بوريطة في باماكو حاملا رسالة تشجيع وصداقة وتضامن    مندوبية التخطيط: ها كيفاش دايرة الصناعات التحويلية    الجامعة تسير بإتجاه تعيين سيموندي وعبوب لتدريب الأشبال    اللجنة المركزية للتأديب تصدر عقوبات جديدة في حق بعض أندية البطولة الاحترافية    أمان الله: "النقص العددي كان سببا وراء هزيمتنا.. ولا خوف على مستقبل د.ح.الجديدي بتواجد هؤلاء اللاعبين الشباب"    بعد توقيف مشتبه به أول... عم الطفلة نعيمة: ابنة أخي قتلت على يد غريب عن الدوار يزاول الرقية الشرعية..وفرضية وجود شبكة واردة    طقس الأربعاء: أجواء مستقرة مع سماء صافية في أغلب مناطق البلاد    لطيفة رأفت تنتفض: فنانون يموتون جوعا هم الأحق بالدعم.. وكنت "مغضوب علي" بسبب دعمي للشعب في حملة المقاطعة-فيديو    مرفأ الحكايات .. قصص قصيرة لمجموعة من الأدباء والكتاب العرب    الصين تبتكر جهازا يكشف عن كورونا في 30 دقيقة    إحصائيات كورونا.. المغرب يحتل المركز ال31 عالميا والثاني أفريقيا من حيث الحالات النشطة    مواجهة مشتعلة بين ترامب وبايدن في مناظرة اتسمت بالفوضى    المجلس الأعلى للحسابات: مسار عجز الميزانية متحكم فيه في سنة 2019    المغرب يشرع في إجلاء حوالي 150 امرأة مغربية عالقة في سبتة    بالفيديو : فضيحة تهز أكادير بعد إقدام شاحنة تابعة لمجلس جماعي على إفراغ النفايات أمام محل تجاري معروف    إنزكان : مفاحم عشوائية قرب التجمعات السكنية تدمر صحة المواطنين، وسط مطالب بتدخل "أبو الحقوق" لرفع الضرر    خبير بيروفي: تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية يمر عبر مخطط الحكم الذاتي    أمانة"البيجيدي":تأسيس هيئة انفصالية بالعيون محاولة فاشلة للإعلان عن مشروع سياسي تقسيمي    المركز السينمائي المغربي يحتفي بأفلام ثريا جبران    المجلس الأعلى للحسابات.. نشر تقرير حول تنفيذ ميزانية الدولة برسم سنة 2019    ميدو: "جامعة الكرة المغربية أنقذت الرجاء والوداد"    بسبب كورونا .. مجموعة "ديزني" ستلغي 28 ألف وظيفة في الولايات المتحدة    بعد العثور على بقايا جثتها.. اعتقال المشتبه في قتله الطفلة "نعيمة" ابنة زاكورة    الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح يؤدي اليمين الدستورية أميرا لدولة الكويت    إطلاق حملة رقمية للترويج للسياحة بجهة مراكش بتخفيضات تصل إلى 50 بالمائة    وصول وفدي المفاوضات الليبية للمغرب وهذه تشكيلتهما    مربو الدواجن: خسائر "كورونا" وراء ارتفاع الأثمان    فن الهيت الحسناوي الأصيل    الجائحة تهوي بأرباح "بنك إفريقيا" ب68 في المائة    حرب أرمينيا وأذربيجان تنقل مباراة إلى قبرص    قسم إنعاش يعالج حالات "كورونا" الحرجة بأكادير    خبراء يشيدون بتعميم إجراء فحوص "كورونا" على مختبرات خاصة    انطلاق الموسم الفلاحي للشمندر السكري باقليم سيدي بنور في ظروف استثنائية غير مسبوقة    الشعلة الأولمبية تعود إلى جولتها التقليدية في مارس    النقابة الحرة للموسيقيين المغاربة بالجديدة تصدر بلاغا حول الدعم الوزاري للفنانين    المغرب الفاسي يرفع حظوظه في سباق الصعود    الزميل بوستى بوزكري في ذمة لله    50٪ من المقاولات الصغرى تموت قبل بلوغ سنتها الخامسة    تراجع