التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية تنظم قوافل طبية تضامنية كبرى بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة    توقيف سائق متورط في حادثة سير مميتة راح ضحيتها طفل قرب ملعب طنجة الكبير بعد فراره    اتحاد طنجة لكرة اليد يختتم البطولة بلا هزيمة ويعبر إلى الدوري المصغر حلمًا بالصعود    طفل يلقى مصرعه دهسًا قرب القرية الرياضية بطنجة والسائق يفر من المكان    "الماص" ينتزع التعادل بمدينة بركان    الكوكب والجيش يفترقان بتعادل سلبي    أخنوش يحل بالقاهرة لإطلاق أول لجنة تنسيق مغربية مصرية وتعزيز الشراكة الاستراتيجية    تقارير إسبانية تكشف كواليس "التنافس الصامت" بين المغرب وإسبانيا لتنظيم المونديال            مغالطة    ثقافة الاستحقاق السريع        بيعة الخوارزمية    "أشبال الأطلس" يتوجون ببطولة شمال إفريقيا بالعلامة الكاملة    بوخنفر يبرز أثر التدخل الاستباقي للحكومة في احتواء صدمات الشرق الأوسط    ترامب يرى "فرصة جيدة" للتوصل إلى اتفاق مع إيران الاثنين    الثلاثي المغربي يسطر التاريخ مع أيندهوفن في ليلة التتويج بالدوري الهولندي    وفاة الدبلوماسي المغربي السابق عزيز مكوار    إيران تلوح بإغلاق "باب المندب" إلى جانب "هرمز"    بعد اضطرابات لوجستية .. انفراج في انسيابية الحاويات بطنجة المتوسط    أخنوش: الحكومة استكملت برنامج تأهيل 1400 مركز صحي في مختلف مناطق المملكة    وقفة احتجاجية بمراكش تطالب بالتحقيق في فساد مشروع المحطة الطرقية الجديدة    بيتيس يضع أمرابط ضمن أولوياته ويخشى ارتفاع قيمته بعد المونديال    الحوار الاجتماعي يعلّق اجتماعات اللجنة التقنية لإصلاح التقاعد بالمغرب    انخفاض كبير في مفرغات الصيد الساحلي بالحسيمة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    "فسيفساء العالم" بالرباط: جامعة محمد الخامس تحتفي بتعدد الثقافات وتحوّل الحرم الجامعي إلى فضاء للحوار الكوني    خسائر مادية جسيمة جراء هجوم إيراني على مرافق شركتين تابعتين لمؤسسة البترول الكويتية    غياب الأطر الطبية يعطل مصلحة الطب النفسي بالحسيمة    انقلاب مروع على طريق أوزود يخلف 16 مصابا بينهم أطفال ويعيد دق ناقوس خطر السلامة الطرقية        رياح قوية بالغبار تضرب عدة أقاليم    "مايكروسوفت أيه آي" تعلن إطلاق ثلاثة نماذج أساسية للذكاء الاصطناعي    الداخلية الليبية ترحل مهاجرين مغاربة    السنغال تعلق سفر وزرائها إلى الخارج في ظل الصعوبات الاقتصادية    إيران تعلن تدمير 3 طائرات أمريكية خلال مهمة إنقاذ الطيار    في مثل هذا الشّهر انطفأ البدرْ!    عون يدعو إلى مفاوضات مع إسرائيل    العدول يعلنون إضرابا مفتوحا ووقفة وطنية احتجاجا على مشروع قانون المهنة    أنفوغرافيك | ⁨تراجع أسعار الواردات ب 4.6% وارتفاع طفيف في الصادرات نهاية 2025⁩    جوائز سوس ماسة للاستثمار: تكريم رواد الأعمال وتعزيز جاذبية الجهة الاقتصادية    توقيف مشتبه فيه في محاولة قتل بشعة بالدار البيضاء بعد مطاردة أمنية انتهت بمشرع بلقصيري    دراسة تحذر: "مؤثرون" يروجون معلومات طبية مضللة مقابل المال    تفاعل واسع مع وفاة شوقي السدوسي وإجماع على خصاله الإنسانية    ترجيست .. دعوات لتعزيز التنمية المحلية خلال افتتاح مقر للاتحاد الاشتراكي    اعتداءات على أستاذ نواحي اقليم الحسيمة تُفجر غضب نقابة تعليمية    النصيري يواجه شكوكا حول مشاركته المقبلة مع الاتحاد        بمناسبة اليوم العالمي لداء السل .. أرقام مقلقة في جهة الرباط سلا القنيطرة    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الإسلام العلماني والدولة المقاصدية الحديثة".. في فك الاشتباك بين الدين والعلمانية
