال فتيل الثورة المسلحة ضد «النظام» المغربي وموروثه الاستعماري، بناء على التحليل الثوري الحالم وقتها، ولأسباب كثيرة، ليس هذا مجال سردها، انتهت المغامرة بمحاصرة مجموعة المقاتلين الثوريين وتم تبادل الرصاص في فجاج الأطلس وسفوحه ولقي بعض الثوريين حتفهم في تلك المواجهات ومنهم محمد بنونة المعروف باسم محمود، والذي نعتته البيانات الرسمية ب «زعيم الإرهابيين»، وأسكور محمد وابراهيم التيزنيتي... في حين حاول آخرون العودة الى الجزائر، وقد نجحوا في ذلك، ومن ضمنهم أومدة، في حين تعرض آلاف المناضلين الى الاعتقال، وتم الحكم بالإعدام على مجموعة منهم، ذكرنا بعض الأسماء التي نفذ فيها الحكم، في كل حديث عن تلك الفترة، يعود على لسان أصحابها أو المهتمين بتلافيف دمائها وبشهدائها، اسمان رئيسيان أو هكذا يبدوان لشباب لم يعش الفترة جسديا وهذان الإسمان هما محمود بنونة وعمر دهكون،
سيرة محمد بنونة، مهندس الثورة، وحدها تستوجب عملا جبارا للإحاطة بشخصيته ونضاليته ونهايته المأساوية الاستشهادية هو ومن معه، والتي استحقت عن جدارة، تلك الصفة البليغة التي أطلقها ابنه المهدي على التجربة «أبطال بلا مجد»، لكن قبل ذلك، نذكر أن وزارة الداخلية آنذاك أصدرت بلاغا مفعما بالحبور! تخبر فيه ب «مقتل زعيم الكوماندوهات الإرهابية»، وألحت أيضا على ألا يعرف قبره حتى «يمحو الموت وجوده من الذاكرات» على حد قول ابنه المهدي، وعندما يحكي عن دفن أبيه، يتذكر الإبن الذي يعيش حاليا في سويسرا ما قاله له شهود عيان، عن وصول ثلاث طائرات مروحية بقيادة ضابط فرنسي إلى مدينة الرشيدية التي كانت تسمى وقتها قصر السوق وعن محاصرة مستشفى المدينة حصارا شديدا ومنع التقاط الصور للجثمانين اللذين سلمهما الضابط الفرنسي المشرف على العملين للعاملين بالمستشفى قصد التعرف عليهما، ويذكر أيضا ما قاله أحد هؤلاء العاملين بمجيء عميد شرطة لاستيلام الجثتين قصد دفنهما:
الجثة الأولى، جثة الزعيم، كانت لمحمود بنونة والثانية لأحد المناضلين معه.
وسيرة عمر دهكون أيضا سيرة مركبة، غنية بالأسماء والأماكن والمواقيت، تتقاطع فيها سلاسة الحلم والرومانسية الثورية بصلابة الواقع السياسي بخزائن العنف المنظم بأخاديد البؤس الاجتماعي التي انحفرت في التربة المحلية للبلاد،
أمام المحكمة التي سترسم طريقه الى الرصاص، والقبر بعدها، لم ينف دهكون عمر بن أحمد بن ابراهيم، حسب المنطوق المدني للحالة العدلية، أنه منذ 1967 وإلى حدود يوم 22 مارس 1973، تاريخ إلقاء القبض عليه، وهو يقوم بنشاط متواصل في إطار منظمة سرية تعمل على تغيير النظام، وأنه عمل على تنظيم الاستقطاب لهذا التنظيم السري، وأقر أيضا بأنه توجه صحبة رفاق الخلايا السرية إلى دولة أجنبية وبها تدربوا على استعمال السلاح، بكل أنواعه المتوفرة وعلى حرب العصابات،
وبعد التداريب عاد عمر دهكون، حسب ما جاء أمام المحكمة، وكون عدة خلايا بكل من البيضاء والرباط، وعمل أيضا على تسريب كمية ضخمة من الأسلحة وضعها رهن إشارة من نعتهم صك الاتهام بأفراد الخلايا، ولعمر دهكون نُسبت أيضا محاولة اغتيال «المسمى الورادي في أواخر شهر دجنبر 1972، عندما أطلق عليه ثلاث رصاصات بمدينة سلا، محاولا قتله، وذلك بعد نهب سيارة من الدار البيضاء استعملها لهذه العملية»، حسب صك الاتهام دوما.