حقينة السدود بجهة سوس ماسة    خرموش يدحض افتراءات سفير الجزائر ببلغراد حول الصحراء المغربية    أمن الفقيه بنصالح ينظم لقاء تواصليا للتلاميذ    جريمة غريبة: تقطع العضو الذكري لزوجها انتقاما منه    الفنانة شامة الزّاز .. رحيل آخر كوكب في سماء "الطّقطوقة الجبلية"    سباقات أسطورية.. الخلف يصون الأمانة    "فتح" و"حماس" تسرّعان خطوات التقارب وسط تحديات غير مسبوقة    جمعية تطالب الحكومة برفع ميزانية وزارة الصحة    "أحجية إدمون عمران المالح" .. صراع الهوية وفساد الجوائز الأدبية    موريتانيا.. حمى الوادي المتصدع تودي بحياة 4 أشخاص    حصيلة الحوادث بالمدن: 18 قتيلا و1973 جريحا    وزير الدفاع الأمريكي يستهل جولة مغاربية من تونس غدا ويحل بالرباط الجمعة    الكويت تعلن "الشيخ نواف الصباح" أميرا للبلاد    ترامب وبايدن في أول مناظرة اليوم الثلاثاء.. 35 يوما قبل الانتخابات الرئاسية    "مشاورات بوزنيقة" المرتقبة.. هل تخرج ليبيا من أزمتها؟    نداء للمساهمة في إتمام بناء مسجد تاوريرت حامد ببني سيدال لوطا نداء للمحسنين    التدين الرخيص"    الفصل بين الموقف والمعاملة    الظلم ظلمات    مرض الانتقاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الفقيه والمثقف
نشر في لكم يوم 06 - 08 - 2020

إذا كان الفقيه، كما يدعى في المغرب، أو الشيخ كما يسمى في كثير من الدول العربية يمثل الثقافة العربية القديمة، والدينية منها على وجه الخصوص، كان المثقف، وهو مصطلح جديد يحيل على من تلقى ثقافة غربية، وتشبع بها، وهو يعمل على نشرها، من خلال اهتمامه بكل ما يتصل بالثقافة الحديثة في جانبها الدنيوي. صورتان لواقع ثقافي عربي مزدوج. لم يؤد هذا الازدواج منذ ما يسمى بعصر النهضة العربية في مصر والشام إلا إلى المزيد من الانفصال بين الصورتين، وقد حصل التخندق في ما صار يختزل في الأصالة والمعاصرة، تارة، أو التراث والحداثة طورا.
لا أريد الرجوع إلى هذه الثنائية الأزلية التي لم نعمل على حسمها بتجاوزها في أي منعطف من منعطفات تاريخنا الحديث. إنها في كل حقبة جديدة من التطور كانت تأخذ أشكالا مختلفة، لكن المحتوى ظل واحدا. أحببت النظر في ثنائية صوتين يمثل كل منها بعدا ثقافيا واجتماعيا، في التعبير عن شجون واقعنا وقضاياه الحيوية، هذان الصوتان هما: الفقيه، والمثقف. يبدو لنا الفقيه، وما يمكن أن يتصل به من أصوات فرعية تنهل من المعين عينه، من خلال التكوين الذي تلقاه. ويمكن قول الشيء نفسه عن المثقف. فاختلاف نوعية التعليم الذي تلقاه كل واحد منهما أدى إلى جعل كل منهما مختلفا عن الآخر، إلى الحد الذي يصعب معه إيجاد جسر بينهما. فالفقيه نتاج الجامع أو المسجد الذي تلقى فيه تعليمه الأولي: حفظ القرآن الكريم، والمتون المتصلة بعلوم العربية وعلوم الدين، في مرحلة أولى. وفي مرحلة ثانية (الثانوية العامة) يلتحق بما يسمى ب» التعليم الأصيل»، وأخيرا يلتحق بكلية الشريعة في جامعة القرويين أو أصول الدين. بمعنى أن تكوينه يظل مرتبطا بما هو ديني، وتراثي، بصورة أساسية. وكل المواد العلمية، واللغتان الفرنسية والإنكليزية تظل بالنسبة إليه ثانوية، وساعات التكوين فيها لا تمكنه إجمالا بإتقان أي منهما، إلا في ما ندر.
