رئيس الاتحاد الإسباني لمنظمات الأعمال: كأس العالم 2030 رافعة للنمو والتكامل للمغرب واسبانيا والبرتغال    مدرب نيجيريا: الجدل التحكيمي سببه ضعف التواصل حول القوانين قبل كأس إفريقيا    استقرار نسبي في الأحوال الجوية بالمغرب بعد موجة من التقلبات    مصباح شفشاون يتضامن مع ضحايا الفيضانات ويشدد على أهمية التدخل العاجل لإعادة تأهيل البنية التحتية    قطاع الفلاحة بشفشاون يقوم بإجراءات استعجالية لحماية المواشي وكرمة يكشف أهمها    عداؤون من رياضيي الأمن الوطني يشاركون في بطولة الشرطة العربية للعدو الحر        فيضانات الشمال.. تأجيل سداد القروض لمدة شهرين وإلغاء رسوم السحب لدى "البريد بنك"    محادثات في مدريد بحضور الأطراف المعنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن على أساس الحكم الذاتي    سيدي سليمان.. توزيع الشعير والأعلاف المركبة لفائدة مربي الماشية المتضررين من الفيضانات يشكل مرحلة أولى ستعقبها أشطر أخرى من الدعم    توقيف مروج أقراص مخدرة بمكناس وحجز أزيد من 1700 قرص مهلوس    تشققات خطيرة بطريق أونان تعزل دواوير بإقليم شفشاون    وعي الأجيال: كيف كسر العالم الرقمي قيود الجاهلية؟    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    الكتابة الإقليمية بالصخيرات–تمارةتدعو إلى تحسين الخدمات الاجتماعية    مساء اليوم في برنامج "مدارات " بالإذاعة الوطنية: حوار الفكر والإبداع مع الأديبة لطيفة المسكيني    هيئة النزاهة: تصنيف المغرب في مجال الرشوة ومحاربة الفساد دون مستوى الانتظارات    أساتذة مدرسة عبد بن ياسين بالحسيمة يحتجون على تأخر صرف منحة "رائدة" ويهددون بالتصعيد    فنانة مغربية ضمن برنامج «مستقبليّات»: مفردات تكشف عن أسماء النسخة الثانية من مبادرتها الفنية العربية    سهرة شيوخ العيطة تحط الرحال بالدار البيضاء بعد نجاح دورتها الثالثة بالرباط    الفنان العياشي الشليح أستاذ الآلة وأحد الأعضاء الموسيقيين الأوائل .. ورقة أخرى تسقط من تاريخ الموسيقى الأندلسية    سد وادي المخازن يصل إلى 167 في المائة بعد استقباله 105 مليون متر مكعب في يوم واحد    الجديدة : العمل المشترك بين رئيس المحكمة ووكيل الملك مكن من تحقيق النجاعة القضائية        عمر الشرقاوي يفكك دلالات برقية التهنئة الملكية لمحمد شوكي وسلفه عزيز أخنوش    نتانياهو يلتقي ترامب وصواريخ إيران على رأس جدول الأعمال    طانطان .. ارتفاع الكميات المفرغةالصيد الساحلي والتقليدي خلال 2025    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال 24 ساعة الماضية    لحاق الصحراوية 2026: متسابقات يصنعن ملحمة رياضية بين الكثبان والبحر    توتر داخل الكاف قبل اجتماع دار السلام واحتمال غياب عدد من الأعضاء    النادي الصفاقسي يلوّح بالانسحاب من الدوري التونسي احتجاجًا على قرارات التحكيم    لابورتا يتأهب لخوض انتخابات جديدة على رئاسة برشلونة    انتقادات تلاحق عمدة الدار البيضاء بسبب رفضها مناقشة الدور الآيلة للسقوط وعمليات هدم الأسواق    حقينات السدود ترتفع إلى أزيد من 11,4 مليار متر مكعب بنسبة ملء تفوق 68 في المائة    تراجع أسعار النفط في ظل تقييم مخاطر الإمدادات    تقارير فرنسية .. الركراكي متمسك بمغادرة تدريب المنتخب            أنفوغرافيك | عمالقة روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي    الصين: أكثر من 1,4 مليار رحلة في الأسبوع الأول من موسم السفر بمناسبة عيد الربيع    "مستر بيست" يستثمر في بنك لجذب "الجيل زد"    أتمسك بحقي في الصمت".. غلين ماكسويل ترفض الإدلاء بشهادتها أمام لجنة الرقابة بالكونغرس الأمريكي    دراسة تثبت نجاعة تمارين الدماغ في الحدّ من خطر الإصابة بالخرف    الشرطة الكورية تداهم مقر المخابرات    ترامب يطالب بحصة في جسر مع كندا    المغرب يشارك في الدورة ال 61 لبينالي البندقية برواق في قلب "أرسينالي"    صدور كتاب نقدي جديد حول أنثروبولوجيا السرد الروائي بالمغرب للباحث والروائي أحمد بن شريف    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    صادم.. المغرب ضمن قائمة العشر دول الأكثر احتضانا في العالم لمرضى السكري من النوع الأول    اللّيْل... ماهو وما لونه؟    ظلمات ومثالب الحداثة    منظمة الصحة العالمية تستأنف برامج التطعيم ضد الكوليرا    العواصف والشدائد والمحن والمخاوف ومنسوب الإيمان لدى المغاربة    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اختلاف المفسرين في الرسل المذكورين في سورة يس
نشر في أخبارنا يوم 24 - 10 - 2011


السؤال:
هل هؤلاء الرسل الثلاث الذين ذُكروا في سورة " يس " في قصة أصحاب القرية – هم من رسل الله -، قال تعالى : ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ) ؟
الجواب :
الحمد لله
اختلف المفسرون في هؤلاء الرسل الثلاثة الذين ضرب الله بقصتهم مثلا في سورة " يس "، هل هم من رسل الله عز وجل ، أم من أصحاب المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، وذلك على قولين :
القول الأول : أنهم رسل الله تعالى ، ورسله عز وجل كثيرون ، كما قال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) غافر/78.
يروى هذا القول عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه ، لكن الإسناد إليهم لا يصح ، حيث يرويه الطبري في " جامع البيان " (20/500) وفي إسناده انقطاع ظاهر ، ونقله ابن تيمية في " الجواب الصحيح " (2/247) من كلام أبي العالية حيث قال عنهم : " قالوا : نحن رسل رب العالمين "
واختار هذا القول من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية ، والحافظ ابن كثير ، واعتمده أيضا العلامة السعدي في " تيسير الكريم الرحمن " (ص/693)
ويمكن أن يستدل له بما يأتي :
أولا : جواب أهل القرية لهؤلاء المرسلين كان بقولهم : ( ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا )، وهذا الجواب حكاه القرآن الكريم عن تكذيب الكفار لرسل الله ، فقد كانوا يريدون إرسال الملائكة بدلا من البشر ، ولو كانوا رسلا لعيسى عليه السلام لم ينكر أصحاب القرية رسالتهم بهذه الحجة .
ثانيا : ظاهر القرآن الكريم يدل على أنهم رسل الله مباشرة ، وذلك في قوله تعالى : ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) فنسب الإرسال إلى نفسه عز وجل بضمير الجمع ( أرسلنا ) .
