جلالة الملك يعين الأعضاء الجدد للمجلس الوطني لحقوق الانسان + "اللائحة الكاملة"    محامي بوعشرين، المتهم بالفساد والنصب، يحاول عرقلة جلسة المحاكمة    غالي معلقا على تقرير الرميد: “كأنه يقول للمغاربة إذا أردتم الاستفادة من خدمات صحية مناسبة ادخلوا السجن”    فوج جديد من المحافظين القضائيين والمهندسين يؤدون اليمين القانونية    دفاع المشتكيات يطالب بحضور مجلس بوعياش.. والقاضي يؤجل الجلسة إلى 26 يوليوز الجاري    مزوار في خروج إعلامي غير مقنع: طريقة عملي لا يفهمها الجميع وسأبقى رئيسا حتى نهاية ولايتي    الحرس الثوري الإيراني يعلن “مصادرة” ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز    45 دقيقة تفصل الجزائر عن لقب كأس إفريقيا    دخول مجاني لمشجعي المنتخب الجزائري في نهائي كأس أمم إفريقيا    الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم توقف أنشطة الوسطاء الرياضيين    هشام الكروج يُفاجئ أحيزون ويطعن في ترشِيحه لولاية ثالثة    إيقاف مروج للمخدرات موضوع مذكرة بحث ضواحي سطات    أمزازي يصف حصيلة تعميم التعليم الأولي ب”الإيجابية”    مناهضو عقوبة الإعدام يرفضون الأحكام الصادرة في حق منفذي جريمة “شمهروش” ويطالبون بإلغائها    بعد فيديو “تعنيف” ممتهنات التهريب المعيشي.. لجنة تفتيش تحُل بمعبر باب سبتة    الشاب بلال ويوري مرقدي يحييان سهرات مهرجان «جوهرة» بالجديدة    الكشف عن أكبر حزام من الفضة في العالم بتيزنيت خلال حفل افتتاح النسخة العاشرة لمهرجان “تيميزار”    التشكيلة الرسمية للجزائر ضد السينغال    الجزائريون يتظاهرون من جديد وعيونهم على النهائي الافريقي    منير بنصالح رسميا أمينا عاما للمجلس الوطني لحقوق الإنسان    توقعات مديرية الأرصاد لطقس يوم غد السبت    إسماعيل حمودي.. «البيجيدي» وتحويل الاتجاه ممكن    الشرطة الفرنسية تتأهب لاحتفالات نهائي أمم أفريقيا    دي ليخت يكشف سبب تفضيله يوفنتوس على برشلونة وسان جرمان    تطوان تحتضن مراسيم تنظيم حفل الولاء في عيد العرش    قادة في حركة الاحتجاج بالسودان يعلنون تأجيل مفاوضات الجمعة مع المجلس العسكري    الجريني حكم في برنامج مواهب عربي    نصائح لحماية أسنانك من “لون القهوة”    دراسة: بذور اليقطين تحمي من مرض السكري والتهاب المفاصل    الاحتفال السنوي بموسم مولاي إدريس الأكبر    حمد الله يرفض الالتحاق بمعسكر فريقه لهذا السبب !    مهرجان للطفل في قلب مهرجان السينما بتازة.. السوحليفة وسنبلة ولبيض ضيوفه    مكتب المطارات يوقع على اتفاقية لتسهيل التشغيل في إطار برنامج تأهيل    جمال السلامي مساعدا لبوميل في تدريب المنتخب المغربي    ميركل تنتقد تعليقات ترامب تجاه أربع نائبات يمثلن الأقليات بأمريكا    أربع شقيقات توائم من القدس يحصلن على نتيجة التفوق في "التوجيهي    ملاحظات واقتراحات بشأن المعرض الجهوي للكتاب بالسعيدية    الحرس الثوري: سننشر صورا تدحض ادعاء ترامب إسقاط طائرة إيرانية    الكونغو الديمقراطية تفرض إلزامية غسل اليدين بمناطق تفشي إيبولا    فاس تحتضن المهرجان الوطني ال17 لفن الملحون    نمو التجارة الإلكترونية يستمر في الارتفاع    رسميا.. بداية تفعيل اتفاق الصيد البحري الجديد بين المغرب والاتحاد الأوروبي    أمير المؤمنين يوجه رسالة سامية إلى الحجاج بمناسبة سفر أول فوج منهم إلى الديار المقدسة    مبدعون في حضرة آبائهم 17 : محمد العمري ، علاقتي بالوالد رحمه الله استيعاب وانفصال    شفشاون على موعد جديد مع مهرجان الشعر    البكوري يشارك بنيويورك في اجتماع حول تسريع الاستثمار في الطاقات النظيفة بإفريقيا    هولندا تحظر النقاب في المدارس و المباني العامة وتغرم المخالفين “150 يورو”    « أونسا » تحجز 972 طنا من المنتجات الغدائية غير الصالحة    فرنسيون بمير اللفت لتصوير فيلم سينمائي    "فوربس"تكشف عن أكثر الشخصيات المؤثرة على الأنترنيت في العالم    شباك وحيد للناجيات من العنف    مجلس المنافسة يحقق بأسواق الجملة    بسبب التهرب الضريبي.. أمزازي يحذّر « لوبي المدارس الخاصة »    ” بيجيدي” يواصل صفع بنكيران    شُبهة القتل تحوم حول جثة شاب عُثر عليه مشنوقا نواحي الحسيمة    استعدادا لموسم الحج.. رفع كسوة الكعبة ثلاثة أمتار    يزداد ليلاً وقد يخف صباحاً.. للألم أيضاً إيقاع وساعة خاصة به    جسوس : لا أمل من ممارسة الرياضة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قصصُ أطفالٍ تُسافرُ بأحلامٍ مُؤجَّلةٍ!

أمسيةً أدبيّةً للكاتبةِ عايدة الخطيب أقامَها نادي حيفا الثقافي، والمجلسُ المِلّيّ الأرثوذكسيّ في حيفا، واتّحادُ الكرمل للأدباءِ الفلسطينيّين، في قاعةِ كنيسةِ ماريوحنا الأرثوذكسيّة في حيفا، بتاريخ 28-1-2016، ووسط حضورٍ مِن أدباءَ وأقرباءَ وأصدقاء، وذلك لمناقشةِ أعمالِها الأدبيّةِ مِن قصصِ الأطفال، وقد تولّى عرافة الأمسيةِ الكاتب زياد شليوط، وتحدّثَ كلٌّ مِن د. بطرس دلة والكاتب نبيل عودة، وفي نهايةِ اللقاء شكرت المُحتفى بها الحضورَ والمُنظّمين والمُتحدّثين، وتمّ التقاطُ الصّور التذكاريّة!
مداخلة . بطرس دلة: الكاتبة عايدة الخطيب لها ثلاثة دواوين: الجوري عمرُهُ قصيرٌ، وحمامةُ منتصفُ الليل، وأحلامٌ مؤجّلة، وهي ابنة شفاعمرو، ومعروفة في أوساطِ أدب الأطفالِ أكثرَ منها في مجال الشعر، ولها أكثر مِن أربعين قصّة في أدب الأطفال، وبعضُ قصصِها أعيدت طباعتُها أكثرَ مِن مرّة، بسبب رَواجِها وإقبال الصّغار على قراءتِها، هذا وقد تُرجمَت لها بعضُ القصصِ إلى اللغةِ الإنجليزيّة، كما حازتْ على جائزة التفرّغ لأدب الأطفال عام 2000. كانت قد بدأت الكتابة في مرحلةٍ مُبكّرةٍ مِن دراستها الثانويّةِ في شفاعمرو، وأوّلَ مَن شجّعَها على الكتابةِ كان الأديب ناجي ظاهر النّصراويّ، والمرحوم البروفيسور نعيم عرايدة (بحسب قولها). وفي بابِ الشّعر قرأتُ لها منذ أكثرَ مِن عشر سنواتٍ "ديوان أحلام مؤجّلة"، وكتبتُ لها رسالة غيرَ شخصيّةٍ قلت فيها: أيّتها الشاعرة! لم أفاجأ بأحلامِكِ المؤجّلة، ولكنّني فوجئت بهذا التأجيل على ما فيهِ مِن عتاب كما في قول الشاعر: إذا ذهبَ العتابُ فليسَ وُدٌّ – ويبقى الودُّ ما بقيَ العتابُ!
في قصيدة "خفقات قلب" ما يَنمُّ عن مضمون الديوان كلّهِ، فتُصوّرُ متعةَ خفقاتِ القلب الأولى بالمحبّةِ الحقيقيّة، وترسمُها كلوحةٍ من أجملِ لوحاتِ الإنسانيّة عندما يتورّدُ الخدّانِ وتفتحُ أبوابَ الجنّة، فندخلها بدون استئذان وبغير جواز، وتُحلّق أرواحُنا مُشرِّعة أبوابَها للفرح، حيث لا مكانَ للحزن، وتعودين إلى الخفقةِ الثانيةِ، فتنقلبُ اللوعة والحبُّ الجميلُ إلى عتاب ومعاناة، ثمّ تُقرّرينَ خلعَ الحبيبِ مِن دائرةِ حياتك، وتُقرئينَهُ السلام لا بل الوداع! لذلك كلّه فإنّ أحلامَكِ مؤجّلة، فمَن هو هذا الذي نغّصَ عليكِ لهفة اللقاءِ في خفقةِ القلب الثانية؟! أهو الحبيبُ الإنسانُ، أم الحبيبُ الوطن الذي سُلبَ وصُلبَ على مذبح التضحيات، وعزّ فيهِ اللقاءُ الحقيقيّ، لقاءُ الاستقلال، ولقاءُ اللاجئين العائدين، وتبادل عواطف اللقاء الموعودين به؟ أنا كذلك أحلمُ بتحقيق حلم العودة وحلم الوطن الحُرّ المستقلّ، ولي بعد ذلك أحلامي الصغيرة الأخرى التي تتجدّدُ في كلّ يوم وليلةٍ، ولا نهاية لِما أحلمُ كإنسان، وكفلسطينيٍّ أسعى إلى تحقيق الأحلام في لوحاتِ الواقع! نحنُ لا نُؤجّلُ أحلامَنا، بل قد نؤجّلُ تحقيقها إذا ما تعذّرَ علينا ذلك، ومع هذا التأجيل قد نُطوّرُ أحلامَنا، لتتلاءمَ معَ الظروفِ التي نعيشُها، ولكنّنا نحلمُ أبدًا وسنحلم، لأنّهُ مِن الصّعب أن نُكبّلَ أحلامَنا، وأن نقصَّ أجنحتنا الخفّاقة برغم كلّ شيء. وجدتُ في بعضِ اللوحاتِ اللغويّة التي رُسمتْ بقلمِك، وفيها شيء مِن تجديد واستعاراتٍ جميلةٍ تحلّقين فيها كقولك: "بفتح ذراعيْهِ ليضمَّني/ أهربُ.. ألتفتُ ورائي/ فأرى الفرح يَمدُّ لسانَهُ/ ويهرب"!
هذه السّخريةُ اللطيفةُ تشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ ما كان قد قاله الشاعرُ الكبير إيليّا أبو ماضي في حديثِهِ، عندما ماتَ أحدُ أبنائِهِ ففارقتهُ السّعادة وقال: عَصَرَ الأسى روحي فسالتْ أدمُعا/ فلمَحتُها ولمَستُها في أدمُعي/ وعلمتُ حين العلمُ لا يُجدي الفتى/ أنّ التي ضيّعتها كانت معي!
