د. الحبيب الغربي الثلاثاء 31 مارس 2026 - 0:06 من الترهيب الميداني إلى الابتزاز المؤسسي.. كيف أسقط الكاف عقيدة الانسحاب السنغالية؟ جاء قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، باعتبار المنتخب السنغالي منسحبا وتجريده من لقب كأس الأمم الإفريقية ومنحه للمنتخب المغربي، ليُشكل إعلانا رسميا وصريحا بانتهاء مرحلة التغاضي المؤسسي عن مثل هذه الظواهر المشينة التي تخدش كبرياء المنظومة الكروية الإفريقية. إن التتبع الزمني الدقيق لسلوك الكرة السنغالية، وصولا إلى المشهد الدراماتيكي الذي احتضنه ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، يُوضح للمتابع الحصيف حقيقة ناصعة مفادها أن تلك الليلة الاستثنائية لم تكن محض انفعال طارئ، بل كانت بحق القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد شكل ذلك الفصل الختامي المثير للجدل ذروة لتراكمات سلوكية معقدة، وتتويجا صريحا لسجل موثق يمتد لأكثر من ثلاثة عقود، انسلخت خلالها الممارسات اللارياضية والتوظيف الممنهج للضغط السيكولوجي المكثف من عباءة ردود الأفعال العفوية التي تفرضها حرارة المواعيد الكبرى، لتتصلب تدريجيا وتتحول إلى ما يُمكن تأطيره بمفهوم العقيدة المؤسسية الراسخة، وهي عقيدة تكتيكية هُندست بوعي تام لترهيب الأطقم التحكيمية استباقيا، وضرب الاستقرار الذهني للخصوم، فضلا عن تطويع سيرورة المباريات وتوجيهها قسرا خارج الأطر القانونية والأخلاقية الحاكمة لأدبيات اللعبة. إن القراءة المتأنية للأرشيف الكروي الإفريقي لأسود التيرانغا، تكشف عن نزعة سيكولوجية وميدانية تميل نحو تبني خيار الصدام والتلويح بإفساد المنافسة كلما اشتدت الضغوط أو تعارضت القرارات التحكيمية مع مصالح المنتخب السنغالي، هذا السلوك الذي يتأرجح بين الاحتجاج العنيف والانسحاب الفعلي، تشكل عبر عقود ليصبح أشبه بعقيدة غير معلنة في إدارة اللحظات الحرجة. تعود الإرهاصات الأولى لهذا النهج الصدامي إلى أوائل التسعينيات، وتحديدا خلال المواجهة الحاسمة أمام المنتخب الزامبي عام 1993، إذ لم تقتصر ردة الفعل السنغالية حينها على الاعتراض الشفهي، بل تطورت إلى اعتداء مادي مباشر على حكم اللقاء، مما استدعى تدخلا تأديبيا صارما من الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي أصدر قرارات بإيقافات دولية مطولة طالت عددا كبيرا من اللاعبين، لتسجل كأولى البصمات السلبية في هذا المسار. ومع مطلع الألفية الجديدة تطور هذا السلوك ليأخذ طابع الابتزاز التنظيمي والحرب النفسية، تجلى ذلك بوضوح في نسختين متتاليتين من كأس أمم إفريقيا، ففي ربع نهائي نسخة 2000 وأمام المنتخب النيجيري صاحب الأرض، اختار السنغاليون إيقاف اللعب لفترة طويلة والتلويح بترك الميدان بعد تسجيل نيجيريا لهدف التعادل، في محاولة صريحة لترهيب الحكم والمنظمين. ولم تمضِ سوى أربع سنوات حتى تكرر المشهد بحذافيره في ربع نهائي نسخة 2004 أمام البلد المضيف تونس، حيث توقفت المباراة لعدة دقائق وسط احتجاجات عارمة وتهديدات متجددة بالانسحاب، عقب احتساب هدف اللاعب التونسي جوهر المناري، في توظيف واضح لورقة إيقاف المباراة كأداة للضغط النفسي على الخصم. مع مرور السنوات لم تعد ثقافة رفض الهزيمة مقتصرة على المستطيل الأخضر، بل انتقلت عدواها إلى المدرجات، متخذة أبعادا تنظيمية وأمنية خطيرة، ففي عام 2008 وبعد عجز المنتخب السنغالي عن تجاوز عقبة غامبيا في مباراة انتهت بالتعادل وأدت إلى الإقصاء من تصفيات مونديال 2010، تحول ملعب دكار إلى ساحة للانفلات الأمني، حيث اندلعت أعمال شغب واسعة شملت تخريبا وحرقا لأجزاء من المدرجات، في تعبير عن حالة استعصاء تقبل الإخفاق الرياضي. وتطورت هذه الانفلاتات لتبلغ ذروتها في تصفيات كأس أمم إفريقيا عام 2012 أمام ساحل العاج، حيث انهارت المنظومة التنظيمية بالكامل، واضطر قاضي الميدان لإنهاء المباراة قسرا في الدقيقة 74 بعد اجتياح الجماهير لأرضية الملعب ورفض إكمال اللعب وسط فوضى عارمة، هذا الخرق الفادح للوائح دفع