القول الثاني : أنهم رسل المسيح عيسى بن مريم ، بعثهم إلى مدينة " أنطاكية "، وقد روى هذا القول جماعة من العلماء عن قتادة فيما بلغه ، واعتمده أكثر المفسرين وقدموه في تفسيرهم للآيات ، بل قال ابن كثير: "هو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره" انتهى من " تفسير القرآن العظيم" (6/573)
انظر : " تفسير البغوي " (7/10)، " الكشاف " (4/7)، " التسهيل لعلوم التنزيل " لابن جزي (2/180)، "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" لأبي السعود (7/161)، "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" للبيضاوي (4/ 264)، "مفاتيح الغيب" للرازي (26/260)، "فتح القدير " للشوكاني (4/417)
قال قتادة رحمه الله :
" ذُكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية -مدينة بالروم- فكذبوهما فأعزهما بثالث " انتهى رواه الطبري بإسناده في " جامع البيان " (20/500)
ودليل هذا القول هو النقل عن قتادة فقط ، وإلا فليس في سياق القصة في القرآن الكريم تصريح ولا تلميح بذلك .
ثم أجابوا عن أدلة القول الأول بما يأتي :
أولا : اعتراض أصحاب القرية بكون الرسل بشرا هو من التعنت الذي اعتاده المكذبون ، والمتعنت لا فرق عنده بين رسل الله المباشرين ورسل عيسى عليه السلام ، فهو يبحث عن الجدال العقيم ، ويتذرع بأي شبهة ليكذب بها الرسل ، فيستعمل هذا الجواب الداحض لكل من ذكَّره بالله ، وأَمَرَه بالإيمان به وحده لا شريك له .
ثانيا : أما الإسناد إلى ضمير الجمع ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) قالوا هو على سبيل المجاز ، فإن رسل عيسى هم رسل الله عز وجل أيضا ، ولكن بالواسطة ، فجاز في اللغة نسبتهم إلى المرسِل الأول .
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مناقشة هذا الموضوع في كتابه العظيم " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح "، وذلك في معرض الجواب عن دعوى من يقول إن الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام كانوا من الرسل أو من الأنبياء ، وبعضهم يستدل بهذه الآيات في سورة يس ، فبين بوجوه كثيرة أن الرسل الثلاثة الوارد ذكرهم في سورة يس هم رسل الله أرسلوا إلى تلك القرية قبل بعث المسيح عليه السلام .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" بعضهم يقول : إن المسيح أرسلهم في حياته .
لكن المعروف عند النصارى أن أهل أنطاكية آمنوا بالحواريين واتبعوهم ، لم يهلك الله أهل أنطاكية ، والقرآن يدل على أن الله أهلك قوم هذا الرجل الذي آمن بالرسل .
وأيضا فالنصارى يقولون : إنما جاءوا إلى أهل أنطاكية بعد رفع المسيح ، وأن الذين جاءوا كانوا اثنين لم يكن لهما ثالث ، قيل : أحدهما شمعون الصفا ، والآخر بولص ، ويقولون إن أهل أنطاكية آمنوا بهم ، ولا يذكرون حبيب النجار ، ولا مجيء رجل من أقصى المدينة ، فالأمر المنقول عند النصارى أن هؤلاء المذكورين في القرآن ليسوا من الحواريين ، وهذا أصح القولين عند علماء المسلمين وأئمة المفسرين ، وذكروا أن المذكورين في القرآن في سورة يس ليسوا من الحواريين بل كانوا قبل المسيح ، وسموهم بأسماء غير الحواريين ; كما ذكر محمد بن إسحاق .
وهذا القول هو الصواب ، وأن هؤلاء المرسلين كانوا رسلا لله قبل المسيح ، وأنهم كانوا قد أرسلوا إلى أنطاكية ، وآمن بهم حبيب النجار ، فهم كانوا قبل المسيح ، ولم تؤمن أهل المدينة بالرسل ؛ بل أهلكهم الله تعالى كما أخبر في القرآن ، ثم بعد هذا عمرت أنطاكية وكان أهلها مشركين حتى جاءهم من جاءهم من الحواريين ، فآمنوا بالمسيح على أيديهم ، ودخلوا دين المسيح .
ويقال إن أنطاكية أول المدائن الكبار الذين آمنوا بالمسيح - عليه السلام - وذلك بعد رفعه إلى السماء ، ولكن ظن من ظن من المفسرين أن المذكورين في القرآن هم رسل المسيح وهم من
الحواريين ، وهذا غلط لوجوه :
منها : أن الله قد ذكر في كتابه أنه أهلك الذين جاءتهم الرسل ، وأهل أنطاكية لما جاءهم من دعاهم إلى دين المسيح آمنوا ولم يهلكوا .
ومنها : أن الرسل في القرآن ثلاثة ، وجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى ، والذين جاءوا من أتباع المسيح كانوا اثنين ، ولم يأتهم رجل يسعى ، لا حبيب ، ولا غيره .
ومنها : أن هؤلاء جاءوا بعد المسيح ، فلم يكن الله أرسلهم .
ومعلوم عند الناس أن أهل أنطاكية لم يصبهم ذلك بعد مبعث المسيح ، بل آمنوا قبل أن يبدل دينه ، وكانوا مسلمين مؤمنين به على دينه إلى أن تبدل دينه بعد ذلك .
ومما يبين ذلك أن المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراة لم يهلك الله مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم ; كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم ، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار ; كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة ، وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذاب من السماء ، فدل ذلك على أن هؤلاء الرسل المذكورين في يس كانوا قبل موسى عليه السلام .
وأيضا فإن الله لم يذكر في القرآن رسولا أرسله غيرُه ، وإنما ذكر الرسل الذين أرسلهم هو .
وأيضا فإنه قال : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ) يس/14، فأخبر أنه أرسلهم ; كما أخبر أنه أرسل نوحا وموسى وغيرهما .
وفي الآية : ( قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء ) يس/15، ومثل هذا هو خطاب المشركين لمن قال : إن الله أرسله وأنزل عليه الوحي لا لمن جاء رسولا من عند رسول .
وقد قال بعد هذا : ( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) يس/30.
وهذا إنما هو في الرسل الذين جاءوهم من عند الله ، لا من عند رسله .
وأيضا فإن الله ضرب هذا مثلا لمن أرسل إليه محمدا صلى الله عليه وسلم يحذرهم أن ينتقم الله منهم ; كما انتقم من هؤلاء ، ومحمد إنما يضرب له المثل برسول نظيره ، لا بمن أصحابه أفضل منهم ، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا أفضل من الحواريين باتفاق علماء المسلمين ، ولم يبعث الله بعد المسيح رسولا ، بل جعل ذلك الزمان زمان فترة .
وأيضا فإنه قال تعالى : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ) يس/14 ، ولو كانوا رسل رسول ، لكان التكذيب لمن أرسلهم ، ولم يكن في قولهم : ( إن أنتم إلا بشر مثلنا شبهة ) فإن أحدا لا ينكر أن يكون رسل رسل الله بشرا ، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشرا .
وأيضا : فلو كان التكذيب لهما وهما رسل الرسول ، لأمكنهما أن يقولا : فأرسلوا إلى من أرسلنا أو إلى أصحابه ، فإنهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه ، بخلاف ما إذا كانا رسل الله .
وأيضا فقوله : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين ) يس/14، صريح في أن الله هو المرسل ، ومن أرسلهم غيره إنما أرسلهم ذلك لم يرسلهم الله ; كما لا يقال لمن أرسله محمد بن عبد الله إنهم رسل الله ، فلا يقال لدحية بن خليفة الكلبي أن الله أرسله ، ولا يقال ذلك للمغيرة بن شعبة وعبد الله بن حذافة وأمثالهما ممن أرسلهم الرسول .
ومعلوم أنه لا يقال في هؤلاء : إن الله أرسلهم ، ولا يسمون عند المسلمين رسل الله ، ولا يجوز باتفاق المسلمين أن يقال هؤلاء داخلون في قوله : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) الحديد/25.
فإذا كانت رسل محمد صلى الله عليه وسلم لم يتناولهم اسم " رسل الله " في الكتاب الذي جاء به ، فكيف يجوز أن يقال : إن هذا الاسم يتناول رسل رسول غيره " انتهى باختصار من " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " (2/245-255)، وقد اختصر ابن كثير كلام شيخه ابن تيمية ، وأعاد صياغة الردود ، وذلك في " تفسير القرآن العظيم " (6/573-574) .
وبهذا يتبين صحة القول الأول الذي هو " ظاهر القرآن " كما قال ابن الجوزي رحمه الله في " زاد المسير " (3/521)، وإن رجح في " المنتظم " (2/31) القول الثاني .
والله أعلم .
الإسلام سؤال وجواب
.
الدعاء بالستر والعفة والحياء
أخبارنا المغربية
السؤال:
هل هؤلاء الرسل الثلاث الذين ذُكروا في سورة " يس " في قصة أصحاب القرية – هم من رسل الله -، قال تعالى : ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ) ؟
الجواب :
الحمد لله
اختلف المفسرون في هؤلاء الرسل الثلاثة الذين ضرب الله بقصتهم مثلا في سورة " يس "، هل هم من رسل الله عز وجل ، أم من أصحاب المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ، وذلك على قولين :
القول الأول : أنهم رسل الله تعالى ، ورسله عز وجل كثيرون ، كما قال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) غافر/78.
يروى هذا القول عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه ، لكن الإسناد إليهم لا يصح ، حيث يرويه الطبري في " جامع البيان " (20/500) وفي إسناده انقطاع ظاهر ، ونقله ابن تيمية في " الجواب الصحيح " (2/247) من كلام أبي العالية حيث قال عنهم : " قالوا : نحن رسل رب العالمين "
واختار هذا القول من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية ، والحافظ ابن كثير ، واعتمده أيضا العلامة السعدي في " تيسير الكريم الرحمن " (ص/693)
ويمكن أن يستدل له بما يأتي :
أولا : جواب أهل القرية لهؤلاء المرسلين كان بقولهم : ( ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا )، وهذا الجواب حكاه القرآن الكريم عن تكذيب الكفار لرسل الله ، فقد كانوا يريدون إرسال الملائكة بدلا من البشر ، ولو كانوا رسلا لعيسى عليه السلام لم ينكر أصحاب القرية رسالتهم بهذه الحجة .
ثانيا : ظاهر القرآن الكريم يدل على أنهم رسل الله مباشرة ، وذلك في قوله تعالى : ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) فنسب الإرسال إلى نفسه عز وجل بضمير الجمع ( أرسلنا ) .
القول الثاني : أنهم رسل المسيح عيسى بن مريم ، بعثهم إلى مدينة " أنطاكية "، وقد روى هذا القول جماعة من العلماء عن قتادة فيما بلغه ، واعتمده أكثر المفسرين وقدموه في تفسيرهم للآيات ، بل قال ابن كثير: "هو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره" انتهى من " تفسير القرآن العظيم" (6/573)
انظر : " تفسير البغوي " (7/10)، " الكشاف " (4/7)، " التسهيل لعلوم التنزيل " لابن جزي (2/180)، "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" لأبي السعود (7/161)، "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" للبيضاوي (4/ 264)، "مفاتيح الغيب" للرازي (26/260)، "فتح القدير " للشوكاني (4/417)
قال قتادة رحمه الله :
" ذُكر لنا أن عيسى ابن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية -مدينة بالروم- فكذبوهما فأعزهما بثالث " انتهى رواه الطبري بإسناده في " جامع البيان " (20/500)
ودليل هذا القول هو النقل عن قتادة فقط ، وإلا فليس في سياق القصة في القرآن الكريم تصريح ولا تلميح بذلك .
