بتعليمات من الجزائر.. البوليساريو تختطف مُعارضين ضمنهم إسباني وتبحث عن مكان لتصفيتهم بعيدا عن الأنظار    الحرس الثوري الإيراني يكشف تفاصيل إسقاط الطائرة الأمريكية المسيّرة    “الفيفا” يراقب “الكاف”.. رسميا فاطمة سامورا مفوضة لإفريقيا تبدأ مهمتها في غشت    هذا ما قاله ميسي بعد تعقد مهمة الأرجنتين في التأهل لثاني أدوار “كوبا أمريكا”    الحارس الحواصلي يجدد عقده مع فريق حسنية أكادير لموسمين    مصرع شخصين في حادث سير خطيرة بطريق أوريكا    بالفيديو…الأغنية الرسمية ل"الكان"..بتر جنوب المغرب وتعويضه بعلم"البوليساريو"    فجر: مستعد للموت من أجل المنتخب في كأس افريقيا وطموحي لعب المباراة النهائية    سان جرمان يحدد مبلغا خياليا من أجل التخلي عن نيمار    لقجع: من الضروري أن تكون العناصر الوطنية في مستوى تطلعات الشعب المغربي    أحمد أحمد يغازل مصر ب"نجاح" تنظيم الكان.. ويؤكد اعتماد ال VAR    مصر تسمح لتلفزيون إسرائيل بتصوير مكان دفن مرسي    خفر السواحل الاسباني يعلن عن فقدان ..20 مهاجرا سريا في عرض المتوسط    إيقاف إسباني للاشتباه في تورطه في استدراج قاصر    السفياني: لا علم للمغرب بمقتضيات “صفقة القرن” وهناك جهات تبتزه من أجل التوقيع على “اتفاق البحرين الخياني”    الفنانة نجاة الرجوي حامل – فيديو    العثماني يدخل على خط أزمة طلبة الطب ويعرب عن رغبته في حل مشكل طرد “البروفيسورات”    بتنسيق مع الديستي.. أمن مكناس يطيح بعصابة اجرامية متخصصة في سرقة المنازل    أجواء حارة بالجنوب خلال طقس نهار اليوم الخميس    إصابة قائد ودركيين بهشتوكة    هشام نجمي: المنظومة الصحية الوطنية تعيش مرحلة تحولات كبرى    حفل توقيع ديوان “رماد اليقين” بالخنيشات    الدار البيضاء … افتتاح المعرض الإفريقي المتجول “أعرني حلمك”    موازين 2019 .. منصة شالة تستضيف حفلات موسيقية لكبار فناني شعب "الروما"    مشاكل تنظيمية تلغي حفلا بأكادير    المغاربة يحتفلون بالذكرى 49 لميلاد الأمير مولاي رشيد    فواكه تساعد في علاج الإمساك    مجموعة بريطانية تستحوذ على 5 في المائة من بنك بنجلون    قضية الصحراء.. دعم خليجي وإفريقي لافت للمغرب بأروقة الأمم المتحدة    كارول سماحة ترقص فرحا بحلولها في المغرب – فيديو    تصريحات أبرز مرشحي رئاسيات موريتانيا تستنفر قيادة « البوليساريو »    20 يونيو 1981 .. انتفاضة الدارالبيضاء الكبرى    الأمراض الوبائية محور ندوة بأكاديمية المملكة    بسبب الحرارة.. “الكاف” يقرر استراحة في كل شوط أثناء مباريات “الكان”    حصتها ستنزل من 30 إلى 22 في المائة : الدولة ستحتفظ ب 8 مقاعد في المجلس الإداري لاتصالات المغرب    أثرياء العدل والإحسان يشنون “حرب” المقرات    الصندوق العربي للإنماء يمنح المغرب قرضا بمبلغ 2.27 مليار درهم    رقية الدرهم: مشاركة المغرب في «منتدى الأعمال» تأتي دعما للاتحاد من أجل المتوسط    الخارجية السعودية: تقرير خاشقجي غير حيادي ومليء بالادعاءات الزائفة    جمهورية مصر العربية ضيف شرف المهرجان الدولي للفيلم العربي لمكناس    عرض حوالي 50 فيلما في الدورة 11 للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بأكادير    الجواهري يتوقع انخفاض النمو إلى 2.8 % بسبب الجفاف    حجز سيارات المجلس الإقليمي بمديونة بضيعات فلاحية    29 قتيلا و1982 جريحا حصيلة حوادث السير خلال أسبوع    مشروب ليلي يساعد على إنقاص الوزن أثناء النوم!    