الاتحاد الإفريقي إلى تفعيل المقتضيات القانونية بحزم، معلنا إقصاء السنغال واعتبار منتخب ساحل العاج فائزا بثلاثية نظيفة، مع تسليط عقوبات قاسية بإيقاف اللعب على ملعب العاصمة السنغاليةدكار. وفي السنوات الأخيرة اتخذت أساليب التأثير على الخصوم أشكالا أكثر تنظيما وتوجيها، وتعد المباراة الفاصلة المؤهلة لمونديال قطر 2022 أمام المنتخب المصري في دكار نموذجا صارخا لهذا التحول، فقد شهدت تلك المواجهة تعطيلا متعمدا للعب وتجاوزات جماهيرية كبيرة، كان أبرزها الاستخدام الكثيف والممنهج لأشعة الليزر لتشتيت انتباه لاعبي مصر، لاسيما خلال ركلات الترجيح الحاسمة، في ضرب لمبدأ اللعب النظيف، مما دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم مجددا للتدخل، فارضا غرامة مالية ضخمة بلغت 175 ألف فرنك سويسري، مع عقوبة خوض مباراة رسمية بدون جمهور. وصولا إلى الحدث المفصلي المتمثل في نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بالرباط ضد أسود الأطلس، حيث شكلت هذه المباراة مسرحا لآخر فصول هذه المسرحية العبثية، التي حيكت خيوطها قبل صافرة البداية، عبر حملة تشويش وضغط نفسي ممنهج من الاتحاد السنغالي ومدربه خارج الملعب، وفور احتساب ركلة جزاء صحيحة للمغرب، تحول التلويح المستمر بالانسحاب إلى فعل مادي ملموس وموثق، حيث غادر على إثره بابي ثياو ولاعبوه أرضية الملعب في مشهد غير مسبوق، مما جعل شرارة هذا الشحن تمتد إلى المدرجات، لتسجل الجماهير السنغالية محاولات لاقتحام الملعب واعتداءات سافرة على عناصر الأمن والمنظمين. هذا الانسحاب الذي بدا وكأنه قرار يتجاوز انفعالات اللاعبين ليعبر عن موقف إداري ممنهج، واجه نصوصا قانونية واضحة، مما جعل لجنة الاستئناف بالاتحاد الإفريقي تستند للمادتين 82 و84 من لوائح الكاف، مقررة سحب الكأس وإعلان المنتخب المغربي بطلا متوجا بثلاثية نظيفة. وفي خضم هذه الأزمة برز التدبير العقلاني للجامعة المغربية لكرة القدم برئاسة السيد فوزي لقجع، كنموذج يُحتذى به في الإدارة الرياضية، حيث تسلحت بالنفس الطويل والرزانة المؤسساتية، وسلكت المسارات القانونية باحترافية بالغة للدفاع عن حقوقها المشروعة بهدوء وبعيدا عن صخب الانفعالات، عكس حالة التخبط والارتجالية التي وسمت تحركات الاتحاد السنغالي لكرة القدم. ووسط هذه السلوكيات المستهجنة التي باتت سمة بارزة في المنظومة الكروية السنغالية، نجد أنفسنا أمام مشهد هزلي ومفارقة عجيبة تضعنا وجها لوجه أمام تناقضات صارخة في المشهد الإعلامي العربي، فبينما نتقاسم مع البعض أواصر العروبة واللغة والتاريخ.. يطلون علينا اليوم بثوب الواعظين، يُنصبون أنفسهم حراسا للفضيلة، ويتشدقون بشعارات حماية الأخلاق الرياضية، وهم أنفسهم من عبثوا بالأمس القريب في أروقة الكاف، وراكموا ألقابا وبطولات بطرق ملتوية وفي غرف مظلمة، لا تمت لروح التنافس الشريف بصلة. بل إن شر البلية هنا أنهم اعترفوا بعظمة لسانهم بهذا الفساد الذي عَبّد لهم طريق الألقاب! ومن رحم هذا المستنقع تخرج "ضباع الموائد" من جحورها، وهي التي لا تقتات إلا على الفتات ولا تظهر إلا حين تختلط الأوراق لنفث السموم ولطم الخدود. ومن أجمل خصال كرة القدم وأكثرها قسوة في آن واحد، أنها مرآة كاشفة لا تعترف بالمساحيق، ولا تقتصر على كونها ساحة للتباري تسرق الألباب وتوحد الشعوب، وإنما تتعدى ذلك لتُعري الوجوه والمقاصد. بيد أن الحقيقة الأهم التي تتجاوز في عمقها وقيمتها التاريخية مجرد التتويج باللقب القاري، تكمن في الضرورة الملحة لإرساء دعائم العدالة الكروية، فالتغاضي عن واقعة الانسحاب يمثل ضربة قاصمة للقيم التنافسية للعبة، وأي تساهل مع هذا الخرق الصارخ سيكون بمثابة منح شيك على بياض يشرعن الفوضى، ويسمح لأي فريق يعترض على قرار تحكيمي بإعلان التمرد ومغادرة الميدان، ثم العودة متى شاء، مما يحول المستطيل الأخضر إلى ساحة مستباحة لا تحتكم لضوابط القانون أو لأخلاقيات التنافس الرياضي. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة