بعد الحملة الاجتماعية التي افتتحت بها الزاوية البودشيية احتفالاتها هذه السنة، انطلقت نسخة أخرى من الملتقى العالمي للتصوف، بحضور عدد من الباحثين في المجال والآلاف من المريدين الذين تقاطروا على قرية مداغ منذ أيام ولازالوا يحجون إلى غاية اليوم الأحد تاريخ إحياء الليلية الكبرى. الملتقى الذي تنظمه الزاوية للعام التاسع على التوالي تحت رعاية الملك محمد السادس، اعتبره مدير الملتقى، منير القادري بودشيش، وحفيد شيخ الزاوية "فضاء لتبادل الأفكار والخبرات ومحطة أكاديمية لتمكين الإنسان المعاصر من فهم واستيعاب ومواجهة السياقات الراهنة والمنتظرة"، المتحدث نفسه قال في كلمة له بمناسبة افتتاح الملتقى إن "هذه المحطة منبر للتفكير في حل أزمات هذا الإنسان المعاصر التي تحول بينه وبين تحقيق ما يصبو إليه وتعيق مساره التنموي والحضاري". وعلاقة بالتربية الصوفية في تنشئة الإنسان المعاصر تنشئة صحيحة، أكد المتحدث نفسه أن رجال التربية الصوفية والخلقية كانوا نماذجا في التعامل بالخير والإحسان، مشيرا إلى أن هذه القيم هي التي ترتكز وتؤسس عليها التربية الصوفية. حفيد الشيخ حمزة أكد أن المغرب تحت إمارة المؤمنين يعد نموذجا للانفتاح على النوع الحضاري والثقافي، وأيضا وفي نفس الوقت "نموذجا في التمسك بتراثه الصوفي الذي هو جزء من هويته الدينية والوطنية" وفق نفس المصدر. الملتقى الذي تنظمه الزاوية بشراكة مع المركزالأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم "CEMEA"حول موضوع "التصوف في السياق المعاصر: الحال و المآل"، عرف تنظيم موائد مستديرة طيلة الأيام الثلاثة الممتدة من الجمعة إلى غاية اليوم الأحد، أطرها ثلة من الباحثين والعلماء من المغرب والعالمين العربي والغربي من المتخصصين في علوم الفلسفة والسوسيولوجيا و الاتصال والاقتصاد والعلاقات الدولية. وحسب بلاغ أصدرته إدارة الملتقى، فإن الموضوع الذي تم اختياره هذه السنة يعد من "الإشكالات الكبرى"، التي تعرف اهتماما متزايدا من طرف جميع المشتغلين بقضايا الإنسان وأسئلته في أبعادها المختلفة الروحية والنفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ف"أحوال الوجود الإنساني في تبدل دائم، مما يستدعي ضرورة التكيف المستمر مع متغيراته"، كما أن العالم حسب نفس المصدر "قد خرج من طور التناهي في الكبر إلى التناهي في الصغر"، بحكم تطور تقنيات التواصل والاتصال. وقد نتج عن هذا السياق "المعولم" ظواهر "مؤشكلة" وأزمات عميقة منها -حسب المصدر نفسه- "الأزمات المالية المتعاقبة، وتوليد مزيد من التفاوتات بين الشعوب والدول، وتعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتفكك الروابط الأسرية، والإفراط في الفردانية والأنانية، والمخاطر البيئية والإيكولوجية". والغاية من طرح التصوف في علاقته بالسياق المعاصر في هذا الملتقى العالمي التاسع٬ يؤكد البلاغ هي "البحت الأكاديمي الجاد عن إمكانيات التصوف في المساهمة في تقديم حلول لعلاج الذات الإنسانية الجريحة، التي تئن تحت وطأة الاستيلاب و الضياع والإحباط، والخوف من المستقبل، بعد أن تحطمت على صخرة الواقع كل الأحلام الوردية التي بشرت بها صيحات التقدم والرفاه والمساواة والعدل والكرامة الكونية لبني البشر".