تتحدّثين عن الفرح الهارب، وهو يتحدّثُ عن السّعادةِ المفقودة، والوصولُ لديكما واحدٌ، هو فقدانُ عناصرِ وأسبابِ التعلّق بالحياة، وهُما الفرحُ والسعادة! وفي مكانٍ آخرَ لفتتْ نظري توفيقة جميلة في عتاب الذاتِ في قولِك: "حينَ يُبدّلني حبيبي/ بأخرى/ لا أعاتبُه/ بل أعاتبُ نفسي/ لأنّي لم أحُكْ شبكةَ حُبِّنا بإتقان!" فما هذا التنازُلُ الغريبُ عن طبيعةِ المرأةِ التي تتنازلُ بهذهِ السّهولةِ، للمرأة الأخرى التي تُنافسُها في حُبِّ فتى أحلامِها ولا تغضب؟ ومع ذلك تُلملمينَ أشواقك المبعثرة عطرَ ياسمين، وتوقعينَ مُعاهدةَ الإخلاصِ على صفحاتِ الزمان! فحتى آلهة الإغريق كانتْ تغارُ حتى الموت على مَن تُحِبّ، ولا تتنازلُ بهذه السّهولة، فمِن أيّةِ طينةٍ جُبلتِ أنت؟
في قصيدة "إلى آمال.. الحبّ القائم" تتحدّثين عن الحلم الذي رحلَ، فتضيعُ البوصلة وتضلُّ الهداية، لذلك فإنّ الفرحَ قد يَستثني بعضَ البيوتِ، بينما يَدخلُ الحزنُ جميعَ البيوتِ! هذه النظرةُ إلى سيطرةِ الحزن على حياةِ الناس هي وليدةُ ساعةِ الحزن فقط، مع أنّها صحيحة، إلّا أنّ الحزن لا يمكنُ أنْ يَدومَ إلى الأبد، حيث قلتُ فيهِ ذاتَ يوم: قلْ لِمَنْ يَحملُ همّا/ أنَّ همًّا لا يَدومُ/ مثلما يَفنى سرورٌ/ هكذا تَفنى الهُمومُ! فنحن البَشرُ خُلقنا مِن طينةِ النّسيان، والنّسيانُ نعمة ونقمة: إنّه نعمةٌ عندما ننسى إساءةَ الغير لنا، ونقمةٌ عندما ننسى إحسانَ الآخرين لنا!
ولا أنسى مُحاولاتِكِ لإدخال التّناص في بعض نصوصِكِ الشعريّة، ومع ذلك فإنّ لي بعضَ الملاحظاتِ السريعةِ على أدب الأطفال الذي تميّزتِ به، حيث أنّكِ كتبتِ بلغةٍ بسيطةٍ يَفهمُها الصّغارُ كلٌّ حسبَ سِنّهِ، لأنّكِ وجّهتِ قِصصَكِ إلى مُختلفِ الأجيالِ الصغيرة، فبدَتْ نصوصُكِ سهلةً قريبة مِن عالم الأطفال. هذا ما ميّز كتابتِكِ في قصائدِك للأطفال، مع أنّكِ لا تُجيدينَ عروض الشعر في كلّ ما كتبت، خاصّة قصيدتك في حُبّ شفاعمرو مَسقط رأسِكِ، إلّا أنّ عدمَ إجادتِكِ لعروض الشعر لا تعني أنّكِ فقدتِ أفكارَكِ التربويّة ومَضامينَ قصائدِكِ التعليميّة. كذلك معظمُ قصصِكِ مُستوحاةٌ مِن عالم الواقع الذي تعيشينَهُ، والذي يَعيشُهُ أطفالنا في شفاعمرو وفي مُختلفِ قرانا ومُدنِنا العربيّة. إنّ سببَ نجاحِكِ في هذا الباب هو مُعاشرتُكِ للأطفال، وحُبّكِ الذي لا يعرفُ الحدودَ لهم، فأنتِ أوّلًا وقبلَ كلّ شيءٍ أمّ، وعاطفة الأمومةِ تَشدُّكِ أبدًا كي تبدعي لأحبابنا الصغار. أخيرًا، يجبُ ألّا يغيبَ عن بالِنا أن كاتبتنا اعتمدت العنصرَ الغنائيّ والجرْسَ الموسيقيّ الجميلَ في أشعارها، فجاء ما أبدعَتْهُ قريبًا مِن عالم الأطفال، فلكِ الحياة!
