الرباط تعزز الشراكة القضائية مع باريس    بطاقة التخفيض للتنقل عبر القطارات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة تدخل اليوم الخدمة الفعلية    مجلس السلام أم مجلس الإنقاذ        وزارة التجهيز والماء تهيب بمستعملي الطريق إلى توخي الحيطة والحذر أثناء تنقلاتهم    مزور: تموين كاف للأسواق بالمواد الاستهلاكية الأساسية مع اقتراب شهر رمضان    توقيف ثلاثة أشخاص بوجدة في حالة تلبس بحيازة وترويج المخدرات    الباز ينال عضوية المحكمة الدستورية    القصر الكبير.. جهود ميدانية وتعبئة متواصلة في ظل عودة الاضطرابات الجوية    سيدي قاسم.. تدخلات ميدانية استباقية لمواجهة تداعيات الاضطرابات الجوية        أداء سلبي يختم تداولات بورصة البيضاء    ميناء الجزيرة الخضراء يضطر لاعتماد "عملية عبور" خاصة بالشاحنات نحو طنجة    إلى أجل غير مسمى.. محامو طنجة ينضمون إلى إضراب وطني شامل عن العمل    البواري: صغار الكسابين يشكلون 90% من المستفيدين من برنامج إعادة تشكيل القطيع الوطني    الاستحقاقات القارية .. أولمبيك آسفي يتأهل إلى ربع النهائي والوداد يؤجل العبور ونهضة بركان يستسلم بالقاهرة    الدورة العاشرة من الدوري الاحترافي الأول .. الرجاء يقترب من المقدمة ونهضة طنجة يكتفي بنقطة أمام الكوكب    إعادة فتح معبر رفح لدخول السكان وخروجهم بعد إغلاق طويل    باسكاول سالزانو السفير الإيطالي : يشيد بالعلاقات الثنائية بين إيطاليا والمغرب    انعقاد مجلس للحكومة يوم الخميس المقبل    ابن يحيى تستعرض بالقاهرة التجربة المغربية في مجال تمكين النساء وتعزيز حقوقهن    طنجة المتوسط يتجاوز عتبة 11 مليون حاوية عام 2025    مديرية الأمن تنفي مزاعم "لوفيغارو" حول اختفاء فرنسي بالرباط    العلمي: "الأحرار" لا يرتبط بالأشخاص .. والتجمعيون معبؤون وراء شوكي    وزير العدل عبد اللطيف وهبي يوقع خطة عمل مع نظيره الفرنسي لتعزيز الشراكة الثنائية في مجال العدالة بين المغرب و فرنسا    الفنانة صفية الزياني في ذمة الله    أسماء ثقيلة في مرمى الفضيحة.. كيف طالت وثائق إبستين منتمين لعائلات ملكية وسياسيين وأقطاب مال عبر العالم    5 أفلام مدعومة من مؤسسة الدوحة للأفلام تشارك في الدورة ال76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي    مقتل 15 سائقا على الأقل في الهجوم على قافلة صهاريج في مالي    "سناب شات" يحجب 415 ألف حساب لمستخدمين قاصرين    نشرة إنذارية بمستوى يقظة أحمر تنذر بتساقطات مطرية قوية جداً بعدد من أقاليم المملكة    الحكومة الفرنسية تواجه حجب الثقة    دوري أبطال إفريقيا (الجولة 4).. الجيش الملكي يحيي آماله في التأهل للربع ونهضة بركان يتعثر خارج الميدان    إيران تستدعي سفراء الاتحاد الأوروبي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الثلاثاء    المخرج عبد الرحمان الخياط في ذمة الله    بعد الكان: سياسة الصمت تربك الشارع الكروي والجامعة مطالَبة بكسر الجدار    مبابي يتصدر ترتيب الهدافين بالدوري الإسباني    حكيمي يغيب عن مباراة الكلاسيكو ضد مارسيليا بسبب بطاقة حمراء        بلخياط.. الفنان الذي تبع آثار صوته إلى .. آخر سماء    غوارديولا يشعر بخيبة أمل بعد تعادل أمام توتنهام    أنفوغرافيك | أكثر من 66.1 مليون اشتراك بالهاتف المحمول في المغرب    تراجع أسعار النفط بأكثر من 5 بالمائة    تراجع أسعار النفط بعد انحسار مخاوف    لوبيز : المنتخب الجزائري ليس خيارا بالنسبة لي    خلود الصوت في ذاكرة الوطن    رحيل الممثلة صفية الزياني.. مشوار فني هادئ لنجمة من زمن البدايات    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    «ألفاجينوم»: ذكاء اصطناعي لتحديد العوامل الجينية المسبّبة للأمراض    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين الزطاط وقاطع الطريق: أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 05 - 03 - 2010

عبد الأحد السبتي، بين الزطاط وقاطع الطريق. أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2009.
يتموضع كتاب عبد الأحد السبتي في سياق تجاوز الإسطوغرافية الجامعية على النحو الذي تظهر به في الدراسات الأساسية من رسائل وأطروحات ذات البناء التقليدي، وإخراج البحث التاريخي من التناول المعطياتي، والتناول الأرشيفي، والتناول الوطني، وفتحه على التفسير، وذلك بالتنبه إلى قضية المجال كإشكالية رئيسية، واستثمار مفاهيم جغرافية وأنثروبولوجية لرصد بنيات المغرب قبل الاستعمار، أي تلك التي ورثها منذ العصر الوسيط، على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وهذا التموضع يتخذ من التركيب إطارا للدراسة.
وفي واقع الأمر، إن عملية التركيب هذه هي التي مكنته من فتح أفق عريض من الوجهة المعرفية، وجعلت الكتاب، برأيي، يحتل مكانة أساسية، ليس فقط في حقل التاريخ، وإنما أيضا في حقول معرفية أخرى، وفي طليعتها الأنثروبولوجيا والجغرافيا.
وفي هذا السياق نستحضر ما قاله المؤرخ الفرنسي مارك بلوك (Marc Bloch) عندما تحدث عن التركيب التاريخي، كونه يسدي خدمات أهم من الكثير من المونوغرافيات ، وأيضا كونه يمنح للتاريخ مكانة بارزة بين العلوم الاجتماعية. فإذا كانت المونوغرافيات تمنح إمكانية فهم القضايا المحلية، ومن ثم الأخذ بالأدوات الضرورية لفهم القضايا ذات البعد المجالي الأكثر سعة، فإن المنحى التركيبي يبقى ذا فائدة معرفية كبيرة لأنه يوسع منظار المؤرخ، ويحفزه على مراجعة المسلمات وصياغة الفرضيات وتغيير مسارات الفهم والتأويل، ومن ثم توجيه الدراسات.
ولعل التمفصل الرئيسي لهذا التركيب يتجلى في معالجة إشكالية التاريخ الاجتماعي للمغرب عبر موضوع تنجذب حوله قضايا كبرى، وتظهر فيه التقاطعات الاجتماعية والسياسية والثقافية.
لقد ركز عبد الأحد السبتي على ظاهرة اجتماعية، هي «الزطاطة»، لكتابة تاريخ اجتماعي تنعكس فيه التمفصلات المهيكلة للبناء الاجتماعي: المعرفة والسلطة، والمادي والرمزي، والمركز والهامش، وحدَّدَ، في المنطلق، دلالاتها التاريخية والاجتماعية. فالزطاطة تعني في الأصل، إلى حدود التدخل الاستعماري في المغرب «ما يؤديه المسافر لمن يخفره ويحميه في الطرق غير الآمنة التي يرتادها اللصوص والقطاع»، لكنها دلالة متغيرة في الزمن. فهي مؤسسة اجتماعية وسياسية ذات أساس تاريخي، وذات امتداد اجتماعي أيضا، من حيث الدلالة الاستعارية. فبعد الاستقلال، وبفضل «عملية استعارية تنتمي إلى معجم الرشوة» نجت الكلمة من الضياع، ودخلت في نسق معجمي يحيل إلى ممارسات يومية، إدارية - مخزنية بالدرجة الأولى، إلى ظاهرة اجتماعية، إلى سلوك ثقافي، أو يحيل إلى استعمال عامِّي يستند إلى «الخبرة العَمَلية، والقدرة على إيجاد المخرج المناسب في الظروف الصعبة»، وهذه الدلالات العامية قد نلتقي بها أحيانا حتى في الخطاب الصحفي والسياسي.