ثم أجابوا عن أدلة القول الأول بما يأتي :
أولا : اعتراض أصحاب القرية بكون الرسل بشرا هو من التعنت الذي اعتاده المكذبون ، والمتعنت لا فرق عنده بين رسل الله المباشرين ورسل عيسى عليه السلام ، فهو يبحث عن الجدال العقيم ، ويتذرع بأي شبهة ليكذب بها الرسل ، فيستعمل هذا الجواب الداحض لكل من ذكَّره بالله ، وأَمَرَه بالإيمان به وحده لا شريك له .
ثانيا : أما الإسناد إلى ضمير الجمع ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) قالوا هو على سبيل المجاز ، فإن رسل عيسى هم رسل الله عز وجل أيضا ، ولكن بالواسطة ، فجاز في اللغة نسبتهم إلى المرسِل الأول .
وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مناقشة هذا الموضوع في كتابه العظيم " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح "، وذلك في معرض الجواب عن دعوى من يقول إن الحواريين أصحاب عيسى عليه السلام كانوا من الرسل أو من الأنبياء ، وبعضهم يستدل بهذه الآيات في سورة يس ، فبين بوجوه كثيرة أن الرسل الثلاثة الوارد ذكرهم في سورة يس هم رسل الله أرسلوا إلى تلك القرية قبل بعث المسيح عليه السلام .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" بعضهم يقول : إن المسيح أرسلهم في حياته .
لكن المعروف عند النصارى أن أهل أنطاكية آمنوا بالحواريين واتبعوهم ، لم يهلك الله أهل أنطاكية ، والقرآن يدل على أن الله أهلك قوم هذا الرجل الذي آمن بالرسل .
وأيضا فالنصارى يقولون : إنما جاءوا إلى أهل أنطاكية بعد رفع المسيح ، وأن الذين جاءوا كانوا اثنين لم يكن لهما ثالث ، قيل : أحدهما شمعون الصفا ، والآخر بولص ، ويقولون إن أهل أنطاكية آمنوا بهم ، ولا يذكرون حبيب النجار ، ولا مجيء رجل من أقصى المدينة ، فالأمر المنقول عند النصارى أن هؤلاء المذكورين في القرآن ليسوا من الحواريين ، وهذا أصح القولين عند علماء المسلمين وأئمة المفسرين ، وذكروا أن المذكورين في القرآن في سورة يس ليسوا من الحواريين بل كانوا قبل المسيح ، وسموهم بأسماء غير الحواريين ; كما ذكر محمد بن إسحاق .
وهذا القول هو الصواب ، وأن هؤلاء المرسلين كانوا رسلا لله قبل المسيح ، وأنهم كانوا قد أرسلوا إلى أنطاكية ، وآمن بهم حبيب النجار ، فهم كانوا قبل المسيح ، ولم تؤمن أهل المدينة بالرسل ؛ بل أهلكهم الله تعالى كما أخبر في القرآن ، ثم بعد هذا عمرت أنطاكية وكان أهلها مشركين حتى جاءهم من جاءهم من الحواريين ، فآمنوا بالمسيح على أيديهم ، ودخلوا دين المسيح .
ويقال إن أنطاكية أول المدائن الكبار الذين آمنوا بالمسيح - عليه السلام - وذلك بعد رفعه إلى السماء ، ولكن ظن من ظن من المفسرين أن المذكورين في القرآن هم رسل المسيح وهم من
الحواريين ، وهذا غلط لوجوه :
منها : أن الله قد ذكر في كتابه أنه أهلك الذين جاءتهم الرسل ، وأهل أنطاكية لما جاءهم من دعاهم إلى دين المسيح آمنوا ولم يهلكوا .
ومنها : أن الرسل في القرآن ثلاثة ، وجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى ، والذين جاءوا من أتباع المسيح كانوا اثنين ، ولم يأتهم رجل يسعى ، لا حبيب ، ولا غيره .
ومنها : أن هؤلاء جاءوا بعد المسيح ، فلم يكن الله أرسلهم .
ومعلوم عند الناس أن أهل أنطاكية لم يصبهم ذلك بعد مبعث المسيح ، بل آمنوا قبل أن يبدل دينه ، وكانوا مسلمين مؤمنين به على دينه إلى أن تبدل دينه بعد ذلك .
ومما يبين ذلك أن المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراة لم يهلك الله مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم ; كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم ، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار ; كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة ، وهذه القرية أهلك الله أهلها بعذاب من السماء ، فدل ذلك على أن هؤلاء الرسل المذكورين في يس كانوا قبل موسى عليه السلام .
وأيضا فإن الله لم يذكر في القرآن رسولا أرسله غيرُه ، وإنما ذكر الرسل الذين أرسلهم هو .
وأيضا فإنه قال : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ) يس/14، فأخبر أنه أرسلهم ; كما أخبر أنه أرسل نوحا وموسى وغيرهما .
وفي الآية : ( قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء ) يس/15، ومثل هذا هو خطاب المشركين لمن قال : إن الله أرسله وأنزل عليه الوحي لا لمن جاء رسولا من عند رسول .
وقد قال بعد هذا : ( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) يس/30.
وهذا إنما هو في الرسل الذين جاءوهم من عند الله ، لا من عند رسله .
وأيضا فإن الله ضرب هذا مثلا لمن أرسل إليه محمدا صلى الله عليه وسلم يحذرهم أن ينتقم الله منهم ; كما انتقم من هؤلاء ، ومحمد إنما يضرب له المثل برسول نظيره ، لا بمن أصحابه أفضل منهم ، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا أفضل من الحواريين باتفاق علماء المسلمين ، ولم يبعث الله بعد المسيح رسولا ، بل جعل ذلك الزمان زمان فترة .
وأيضا فإنه قال تعالى : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ) يس/14 ، ولو كانوا رسل رسول ، لكان التكذيب لمن أرسلهم ، ولم يكن في قولهم : ( إن أنتم إلا بشر مثلنا شبهة ) فإن أحدا لا ينكر أن يكون رسل رسل الله بشرا ، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشرا .
وأيضا : فلو كان التكذيب لهما وهما رسل الرسول ، لأمكنهما أن يقولا : فأرسلوا إلى من أرسلنا أو إلى أصحابه ، فإنهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه ، بخلاف ما إذا كانا رسل الله .
وأيضا فقوله : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين ) يس/14، صريح في أن الله هو المرسل ، ومن أرسلهم غيره إنما أرسلهم ذلك لم يرسلهم الله ; كما لا يقال لمن أرسله محمد بن عبد الله إنهم رسل الله ، فلا يقال لدحية بن خليفة الكلبي أن الله أرسله ، ولا يقال ذلك للمغيرة بن شعبة وعبد الله بن حذافة وأمثالهما ممن أرسلهم الرسول .
ومعلوم أنه لا يقال في هؤلاء : إن الله أرسلهم ، ولا يسمون عند المسلمين رسل الله ، ولا يجوز باتفاق المسلمين أن يقال هؤلاء داخلون في قوله : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) الحديد/25.
فإذا كانت رسل محمد صلى الله عليه وسلم لم يتناولهم اسم " رسل الله " في الكتاب الذي جاء به ، فكيف يجوز أن يقال : إن هذا الاسم يتناول رسل رسول غيره " انتهى باختصار من " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " (2/245-255)، وقد اختصر ابن كثير كلام شيخه ابن تيمية ، وأعاد صياغة الردود ، وذلك في " تفسير القرآن العظيم " (6/573-574) .
وبهذا يتبين صحة القول الأول الذي هو " ظاهر القرآن " كما قال ابن الجوزي رحمه الله في " زاد المسير " (3/521)، وإن رجح في " المنتظم " (2/31) القول الثاني .
والله أعلم .
الإسلام سؤال وجواب
.
الدعاء بالستر والعفة والحياء


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.