مداخلةُ نبيل عودة/ جمال عالم الطفولة بتجربة الأديبة عايدة خطيب: الأديبة عايدة خطيب من مدينة شفاعمرو، وهي كاتبة معروفة للأطفال وشاعرة، لها عشراتُ الإصداراتِ الأدبيّةِ للكبار والصّغار، واليومَ نلتقي بمناسبةٍ هامّةٍ أعتبرُها علامةً مميّزةً لمَسارٍ ثقافيٍّ هامّ، في تكريم الأدباء وهم أحياء، وعدم تجاهُلِ المُبدعاتِ مِن النساء وإنتاجهم الأدبيّ.
في السّنواتِ الأخيرةِ ألاحظُ أنّ المرأةَ تأخذ حيّزًا يَتزايدُ باستمرارٍ في المشهدِ الأدبيّ العربيّ داخلَ (إسرائيل)، وللأسفِ هناكَ عوائقُ كثيرةٌ تُشكّلُ الكثيرَ مِنَ العواملِ السّلبيّةِ على تطوُّرِ ثقافتِنا بمُجملِها مِن: *مشكلةِ النّشرِ والتّوزيع. *مشكلة غياب الصّحافةِ الثقافيّةِ، فهناك محاولاتٌ آملُ أن تنجحَ، وأن نرى مجلّةً ثقافيّةً فكريّة، كما كانت مجلة "الجديد" في وقتها. *مشكلة غياب نسبيّ كبير للصفحاتِ الثقافيّة مِن الصّحفِ المَطبوعة. *مشكلة مؤسّساتِ الجماهيرِ العربيّةِ بكلّ أنواعِها وتشكيلاتِها، لا تُقدّمُ لتطويرِ الحياةِ الثقافيّةِ أيَّ دعم، وغير ذلك الكثير.
تعرّفتُ على عايدة خطيب عبرَ نشاطِها الثقافيّ، وبالتحديد بكتاب "أشعار للأطفال" الذي وقعَ تحت يديّ بالصدفة، فشدّني بروحِهِ وصورِهِ الشّعريّة التي نقلتني لعالم الطفولةِ المُذهل بجَمالِهِ الرائع، برونقِهِ وألوانِهِ، وكان أوّلُ كتاب مَحلّيٍّ للأطفال أقرؤُهُ، ليسَ قصورًا منّي، إنّما لم أجدْ ما يَشدُّني ضمنَ مَشاغلي الكثيرة لأتعرّفَ على هذا الجانرَ الأدبيّ، الذي لا أُقلّلُ مِن أهمّيّتِهِ وقيمتِهِ الإنسانيّةِ والجَماليّةِ لتطوير وعي أطفالِنا. في السنواتِ الأخيرةِ تعرّفتُ على إبداعاتِ كُتّاب آخرين، وأستطيعُ القولَ إنّ الكتابة للأطفال أصبحتْ ساحةً مُخترَقة مِن عددٍ كبيرٍ مِن الأسماء، بعضُها رائعٌ، وبعضُها لا يخدمُ الهدفَ مِن الكتابةِ للأطفال. هل التّهافتُ على الكتابةِ للأطفال الذي تشهدُهُ ثقافتُنا العربيّةُ داخلَ (إسرائيل) هو تهافتٌ طبيعيّ، أم يُخفي وراءَهُ أهدافا لا تخصُّ النشاط الثقافيَّ، ولا مُتطلباتِ تطويرِ أجندةٍ تخصُّ عالمَ الطفولة؟ أقولُ بوضوح، ما عدا قصص قليلة ولأسماء قليلة جدّا مِن كُتّاب الأطفال، لم أجدْ إلّا كتاباتٍ تتراوحُ بينَ الإجادةِ والإجادة المتوسّطةِ مِن جهةٍ، والثرثرةِ المُؤسِفةِ والمُضِرّةِ مِن الجهةِ الأخرى.
بعضُ المميّزات لدى الأديبة عايدة خطيب في تناولها لعالم الطفل، وهو عالمٌ مُركّبٌ جدّا وآسِرٌ بجَمالِهِ، تتحكّمُ فيهِ أجملُ المشاعرِ الإنسانيّةِ وأكثرُها براءةً ونقاءً. اقولُ بثقةٍ ووضوح أنّ عايدة خطيب فاجأتْني، وأعادتني طفلًا وأنا أقرأ أوّلَ كتاب لها "أشعار للأطفال"، وقد لاحظتُ أنّها تعملُ بلا كللٍ على تطوير تجربتِها في الكتابةِ القصصيّة والشّعريّةِ للأطفال، وقد أصدرتْ حتى اليوم أكثرَ مِن أربعين قصّة وديوانَ شعرٍ يخصّ الأطفال، فالمميّز الهامُّ لديها هو قدرتها على الدخول إلى عالم الطفل وتفكيرِهِ وردودِ فِعلِهِ، حيث استطاعتْ أن تحافظ على رونق عالم الطفولة، مثلًا في قصيدتِها "أحِبُّ اللعبَ بالكبريت" نقرأ: "أحِبُّ أن ألعبَ/ بعلبةِ الكبريتِ/ فتفزعُ أمّي/ تصيحُ يا عفريت/ كم لاعبٍ بالنّارِ/ أحرقَ كلَّ الدّارِ/ وحينما تذهبُ/ أمّي إلى المطبخ/ لتطبخَ الطّعامَ/ وتُشعلَ الكبريتَ/ أعدو وراءَها وأصيحُ/ يا عفريته..."
مَن مِنّا لم يَعِشْ هذه القدرة الطفوليّة على الربط بينَ الظواهرِ وليسَ بينَ المضمون؟! مِن هنا يَنبعُ جَمالُ عالم الطفولةِ الذي عرفتْ عايدة أن تتسلّلَ إليه وتنقلهُ لنا. لغة عايدة تتميّزُ بالبساطةِ والسهولة، وتُضفي لونًا إضافيّا على النّصّ ما هو أهمُّ مِن اللغةِ، هو القدرة على دخول عالم الطفولةِ المسحورِ والأسطوريّ، والكشف عن نموّ شخصيّةِ الطفل وتكوينِها. إنّ أسلوبَ اكتشافِ الأطفال لذواتهم، لواقعِهم وإدراكِهم لعالمِهم ليسَ أمرًا سهلا. في قصيدة "أحبّكم أن تسمعوني" تقتربُ أكثرَ للتفكيرِ الطفوليّ: "حينَ تموءُ قطّتي/ وتطلبُ الطعام/ أنهَرُها بشدّةٍ/ فنحنُ في الصّيام".
في قصيدةٍ مُوجّهةٍ بالأساس للأهل، عبرَ الرؤيةِ بعينيْ طفلة، وكأنّي بها تُوبّخُ الكبارَ، خاصّةً بموضوع التفضيلِ الّذي يحظى بهِ المولودُ الذكرُ عن المولودة الأنثى، في قصيدتها "لماذا أمّي حزينة"، تمسّ عايدة قلبَ المشكلة بكلماتٍ تنغرزُ في القلب بألم: "يظلّ فكري حائرًا/ أيّامًا كثيرة/ فأمّي تبدو دائمًا/ تعيسةً حزينة/ لأنّ أمّي أنجبتْ/ أختي أمينة/ ولا أخٌ في بيتِنا/ ونشتهي البنينا".
أعترفُ أنّ أدبَ الأطفال بدأ يَشدُّني منذ قرأت "أشعار للأطفال " للأديبة عايدة خطيب، حيث اكتشفتُ الكثيرَ مِن الأفكارِ والعُمقِ الإنسانيّ الذي بدأنا نفتقدُهُ في عالم "الشاشات الإلكترونيّة"، والتي تملأ كلَّ زوايا بيوتِنا. في بعضِ ما يكتبُهُ الكبارُ للصغارِ بدأتُ ألمَسُ تطوُّرَ "النصِّ الإلكترونيّ"، ضجيجٌ لا يقولُ شيئا، ربّما لغويًّا لا بأسَ بالنّصّ، لكنّهُ خطابٌ لا يَصِلُ للعنوان الصحيح. على عكس ذلك عايدة خطيب، نجحتْ بنقلِ عالم الطفولةِ بتوهُّجِهِ، فالموضوعُ ليسَ لغة فقط، مع أهمّيّةِ اللغةِ والمُفرداتِ التي نختارُها لمخاطبةِ الطفل، إنّما النّجاحُ بتقمُّصِ تفكيرِ الطفلِ السّاحرِ والأسطوريّ، ولنحلم بلا خجلٍ كالأطفال، ربّما عندها نستطيعُ أن نحلمَ كالكبار، فبدون أن نحلمَ لا معنى لكتاباتِنا. الكتابة في جوهرها هي العلاقة بين الحلم والواقع. أتمنى لعايدة خطيب أن تُواصلَ الحلم مع الأطفال، وتمنحنا كبار وصغارا لحظاتٍ من الجمال والمتعة.
في ديوانها الشعري للكبار "أحلام مؤجّلة" لديّ بعضُ ملاحظات، إذ شعرَتْ أنّها لم تعُدْ بحاجةٍ لقدراتِها الخاصّةِ في اختراق عالم الطفولة، فهي تنشدُ لعالم تعيشُهُ بصعودِهِ وهبوطِهِ، بأملِهِ ويأسِهِ، ببؤسِهِ وفرحِهِ، فتلاشتْ مِن الديوان الكثيرُ مِن الأحلام أو أنّها أجّلتها، كما أعلنت بالاسم الذي أطلقته على مجموعتها الشعريّة للكبار "أحلام مؤجّلة"، وهل تُؤجَّلُ الأحلام؟ هل نؤجّلُ الشعر الذي كلّه أحلام؟ وماذا ينفعُ الشّعرُ للإنسان إذا صارَ قدَرِيًّا؟ فما بالكِ تتعثرين؟ الشّعرُ لا يعرفُ التّردّدَ، والحياةُ لا تعرفُ التّردّدَ، فالحياة لمَنْ يُروّضُها كذلك الشعر. رغم ذلك، في قصائدِها للكبار ظلّتْ تحملُ تأثّرًا واضحًا مِن قصائدِها للصغار. مِن هنا جاءت بعضُ التعابيرِ نثريّةً مباشرة، كان بإمكانِها أن تلجأ للشفافيّةِ أكثرَ، وأن تتركَنا نحن الكبار نجتهدُ لنفهمَ ما وراءَ الكلام، ألستِ تقولينَ في "خمائل وجدانيّة": "اِتّسِعي ما شئتِ/ بل عانقي الغمامَ/ إنْ أردتِ".
في الديوانِ عددٌ مِن القصائدِ العامّيّةِ، أعتقدُ أنّها أكثرُ حرارةً وحركةً وتمرُّدًا، لاقترابها أكثر مِن البساطة كما في قصيدةِ اعتراف: "وشَعْري على كتافي/ ربّيتُه إِلِك"، وهي قصيدةٌ تكادُ تكونُ وحدةً متكاملة، حتى وجدت صعوبة في اقتطاع مقاطع للدلالة عليها. أشير إلى قدراتِ عايدة على الصياغةِ اللغويّةِ المُنسابةِ بهدوء واطمئنان، وقدرتِها على الاستعارة وحتى النّحتِ باللغة. تتميّزُ بعضُ مقاطعِها بما يسمى "اللغة التصويريّة"، لكن أكثرَ ما لاحظته هو خيطٌ رفيعٌ مِن الحزن لا ينقطع، يُرافقُ القارئ مِن بداية الديوان وحتى نهايته، بحيث يبدو الفرحُ في بعض القصائد كإعلانٍ للتمرّدِ الذي سرعان ما يذوي وراءَ الحزن المتواصلِ في الديوان. بعضُ القصائدِ زخرت بالشعاراتيّة، وهو حقا موقفٌ صادقٌ لكنّه لا يَخدمُ الشّعرَ. أمّا المميّزُ لأكثريّةِ قصائد الديوان فهو انسيابُها الهادئُ الخجولُ أحيانا، ربّما "الطفلة" عايدة تشعرُ بارتباكٍ عندَ مُخاطبةِ الكبار، ومِن المُثير معرفة نفسيّةِ الشاعرة في الحالتيْن. وكما كتبت عايدة على الغلاف الأخير: "يحقّ لنا أن نُسافرَ بأحلامنا".. وبشِعرنا أيضًا، فهو هُويّتنا وهو "حكم القدر، إذا وُجدَ مثلُ هذا الشيء!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.