ومن خلال مفهوم «الظاهرة الاجتماعية الكلية»، الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس (Marcel Mauss)، والقائمة على أساس تناسبٍ ثلاثي الأبعاد، سوسيولوجي تزامني، وتاريخي تعاقبي، وفيزيو-سيكولوجي، تناول عبد الأحد السبتي قضية الزطاطة هذه التي تعبئ في آن واحد كامل المجتمع ومؤسساته. «فهي تكشف أساليب مختلف أنواع المؤسسات الدينية والقانونية والأخلاقية، وهي في آن واحد مؤسسات سياسية وعائلية. هذا إلى جانب المؤسسات الاقتصادية التي تفترض أشكالا خاصة من الإنتاج والاستهلاك، والظواهر الجمالية التي تنتجها هذه الوقائع والظواهر المورفولوجية التي تعبر عنها هذه المؤسسات» (ص 237).
إن ما يترقبه قارئ التاريخ من المؤرخ، سواء كان هذا القارئ محترفا أو مستنيرا، هو تفكيك الماضي وإشراكه في فهم هذا الماضي عبر موضوعات تتقاطع فيها القضايا والأسئلة، وتتعدد فيها مستويات قراءة النصوص وتأويلها. وتشكل هذه الرؤية المنهجية محطة مركزية في الكتاب.
وتظهر مسألة تقاطع القضايا والمستويات والأسئلة في كتاب عبد الأحد السبتي من خلال التركيز على السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتوظيف أجناس مصدرية متعدد، رحلية، وإخبارية، ومناقبية، وفقهية. وتعدد السياق هذا هو الذي أخصب موضوع الزطاطة ومَوضَعَه في ملتقى متعدد المسالك، إذ تفرعت منه المظاهر والحالات والأسئلة، وجعلت عملية التحليل تنتقل من تصنيف النصوص إلى تصنيف القضايا التاريخية والاجتماعية والثقافية، ومن تِبيان شبكة المسالك والطرق إلى استجلاء لغة تمثل التراب، ومن الكشف عن سياق الأحداث والوقائع إلى إثارة إمكانيات المقارنة والتنظير.
ومن القضايا الأساسية التي خضعت للمراجعة في سياق التقاطع المذكور، نذكر على سبيل المثال ثنائية «بلاد المخزن» و»بلاد السيبة» التي تظهر في كتب الرحلة الاستكشافية التي جمعت بين الوصف الجغرافي والثقافة الإثنوغرافية، خاصة كتاب شارل دو فوكو المؤَلَّف في نهاية القرن التاسع عشر. فعندما يتناول عبد الأحد السبتي قضية الانتقال من المجال إلى التراب التي تعبر عنها أشكال تأمين الطرق، فإنه يكتشف «قدرا كبيرا من المرونة، وتمفصلا معقدا بين التدبير المحلي والتدبير المخزني»، وهي أمور لا يمكن فهمها إلا بالتنبه للتشكيلات المجالية التي تحيل إلى «خصوصية مفهوم التراب في النسق المغربي التقليدي»، وهي محطات المسالك الطرقية، وثنائية المجال (الغرب/الحوز)، وظاهرة الأطراف والتخوم، ومسألة الطرف القريب من المركز.
مجال للتاريخ: تاريخ المجال
فتح عبد الأحد السبتي، من خلال ظاهرة الزطاطة، مسلكا للبحث في تاريخ المجال. وفي واقع الأمر، انتقل بنا الباحث، عبر فصول الكتاب، ونصوصه، من تاريخ المجال إلى مجال التاريخ، ومن مجال التاريخ إلى تاريخ المجال. وبتعبير آخر، إذا كان صاحب الكتاب قد اتخذ من أمن الطرق قضية أساسية لتناول تاريخ المجال، تاريخ التراب الجغرافي بالمغرب في بعده الاقتصادي والاجتماعي والثقافي قبل دخول البنيات الاستعمارية الحديثة، فإنه جعل، من أمن الطرق، على نحو جدلي بيِّن، موضوعا خصبا للتاريخ، ونافذة واسعة لفهم هذا التاريخ.
ولا يفوتنا، ونحن نتحدث عن إشكالية الكتاب هذه، أن نشير إلى فكرة صاحب «مجلة التركيب التاريخي»، هنري بير (Henri Berr) وهو يقدم كتاب مؤسس الحوليات، المؤرخ لوسيان فيفر (Lucien Febvre) الأرض والتطور البشري، مقدمة جغرافية للتاريخ الصادر لأول مرة عام 1922، عندما قال أن موضوعا معقدا من هذا الطراز، يبحث في تاريخ المجال، يستلزم من الباحث أن «يكون جغرافيا مؤرخا، أو بالأحرى مؤرخا جغرافيا، بل وحتى عالم اجتماع، لأنه من دون شك، عندما يجعل المؤرخ من حقله المعرفي تصورا عريضا وعميقا، عندما يسعى إلى الجمع بين خيوط الفعل البشري، الخارجية والداخلية، مع الحفاظ على خصوصية دراسته، فإنه يرغب في توسيع عملية الفهم للوصول إلى فعالية كاملة. وتناول مثل هذا، على نذرته، من شأنه أن يجعل من العلاقات بين الإنسان والمجال إشكالية هامة جدا».
إن المجال مفهوم جغرافي بالدرجة الأولى. لكن العلوم الاجتماعية والسياسية تناولته تناولا أساسيا لفهم بنيات المجتمع وأطره الثقافية والقانونية. وفي حقل التاريخ يظهر المجال كعنصر مُحَدِّد في عملية بناء الدولة من حيث التشكل الترابي وتغير عناصر هذا التشكل عبر الزمن. وتبقى قضية المسالك ومحاور مرور البشر، من تجار وحجاج وجند، ومشاكل حركة المرور هذه، من أهم العناصر المساهمة في بناء المجال، ومن ثم في بناء شكل السلطة. فالطرق كما يقول لوسيان فيفر «تُنشأ الدول أو تحافظ عليها»7. كما يمنح التاريخ، في مستواه التدويني، أفقا آخر لإدراك المجال من خلال مفهوم الهوية وارتباطاتها بالتكييفات السياسية والثقافية على النحو الذي تظهره الأدبيات الإسطوغرافية.
وبناءً على هذه الأفكار، يبرز المجال المغربي في علاقته بالفعل البشري، اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، في المظاهر الآتية:
وجود علاقة وطيدة بين نشأة الدولة المركزية من جهة، ومراقبة شبكات المسالك، من جهة ثانية، وهي علاقة تماثل بين طرق التجار وطرق الجند. ويتضح هذا الأمر منذ العصر الوسيط، وبالذات منذ الدولة المرابطية التي اتبعت في حركتها المحور التجاري المعروف ب «طريق اللمتوني» المنطلِق من الجنوب، مرورا بالدول التي تعاقبت على حكم المغرب فيما بعد، والتي تمحورت شبكات مسالكها في فاس التي التقت فيها الطرق الآتية من تلمسان وسجلماسة ومراكش، وفي مراكش التي التقت فيها الطرق الآتية من فاس وسجلماسة ورباط الفتح، وانتهاءً بالقرن التاسع عشر الذي استمر فيه موقع فاس ومراكش كقطبين رئيسيين، لكن مع «تغييرات واضحة في تفاصيل الشبكة الطرقية»، منها تزايد أهمية المسالك المحاذية للساحل الأطلسي.
وجود تحولات مجالية، رصدها عبد الأحد السبتي في الزمن، مركزا على المرحلة المرينية ودورها في التشكل الترابي للمغرب، وذلك بإبراز مجموعة من العناصر التاريخية: الدينية (هوية دينية مختلفة عن إيديولوجية الخلافة المشرقية)، والسياسية (تكون كيان سياسي قريب من نموذج الدولة المركزية، بالعلاقة مع الانشطار الثلاثي للمغرب الكبير)، والإسطوغرافية (إعادة تركيب الماضي بالاستناد إلى اللحظة الإدريسية كمرحلة تأسيس للدولة المغربية .
وجود ثنائية جغرافية ذات جذور تاريخية تعود إلى العصر الوسيط، وتتمثل في منطقة الغرب/الشمال، ومنطقة الحوز/الجنوب. الأولى تمتد من «أم الربيع إلى وجدة، مرورا بالسهول الأطلسية وسهل سايس، والثانية تمتد من «أم الربيع إلى أقصى سوس». وهذه الثنائية تبقى مُحَدِّدة على مستويات مختلفة، سياسية من حيث الصراع حول السلطة بين العصبيات أو بين الأمراء، وثقافية من حيث طقوس زيارة تهنئة السلطان التي كان يقوم بها العمال في المناسبات الكبرى. كما تظهر هذه الثنائية المجالية من حيث الممارسة السياسية على مستوى التقاطب بين مدينتي فاس ومراكش، كرستها «مؤسسة الأمير الخليفة» في القرن التاسع عشر، إذ جرت العادة بين السلطان والأمير إذا كان الأول بمراكش نهض الثاني لتحمل المسؤولية بمكناس وفاس والعكس.
وجود مفارقة جغرافية تتمثل في «ظاهرة الطرف القريب من المركز، والبعيد مجاليا عن موقع الهامش». وهي ظاهرة تهم مجموعة من القبائل، كما تهم عواصم البلاد المتعددة، أي عواصم الغرب: فاس ومكناس والرباط، وعاصمة الحوز: مراكش. ويتعلق الأمر، مثلا، بقبيلة غياثة القريبة من فاس، وقبيلة بني مطير القريبة من فاس ومكناس، وقبائل زمور وزعير والسهول القريبة من الرباط وسلا، وقبيلة الرحامنة القريبة من مراكش.
وتكمن أهمية الجهد المنهجي لعبد الأحد السبتي في تقديم شبكة من النصوص، الرحلية والإخبارية والمناقبية والفقهية، كحلقة أساسية في البحث، بحيث استأثرت بأربعة فصول من أصل خمسة. وتظهر هذه النصوص التي تتقاطع فيما بينها ك «أصوات تنتمي إلى بيئات وسياقات معينة، وتحركها رهانات وقيم وتصورات»، أطرت المجتمع ووجهت سلوكياته وممارساته، ك «وسائط تنقل إلينا أصداء الأحداث والأفعال». وقد عمل عبد السبتي، الذي سبق له أن تناول موضوعات أخرى، مثل المدينة، والشاي، من زاوية الكتابة عبر شبكة من النصوص، على إعادة استشكال هذه الأخيرة، من حيث الترتيب والقراءة والتأويل. وهذا الاختيار المنهجي، لا يخلو من تعقيد بالنسبة للقارئ بالقياس إلى تعدد النصوص واختلاف مرجعياتها وتنوع زمنياتها. لكن القارئ المتأني يستكشف أن ما يقترحه صاحب الكتاب هو «إعادة تركيب الصورة باعتبارها جزءاً من الواقعة الاجتماعية»، لأن «الصورة والمِخْيال يساهمان في تشكيل الظاهرة الاجتماعية». وهذا ما حاول تبيانه من خلال موضوع «فعالية» الرموز (ص 312).
وما أثار انتباهنا في شبكة النصوص المقترحة هي حوليات الدول والسلاطين التي جاءت في الفصل الثاني من الكتاب تحت عنوان «النظام والاختلال». ويغوص هذا الفصل في تاريخ الإسلام مستثمرا الخطاب المعياري المتمثل في الآداب السلطانية والسياسة الشرعية، وكيفية حضور مقولات هذا الخطاب في كتب الأخبار المغربية، ورصد التمفصلات القائمة بين الخطاب المعياري ومجريات الواقع، من خلال التركيز على حقبتين رئيسيتين في تاريخ المغرب، هما الحقبة الموحدية-المرينية والحقبة العلوية، خاصة عهد السلطان إسماعيل، وفترة القلاقل التي تلته، اللتان تتيحان إمكانية استكشاف صورة مركبة تحيل على ثنائية النظام والاختلال. وفي عملية الاستكشاف هذه اختار عبد الأحد السبتي نصوصا تتصل بلحظات معينة، بملابسات معينة، بانتقالات معينة: الانتقال من الصورة إلى ما وراء الصورة، وتتبع زواياها، بتعبير السينمائيين، من لقطة إخبارية إلى أخرى، من الممارسات إلى الحالات، من الكلمات إلى الدلالات، خاصة بالنسبة لعهد إسماعيل، وما تكشف عنه من سياقات، حدثية ومجالية ووظيفية. وأيضا الانتقال من تاريخ الحدث السياسي إلى تاريخ المخيال السياسي، من حيث «تكييف» الإخباريين لأخبار الدولة ومرجعيتها، كما يظهر مثلا من خلال «روض القرطاس» بالنسبة للتاريخ الوسيط.
وبالإضافة إلى قضية النصوص وما تفرزه من إمكانيات هائلة من حيث الفهم والتأويل، انصب اهتمام عبد الأحد السبتي، انطلاقا من مقاربة استرجاعية، على نقطتين رئيسيتين هما مراجعة طروحات المونوغرافيات، ومراجعة التحقيب.
بخصوص النقطة الأولى، يتبين أن تسليط الأضواء بطريقة استرجاعية على ما قبل القرن التاسع عشر، بالوصول حتى إلى الحقبة الموحدية-المرينية، مرورا بالحقبة العلوية، لاسيما حقبة السلطان إسماعيل، بالاستناد إلى كتب الأخبار، يُمَكِّن من إعادة النظر فيما جاءت به معظم المونوغرافيات التي غلب عليها هاجس الرد على الكتابة الاستعمارية، وغرقت في مقاربة وطنية دفاعية ومعالجة أرشيفية صرفة، ومن ثم التأكيد على أن «أوضاع القرن التاسع عشر في ميدان تأمين الطرق، لم تكن فقط وليدة المستجدات التي أفرزها التسرب الأوربي، بل هي جزء من بنية سياسية-مجالية بعيدة المدى» (ص 100). وبذلك تنقلب معادلة فهم تاريخ المغرب قبل الاستعمار، بالتعامل مع القرن التاسع عشر ليس على أساس رصد التحولات التي عرفها النسق الاجتماعي والسياسي التقليدي، من زاوية الفعل الأوربي، من حيث عمليات الضغط والتسرب والتدخل، وما أفرزته من أزمات واضطرابات واختلالات، لاسيما ما اتصل منها بتوتر العلاقة بين القبائل والمخزن، وإضعاف الدولة المركزية، وتزايد أعمال اللصوصية وقطع الطريق، ولكن بناءً على رصد هذا النسق، لرفع النقاب عن الظواهر والبنيات التي ورثها المجتمع المغربي على امتداد قرون عديدة.
أما النقطة الثانية المتصلة بالتحقيب، فتتمثل في مراجعة ما يعرف بالعصرين «الوسيط» و»الحديث»، والتعامل مع البعد الزمني بمقاربة استرجاعية تنطلق من القرن التاسع عشر كمحطة زمنية محورية، يتوزع منها التحليل ويلتقي عندها من جديد، بحيث تحفر الدراسة في الثوابت والمرجعيات الاجتماعية والثقافية التي تعود إلى العصر الوسيط. فرحلة «البحث عن نسق تقليدي مغربي، هي في نهاية المطاف رحلة تعود باستمرار إلى الوراء، بدون أن تؤدي إلى الإمساك بالنسق-المنطلق» (ص 260). والجدير بالملاحظة أن عبد الأحد السبتي ينتقل بالقارئ من الموحدين إلى العلويين، من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، بحركة رياضية كبيرة، تنم بطبيعة الحال عن استيعاب قوي للزمن، ولكن أيضا عن «صنعة» نادرة في كتابة التاريخ.
* جزء من دراسة يتضمنها الموقع الإلكترونيwww.ribatalkoutoub.ma


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.