نشر في الصحيفة يوم 17 - 11 - 2022


لويس بنمسعود
الجمعة 3 أبريل 2026 - 20:00
"الإسلام العلماني والدولة المقاصدية الحديثة".. في فك الاشتباك بين الدين والعلمانية
الاشتغال والبحث في إمكان التأسيس لمفهوم " الإسلامي العلماني"، ليس من باب الترف الفكري كما أنه ليس مجرد مقاربة توفيقية بين الإسلام والأسس العلمانية الحديثة؛ بل هو أفق معرفي يتغيا تقديم تصور تأسيسي يجمع بين السياسي والديني معرفيا من أجل إعادة بناء الدولة والمجتمع في سياقنا المعاصر، وهو تصور ينطلق من فهم عميق للإشكالية القائمة على "القلق الهوياتي" الذي يشغل بال الفاعلين الأكاديميين والسياسيين على حد سواء في مجالنا التداولي، وبالتالي يندرج المقال ضمن المحاولات التي تروم الإجابة عن سؤال يمتد لأزيد من قرن، وهو: كيف يمكن بناء حداثة تتوافق مع الخصوصية الحضارية وملائمة للواقع العربي الإسلامي، ومن تم كيف نبلور فهما دينيا قادرا على استيعاب الراهن والتفاعل معه، فهم يخرجنا من منطق الصدام والتشظي، الى منطق البناء والتشييد؟.
ليس في مفهوم "الإسلام العلماني" ما يشير إلى الدلالة المتداولة في الخطاب العام أي الذي يفترض قطيعةبين المجال العام والدين، كما أنه ليس فيه محاكاة لنموذج العلمنة في السياق الغربي والذي انتهى في بعض تجاربه إلى منازعة الهوية الجماعية في بعدها الروحي، بل هو مفهوم يراد به أساسا التمييز المنهجي القائم حصرا على الفصل الوظيفي لا القيمي، ذلك أن الدولة المدنية الحديثة قائمة أساسا على الحياد المؤسساتي، ولكن هذا لا ينفي أن تستمد من المقاصد الكلية للدين مشروعيتها، دون السقوط في شراك التوظيف السياسي للدين تحقيقا للهيمنة على الدولة، أو أن تجعل السلطةالسياسية وصيةً على الضمير الديني.
يفترض هذا التصور قيام مجتمع يحق لأفراده التعبير عن هويتهم الروحية والدينية، مجتمع تسود فيه التعددية الدينية وتدبير الاختلاف بكفاءة عالية من التسامح والتعبير الحر، حتى يتحول هذا التعدد الى عنصر إثراء وتكامل يغدي البنية المتماسكة للمجتمع، ولا يتحقق ذلك إلا في ظل دولة تقوم على أسس مدنية راسخة تستند الى مرجعية قائمة على مبادئ الحرية والكرامة والعدل، بوصفها مقاصد شاملة للفعل السياسي وموجهة له. كما تسعى مؤسسات هذه الدولة على تحقيق شرط المساواة بين أفرادها، وترعى سيرورة التفاعل الخلاق بين خصوصية المجال التداولي بمقوماته الحضارية والتاريخية وبين السياق الحداثي والمعاصر.
بناء على ما سبق فإن "الإسلام العلماني" يهدف أساسا الى تحرير الدين من التوظيف السياسي، ورفع طابع القداسة الممكنة على الدولة، وذلك كله تفاديا للمنزلق الطائفي سواء الإسلامي منه أوالحداثوي، والذي يجعل الدين محور الصراع السياسي في التصور الاول، وينزاح بالدولة الى اعتبارها مجرد ألية إجرائية منفصلة عن البعد القيمي عند الطرف الثاني، ومن تم فإن تنزيل مفهوم " الدولة المقاصدية" في سياقنا المغربي ليس مجرد شعار سياسي أو تركيب أيديولوجي، إنما هو مشروع نظري تفرضه الحاجة الى تحديث بنية الدولة في سياقنا المعاصر.
إن نموذج الدولة المقاصدية الحديثة الذي يؤسس له هذا الإطار النظري يقدمها باعتبارها صيغة مركبة تتجاوز منطق التصادم والتضاد بين الديني والسياسي، غير أن تنزيل هذا النموذج في الواقع الراهن يبقى محكوما باستيعاب المتغير السياسي في الساحة الدولية ذو الطبيعة المتسارعة، والسيولة في الفعل السياسي الدولي، ذلك أن الثابت الوحيد هو التغير ومن تم تتحول أشكال التحالفات بحسب المصلحة المتحركة والطبيعة البرغماتية للعلاقات الدولية.
بناء على ما سبق يصبح الاستقرار السياسي رهين بالقدرة على الإبداع والتكيف مع المتغيرات، خصوصا في إطار الانتقال المحتمل الى التعددية القطبية وانهيار المنطق القطبي الأحادي، وبالتالي تجد الدول نفسها تتأرجح بين التنافس الحذر أو الصراع المفتوح، وفي ظل هذا الوضع المعقد يفرض على الدولة اختيار استراتيجي: إما أن تركن إلى نماذج قائمة تبتث محدوديتها اليوم، أوأن تنخرط في سياق تحديثي يبدع نماذج سيادية تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الحضارية والذاتية.
يعتبر المغرب في نظرنا أنموذجا مثاليا لاختبار إمكانية بناء هذه الدولة المقاصدية الحديثة ليس فقط بسبب موقعه الجيوستراتيجي، بل أيضا الى كونه نقطة لتلاقي الحضارات، فقد شكل عبر التاريخ بنية وسيطة بين الشرق والغرب، وبين الجنوب والشمال، ولا يعني ذلك أنه مجرد فضاء جغرافي بل هو بنية لتدبير التعددية وتأسيس صيغة متوازنة بين المرجعية الدينية والنظام السياسي الحديث، ولا ينبغي النظر الى هذه الخصوصية المغربية كصفة عرضية بل سيرورة من التفاعل والخبرة في تدبير الاختلاف، انتهت الى صياغة نموذج يوازن الأبعاد القيمية والمؤسساتية، وهذا الذي يمنح القدرة للمغرب في إغناء النقاش حول إمكانية بناء دولة تستجيب لمتطلبات الحداثة السياسية مع حفظ الهوية الروحية لأفرادها.
إن مكانة المغرب كجسر جيوسياسي بين ضفتين، تجعله ليس مطالباً فقط بالاستقرار فحسب، بل بإنتاج "المعنى"، ذلك أن فشل "الإسلام السياسي" في تقديم نموذج حكم قابل للحياة لا يتعارض مع القيم الكونية والأسس الديمقراطية، وعجز "العلمانية الصلبة" عن اختراق الوجدان الشعبي وانفصالها عن الهويات المحلية وثقل الأعراف المؤسسة للمجتمعات؛ كل هذا يفتح فجوة تاريخية للمشروع المقاصدي، والمغرب يمتلك ما لا يمتلكه غيره: "الثالوث الديني" (مالكية مرنة، أشعرية عقلانية، وتصوف أخلاقي)، مسنوداً بمؤسسة "إمارة المؤمنين" التي نرى فيها القلب النابض للمشروع، والدرع الحامي للتوازن، وضمانة التطور؛ فهي جسر قائم يؤطر الديني ويخلق نسخة وسطية بعيدة عن التطرف، تتعامل بحكمة مع العقل والنقل، وتنبسط على آليات الحداثة التي تخدم مصالحها السيادية. إن هذا الأمر هو ضرورة سياسية وحتمية تاريخية، أكثر منه مشروعاً لسد فراغ فكري مفتعل.
إن أولى العقبات التي يفككها هذا المشروع هي "فوبيا المصطلحات" والوقوف عند حدود المفاهيم الجامدة. فبين دعاة العلمانية الصلبة الذين ينادون بالفصل التام للديني عن السياسي، وبين من فهموا الإسلام السياسي على أسس "الحاكمية القطبية"، يبرز المصطلح الذي نطرحه ليس كتناقض، بل كإقرار بضرورة الفصل الوظيفي بين "المقدس" كقيمة عليا وروحانية عابرة للزمن، وبين "السياسي" كإدارة بشرية تخضع للخطأ والصواب والتحول.
الجوهر هنا يكمن في معادلة دقيقة: علمنة المؤسسات لا علمنة المجتمع؛ أي بناء دولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، المتدين وغير المتدين، تحيد أجهزتها لضمان المواطنة الكاملة على أسس مدنية لا تفاضل فيها إلا بالقانون، لكنها تستمد "شرعيتها الأخلاقية" من مقاصد الدين الكبرى. لتظل الدولة مدنية بامتياز، ويظل المجتمع فضاءً حراً للتدين والهوية، حيث الدين هو الضمير لا السوط، والقانون لا يفرض عقيدة محددة. الدولة تختار الإسلام كأساًس هوياتي، لكنها تضمن للجميع حرية ممارسة عقائدهم كما ينص الدستور.
يواجه هذا الطرح ممانعة فكرية تتغذى على مغالطتين مركزيتين: الأولى ترى في الجمع بين الإسلام والعلمانية جمعاً بين النقيضين، والثانية توظف "إمارة المؤمنين" كعائق دستوري أمام التحول المدني. تفكيك المغالطة الأولى يقتضي العودة إلى الجذور؛ فى الفهم الذي يختزل الدين في نظريته السياسية ويجعل من "الحاكمية" محوراً مركزياً هو فهم وليد سياقات حديثة مرتبطة بنشأة حركات الإسلام السياسي في عشرينيات القرن الماضي، وتطورت ك "حداثة مضادة" لا تمثل جوهر التراث الإسلامي الغني بتعدديته. هذا الفهم حوّل الدين إلى أداة للصراع على السلطة، واختزل العبادة في "الجهاد" والعقيدة في "الولاء والبراء".
إن المتأمل في ممارسة الصحابة الأوائل يدرك أن طرق اختيار "ولي الأمر" لم تكن تشريعاً إلهياً صلباً؛ فما حدث في "سقيفة بني ساعدة" لم يؤسسه نص ديني، بل كان نتاج خيارات سياسية حركتها المصالح و التآلفات القبلية. لم يتولَّ الخلفاء الأربعة السلطة بنفس الطريقة، ولم يكن هناك "برنامج جاهز" لتدبير الدولة، بل كانت اجتهادات بشرية محضة استجابت لضرورات الزمان، مما يثبت أن "السياسي" في الإسلام كان دوماً منطقة "فراغ تشريعي" تُركت لذكاء الإنسان ومصالحه المرسلة؛ وهذا هو جوهر "العلمانية الإدارية" التي ننادي بها.
أما المغالطة الثانية، فتنبثق من قراءة سطحية تحصر إمارة المؤمنين في دور "الوصي الثيوقراطي". إن إمارة المؤمنين في النموذج المغربي ليست سلطة تشرع بتفويض إلهي، بل هي مؤسسة لرعاية "الكليات"؛ وظيفتها حماية السلم الروحي بناءً على المصلحة المرسلة والاجتهاد المتواصل الذي يأخذ المقاصد أساساً لا الظواهر الحرفية، وتمنع تسييس الدين أو احتكاره أيديولوجياً. من هنا، تصبح إمارة المؤمنين هي "حجر الزاوية" في تأمين الدولة المدنية؛ فهي المؤسسة الوحيدة القادرة على سحب "القداسة" من الصراع الحزبي اليومي، وإعادة وضعها في مكانها الطبيعي كمرجعية قيمية عليا، تضمن ألا تتحول الدولة إلى "تكنوقراطية جافة" بلا روح، وألا يسقط المجتمع في قبضة تطرف يلغي العقل.
إن الربط المنهجي بين إمارة المؤمنين و"إرادة الأمة" في الدستور يحل الإشكالية التاريخية ببراعة؛ فصفة إمار المؤمنين التي يتميز بها الملك تجعله هو الحامي والضامن للمقاصد العليا (العدل، الحرية، الكرامة)، وبصفته رئيساً للدولة يضمن اشتغال المؤسسات وفق "القانون الوضعي" كأسمى تعبير عن إرادة المواطنين. هذا ما يسميه الباحثون "الازدواج الوظيفي داخل وحدة السيادة". هذا التمايز هو الذي يمنع صدام الهوية مع الحداثة، ويحول الديني من أداة للضبط والمنع إلى قوة دافعة للاجتهاد والتعايش. وبذلك، ينتقل المشروع من إشكالية "الدين ضد العلمانية" إلى أفق "الدولة المقاصدية"، حيث المؤسسة الملكية هي الضامن لتعاقد مدني يحترم السماء ولا يغفل عن الأرض.
تجد هذه المقاربة سندا تاريخيا في التجربة النبوية نفسها حيث إن استحضار أحداث ما بعد السقيفة يكشف عن مرونة لافتة في التدبير؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم، لم يترك دستوراً مفصلاً للحكم، بل وضع أصولاً عامة (الشورى، العدل، المصلحة العامة). والفقهاء قرروا أن "تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة"، وهي قاعدة تعكس الإدراك لديناميكية المجال السياسي. نجد هذا في "موافقات" الشاطبي الذي ميز بين العبادات التوقيفية وبين العادات والمعاملات المبنية على المقاصد. وحتى ابن تيمية أكد أن الغاية هي "تحقيق العدل ودفع الظلم"، دون تقييد الوسائل المحققة لذلك. كما أن رفض الإمام مالك إلزام الناس ب "الموطأ" يظهر بوضوح التحذير من تسييسالدين وتدين السياسة، لأن الخلط بين الثابت المطلق والمتحرك النسبي إفساد للاثنين معاً.
ومن هنا ننتقل إلى مغرب اليوم، الذي يمتلك تركيبة هوياتية فريدة تجعل من هذا التصور امتداداً طبيعيًا لخصوصيته التاريخية. هذا النموذج يجمع بين المذهب المالكي (اعتبار المصلحة وسد الذرائع)، والعقيدة الأشعرية (توازن العقل والنقل)، والتصوف السني (البعد الروحي والأخلاقي). إنه نتاج تراكم تاريخي أسهمت فيه مؤسسات كجامعة القرويين، حيث تفاعل الفقه مع الواقع لقرون.
إن انعكاس هذا التوازن يظهر في حماية المرجعية الدينية من التوظيف الأيديولوجي، وتحييدها عن الصراعات الحزبية دون فصلها عن المجال العام. وقد تجلى هذا "الذكاء التشريعي" في دستور 2011، الذي لم ينص على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، بل اكتفى بالتنصيص على الإسلام ديناً للدولة، مع التأكيد على سمو الاتفاقيات الدولية وحماية منظومة الحقوق والحريات الكونية. هذا الاختيار ليس حياداً سلبياً، بل تعبير عن وعي بأن القانون الوضعي هو أداة لتحقيق المقاصد الكبرى.
ومن الأعمدة المسكوت عنها في هذه الخصوصية هو الرصيد التاريخي الأمازيغي في تنظيم الحياة الجماعية؛ فنظام "أزرف" العرفي كان يضبط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وفض النزاعات عبر مؤسسات ك "الجماعة". هذه الأعراف لم تكن في قطيعة مع الدين، بل جسدت توازناً عملياً بين القيم الروحية ومتطلبات الواقع. ومن زاوية فقهية، يتسق هذا مع قاعدة "العادة محكمة" عند المالكية، الذين اعتبروا أن إهمال العرف يفضي إلى الحرج والمشقة
إن هذا المشروع لا يدعو إلى قطيعة مع الماضي كما اقترح عبد الله العروي اللذي لا يمكن فهم مشروعه إلا في سياقه التاريخي، حيث كان الخطاب القومي التحرري يبحث عن أدوات لمواجهة الاستعمار وتحديث المجتمع. غير أن العروي ظل رهين "الحتمية التاريخية" ذات النزعة الخطية المستقاة من فلسفة التاريخ الأوروبية، والتي تفترض أن كل المجتمعات مضطرة لاجتياز المراحل نفسها التي اجتازها الغرب للوصول إلى الحداثة.
هذه الرؤية تسقط خصوصية السياقات الحضارية، وتختزل التجارب المختلفة في قالب واحد جامد. فالعروي يرى أن القطيعة مع التراث شرط ضروري للحداثة، وكأن التراث كتلة واحدة لا تقبل التمييز بين ما هو صالح للحياة وما هو قابل للتجاوز. الأعم من ذلك أنه يخلط بين "تحليل التاريخ" و"الموقف الأيديولوجي" من التاريخ، فهو لا يكتفي بوصف مراحل تطور المجتمع المغربي، بل يملي عليه كيف يجب أن يتطور، متجاهلاً أن المجتمعات تبتكر حداثاتها الخاصة انطلاقاً من جذورها، لا عبر استنساخ تجارب الآخرين. المشروع المقاصدي يختلف جوهرياً هنا: فهو لا يدعو إلى قطيعة مع التراث، بل إلى قراءة انتقائية له، تميز بين الثابت والمتغير، بين المقاصد والوسائل، بين الروح والنص الحرفي. التراث ليس عائقاً، بل هو رصيد يمكن توظيفه لصنع حداثة بديلة.
أما محمد أركون، فيقدم مقاربة مختلفة لكنها لا تقل إشكالية. تأثر أركون بمناهج نقد الكتاب المقدس الغربية (كمنهجية ميشال فوكو وبيير بورديو وجاك دريدا)، وحاول تطبيقها على التراث الإسلامي، ساعياً إلى "نزع القداسة" عن النصوص والمفاهيم الدينية، وإخضاعها لمناهج العلوم الإنسانية وحدها. المشكلة هنا ليست في استخدام هذه المناهج كأدوات تحليلية مساعدة، بل في جعلها الأداة الوحيدة لفهم الدين. أركون يريد تفكيك التراث لكنه لا يقدم بديلاً، يريد نزع القداسة لكنه لا يعوض الفراغ الروحي الناتج عن ذلك. هو يختزل الدين في تراث بشري قابل للمراجعة فقط، متجاهلاً أن الدين يحمل بعداً تعبدياً ووجدانياً لا يمكن اختزاله في نقد تاريخي أو سوسيولوجي. وهذا ما يفسر غموض مصطلحاته ك "المستحيل التفكير فيه" أو "الممنوع"؛ فهي مفاهيم فضفاضة تصف حالة الرفض الثقافي لنقد التراث دون أن تقدم تصوراً إيجابياً بديلاً. المشروع المقاصدي يختلف هنا أيضاً: فهو لا يرفض الاجتهاد والنقد، بل يمارسه من داخل النسق، عبر آليات أصيلة في التراث الإسلامي (كالمقاصد، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع). النقد المقاصدي نقد بنّاء، لا نقد هدام. هو نقد يضع القداسة في مكانها اللائق (النصوص المؤسسة والثوابت الكبرى)، ويفسح مجالاً للاجتهاد في غير ذلك. بهذا المعنى، المشروع المقاصدي أكثر جرأة من مشروع أركون في بعض جوانبه (لأنه يفتح باب الاجتهاد في نصوص ظنية دون تفكيكها)، لكنه أيضاً أكثر حصانة لأنه لا يصادر الشعور الديني للمؤمنين.
ليس مشروع "الدولة المقاصدية" الذي نطرحه مجرد إجابة عن سؤال داخلي مغربي، ولا هو محاولة لسد فراغ فكري في سياق أكاديمي محصور. إنه قبل كل شيء نموذج منهجي قابل للتصدير، ليس بمعنى استنساخه بحذافيره في سياقات أخرى، بل بمعنى تقديم آلية اشتغال يمكن لأي مجتمع مسلم، بل وأي مجتمع ديني يواجه تحديات الحداثة، أن يستلهمها ويُكيفها وفق خصوصياته. فالمشروع لا يدّعي امتلاك الحل الجاهز، بل يقدم إطاراً مرجعياً يقوم على معادلة بسيطة وعميقة في آن: فصل وظيفي بين المؤسسات الدينية والمدنية، مع بقاء الدين مرجعية أخلاقية وروحية للمجتمع، وضمان المواطنة الكاملة للجميع بغض النظر عن معتقداتهم.
ما يمنح هذا المشروع إمكانية الإشعاع العالمي هو أنه يحل معضلة كبرى عجزت عنها النماذج السابقة. فالإسلام السياسي أثبت فشله في الحكم، وتحول في كثير من تجاربه إلى أداة للصراع والهيمنة، بينما العلمانية الصلبة زرعت اغتراباً هوياتياً ولم تستطع اختراق الوجدان الشعبي، والنفعية الاستيرادية أنتجت تشوهات مؤسساتية بفعل القطع مع الجذور، والتفكيك الأركوني جرد الدين من قداسته وأفقده قوته في تغذية الروح. أمام هذه الإخفاقات، يأتي المشروع المقاصدي ليثبت أن هناك طريقاً ثالثاً: طريق لا يلغي الماضي ولا ينكره، بل يعيد قراءته وتوظيفه لبناء مستقبل مختلف.
المغرب، بامتيازاته الفريدة، يقدم اليوم مختبراً حياً لهذا المشروع. فالثالوث الديني (المالكية المرنة، الأشعرية العقلانية، التصوف الأخلاقي)، ومؤسسة إمارة المؤمنين الحديثة،والرصيد التاريخي للعرف الأمازيغي كآلية تدبيرية محلية، كلها عناصر تجعل من المغرب أرضية خصبة لاختبار هذا النموذج. نجاحه هنا سيكون بمثابة برهان عملي على أن الإسلام يمكن أن يكون مصدراً للقيم والكرامة والعدل في دولة مدنية حديثة، لا عائقاً أمامها. وهذا النجاح سيفتح الباب أمام العالم الإسلامي لإعادة قراءة تراثه المقاصدي، ويقدم للغرب نموذجاً للإسلام يتعامل معه لا كخصم ثقافي أو تهديد أمني، بل كشريك حضاري يمتلك أدواته الخاصة لصنع حداثته الخاصة.
إن الدولة المقاصدية ليست حلماً مغربياً فقط، بل هي جسر تعبر عليه الأمة من مأزق "الإسلام ضد العلمانية" إلى أفق "الإسلام مصدراً للحداثة". والمغرب، بحكمته التراكمية وموقعه الجيوسياسي، هو المؤهل اليوم لقيادة هذا العبور. نجاحه سيكون نجاحا للجميع وفرصه لإعاده قراءه التراث.
المراجعه اللغوية:
الدكتور عبد الله ادالكوس والأستاذ نور الدين البيار
قائمة المراجع:
- المصادر التأسيسية (التراثية):
1. الإمام مالك بن أنس: «الموطأ».
2.أبو إسحاق الشاطبي: «الموافقات في أصول الشريعة».
3. ابن تيمية: «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية».
- مرحلة النهضة وبدايات التحديث الفكري
4. علي عبد الرازق: «الإسلام وأصول الحكم» (1925).
5. ابن عاشور: «مقاصد الشريعة الإسلامية» (1946).
6. روبير مونتاني: «الأمازيغ والمخزن» (1930).
جيل التأسيس الفلسفي والسوسيولوجي المعاصر
7. إرنست غيلنر: «صلحاء الأطلس» (1969).
8. محمد أركون: «نقد العقل الإسلامي».
9. محمد عابد الجابري: «الدين والدولة وتطبيق الشريعة».
10. عبد الله العروي: «مفهوم الدولة» و*«مفهوم الحرية»*.
11. عبد الله الحمودي: «الشيخ والمريد».
- الاجتهادات والتحليلات الراهنة
12. أحمد الريسوني: «نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي».
13. طه عبد الرحمن: «روح الحداثة».
14. محمد الطوزي: «الملكية والإسلام في المغرب».
15. وائل حلاق: «الدولة المستحيلة».
16. المملكة المغربية: «دستور 2011».
الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.