وفي أوائل مارس من سنة 1973، قام بتعاون مع خلاياه بصنع قنابل متفجرة وضع بعضها بنفسه والبعض الآخر بواسطة بعض هؤلاء الأفراد في كل من مسرح محمد الخامس بالرباط والمكتبة الأمريكية بها وبدار أمريكا وتحت سيارة القنصل الأمريكي بالبيضاء، وإليه أيضا نسب الاتهام قيامه بوضع قنابل في مقر صحيفة «الصباح» (لوماتان) بالبيضاء وفي الدائرتين الخامسة والثامنة للأمن الوطني يوم 29 أكتوبر 1971»،
وأمام المحكمة، أجاب عمر دهكون بالإيجاب على هذه التهمة،
وكان قد أجاب عن أسئلة تفصيلية طرحتها رئاسة المحكمة في جلسة سابقة، لعلنا نسلط «بعض» الضوء على تلك الهَبّة الثورية التي اعتبرت، كنيزك، اللحظات السادرة في عتمة المغرب الحديث.
معمر فرنسي يقتل شقيقة
دهكون وشقيقه
عمر دهكون سليل أسرة سوسية بسيطة، تتكون من 11 طفلة وطفلا، عندما تم إعدامه كان عمره لا يتجاوز 37 سنة،
كان أبوه أحمد بن ابراهيم من دوار كنارن قبيلة سكتانة تالوين إقليم تارودانت، دفعت به ظروف الاستعمار وعميله الكلاوي الى النزوح الى الدار البيضاء في العشرينيات من القرن الماضي، استقر به الحال في عين السبع، حيث بدأ عمله كمراقب بالسكك الحديدية، تزوج سنة 1933 من رقية بولغة بنت محمد التي تنحدر من نفس المنطقة التي ينتمي إليها، كان عمر ثالث أطفالهما بعد كل من أخته الكبرى زينة وأخيه لكبير، يحكي أحد أفراد العائلة من أسرة الوالد: «عرف عنه هو وأخوه مواقف نضالية ضمن حزب الاستقلال إبان الاحتلال الفرنسي مما جعلهما في مواجهات مباشرة مع المعمرين المتواجدين بعين السبع»، وكانت نتيجة ذلك أن ذهب الإبن والإبنة ضحية الغطرسة الاستعمارية، فقد دهستهما يقول المصدر نفسه سيارة المعمر الفرنسي فرونسوا أوليجيني فأردتهما قتيلين ولم يُتِمَّا بعد عقدهما الأول»، ورغم هذه الجريمة فلم يتعرض مرتكبها لأية عقوبة ولم يتلق الأب تعويضا يسليه عن فقدان فلذة كبده.
حدث ظل يسكن ذاكرة عمر دهكون، وحكى قصته لكل من التقوه من بعد، ولعلها المأساة التي فتحت عينيه على اختلالات العالم، وعن العدالة التي تظل عمياء، بعصابة على العينين، حتى وهي تحمل الميزان.
ورث عمر دهكون الجرحين وظل يقيم في المسافة الجارحة بينهما دما قابلا للفوران، وما من شك أن تلك الفاجعة ركّبت الغضب والحلم في الوجدان، وكانت بمثابة الحجر الأسود التي نقش عليه الوصف البشع للعالم والرؤية التي سيحملها عنه، وإن قاومها بسلوكه الطيب والإنساني تجاه من يقفون معه على نفس الضفة لمشاهدة الحياة المفعمة بالبؤس،
هذه الفاجعة لا يتردد أحد أصدقائه والمعتقلين معه سابقا، محمد أزغار في وصفها بالعقدة، يقول رفيق عمر دهكون، في تصريح للزميل العربي رياض ولكاتب هذه السطور: كانت هناك عقدة تسكن دواخله، عانى منها طويلا معاناة مريرة، وتتمثل في كون أحد المعمرين، أقدم في يوم من الأيام على قتل أخويه بمنطقة البرنوصي، حيث دهس الأول بسيارته وبعد أيام أعاد الكرة مرة أخرى مع الأخت .. لكن الملف أقبر» ولم يُقبر الجرح في روح عمر دهكون.
وعن طفولته الأولي، حكت لنا أخته خديجة دهكون أنه بدأ دراسته بالكتاب المتواجد آنذاك بدوار الواسطي وبعد ذلك انتقل الى مدرسة الهدى المتواجدة بشارع أيت يافلمان قرب ساحة السراغنة، وفي فترة لاحقة انتقل الى مدينة الرباط حيث تابع دروس الضرب على الآلة الكاتبة بكوليج الليمون».
وفي الرباط ربط أولى علاقاته مع الطلبة وأولى الخطوات في العالم السياسي، حيث «كان يشارك في التجمعات التي كان ينظمها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تحت قيادة المهدي بن بركة» وقادة آخرين،
وجاءت مرحلة سلا، ومدرسة النهضة التي كان يديرها آنذاك المجاهد أبو بكر القادري وابن أخيه أحمد، واكتفى عمر دهكون وبعض زملائه بالإقامة في ضريح مولاي الكمري بالمدينة، وهناك حصل على شهادة الدروس الثانوية الحرة في النصف الأول من الستينيات.
كان الاستعمار قد رحل، لكن عمر دهكون كان يحدس حضوره الدائم في كل لحظة ظلم، أو عضة جوع، وكان يواجه بشاعة تلك الأوضاع بالدفء الإنساني الذي يسبغه على كل زملائه، كما يحكي زميله ورفيقه أزغار «كان حنونا إلى أقصى حد بحيث كان يبذل كل ما في وسعه لمساعدة الزملاء المعوزين ويستقبل في بيته بالبيضاء كل الطلبة القادمين من مدن بعيدة، كما عرف عنه الاستقامة والانضباط، ويذكر أفراد أسرته كلهم سعة صدره وتقدريه لكل من عاشروه واهتمامه باخوته وأهله «سواء حين كان يتواجد بالمغرب أو حين يسافر الى فرنسا أو ألمانيا»
وانخرط عمر في العمل السياسي بسيدي البرنوصي بالدار البيضاء في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ولما احتدم الصراع داخل الاتحاد بين ما كان يسمى بالتيار الثوري والتيار المسمى بالمهادن، كان هو في البداية يميل الى التيار الثاني، لكن مع توالي الاعتقالات والقمع ودخول إخوانه إلى غياهب السجون شعر، وكأن هناك نية مبيتة واتفاق قبلي على التخلص بعد الاستقلال من الوطنيين الذين حاربوا المستعمر الذي ترك حلفاءه في البلاد لينتقموا له، حسب شهادة أزغار الذي كان يستضيف عمر دهكون في بيته، سواء في فترة الدراسة أو بعدها في الفعل الاحتجاجي،
كانت مدرسة النهضة أيضا مختبرا للصداقات العادية التي تتحول بفعل صناعة سياسية في تلك المرحلة، إلى صداقة قدرية قادت العديد ممن عانقوها إلى الموت رميا بالرصاص صباح ذلك اليوم من نونبر 1973?
مجموعة دهكون، من رفاقية المدرسة
إلى رفاقية الموت!
في مدرسة النهضة بسلا، تعرف عمر دهكون على ثلة من الشبان المغاربة، انخرطوا في ما بعد في العمل السياسي، ومنهم من دخل التنظيم السري من اجل كفاح مسلح اعتبر ان الظروف، الموضوعية والذاتية منها، تفرض اللجوء اليه.
كان اغتيال الشهيد المهدي بنبركة الحدث الاساسي في تحولات المسار السياسي لمجموعة من المناضلين، والاقتناع بان «الدواء الوحيد لهذا النظام هو اجتثاثه»، كما كانت الادبيات المعارضة انذاك تصف المرحلة، واصبحت مقولة «بيننا وبين القصر جثة المهدي» التي نسبت الى الفقيد الكبير عبد الرحيم بوعبيد مقولة ثابتة، مهيكلة للخطاب الاتحادي، خصوصا في اوساط مثقفيه الثوريين وشبابه المتحفز.
وجاءت هزيمة 1967 لتدق اجراس اليأس من المكابدة السياسية والنضال المؤسساتي، واليأس ايضا من فئات البرجوازية الحاكمة وفشلها الطبقي» في تحرير الانسان والارض? ومن ثم بدأ العمل على تشكيل المنظمة السرية او الجناح المسلح، الذي سيعمل على قلب المعادلة في البلاد،
ومنذ 1967 شرع عمر دهكون في هذا الاختيار الكفاحي ولا أحد يستطيع ان يحدد بالضبط، حسب ما علمنا، التاريخ الذي غاص فيه عمر دهكون وزملاؤه في عتمة التنظيم السري، لكن من المؤكد ان مجموعة دهكون، كما اصطلح على ذلك فيما بعد لم تتشكل في لحظة ميلاد واحدة، بل كان الاستقطاب اليها تدريجيا وعلى فترات، اذ ان تاريخ التحاق الملياني الادريسي رحمه الله مثلا، ليس هو لحظة انخراط اقذاف احمد اطال الله في عمره او اجدايني مصطفى الذي اعدم في تلك الصبيحة البارحة من نونبر 1973 ، ولم يكن كل الذين مثلوا امام المحكمة العسكرية في القضية الجنائية 8754/1748 يوم الخامس والعشرين من يونيو 1973 على نفس المسافة من شهداء 1973.
فالادريسي الملياني المزداد سنة 1940 بسلا، من والده الهاشمي بن عبد الرحمان ووالدته فاطمة بنت محمد، كان لايزال اعزب ساعة اطلقت فرقة الاعدام عليه النار، وقد جاء في حيثيات اعدامه انه اطلع في شهر فبراير 1969، بواسطة عمر دهكون على وجود منظمة سرية، او ما عرف في حوليات الاتحاد الوطني بالتنظيم الموازي، يهدف الى القضاء على النظام الملكي واقامة نظام بديل له، وقبل الانخراط في التجربة? وفي 15 يوليوز 1971 ، توجه الى فرنسا بطلب من عمر دهكون، وكان الغرض من السفر هو الانتقال الى «دولة اجنبية للتدريب في معسكراتها تدريبا عسكريا حتى يكون مهيأ للعمل المسلح»، لكن الامور اتخذت وجهة اخرى، و لم يتم المطلوب لانه اخطأ في الموعد وجاء بعد ان سافرت المجموعة التي كانت سترافقه الى معسكرات التدريب، وعاد الى المغرب «على نفقة المنظمة» واتهم المرحوم الملياني الادريسي ايضا بانه قام، بمعية عمر دهكون، بوضع القنبلة المتفجرة التي استهدفت دار امريكا بالرباط، في الثاني من مارس 1973 اي قبل احداث مولاي بوعزة بيوم واحد، ومن المعلوم أيضا أن الإدريسي الملياني كان يسلم لعمر دهكون مفتاح البيت لينام فيه من وقت لآخر، لاسيما بعد أن أصبح هذا الأخير مطاردا بعد محاكمة مراكش الشهيرة، وكان الملياني مكلفا بالتدريس في سلا، ولم يسبق له أن تعرض للاعتقال أو المحاكمة.
وأمام المحكمة، نفى المرحوم الإدريسي الأفعال المنسوبة إليه واعتبر ما ورد في المحاضر نتيجة للتعذيب الوحشي الذي نهش جسده وجاء في تصريحه لرئيس المحكمة، الأستاذ محمد اللعبي «أنه لم يلتق بدهكون قبل سنة 1971» وإن كان قد تعرف عليه منذ 1962 عندما كانا في اعدادية النهضة بسلا ونفى أن يكون له علم مسبق بأن عمر دهكون مطارد من طرف الشرطة، أو أن هذا الأخير قد طلب منه استقطاب زملاء أساتذة، كما نفى أن يكون قد تلقب بلقب «سليم» كما هي العادة في الأعمال السرية التي يلجأ فيها مقاتلوها الى الأسماء الحركية،
تفاصيل أخرى، أوردها المرحوم الملياني أمام المحكمة، سيأتي ذكرها في حينها، لكن المحكمة لم تأخذ بمنطق الدفاع، وكان الحكم القاسي والنهائي في حقه،
إضافة الى الملياني ضمت مجموعة دهكون أيضا ملحاوي، وأقذاف أحمد، وهذا الأخير من مواليد البير الجديد (إقليم الجديدة)، كان وقت اعتقاله ومحاكمته يعمل مهندسا احصائيا بالرباط، ينسب إليه الانتماء الى العمل السري في سنة 1971، هيأ في رمضان من نفس السنة قنينة (مولوتوف) مع أحد أعضاء الخلية الى سفارة كوريا بالرباط، فألقاها عليها غير أنها لم تنفجر، وفي شهر يوليوز 1971 سافر إلى باريز وقابل الفقيه البصري وعبر له عن اقتناعه بالانخراط في المنظمة السرية، واتهمته المحكمة أيضا بأنه حمل رسالة إلى شخص بباريز سماه عمر دهكون الفقيه سي علي وطلب منه أن يأتيه من عنده بمبلغ مالي قدره قاضي التحقيق ب 400 ألف فرنك فرنسي، كما نسب إليه تلقيه تداريب على السلاح مرنه عليه شخص، من الدار البيضاء، لم يأت القاضي على ذكر اسمه، ومن بين الأشياء الأخرى اطلاعه على وصول سيارة محملة بالأسلحة من بلجيكا.
الأستاذ بوبكر القادري والنواة التنظيمية الأولى للعمل السري!
الحلم، كالواقع، يجمع ويفرق، وتلك هي الحكاية بين أقذاف ودهكون، أصر الأول على تقديم رواية مغايرة أمام المحكمة لما ورد في محضر البوليس أو لما أقر به عمر دهكون في حقه، فنفى أن يكون سفره إلى باريس من أجل التنظيم السري أو التوجه الى سوريا قصد التدريب.
تحدثت روايته عن سفر استجمام الى باريس عبر مطار النواصر بالدار البيضاء، حطت به الطائرة بمطار أورلي، بعد أن أقلعت في الساعة الخامسة مساء، في أحد أيام الجمعة، رأى لافتة «النيون» يضيء اسم فندق فدخل، ولما استيقظ صباح اليوم الموالي لوصوله، توجه الى طبيب فرنسي اسمه جاك موران، بسبب قرحة في المعدة، عندما وقفت السيارة التي استقلها أمام مكتب هذا الطبيب، كانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا و 15 دقيقة، انتظر ربع ساعة قبل أن يستقبله الطبيب وظل معه إلى أن قاربت الساعة العاشرة،
استنكر القاضي قائلا: «قضيت معه حوالي 20 دقيقة، ومازلت تذكر بالتفصيل الدقيق الساعة والدقيقة، لكنك لا تتذكر عنوان مصحته؟» فأجاب أقذاف باقتضاب «نعم»! فكان أن سأله رئيس المحكمة من جديد: «هل سلمك وصفة» فأجابه بالإيجاب مرة أخرى، لكنه لم يقبل منه أن يخبره أنها مازالت لدى الشرطة وقاطعه بجفاء»، بدون تعليق، أجب عن الأسئلة فقط».
وبخصوص التهمة المتعلقة باستلام المال وتسليمه إلى عمر دهكون دار بين الاتهام وأحمد أقذاف الحوار التالي:
لم تلتق بأي أحد.
أبدا.
لم يسلمك أحد المال لتأتي به،
لا أحد، إذا سمحت سيدي الرئيس أريد أن أعرف النصوص القانونية التي استندت إليها الشرطة لتكوين ملفي، فقد قيلت في حقي أشياء يندى لها الجبين. وكلما كنت أطلب الإدلاء بشهادتي كانوا يجيبونني بأنهم سي .... لهذا أريد أن أعرف «.
وهنا طلب الرئيس تدخل الأستاذ النقيب عبد الرحمان بنعمرو، والذي رافع بقوله: «إن ثلثي ملف موكلي لا تخصه أو لا تتعلق به، حيث يتم الحديث فيها عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، علاوة على هذا، كلما شرع المتهمون في الحديث عن التعذيب الذي تعرضوا له، تقاطعهم قائلا بأنك على علم بالأمر إلخ، والحال في نظري أن تترك لهم حرية التعبير، لأن تصريحاتهم جزء من المرافعات « كان التعذيب شرسا، وسيحين الحديث عنه على لسان أهله، وتقاسمه كل من اعتقل في تلك السنة من جمر المغرب، وما لم يتقاسمه الجميع هو النهاية، فالمناضل أقذاف أحمد افترق عن صديقه وزميله دهكون ومازال حيا يرزق، بعد أن صدر فيه حكم يخالف حكم عمر دهكون.
لقد سردنا بعضا من أسماء الأصدقاء الذين قطعوا نفس الطريق لكنهم لم يصلوا الى نفس النقطة. في فضاء مدرسة النهضة بسلا كانت الانطلاقة، وكان المختبر الذي تشكلت في قاعاته الكيمياء الثورية التي جمعت الأصدقاء القدريين.
في سياق الصراع الشرس الدائر بين الحركة الشعبية الثورية والطبقة الحاكمة آنذاك، في العقد الأول من الستينيات، كانت كل محطة سياسية أو اجتماعية لحظة اختبار قوة، تتصارع فيها مشروعيتان تبدوان على طرفي نقيض، وكان البناء السياسي الظاهر ساحة هذا العراك القوي، ولعل سنة 1962، سنة الدستور الممنوح، كانت لحظة حاسمة في وعي مجموعة من شباب «النهضة»، للانتقال الى الكفاح المسلح.ومن بين الوجوه المعروفة في مغامرة الحل الثوري، يرد اسم مبارك بودرقة المشهور باسم عباس، عضو اللجنة الادارية للاتحاد الاشتراكي حاليا كعنصر فاعل ومؤطر ثوري لخلية المدن، وقد حكى لنا عن البداية بقوله: «تعرفت على دهكون في سنة 1962 عندما انتقلت بمعية أخي من مكناس لمتابعة دراستنا بالرباط سلا.وقد اشتغلنا الى جانب دهكون، كتلاميذ اتحاديين بشكل فاعل في حملة مقاطعة الدستور الذي صادفت شهر دجنبر 1962، وكانت هناك مجموعة جاءت من أكادير، بعد الزلزال الذي دمر هذه المدينة، ومجموعات قادمة من فكيك ووجدة، مثل توفيق الادريسي ويوس مصطفى وأجدايني مصطفى. وكانت حملة المقاطعة شرسة، تلتها الانتخابات وحملتها التي قمنا فيها بالدعاية لمرشح الاتحاد الوطني للقوات الشعبية آنذاك الأخ المهدي العلوي ضد الأستاذ سيدي بوبكر القادري الذي كان يكن له السلاويون تبجيلا خاصا». وعند ذكر الأستاذ بوبكر القادري يفتح عباس بودرقة القوس ليقدم شهادة «سيحفظها له التاريخ» في حق هذا المجاهد الجليل وجاء فيها (في إطار تحركات التلاميذ الاتحاديين من أجل دعم المرشح الاتحادي ونسف حظوظ المجاهد أبو بكر القادري، قمنا بعدة إضرابات في المدرسة، وكان رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب آنذاك حميد برادة، الصحفي المعروف حاليا، يقوم بالتنسيق مع التلاميذ بعد أن اقتنع بضرورة إلحاقهم بالعمل الطلابي استلهاما للنموذج الأمريكو لاتيني.
وعندما اندلعت الإضرابات بدأ سيدي بوبكر القادري، باعتباره مدير المدرسة، يتجول في الأقسام ويقرّع التلاميذ وبوبخهم، ويتوعد المخربين، وقد جاء على لسانه أنه لن يسمح بالفوضى ثم تساءل: «اشكون هاذ الفوضويين اللي كيخلقوا البلبلة»، فوقف عمر والمجموعة وقالوا «نحن»، فما كان من المجاهد القادري إلا أن قال «أهنئكم وأهنىء حزبكم على هذه الشجاعة».
ومن جهة أخرى، كان الأثرياء السلاويون يعمدون الى انتقاء بعض التلاميذ من المدرسة ليساعدوا أبناءهم على الدراسة في البيت، فاختار الأستاذ القادري من بين التلاميذ الاتحاديين من يدرس أبناء الأثرياء السلاويين مقابل بعض المال.
أول مسدس، لأول نواة
عمر دهكون رجل صموت، متكتم، دمث الأخلاق، كلامه أميل الى الهمس أكثر منه زعيق، يمتلك قدرة كبيرة على الإقناع وفرض كلمته، يسوس من معه بلباقته وقوة حجته، هذا البورتريه رسمه كل الذين سألناهم عن شخص عمر العادي، في المعاملات والسلوك والسجايا، ولعل ذلك ما خوله القدرة على تنظيم النواة الأولى، في مستهل سنة 1962 و 1963، وفي تلك الفترة بالضبط حصلت الجماعة الشبابية علي أول مسدس، وحكايته أن أحد أصدقاء السلاح وقتها، يعمل حاليا استاذا كان أخوه يعمل في القاعدة الأمريكية بالقنيطرة واستطاع أن يحصل على مسدس سلمه لرفاقه من مقاتلي مدرسة النهضة.
لايمكن في الواقع، رصد تطور الأنوية الأولى للعمل السري عند عمر دهكون ومن معه، بدون الرجوع الى التاريخ الحامل لمغرب الاستقلال في مجال تنظيم المواجهة ما بين امتدادات الحركة الوطنية وحركة التحرير الشعبية وبين النظام بكل تركيبته الموروثة عن التاريخ أو عن الهياكل الاستعمارية، بثقافتها ورجالاتها ورهاناتها في تلك المرحلة، ومن خلال سرد كرونولوجيا لأهم هذه الأحداث، يتبين أن بعض المجموعات والمناضلين الكفاحيين ظلوا متشبثين بخيار المواجهة الجذرية، ومنهم من سيعمل في إطار التنظيم الجديد بعد إعادة تفعيله من طرف دهكون ورفاقه.
وقد جاء في كتاب عبد القادر بن بركة والمعنون ب « المهدي بن بركة، شقيقي»، كرونولوجيا لأهم هذه الأحداث منذ أحداث الريف (أكتوبر 1958) والانتفاضة التي صاحبتها، وهي الأحداث التي تمرس فيها أوفقير على التنكيل بالجسد المغربي والانسان المغربي ، وانتهاء بمحاكمات السبعينيات، ولعل ما يلفت الانتباه حقا في هذه المحطات عدد المرات التي نسب فيها للمناضلين التقدميين والوطنيين استهداف حياة الملك الراحل، سواء عندما كان وليا للعهد أو بعد ذلك، وأول مؤامرة ضد حياة ولي العهد الحسن الثاني تزامنت فيها محاكمة الحزب الشيوعي المغربي في أكتوبر 1959 (بعد ما صدر ظهير يحل الحزب)، ثم الحملات القمعية الأولي (دجنبر 1959) ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بعد مرور أقل من ثلاثة أشهر على المحاكمة الأولى، وتواصلت الى حدود فبراير 1960، وتلت هذه المحاكمات هبة الأطلس المتوسط في نفس الشهر من نفس السنة والتي حوكم المتهمون فيها في سنة 1967! وقتها صدر الحكم بالاعدام ضد بن حمو والأشغال الشاقة ضد البشير الزموري اضافة الى أحكام قاسية أخرى.
أما المؤامرة الثانية التي استهدفت ولي العهد الحسن الثاني، فقد انتهت باعدام بن حمو الفواخري ومحمد أزناك وهما مقاومان سابقان، الى جانب أحكام أخرى تراوحت بين 10 و 25 سنة، ثم جاءت