بعد “الحرب” مع أمريكا.. هل تراجعت مبيعات هواوي بالمغرب؟    البيت الأبيض: ترامب أُبلغ بإطلاق صاروخ على السعودية    ميركل تؤكد أنها بخير غداة إصابتها برجفة    فينيا تواصل جولتها لعرض حلول التمويل على 2200 مقاولة    ها الفرق بين تقنية 5جي و 4جي    «مايلن المغرب».. أولى وحداتها لإنتاج الأدوية بالبيضاء    قوات إنقاذ إسبانية تبحث عن 20 مهاجرا مفقودا    سلام الله عليك أيها السيد الرئيس    برلماني من المضيق يُسائل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية    “مايلن المغرب” تطلق أولى وحداتها لإنتاج الأدوية بالمملكة    خبراء: ها مصدر القلق الرئيسي عند المرأة    يهم الحجاج الناظوريين: وزير الأوقاف يعلن عن 6 مستجدات لتحسين ظروف تنقل وتغذية وتأطير الحجاج المغاربة    قصة : ليلة القدر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مرجعيات الفلسفة الغربية -16- مدرسة "الكانطية" ونقد العقل
نشر في هسبريس يوم 21 - 05 - 2019

نتطرق من خلال هذه السلسلة (28 مقالا) لاستعراض محطات فكرية وأطروحات فلسفية أنارت طريق الحضارة الغربية في تعاملها مع مسألة حقوق الإنسان التي برزت بشكل يزداد ثقلا وعمقا منذ الربع الأخير من القرن العشرين، والتي تحمل في ثناياها إيديولوجية القرن الواحد والعشرين المفتوحة على كل الاحتمالات.
إن الاعتبارات النقدية الواردة في هذه المقالات ليست من باب التسرع في إصدار أحكام القيمة، ولا من باب التحامل المبني على الآراء الجاهزة والاندفاعات العشوائية المتطرفة، وإنما هي قراءة موضوعية في بعض مرجعيات الفكر الفلسفي الغربي الذي تتغذى عليه منظومة حقوق الإنسان المعاصرة.
28/15-الكانطية ونقد العقل
يحتل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804) في الأوساط الأكاديمية الغربية وعند المثقفين بصفة عامة مكانة بارزة، إلى درجة أن هناك من يؤرخ للفكر الفلسفي بمختلف تياراته انطلاقا من تقسيمه إلى مرحلتين من التطور: ما قبل كانط وما بعد كانط. ربما أن هناك شيئا من المبالغة في هذا التقسيم، ولكن رغم ذلك هذا لا يعني الانتقاص أو الاستخفاف بالمركز الوازن الذي يحتله كانط عن جدارة وتميز في ميدان الفكر الحديث، بحيث تعد الكانطية مدرسة قائمة الذات، وكثيرة هي الآراء والنظريات المؤطرة لحقول معرفية مختلفة التي ما كان لها أن تتطور بشكل واضح لولا اعتمادها على الكانطية نهجا ومضمونا، مما يعني صعوبة حصر تأثيرات الكانطية في مجالها الفلسفي الضيق. ويشكل كتاب " نقد العقل الخالص" لكانط تحولا ثوريا في مسار الفكر الفلسفي إلى حد أن الفيلسوف شوبنهاور اعتبره كأعظم وأهم الإنتاجات الفكرية الألمانية وأن الإنسان يبقى طفلا في معرفته إلى أن يفهم كانط.
وهناك قناعة راسخة لدى المختصين بأن دراسة كانط تتطلب بذل مجهودات غير عادية، وبدونها لا يتيسر استيعاب الفكر الكانطي، والسبب في ذلك راجع إلى تعقيدات وغموض أسلوب الكتابة الكانطية، وهي ملاحظات وجهت لكانط نفسه فرد بقوله موضحا أنه يكتب للفلاسفة المحترفين الذين ليسوا بحاجة إلى الشرح والتوضيح. ويذكر ويال ديورانت في كتابه "قصة الفلسفة" أن كانط بعث بنسخة من مؤلفه "نقد العقل الخالص" إلى أحد أصدقائه من ذوي سعة الاطلاع قصد إبداء الرأي والملاحظة، لكن صديقه أعاده إليه ولم يقرأ منه إلا حوالي النصف، وكان عذره في ذلك أنه يخشى على نفسه من الجنون لو واصل قراءة الكتاب بكامله!
نقد العقل الخالص
ينتمي إيمانويل كانط للمذهب النقدي، بل إنه هو الذي وضع أسسه وقواعده. ويبدو أن صعوبة الكانطية راجعة لكونها نقدا داخل النقد ومن منطلق جذور نظرية المعرفة، لقد فرغ كانط من كتابة "نقد العقل الخالص" سنة 1781 بعد فترة من البحث والتمحيص والتنقيح دامت خمسة عشر عاما، أضاف إليه مؤلفا ثانيا بعنوان "نقد العقل العلمي" سنة 1788، ومؤلفا ثالثا حول "الدين في حدود العقل الخالص" سنة 1793. وفي هذه المؤلفات الثلاثة يستشف تطور تأثير كانط بكتابات ليبنتس وبالمذهب التجريبي الإنجليزي، قبل تربعه على عرش الفلسفة النقدية. والمقصود من نقد العقل الخالص هو التحليل النقدي الذي يؤدي إلى تنقية المعرفة من شوائب الإدراكات الحسية. إن الهدف عند كانط هو البحث في مدى وجود عقل خالص لا يعتمد في معرفته على ما تزوده به الحواس. إنه بحث في معرفة مستقلة عن كل أنواع التجربة وعن كافة الحواس. كانت المدرسة الإنجليزية وعلى رأسها لوك تقول بأن المعرفة مستمدة كلها من الحواس، وذهب الفيلسوف هيوم إلى إنكار النفس والعلم المذكورين عند ديكارت، معتبرا أن العقل ليس سوى أفكار متتابعة ومتعاقبة، وأنه لا يجوز القطع برأي يقين، فالآراء اليقينية ليست سوى احتمالات معرضة دائما للنقد والنفي، ورد كانط على هذه الأقوال بأن نتائجها باطلة نظرا لبطلان مقدمتها المفترضة. فعندما زعم هيوم أن كل معرفة الإنسان تأتي عن طريق الإدراكات الحسية المختلفة والمنفصلة، لم يكن قادرا على إثبات أن سلسلة الأحاسيس تشكل تتابعا ضروريا أو سياقا قارا على يقين دائم. ويقر كانط أن اليقين المطلق للمعرفة أمر مستحيل، لكن من يدلنا على وجود أو عدم وجود معرفة غير مستمدة من التجربة الحسية، بتعبير آخر: هل الحقيقة المطلقة والعلم ممكنان بدون استقبال العقل لإحساس واحد من العالم الخارجي؟ وهل هناك معرفة مطلقة لا تعتمد على الحواس والتجربة؟ يوضح كانط قائلا: إن سؤالي هو ماذا نرجو أن نبلغ بالعقل، إذا أبعدنا كل مساعدة للتجربة الحسية؟ وهكذا انطلق كانط في بحثه وتحليله المفصل لأصل الأفكار، مختبرا أصل النظريات وتطورها وتشكيل العقل الموروث. وفي ذلك قوله: "إن التجربة ليست الميدان الوحيد الذي يحدد فهمنا، لذلك فهي لا تقدم لنا إطلاقا حقائق عامة، إنها تثير عقلنا المهتم بهذا النوع من المعرفة بدل أن تقنعه وترضيه. لذلك لابد أن تكون الحقائق العامة التي تحمل طابع الضرورة الداخلية مستقلة عن التجربة، واضحة ومؤكدة في نفسها. إذ لابد أن تكون حقيقية بغض النظر عن تجربتنا الأخيرة، وحقيقية حتى قبل التجربة". ويؤكد كانط كثيرا على المعرفة الرياضية التي من شأنها في نظره أن تجعل الإنسان مستقلا عن كل أنواع التجربة، ولا يرى ما يمكن أن ينقضها في المستقبل، ويعطي مثلا على ذلك بالإشارة إلى أننا قد نعتقد أن الشمس قد تشرق غدا من الغرب، أو أن النار سوف لا تحرق العصا الخشبية في عالم لا تحترق فيه الأشياء، ولكننا لن نعتقد أو نصدق طيلة حياتنا أن اثنين زائد اثنين يمكن أن يسفر عن عدد غير الأربعة. إن مثل هذه الحقائق حقيقية قبل التجربة. ويبقى السؤال هو: من أين نحصل على هذه الحقائق المطلقة؟ يجيب كانط على أن هذه الحقائق تستمد نوعها الضروري من التركيب الفطري للعقل، أي من الطريقة الطبيعية الحتمية التي بموجبها يعمل العقل. ومما يثير الانتباه الثقة التي أبان عنها كانط في الطرح والتحليل إلى مستوى قد يصل إلى الغرور، فهو يقول:" لقد استهدفت الكمال في هذا الكتاب وأنا أجرؤ على القول بأنك لن تجد قضية واحدة من قضايا الميتافيزيقا إلا ألفيت حلا لها أو على الأقل وجدت مفتاحا تستعين به على حلها". لا شك في أن فلسفة كانط أثارت مسائل كثيرة بناء على تحليل ممنهج لمعايير فكرية من الصعب تكسير حلقاتها. إن تمييزه لمظهر الأشياء عن جوهر الأشياء نفسها يكفي لوحده لبناء صرح لتيار فلسفي عميق ومستقل، ناهيك عما جاء في الكانطية من عناصر النقد والتركيز التي تختبر قدرات العقل الإنساني في ذاته ومحيطه، فيما هو كائن وفيما يجب أن يكون...
الأمر المطلق الكانطي
تكون الإرادة صالحة من وجهة نظر كانطية متى كانت تعمل بمقتضى "الواجب" دون ابتغاء الحصول على منفعة أو الاندفاع تحت ضغط رغبة معينة. في هذه الحالة يعتبر الواجب أمرا مطلقا، والأمر المطلق يكون دائما كليا بالضرورة لأنه قانون، ولأن الكلية هي خاصية القانون. لقد أخذت الصياغة الكانطية للأمر المطلق شكلا ثلاثي الأبعاد:
1- اعمل كما لو كنت تريد أن تقيم الحكم الصادر عن فعلك قانونا كليا للطبيعة، مما يفيد إمكانية تعميم الفعل الأخلاقي.
2- اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر كغاية لا كوسيلة، مما يعني أن الفعل الأخلاقي غاية في حد ذاته.
3- اعمل كما لو كنت مشرع القانون، وهذا معناه استقلال الإرادة وبالتالي حريتها.
غير أن تقرير الحرية يفضي إلى إمكانية انتماء الإنسان إلى عالم غير حسي، بمعنى عالم معقول، لأن الحرية ليست متوافرة في العالم الحسي ما دام مبدأ العلية يتحكم في الظواهر. والسؤال: هل هناك من مبرر لافتراض هذا العالم المعقول؟ جواب كانط: إنه إثبات وجود الله وخلود الروح.
*أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة- طنجة
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.