مروان بشيشي الثلاثاء 31 مارس 2026 - 14:53 حين يصبح "مول الحوت" مرآة لأزمة التمثيل السياسي في المغرب في سياق سياسي يفترض أن يُبنى على وضوح البرامج وتنافس المشاريع، يثير إعلان "مول الحوت" نيته الترشح للانتخابات "حتى وإن ظل في حدود التلويح" ، نقاشاً يتجاوز شخص المعني بالأمر، ليضعنا أمام سؤال أعمق يتعلق بطبيعة التحولات التي يعرفها الحقل السياسي في المغرب. فالمسألة هنا لا ترتبط بترشح فعلي، بل بدلالة أن يصبح هذا الاحتمال نفسه قابلاً للتداول داخل النقاش العمومي. من حيث المبدأ، لا يشكل التفكير في الترشح أي خرق لقواعد اللعبة الديمقراطية، بل يعكس اتساع دائرة الحق السياسي. غير أن القراءة التحليلية تفرض التمييز بين الحق في الترشح وبين السياق الذي يمنح لمثل هذه المبادرات قابلية التأثير والانتشار. ذلك أن مجرد تداول فكرة ترشح شخصية غير منخرطة في المسارات الحزبية التقليدية يكشف عن خلل يتجاوز الأفراد ليطال بنية التمثيل السياسي نفسها. لقد عرفت الوساطة الحزبية في المغرب خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في قدرتها على التأطير والإقناع. فالأحزاب، التي كانت تضطلع تاريخياً بوظيفة إنتاج النخب وصياغة البدائل، تجد نفسها اليوم في موقع دفاعي، تعاني من أزمة ثقة متنامية ومن ضعف في تجديد خطابها وآليات اشتغالها. في هذا الفراغ، تصبح أي شخصية قادرة على تحقيق حضور رمزي خارج القنوات التقليدية مؤهلة لاقتحام النقاش السياسي، ولو من باب "الإمكانية" فقط. هذا التحول لا يعكس فقط تغيراً في أشكال التعبير، بل يؤشر على إعادة تشكيل غير معلنة لقواعد الشرعية السياسية. إذ لم يعد الانتماء الحزبي أو المسار السياسي التقليدي شرطاً حاسماً، بقدر ما أصبحت عوامل أخرى مرتبطة بالانتشار والتأثير تلعب دوراً متزايداً في منح "المشروعية" داخل الفضاء العام. وهو ما يطرح إشكالاً حقيقياً حول مستقبل الفعل الديمقراطي: هل نحن أمام توسيع لمجال المشاركة، أم أمام تفكيك تدريجي لمعاييرها؟ إن التلويح بترشح "مول الحوت" يمكن قراءته، من زاوية، كتعبير عن رغبة في كسر احتكار النخب التقليدية، لكنه، من زاوية أخرى، يكشف عن هشاشة البنية التي تؤطر التنافس السياسي. فحين يصبح مجرد إعلان نية كافياً لإثارة كل هذا الاهتمام، فإن ذلك يدل على أن النقاش العمومي لم يعد محكوماً فقط بمنطق البرامج والرؤى، بل أيضاً بمنطق الإثارة والرمزية. الأخطر في هذا المسار، ليس في بروز مبادرات فردية، بل في السياق الذي قد يحولها إلى بدائل "محتملة" في نظر جزء من الرأي العام. فالديمقراطية، في جوهرها، لا تقوم فقط على فتح باب الترشح، بل على ضمان شروط الاختيار الواعي، عبر عرض سياسي واضح ومؤطر. وإذا ما تراجعت هذه الشروط، فإن العملية الانتخابية تصبح عرضة للانزلاق نحو اختيارات ظرفية، تفتقر إلى العمق والاستمرارية. إن ما يكشفه هذا النقاش، في نهاية المطاف، هو أزمة ثقة ممتدة في الفاعل الحزبي وفي جدوى الوساطة السياسية. وهي أزمة لا يمكن اختزالها في ظواهر معزولة أو التعامل معها بمنطق التبخيس، بل تستدعي إعادة نظر شاملة في طريقة اشتغال الحقل السياسي، وفي قدرته على استعادة معناه لدى المواطن. بذلك، لا يمثل "مول الحوت" فاعلاً سياسياً بالمعنى التقليدي، بقدر ما يشكل مرآة تعكس وضعاً سياسياً مأزوماً. فحين يصبح "التلويح بالترشح" حدثاً بحد ذاته، فإن الإشكال لا يكمن في من يلوّح، بل في السياق الذي يجعل من هذا التلويح مؤشراً على خلل عميق في توازنات الديمقراطية التمثيلية. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة