مسؤول أمريكي يبرز الدور الذي تضطلع به المملكة كبلد رائد للاستقرار والسلم    الصحافة الهندية تشيد بتأهل المنتخب المغربي للمباراة النهائية    جماعة مرتيل تقيم خدمات النظافة وتشدد على أهمية التزام ميكومار بدفتر التحملات    مجلس عمالة طنجة أصيلة يصادق خلال دورة يناير 2026 على تعزيز البنيات التحتية ودعم التدريس بالعالم القروي    تيزنيت : حي النخيل يهتز على وقع فاجعة.. العثور على جثة نادلة في ظروف غامضة    المديرية الاقليمية المضيق الفنيدق تحتفل بالسنة الأمازيغية "ايض ايناير"    الخرتيت.. والخرتتة..!.. قاسم حول    نائل العيناوي "أفضل لاعب وسط "كأس إفريقيا للأمم (كورييري ديلو سبورت)    نشرة انذاري : تساقطات ثلجية بعدد من أقاليم المملكة    منصة "يوتيوب" تطلق حزمة تحديثات جديدة لمقاطع الفيديو القصيرة    وجدة: اجتماع مجلس إدارة الشركة الجهوية متعددة الخدمات    أسباب صحية تسرع عودة رواد فضاء إلى الأرض    حلم أمم إفريقيا على بعد مباراة واحدة.. أسود الأطلس يواصلون المسيرة    أسعار النفط تتراجع    ياسين بونو.. حارس أحلام المغرب في "الكان" ورجل المواعيد الكبرى    انتخابات 2026.. هل تراهن الدولة على السياسة أم على إدارة الفراغ؟    بوانو: الحكومة ترفض بشكل منهجي كل التعديلات وتسطو على صلاحيات البرلمان    دعوات لتنظيم احتجاجات بالمدن المغربية نصرة للأقصى    إيران خارج سردية السقوط: الوقائع الصلبة والموازين الجديدة    أكثر من نصف مليار طلب للحصول على تذاكر مونديال 2026    هدم وترحيل غير قانوني ولا إنساني.. مطالب بوقف تشريد الأسر بالدار البيضاء لإنجاز "المحج الملكي"    الوزير برادة يباشر سلسلة إعفاءات لمديرين إقليميين وسط جدل حول تقييم الأداء    حكم ب"عودة الزوج" يشعل النقاشات    "مْشَى لْغُولْ.. وجَا لْغُولْ"...    جمعية هيئات المحامين: الحكومة لم تفتح الحوار حول "قانون المهنة"    بؤس الدرس الافتتاحي في الماستر المغربي    دبي تحتفي بنخبة من العلماء والمفكرين في حفل تتويج "نوابغ العرب"    إرسموكن: عندما تعانق "تاكلا" شاشات ال "Fan Zone".. قصة ليلة استثنائية جمعت التراث بالكرة    الصحافة الأجنبية تشيد ب"أسود الأطلس"    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها بأداء إيجابي        أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    "غروك" يحد من الاستغلال الجنسي لتوليد الصور        فيدرالية اليسار ببركان تطالب بتدخل عاجل لوقف طرد تعسفي لعمال بمستشفى القرب بأحفير    "نيويورك تايمز": الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران قد ينفذ بعد أيام    ترامب يعبر عن شكوكه بشأن قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم داخل إيران لتولي السلطة    مدرب نيجيريا: المغرب استحق التأهل والخروج بركلات الترجيح مؤلم    الركراكي: التأهل للنهائي ثمرة تركيز ذهني ونهديه للجمهور المغربي        فرحة عارمة تجتاح المغرب بعد تأهل "أسود الأطلس" إلى نهائي كأس إفريقيا        بلجيكا.. "رايان إير" تلغي 1,1 مليون مقعد وتهدد بتقليص جديد في 2027    أخنوش يترأس زيارة رسمية لفضاءات الاحتفال برأس السنة الأمازيغية 2976 بمدينة أكادير    إقليم الحسيمة .. الاحتفاء بحلول السنة الأمازيغية الجديدة 2976 بأجدير    الجمعية الإقليمية لمرضى الصرع والإعاقة بالعرائش تعقد الجمع العام    اكتشاف علمي يفتح باب علاج ارتفاع ضغط الدم عبر الدماغ    وسيلة إعلام إيطالية: المغرب وجهة مفضلة لتصوير الإنتاجات السينمائية الدولية الكبرى ومداخيله تضاعفت ثلاث مرات خلال أربع سنوات    الذهب قرب أعلى مستوياته مع تراجع التضخم بأمريكا والفضة تتجاوز 90 دولارا    صدور عدد جديد من مجلة "تمييز"    تمارين التنفس الواعي وسيلة فعالة للحد من التوتر وتنظيم ضربات القلب (دراسة)    الرضاعة تقلل احتمالات إصابة الأمهات بالاكتئاب    الاتحاد الأوروبي يجيز دواء "تيزيلد" لإبطاء تقدم السكري من النوع الأول    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الوصفة الهنغارية لإنقاذ الأحزاب المغربية
نشر في هسبريس يوم 09 - 06 - 2010


في الصورة الوزير الأول الهنغاري فيكتور أوربان
خلال الأسبوع الماضي قدمت إحدى القنوات الفرنسية ضمن نشرة إخبارية تقريرا عن الانتخابات التشريعية التي جرت في هنغاريا، وأدت إلى فوز اليمين بالأغلبية المطلقة لأول مرة منذ انهيار المعسكر الشرقي.
ومما ركز عليه التقرير أن اليمين المتطرف حصل على 47 مقعدا، وأن زعيمه حضر جلسة افتتاح البرلمان وهو يحمل على صدره شعارا ذا حمولة نازية..علما أنه لم يمض وقت طويل على منع نفس الحزب من تنظيم مسيرات شبه عسكرية لشبيبته بطريقة تذكر ببدايات هتلر في ألمانيا..
كما تم التوقف أيضا عند نقطة أساسية تتعلق بالمزايدة بين مكونات هذا اليمين والتي بلغت حد الالتزام بمنح الجنسية للأقليات الهنغارية المتواجدة في الدول المجاورة، ما يعني إمكانية إشعال حرب عالمية ثالثة، لأن هذه "الأقليات" تشكل أحيانا أغلبيات في دولها الحالية.
وطيلة دقائق الربورتاج حاول المتدخلون تقديم تفسيرات لهذا التطور السياسي غير المنتظر، استوقفنا منها ما جاء على لسان مؤرخ هنغاري أكد أنه حين يريد السياسيون صرف الأنظار عن المشاكل الحقيقية للمواطن، الاقتصادية والاجتماعية منها على وجه التحديد، فإنهم يفتعلون معارك من هذا النوع..أي تماما كما يحدث عندنا هذه الأيام من تلاسن بين أقطاب الأحزاب، ليس حول ما ينفع البلاد والعباد، ولكن حول التفاهات وحول دور "الطربوش الأحمر" في بناء الهوية الوطنية مثلا..
هذا الاستهلال، رغم طوله النسبي، كان ضروريا للنفاذ إلى عمق الإشكالية التي كشف عنها التصريح الحكومي الأخير وما تلاه من مناقشات.
فالذين ضغطوا على أنفسهم وتابعوا الكر والفر تحت قبتي مجلسي النواب والمستشارين، خلصوا إلى نتيجة وحيدة تتمثل في أن العمل الحزبي والسياسي عموما وصل إلى القاع، وأن الذين يقاطعون السياسة والانتخابات يستحقون التحية لأنهم على الأقل لم يساهموا في تزكية هذا الهزال الذي نقلته التلفزة العمومية على الهواء مباشرة.
لقد قيل الكثير والكثير عن تصريح الوزير الأول وخلوه من الأرقام، وهذا ليس حقا أريد به باطل، بل هو باطل أريد به باطل.
فالتصريح هو خطاب سياسي بالدرجة الأولى يتحدث عن محاور عامة، ولا يمكن أن يتحول إلى تقرير تقني، لأن هذا النوع من المعطيات له زمانه ومكانه..ومندوبية التخطيط متفرغة لهذا العمل حيث إنها لا تكف عن إنتاج الأرقام في الليل والنهار، بل هناك شكوك مشروعة في كل ما يروج من معطيات ومعدلات لصعوبة التحقق منها، وكلنا يذكر ما حدث بين لحليمي وولعلو بسبب التضارب الناجم عن "الاختلاف في طريقة العمل"..
وليس هذا دفاعا عن الوزير الأول الذي يعتبره البعض - وبحق - أضعف سابقيه، خاصة في ظل عجزه عن الإقناع وملء كرسيه على الأقل كما كان الأمر مع إدريس جطو حتى لا نقول عبد الرحمان اليوسفي..
وعدم التعليق على شكل ومضمون تصريح الوزير الأول يفرضه أن التصريحات التي من هذا النوع جرى العمل في المغرب أن تكون مجرد خطاب نوايا موجه للاستهلاك الداخلي أكثر من أي شيء آخر.
لكن بالمقابل ليس هناك ما يمنع من تسجيل بعض الملاحظات على مداخلات الأحزاب التي كشفت عن مستوى الضحالة الذي وصل إليه العمل الحزبي حتى تحت قبة البرلمان.
وفي البداية نؤكد مجددا أننا كنا محقين تماما عندما أعدنا في الشهور الماضية نشر مداخلات العديد من والوزراء والنواب على هامش ملتمسي الرقابة اللذين عرفتهما الحياة البرلمانية في المغرب منذ انطلاقتها.
فقد اتضح من تلك العينات أن المؤسسة التشريعية رغم كل ما قيل عن تزوير الانتخابات في حينه، كانت تعج بالكفاءات والقامات السياسية العالية، ولم تكن مجرد مقهى شعبي يعج ب"الكائنات الانتخابية" كما عليه الحال اليوم.
وبالتالي فإن الذين يهددون اليوم على صفحات الجرائد بتقديم ملتمس رقابة لإسقاط الحكومة، عليهم أولا قراءة الدستور للتحقق مما إن كان بإمكانهم أصلا توفير النصاب المطلوب سواء في مجلس النواب أو مجلس المستشارين، ثم إجراء مقارنة بين مداخلات أسلافهم من اليساريين واليمينيين و"السلفيين" في ملتمسي 1964 و1991، وما جادت به قريحة زملائهم في مناقشة تصريح عباس، لتحديد نوع المسرحية التي سيتم تقديمها على المسرح السياسي المثخن أصلا بعبث الثلاثاء والأربعاء..
لقد كانت هذه المناقشة مناسبة للكشف عن فراغ جعبة السادة ممثلي الأمة، علما أن مداخلاتهم هذه المرة يفترض أنها حررت بشكل جماعي وتمت غربلتها من طرف منظري الأحزاب ومهندسيها...وليست مجرد "اجتهاد" شخصي قائم على الارتجال..
فكل ما سمعناه هو الضجيج ومحاولة افتعال معارك وهمية -على الطريقة الهنغارية- واستعمال قنابل قديمة فقدت قوتها التدميرية..من قبيل استحضار فضيحة "النجاة" التي لا ندري ما ذنب ضحاياها الذين تحلوا إلى وقود معركة هم من دفع ويدفع ثمنها من أعصابه وكرامته..
ولأن هذا النبش يستدعي رد فعل مماثل له في "الإسفاف" ومعاكس له في الاتجاه، لا ندري ما إذا كان كثيرون قد انتبهوا إلى ما جاء على لسان عمدة فاس، الذي أصبح هذه الأيام يشغل منصب قائد المدفعية الاستقلالية، في حوار أجرته معه مؤخرا إحدى اليوميات حيث قال إن وزارة التشغيل لم تقدم على "صفقة النجاة" إلا بعد تلقيها الضوء الأخضر من وزارتي الخارجية والداخلية بعد تحققهما من جدية الموضوع معتذرا بأنه لا يذكر من كان وزير داخلية حينها..
نفس المنطق حضر عند اتهام الحكومة بالسطو على المنجزات الملكية ونسبتها إلى حصيلتها، وهذه قمة الاستهتار والاستخفاف، حتى لا نقول ما هو أكبر..فأي منطق يمكن أن يبرر هذا "الاجتهاد"، ومنذ متى كانت الأوراش التي تطلقها المؤسسة الملكية خارج الحصيلة الحكومية؟
بل من ينفذ أو يتابع هذه الأوراش؟ من المؤكد أننا لم نسمع أن الديوان الملكي نشر إعلانا عن طلب عروض لبناء ميناء أو مجمع سكني أو مطار أو محطة للطاقة الشمسية؟ كما لم نسمع أن مهندسين محسوبين على القصر الملكي هم الذين يشرفون على الأوراش في الشمال والجنوب والشرق والغرب؟...
إنها الشعبوية والسياسوية ليس إلا..
ولا ندري كيف لا تحتسب الحكومة في حصيلتها ما تنجزه قطاعات التجهيز والإسكان والفلاحة والصناعة .. وغيرها، وهل سيكون مطلوبا منها مراسلة ملك البلاد لتلتمس منه عدم تدشين أو وضع الحجر الأساسي لبعض المشاريع حتى تتمكن من إدراجها ضمن إنجازاتها؟..
ألم نقل إن العبث وصل إلى ما دون القاع؟
الأكثر من ذلك أن هناك مفارقة "سوريالية" لا يمكن أن تقع إلا في المغرب بلد العجائب والغرائب.
فمن الملفات التي كان بالإمكان "سلخ" الحكومة فيها، الملف المتعلق بقطاع التعليم الذي فشلت كل المقاربات الاستعجالية والسلحفاتية في علاج ما به من علل.
لكن المضحك في الأمر أن حزب الأصالة والمعاصرة الذي يقدم اليوم نفسه على أنه قوة المعارضة الوحيدة في البرلمان، هو من يحوز هذه الحقيبة، وبالتالي لا يحق له مناقشة السياسة التعليمية ولا الإخفاقات المسجلة، لأنه بذلك سيكون في وضع من يجلد نفسه.
وعلى ذكر هذا الحزب تحديدا فإن مناقشته لم تخل من الطعن في حزب العدالة والتنمية "المعارض"، وهي خطوة لا محل لها من الإعراب السياسي..بل ليس لها مبرر منطقي لأن المفروض هو مناقشة التصريح الحكومي.. وليس تصفية الحسابات الضيقة على الهواء مباشرة..
وعلى العموم فإن المداخلات التي تقدم بها رؤساء الفرق كشفت عن الضعف البين في الأداء البرلماني، وجعلت المتابعين يتحسرون ربما على زمن "الأحزاب الإدارية" و"التزوير العام والمباشر"، لأنه على الأقل يومها كان الناس يتابعون مداخلات تهتز لها أركان البرلمان، بل نستحضر كيف أن العاهل الراحل أمر بوضع نقطة النهاية للنقاش حول ملتمس الرقابة الأخير بعد أن كادت المواجهة تنتقل إلى الشارع..
وحتى لا نتهم بالمبالغة، ها هي مداخلات الأحزاب ردا على تصريح الوزير الأول، ما تزال غضة طرية، ومن عثر فيها على اقتراح عملي واحد، فليخبرنا، بل إن "فقر الدم" الذي تعاني منه هذه الأحزاب جعلها تعجز حتى عن تدبيج خطاب سياسي ذي محاور اقتصادية واجتماعية، فاكتفت بالإنشاء والعموميات عكس ما كان يحدث مثلا في مداخلات فتح الله ولعلو حين كان يقود المعارضة السابقة..خلال "سنوات الرصاص"..
والسبب في هذا الضمور واضح، فالأحزاب الحالية أصبحت تعتمد على "الأعيان"، وهو وصف ملطف ل"الكائنات الانتخابية"، أي أنها أصبحت تفضل الكم على الكيف، فعدد المقاعد أهم عندها من مستوى شاغليها..وكلنا نعلم من أصبحت اليوم في أيديهم مفاتيح اللعبة الانتخابية..إنهم في الغالب أشخاص دخلوا السياسة من النوافذ والأبواب الخلفية، وعبر تسلق الجدران، ولم يكونوا في حاجة إلى تعلم أبجديات العمل السياسي لا في الجامعات ولا في التنظيمات الحزبية الموازية، ما دام الأمر في النهاية متوقفا على حجم الشكارة ومدى استعداد صاحبها للإنفاق ب"كرم" للوصول إلى مقعد تحت أية قبة من القباب..
ولهذا يتوقع في الأيام والأسابيع القادمة أن تستفحل "الحمى الهنغارية" التي بدأت أعراضها في الظهور، منذ قرر مهندسو الأحزاب في عهد "دولة الحق والقانون والمؤسسات"، التلاسن حول مواضيع تافهة بدل الانشغال بما ينفع البلاد والعباد..
* كاتب من المغرب
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.