ولاية أمن طنجة.. ترقية توفيق البقالي إلى رتبة قائد أمن إقليمي    كأس إفريقيا المغرب 2025 | أسود التيرانغا تتطلع لتخطي الصقور الجريحة في مباراة الثمن    الصويرة.. لجنة اليقظة الإقليمية تعزز التنسيق لمواجهة التقلبات الجوية المرتقبة    وفاة أحد أبرز الوجوه السياسية بطنجة... المستشار الجماعي محمد سمير بروحو في ذمة الله    تفاصيل "تطبيق الاقتطاع من المنبع" لضريبة القيمة المضافة.. الجدولة والمعنيّون    الدار البيضاء: تأجيل محاكمة الوزير السابق محمد مبدع المتابع في قضايا أموال عمومية    الارتفاع ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    مطار مراكش المنارة يعلن تواصل العمليات المطارية بشكل عادي بعد سقوط أجزاء من السقف المستعار للقبة بالواجهة الحضرية للمطار    مدرب تونس: "نطمح للظهور بصورة جيدة أمام المنتخب المالي"    الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية.. السدود تسجل نسبة ملء متوسطة تبلغ 88,31 في المائة    "الانتقالي": معارك حضرموت "وجودية"    سلطات سوس ماسة تفعّل خطة يقظة مع نشرة حمراء وتعليق الدراسة في أكادير وإنزكان وتارودانت وتيزنيت        تحويلات الجالية المغربية بالخارج تفوق 117 مليار درهم        عمر بلمير يقتحم عالم التمثيل    بلاغ لوزارة الداخلية على ضوء االتقلبات الجوية    دياز ومزراوي ضمن التشكيلة المثالية لدور المجموعات    "عمي علي".. كيف استطاعت شخصية افتراضية أن تنتزع محبة الطنجاويين وتتحول إلى "ترند" في وقت وجيز    محامو المغرب الشباب يطالبون بتدخل حقوقي دولي لوقف ما يصفونه بانزلاق تشريعي يهدد استقلال المهنة    وزارة النقل تدعو مستعملي الطرق إلى الحيطة مع توقع اضطرابات جوية قوية بالمغرب    مغاربة يؤدّون صلاة الغائب على شهداء غزة وينظمون وقفات احتجاجية تندّد بجرائم الاحتلال والتطبيع    هولندا .. إلغاء أو تأجيل عدة رحلات في مطار سخيبول بسبب الاضطرابات الجوية    نشرة إنذارية.. رياح عاصفية قوية وأمطار جد قوية وتساقطات ثلجية يومي الجمعة والسبت    لقاء لتقديم دليل الصحفي الرياضي: من أجل صحافة رياضية ملتزمة بحقوق الإنسان    "كان المغرب".. الاتحاد السنغالي لكرة القدم ينفي وجود أزمة داخلية قبل مواجهة السودان    انخفاض الدولار مقابل الدرهم خلال تعاملات الأسبوع    رواية عبْد الحميد الهوْتي "حربُ الآخرين" تجربة أدبية تَرُد عَقارب التاريخ الى ساعة الحقيقة    2025 السنة الديبلوماسية الذهبية للمغرب    أخوماش ورحيمي: هدفنا الانتصار وإسعاد الجماهير    الوداد يتحرك بقوة في الميركاتو الشتوي... ثلاث صفقات وازنة في الطريق    مشروع "اليسار المتجدد" يطرح تحديات تنظيمية داخل الاشتراكي الموحد    ظهور لافت لابنة كيم جونغ أون في موقع رمزي يعيد طرح سؤال الخلافة    تفاصيل اضطراب جوي قوي يعيد التقلبات المناخية إلى عدة مناطق بالمغرب    الاحتجاجات في إيران.. ترامب يؤكد أن الولايات المتحدة "جاهزة للتحرك" وطهران تحذر    بلغاريا تنضم رسميا لمنطقة اليورو    فاس – مكناس : إحداث أزيد من 6300 مقاولة مع متم أكتوبر الماضي    الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    الصين تطلق برنامج دعم جديد لاستبدال الأجهزة المنزلية وتعزيز الاستهلاك في 2026    دي لا فوينتي: المغرب يفرض نفسه كأبرز المرشحين للفوز بالمونديال    تزايد عدد القتلى في مظاهرات إيران    سويسرا تحت الصدمة بعد حريق كرانس مونتانا.. ضحايا من جنسيات متعددة    دراسة: أدوية خفض الكوليسترول تقلّل خطر الإصابة بسرطان القولون            مستعجلات الجديدة وليلة رأس السنة : أرقام وتعبئة طبية خاصة    " حلاق درب الفقراء" في ضيافة جمعية إشعاع للثقافات والفنون بالعرائش    رحم الله زمنا جميلا لم ينقض بالهم والحزن    وفاة الممثل "أيزيا ويتلوك جونيور" عن 71 عاما    ارتفاع "الكوليسترول الضار" يحمل مخاطر عديدة    المغرب يترأس مجلس إدارة معهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة    الاستهلاك المعتدل للقهوة والشاي يحسن وظائف الرئة ويقلل خطر الأمراض التنفسية        الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من الطموح إلى الصمود .. مغربة النموذج الفرنسي، التعايش واستمرار النضال
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 10 - 08 - 2011

الديمقراطية هي حكم الشعب، بطريقة مباشرة عن طريق النقاش العمومي والحر أو عن طريق المؤسسات الاستشارية والحقوقية التي تدافع و تدعم الديمقراطية التشاركية، وبطريقة غير مباشرة عن طريق الهيئات التمثيلية والتي تفترض احترام مبدأ فصل السلط و توازنها من أجل تقوية المؤسسات المنتخبة وتفضيل الشرعية الشعبية عن باقي الشرعيات الأخرى.
من هذا المنطلق يمكن القول إن سؤال الديمقراطية لازال مطروحا في المغرب، وسيبقى مطروحا، حتى ولو أخضعناه لمنطق التجريب و الممارسة، لان المقومات المؤسسة للدولة الديمقراطية المكتملة لازالت غائبة، وأن مفهوم «المرحلة الانتقالية» استنفد معناه في ظل الحراك الشعبي الذي يشهده المغرب في ظل عمق الوعي المجتمعي لدى مختلف فئات المجتمع.
من المؤسف أن نعيش اليوم ظاهرتين متناقضتين تتمثلان في وجود حراك شعبي و اختناق سياسي في نفس الوقت.
(..) إن الدستور المصوت عليه، يدفعنا إلى قراءة دياليكتيكية غير مرتبطة بزمان أو مكان ما، بقدر ما هي مرتبطة بعناصر التقارب والصراع، الجدب والتنافر، بين قوتين أساسيتين في المعادلة المغربية، هما قوى اليسار والسلطة. لأن هذه المقاربة أكثر واقعية تستقيل عن كل ما هو خارجي - ما يحصل حاليا في الجوار من انتفاضات- من منطلق التحولات التي خصت العلاقة بين اليسار والسلطة. لذلك فإن الدستور الجديد يدفعنا للتساؤل حول طبيعة الحكم في المغرب، أسباب النزول وعن الإمكانات المتاحة أمام المشهد السياسي المغربي للارتقاء بالعقد الاجتماعي الجديد إلى ممارسة ديمقراطية، كما أننا سنتطرق إلى الحلول المتاحة أمام الشارع المغربي، حركة 20 فبراير، حتى تتمكن هذه الأخيرة من الصمود، الاستمرار ومسايرة الزمن السياسي. وعلى هذا الأساس ستكون الإجابة عن الأسئلة التالية موضوع المقال: 1) هل الدستور الجديد يرقى إلى مطالب الحركة التقدمية في البلاد؟ 2) ما هي الاكراهات التي حدت دون تحقيق الشرط الديمقراطي؟ 3) كيف يمكن الارتقاء بالنص الدستوري نحو ممارسة ديمقراطية؟ 4) ما مصير حركة 20 فبراير في ظل المرحلة الحالية؟
1) الدستور الجديد
ومطالب التقدميين:
لقد ظل مطلب القوى التقدمية في المغرب مرتبطا بنظام ملكي برلماني، باعتباره نظاما ملكيا، ديمقراطيا و مدنيا، تؤول فيه الشرعية الدينية والتاريخية والسيادية لشخص الملك وتؤول فيه الشرعية الديمقراطية للإرادة الشعبية. لذلك و بعد قراءة الدستور الجديد، يتبين أن الاجتهاد الفكري و السياسي المغربي لا زال لم ينفصل عن الإرث الفرنسي.
في النظام الشبه الرئاسي يكون رئيس الدولة منتخبا، يعين حكومته، له صلاحية إقالة الوزراء وحل البرلمان، كما انه يعين رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية بناء على اقتراحات من المنظومة القضائية، وفي هذا النظام الشبه الرئاسي للبرلمان صلاحية إقالة الحكومة أو وزير في هذه الحكومة ولا يمتلك صلاحية إقالة رئيس الدولة لأنه يتمتع بنفس شرعيته، إنهما منتخبان بالاقتراع المباشر. أما الوزير الأول (رئيس الحكومة) فهو يقوم فقط بتطبيق توجهات رئيس الدولة والمتعلقة بالمسائل التنظيمية والتدبيرية للقطاعات الحكومية ومهمة التنسيق بينها، وعليه إن هذا النظام يفصل بين السلط و يحرص على توازنها وهو نظام ذو رأسيين لا يمكن تطبيقه إلا في الدول الجمهورية.
أما في المغرب فيطرح السؤال حول مدى توازن الشرعية التاريخية و الشرعية الديمقراطية، وستبقى فرضية الممارسة المستقبلية حاضرة لتأكيد أو إحباط هذا الأمر، و المنطق الدستوري يقول إن الملكية البرلمانية هي النظام الذي تتعايش فيه المشروعية التاريخية والمشروعية الديمقراطية دون أن تسمو إحداها على الأخرى.
(..) أن الانتقال الديمقراطي لازال يعيش مخاضه و تراكماته، و أن مرحلة الديمقراطية لم تحن بعد،و أسباب هذا التعثر عديدة و قد نلخصها في المحور الثاني الذي يهمنا و هو ضعف اليسار.
2) ضعف اليسار:
التركيز على اليسار خصوصا، لان هذا الفصيل المجتمعي هو الوحيد القادر على حمل المشروع الحداثي التقدمي الديمقراطي والمدني بخلاف التيار الإسلامي المتمسك بنظرية الدولة الدينية، مع العلم، و باختصار، انه لا وجود لدولة دينية ديمقراطية.
بناء على ما سبق يمكن الجزم على أن اليسار المغربي لم يتمكن إلى حدود اللحظة من فرض تصوره الديمقراطي و لم يتمكن من تجاوز الصدع الذي يعاني منه، و هذا يعود إلى مجموعة من الأسباب سنحصرها في ثلاثة نقاط:
أ ) إشكالية تجديد النخب:
لا تزال أطروحة الزعيم حاضرة في فكر اليسار المغربي، مما يكرس إعادة إنتاج نفس النخب، سواء تعلق الأمر بنفس النخب داخل التنظيمات الداخلية أو تعلق بالوجوه المقدمة للمناصب التمثيلية، وهذه الإشكالية يتم تبريرها مرة بهاجس الاستمرارية ومرة أخرى بهاجس التجربة أو الحنكة، هذه المفاهيم تتناقض مع مفهوم الانفتاح والتناوب على القيادة وتجعل اليسار متقوقع ومنغلق على نفسه، منعزل من محيطه وبعيد على إعطاء النموذج الديمقراطي لباقي المجتمع، فتصبح المسلكيات السياسية داخل مكون اليسار، رهينة بشبكتين إقصائيتين، شبكة القرابة العائلية وشبكة المصالح المادية والخدماتية، مما يجعل اليسار غير مختلف عن باقي المكونات المحافظة واليمينية، وتنتج هذه الوضعية عقما فكريا وإبداعيا، لأن هاتين الشبكتين عناصرها المشتركة هي الولاء والتبعية وليس الاستحقاق والكفاءة.
على هذا الأساس تصبح أحزاب اليسار غير ديمقراطية، تفتقد للمصداقية، كما أن معضلة تجديد النخب داخل المكون اليساري المغربي تفرز سببا آخر مسؤول عن ضعفه وهو فشل وحدة اليسار.
ب) فشل وحدة اليسار:
إن التشرذم الذي يشهده اليسار المغربي ارتبط بظروف و حيثيات كان من ورائها اليسار نفسه، برجالاته وسياساته المختلفة، إن هذا المعطى يجب استحضاره اليوم لاعتبارين أساسيين؛ أولا لا تزال أساليب عمل الماضي هي نفس أساليب العمل اليوم وهذا الأمر يعود للإنسان نفسه الذي أصبح غير قادر على الإبداع والتكيف مع زمان ليس بزمانه، وثانيا لا يزال يسار الأمس هو يسار اليوم،يفتقد لمنطق التجديد . ومن خلال هذا السياق يبقى السؤال المطروح متعلقا بقدرة اليسار على إنتاج نخب جديدة تتحمل المسؤولية وتفتح الأبواب أمام وحدته. فإذا كانت هناك اليوم من ضرورة وجب استخلاصها من أجل إعادة اليسار إلى واجهة الحدث فإنها لن تكون إلا بتجديد القيادة اليسارية من أجل تجاوز العراقيل والحواجز الذاتية و النفسية .
كما أن اليسار لن يتوحد إلا بوحدة جماهيره، فلا يمكن استيعاب أي وحدة لليسار في ظل المركزية التي ظلت و لا تزال أحد المعيقات التي تعاني منها الأحزاب اليسارية، فالقرار المتمركز في القيادات أثر بشكل سلبي على عمل القواعد، لقد أصبح من الضروري والمؤكد أن تعطى للقواعد صلاحيات أكثر للتفاوض و بناء المشروع المشترك، إن أرتدوكسية التسيير داخل المكون اليساري حرمت صفوفه من المبادرة والفاعلية، من هذا المنطلق تعتبر وحدة اليسار مرتبطة بالأساس بوحدة الأفراد أي المناضلين و إلا تم إفراغ الفعل منذ بداياته، إن توحيد اليسار مرتبط بالدرجة الأولى بتوحيد الصفوف أي توحيد العمل بين القطاعات النقابية والنسائية والشبابية.
ت) الأخطاء الثلاثة:
هذا السبب يحيلنا على طرح الشهيد المهدي بن بركة، إنها أخطاء اليسار الحاضرة والمستمرة في واقعنا الراهن.
الخطأ الأول يتجسد في القبول بأنصاف الحلول و هذا الأمر يخص بالذات الأحزاب المشاركة في الحكومة، فعلى الرغم من وضوحها الأيديولوجي فإنها تقبل المشاركة في حكومات أقلية، غير منسجمة، وغير قادرة على فرض برامجها حيث أن التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة يضعها المجلس الوزاري. فتبقى مشاركتها بدون ضمانات إجرائية إلا إذا عملنا بمقولة «في السياسة لا وجود لوكلات التأمين»، مع العلم أن جيوب المقاومة في السياسة موجودة.
الخطأ الثاني يتجسد في غياب الوضوح الأيديولوجي ، هذا الإشكال يخص أحزاب اليسار المعارضة، فعلى الرغم من ثبوت مواقفها إلا أنها تفتقد للوضوح، أو أنها لا تمتلك الجرأة السياسية للتعبير عن خطها السياسي، مما يخلق نوعا من الضبابية ويؤثر سلبا على مشروع وحدة اليسار، إن الوضوح الأيديولوجي ضروري من اجل الفصل بين إرادتين، الإرادة المصداقة والإرادة المغالطة.
الخطأ الثالث يتجسد في الانفصال عن الجماهير، كيف لليسار أن ينجح في تسريب ونشر طرحه بدون سند جماهيري؟ إن الأدوات المنطقية للعملية النضالية تتجسد في قدرة اليسار على التعبئة والتنظيم الجماهيري لتعميق الوعي المجتمعي وتخليصه من الانطوائية والتهميش. فبالانفصال عن الجماهير يصبح اليسار ضعيفا غير مؤثر وغير منخرط في العملية التاريخية، وفي هذه النقطة أصبح من الواجب، ابتكار وإبداع طرق استقطابية وتأطيرية جديدة تتناسب مع المرحلة التي نعيشها وهنا دور الشباب و ضرورة تجديد النخب داخل المكون اليساري والانفتاح على المجتمع، كما أن إعادة المثقف المغربي لصلب الحياة السياسية أصبح أمرا محتوما، لان المثقف بدوره التنويري و التبليغي سيرتقي بالفعل السياسي من ممارسات التهريج والغوغائية إلى ممارسات ملتزمة ثقافيا تتناول مواضيع قيمية أساسها الحرية، الكرامة، الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.
3) مفهوم التعايش
(LA COHABITATION)
فما دمنا نتحدث عن مغربة النموذج الفرنسي في الدستور الجديد، فلا بد من الإشارة على أن دستور شارل ديغول المؤسس للجمهورية الخامسة 1958، تعرض لعدة انتقادات، خصوصا في مسألة انتخابات البرلمان التي تجرى بعد الانتخابات الرئاسية ولا تفرز هذه الانتخابات التشريعية أغلبية برلمانية مساندة للرئيس، و هذه التجربة حصلت في فرنسا لأول مرة سنة 1986 حينما تم انتخاب فرانسوا ميتران من الحزب الاشتراكي (PS) رئيسا للجمهورية، وأفرزت الانتخابات البرلمانية أغلبية مساندة لجاك شيراك من حزب التجمع لأجل الجمهورية (RPR) فتم تعيين هذا الأخير وزيرا أول للحكومة، و لقد سميت هذه التجربة بالتعايش (LA COHABITATION).
إن ما يعتبره الفرنسيون نقطة سلبية في دستور ديغول، قد يبدو صالحا في الحالة المغربية، فكيف يمكن تحقيق هذا المفهوم «التعايش»، خصوصا وأن «التعايش» يفترض توجهان متعارضان في تدبير الدولة؟
بطبيعة الحال لا يمكن في ظل الدستور الجديد أن تتعاكس إرادة الملك مع إرادة رئيس الحكومة وإلا فإن البلاد ستعيش شللا وأزمة سياسية كبيرة. و عليه يجب أن تتعاكس إرادة الأغلبية أي الحكومة مع توجه وإرادة المعارضة، وهنا سيصبح الدور التحكيمي للملك ليس عاما بل دورا تحكيميا يمتثل للشرعية الديمقراطية. لكن من اجل تحقيق هذا المسعى وجب إفراز توجهين متعارضين، وكل منهما متجانس فكريا ومتضامن سياسيا. و بغاية تحقيق هذا المراد يجب على البلاد أن تتجه نحو الخطوات التالية:
أ) تشكيل قطبية سياسية:
هذه الخطوة تعني تشكيل قطبين سياسيين، الأول هو القطب الحداثي التقدمي يشمل اليسار والحداثيين، والثاني هو قطب اليمين المحافظ يضم الإسلاميين والتقليدانيين. إن تشكيل هذين القطبين سيجعل الحياة السياسية أكثر وضوحا وسيفرز توجهين متعاكسين الأول يدافع عن الحرية والانفتاح بينما الثاني يدافع عن الأصالة و الانغلاق.
وفي ظل هذا الشرط من المفروض على المشهد السياسي الحزبي أن يشكل تحالفات قبل الانتخابات في اتجاه تشكيل قطبين سياسيين، كلاهما منسجم فكريا و مرجعيا، كما أن الأحزاب التي تدعي انتماءها للوسط فعليها أن تختار بين هذين القطبين، فمادمنا نعيش تجربة مغربة النموذج الفرنسي، فيجب التذكير على أن النظام السياسي الفرنسي هو نظام ثنائي القطبية بالأساس، أما قطب الوسط فيبقى إفرازا مستقبليا لممارسة وتجربة سياسية، إن الظرفية الحالية في المغرب لا تقبل الضبابية والمناورة.
كما أن تشكيل هذه القطبية رهين بمسألة أخرى هي الإنهاء مع تحالفات كلاسيكية مثل الكتلة الديمقراطية، خصوصا وأن هذا التحالف لا يستند إلى انسجام مرجعي يخص التوجهات والآفاق، مع العلم أن الكتلة عاشت منذ 1992 نوعا من الجفاء والفتور ولا تستيقظ إلا عشية الانتخابات، أما في حالة استمرار الكتلة فإن القطبية لن تحصل ومبدأ التعايش لن يتجسد وستبقى الأمور على ما هي عليه وسنعيش نفس المنطق الذي ساد التجارب السابقة و سيفرغ المضمون الدستوري من هامشه المأمول.
ب) تعديل قانون الأحزاب:
تعديل قانون الأحزاب ليس من منطلق تقني، بل من منطلق سياسي. في الدستور الجديد المادة 47 تقول «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها...» وبالتالي للملك حرية اختيار أي عضو من الحزب الفائز. مما قد يشكل مفاجأة داخل الحزب المعني و يدفع به للصراع الداخلي و يقوي نزعة التقرب من الدولة و نيل رضاها داخل الأحزاب السياسية المغربية.
من هنا يصبح من المفروض تنظيم انتخابات أولية (LES PRELIMINAIRES) داخل الأحزاب قبل تنظيم الانتخابات التشريعية، من أجل أن تختار الأحزاب مرشحها لرئاسة الحكومة في حالة فوزها، وحتى لا تترك الأمور لمحض الصدفة. لأن المناضلين داخل الأحزاب السياسية قد يختارون فلانا لمنصب أمين أو رئيس الحزب لتسيير أمورهم الحزبية و التنظيمية وقد لا يختارون نفس الشخص لمنصب رئاسة الحكومة. و عليه يجب تعديل قانون الأحزاب في اتجاه إضافة فقرات تخص الأوليات (LES PRELIMINAIRES).
ت) تغيير مدونة الأسرة:
هذه النقطة لها بعد إستراتيجي من اجل خلق الوضوح المجتمعي واحترام الاختلاف داخل المجتمع، هذا الأمر سيساعدنا على خلق توجهات تدفعنا مستقبلا إلى اختيار نمط عيشنا و أسلوبنا في الحياة. أسلوب يعتمد على الوضوح و الاختيار والحرية. فكما أن الدستور الجديد هو دستور المتناقضات، فإن مدونة الأسرة تسير على نفس النهج، وهي تجمع في آن واحد بين المشروع الديني والمدني شيء يخفي الاختلاف ويخلق الازدواجية في العلاقة الزوجية و الأسرية.
من هذا المنطلق، يبقى من المعقول والعقلاني في مجتمع التعدد كما يقول ذلك الجميع، أن يتم إلغاء مدونة الأسرة الحالية و تعويضها بمدونتين، مدونة مدنية ومدونة دينية، حتى يختار المتعاقدون نمط عيشهم وحياة أسرهم بكل حرية ووضوح ليس من منطلق الانقسام المجتمعي بل من منطلق التعايش السلمي، فإذا كنا نطمح إلى الارتقاء بالدستور الجديد إلى ممارسة ديمقراطية علينا إفراز التعايش على المستوى السياسي وعلى المستوى المجتمعي، وهذه هي دولة الاختلاف والتعدد التي نصبو إليها.
4) استمرارية حركة 20 فبراير:
من المؤكد أن حركة 20 فبراير خلقت الحدث في المغرب سنة 2011، وكتبت اسمها بجدارة و استحقاق على صفحات التاريخ السياسي المغربي، فإن كان عهد الاستعمار أفرز نخبة من الشباب الذي ناضل من داخل الحركة الوطنية، فإننا اليوم، و بكل اعتزاز، فخورون بكون أن عهد الاستبداد أفرز لنا حركة وطنية جديدة ألا وهي حركة 20 فبراير، و هذا إن دل على شيء فهو يدل على شجاعة وصمود الإنسان المغربي أمام الظلم والفساد والطغيان، لا يمكن، ولا يليق، استصغار دور الوطنيين الجدد وتقزيمه والتنكيت عليه أو تمييعه، لأنهم أصبحوا واقعا ملموسا يرفعون صوت الشعب المغربي دفاعا عن الحرية و الكرامة والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا الصدد، أصبح من الضروري الدفاع عن الحركة، مساندتها، و مشاركتها هموم الشعب المغربي، دفاعا عن استمراريتها. لان عهد الديمقراطية لم يحن بعد. إلا أن الحركة تعيش اليوم إشكاليتين أساسيتين، الأولى هي اقتصارها على الفعل الاحتجاجي، و الثانية هي التناقض المرجعي، وهما إشكاليتان مرتبطتان ومركبتان.
ومن اجل معالجة الإشكالية الأولى، لابد لنا من تحديد مفهوم الاستمرارية، الاستمرارية تعني أولا وقبل كل شيء التطور، لا يمكن أن ينتج الجمود التطور، لان الجمود لا ينتج إلا الرتابة الاستقرار السلبي أي التخلف، وعليه تصبح استمرارية حركة 20 فبراير رهينة بتطورها (وحتى مفهوم الحركة يعني التطور كما جاء ذلك في نقاش مع أحد المناضلين)، وعلى هذا الأساس تصبح استمراريتها متعلقة بتطورها من حركة احتجاجية إلى حركة سياسية - ثقافية، أي الاحتفاظ بالنضال الميداني ورسم التصور الإستراتيجي لهذا النضال.
وبناء على هذه القناعة، تبرز الإشكالية الثانية ألا وهي التناقض المرجعي، فكيف يمكن أن تطور الحركة في ظل المتناقضات؟ للجواب عن هذا السؤال هناك خياران ينسجمان مع التصور السياسي الذي وضعناه سالفا، خياران من المفروض أن يكونا موضع نقاش داخل الحركة اليوم، وهما:
أ) إبراز الاختلاف:
في العلوم الاجتماعية والسياسية يقولون إن الطريقة الوحيدة الموضوعة لتدبير الاختلاف هي إبرازه وليس إغفاله، لن تتطور الحركة بإخفاء التناقض الرئيسي بل بإبدائه و معالجته بلغة الحوار والعقل، وهذا سيساعدها على الانتقال من الفعل الاحتجاجي فقط، إلى الفعل الثقافي والسياسي، و لهذه الغاية الحل في هذا الشرط هو عدم الاقتصار في التنسيقيات المحلية على اللجن التقنية (لجنة الإعلام، لجنة التنظيم، لجنة الشعارات، لجنة اللوجستيك...) بل بإضافة لجنة أساسية في هذا الإطار و هي اللجنة السياسية ( أو لجنة الحوار)، يكون فيها النقاش مستفيضا، مفتوحا، غير مرتبطة بالزمان و دائما، تنظم هذه اللجنة مثلا ندوات فكرية وسياسية، دورها هو الوصول إلى أرضية سياسية متقدمة على الأولى، تتناول مواضيع عملية كسؤال الدين والهوية والشغل والاقتصاد وحقوق الإنسان بطرق مفصلة ومتوافق عنها. إن هذا السبيل سيجعل النضال الميداني يتماشى بطريقة متوازية مع الاجتهاد الفكري الذي ينبذ الذات ويفكر في الوطن، هذه الطريقة ستجعلنا أعضاء في الحركة ليس كانتماءات سياسية بل كمواطنين مغاربة أولا وقبل كل شيء.
ت) خيار الانقسام:
ففي حالة عدم توفر الشروط لتحقيق الخيار الأول يبقى خيار الانقسام قائما، و هنا الانقسام لا يعني الاصطدام، بل هدفه هو استمرار الحركة في اتجاه عمل ميداني مشترك و تفكير سياسي مختلف، و تماشيا مع التصور الديمقراطي الذي نأمله، على الانقسام أن يسير في اتجاه خلق فصيل حداثي تقدمي من الحركة و فصيل محافظ ديني في الجانب الآخر. و هنا يصبح دور الفصيل الحداثي التقدمي هو رسم وبلورة تصور الدولة المدنية الديمقراطية و الإنكباب على المشاكل الاجتماعية التي تهم اليسار بشكل عام، ويصبح التفكير آنذاك منصبا حول ثلاثة احتمالات بالنسبة لهذا الفصيل؛ الأول هو خلق جمعية مجتمع مدني، الثاني هو الانضمام لأحزاب اليسار بغية تجديدها وتقويتها والثالث هو تأسيس حزب سياسي.
إن ضرورة استمرارية حركة 20 فبراير، تفرض وبكل موضوعية وواقعية أحد الخيارات السابقة، حتى يستمر النضال تجاه تحقيق ديمقراطية حقيقية تصبو إلى إقرار دستور ديمقراطي شعبي متوافق عليه، وعدالة اجتماعية ترفع الظلم عن المواطن المغربي، تحارب الفساد وتنهي مع زمن الحكرة والاستبداد. ولا بديل عن المزيد من الحشد الجماهيري وتعبئته وتنويره ليس بالانحصار على فئة الشباب بل بالانفتاح على كل الفئات الأخرى بمن فيهم المثقفون والفنانون والفلاحون والطلبة مادامت مطالب الحركة تخص كل المجتمع المغربي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.