كيف يمكن لفقيه لم يعمل على طرح السؤال عن التراث من منظور علمي وأبستيمولوجي أن يجدد الخطاب الديني؟ وكيف يمكن لمثقف لا يفهم الواقع الذي يعيش فيه، مكتفيا بأفكار عامة عن التغيير، أن يسهم في تقديم صورة دقيقة عن الواقع؟
أما من سيحمل نعت المثقف، فهو نتاج المدرسة الحكومية، حيث يتعلم الأبجدية والحساب والعربية والفرنسية، ومواد علمية تؤهله لانتقال إلى الإعدادي والثانوي، حيث يجد نفسه أمام خيارين كبيرين: علمي أو أدبي، وضمنهما يمكننا أن نجد الاقتصاد، أو العلوم الإنسانية في التجربة الجديدة. ويمكّنه هذا التكوين من الالتحاق إما بكلية الآداب أو الحقوق، علاوة على كليات العلوم والمدارس والمعاهد المتصلة بالإعلام والفلاحة والهندسة والمعلوميات، وما شابه ذلك.
نستنتج من هذه المقارنة أن تعليمنا يسهم في خلق ما يمكن أن يكون الفقيه من جهة، والمثقف من جهة ثانية. وكل واحد منهما له انشغالاته وتخصصاته التي لا علم للآخر بها. فالأول يتفقه في المواريث، والشريعة، وعلوم القرآن والحديث، والتفسير. أما الثاني فيتعلم كل ما يتصل بالعلوم الحديثة والجديدة، سواء تعلقت بالطبيعيات أو الإنسانيات، وكل الخلفيات التي ينطلق منها مرتبطة بالثقافة الغربية. إنهما يتكلمان لغتين مختلفتين، بل ومتناقضتين، على وجه الإجمال. فلا الفقيه يمكنه أن يتواصل مع المثقف، ولا المثقف قادر على فهم الفقيه. فالفقيه فقيه، والمثقف مثقف. وإذا ما وجدا نفسيهما أمام قضية اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، نجد كلا منها يزدري لغة الآخر، أو يسفهها. ولدى كل منها ما يكفي من الحجج لادعاء بطلان الخطاب النقيض. ألا يمكننا أن نجد أمام هذه الثنائية من نعتبره: الفقيه المثقف، أو المثقف الفقيه؟ وإذا ما وجدنا إحدى هاتين الصورتين التي بإمكانها المزاوجة بين الصوتين، كيف نجدها تتصرف، أو تفكر، في مواجهة القضايا الحيوية التي تهم المجتمع؟ في ما أتابعه من خلال سماعاتي وقراءاتي لهذين الصوتين معا نجد كلا منهما، وإن كان يتقصد الانفتاح على الصوت الآخر، يظل يغلّب الصوت المركزي لديه، إلى الحد الذي يجعلنا نقطع بوجود المثقف والفقيه صوتين منفصلين.
وأعتبر هذا من العوامل التي تجعل الفقيه لدينا عاجزا عن الاجتهاد، والمثقف عاجزا عن التفكير. إن كلا منهما ينطلق من تصورات جاهزة ومسبقة لديه أولا عن الآخر، وثانيا، عن الواقع، لذلك فكل ما يقدمانه من أقوال أو أفعال لا تعدو ما يتحصل لديهما من معارف لا يعمل أي منهما على طرح السؤال بصددها.
كيف يمكن لفقيه لم يعمل على طرح السؤال عن التراث من منظور علمي وأبستيمولوجي أن يجدد الخطاب الديني؟ وكيف يمكن لمثقف لا يفهم الواقع الذي يعيش فيه، مكتفيا بأفكار عامة عن التغيير، أن يسهم في تقديم صورة دقيقة عن الواقع؟ وفي غياب فهم جديد للتراث، وقراءة جديدة للواقع، كيف يمكن أن نجد الفقيه المثقف، أو المثقف الفقيه؟ لقد فشل المثقف، وهو ينطلق من الثقافة الغربية في تأسيس الدولة القومية، أو الاشتراكية، أو الديمقراطية. ونجد أنفسنا أمام الفشل نفسه مع الفقيه، فلا هو قادر على تكييف الدين مع الواقع، ولا على خلق المجتمع الإسلامي الذي يحلم به.
ما دام الصوتان متصاخبين لا يمكن للمستقبل سماع أي منهما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.