بيدرو سانشير: المغرب شريك استراتيجي لإسبانيا    الغرابي يُغادر سفينة "العدالة والتنمية" ويتجه لحمل وردة الاتحاد الاشتراكي    ONCF يحقق رقم معاملات قدره 1.6 مليار درهم مع متم يونيو المنصرم    تحسن سعر صرف الدرهم أمام الدولار ب0,20% في الفترة من 23 إلى 28 يوليوز    طوكيو 2020: رباب العرافي تقصى من نصف نهائي 800 متر    فيديو خطير يسقط شابا هائجا في شراك الإعتقال    المجلس الوطني للصحافة يمنح 3394 بطاقة مهنية برسم 2021    الرباع فارس إبراهيم يتوج بأول ميدالية ذهبية لقطر في تاريخ مشاركاتها الأولمبية    سان جرمان وليل يتواجهان على كأس الأبطال من دون حسابات    المغرب يحدث بالصحراء مناطق لوجستيكية لتعزيز التبادل التجاري مع إفريقيا    قانون الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي يدخل حيز التنفيذ    رغم أزمته.. تامر حسني يحتفي بهذا الإنجاز    السيد صلاح العمراني مدير شركة ALQUISUR بتطوان يهنئ جلالة الملك بعيد العرش المجيد    تقرير يكشف بعض أسباب التوتر بين المغرب ودول أوروبية    الجزائر التي تعيش إفلاسا معلنا، تستجدي رعاياها في الخارج لتغطية نفقاتها    حكماء الرجاء يجتمعون بالأندلسي لهذا الغرض    أولمبياد طوكيو-قوى: الجامايكية طومسون تحتفظ بلقبها في 100 م    بارتفاع بلغ 48 في المائة.. تحويلات الجالية تتجاوز 4400 مليار    بعد فرانس24.. السلطات الجزائرية تسحب اعتماد قناة "العربية"    لسعة عقرب تنهي حياة طفل صغير ضواحي أكادير وسط صدمة العائلة    طرفاية.. وجود جثة داخل منزل يستنفر مصالح الدرك الملكي    نفاذ الأوكسجين يتسبب في وفاة عدد من مرضى كورونا بمستشفى جزائري    فضيحة.. تبون يستجدي المهاجرين الجزائريين بسويسرا لتقديم الدعم لمواجهة كورونا    مذكرة أميركية تؤكد أن "الحرب تغيرت" على كوفيد وتحذر من متحورة دلتا    في عز فصل الصيف.. عواصف رعدية وتساقطات مطرية غزيرة وتساقط "التبروري"    تونس... توقيف النائب البرلماني ماهر زيد على خلفية دعوى قضائية    وفاة الفنانة انتصار الشراح    تونس.. الرئيس قيس سعيد يعفي كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية من مهامه    بعد وصول شباب مغاربة غير ملقحين إلى أقسام الإنعاش.. خبير يوضح    كم تبلغ نسبة الإصابة بفيروس كورونا في صفوف الملقحين؟    الشابة المختفية كوثر صبار تعود إلى أحضان عائلتها بطنجة (صورة)    "لاراثون" الإسبانية تتحدث عن التطورات التي تشهدها الأزمة بين الرباط ومدريد!    ارتفاع القروض البنكية بنسبة 4.1 في المئة خلال شهر يونيو    ممونو الحفلات ملتزمون بقواعد الحرب على الكوفيد.. ضرورة وضع دفتر تحملات    أولمبياد طوكيو-كرة القدم.. إسبانيا تنجو أمام ساحل العاج وتبلغ نصف النهائي    القنوات المفتوحة الناقلة لمباراة مصر والبرازيل في أولمبياد طوكيو    هل يجلب كوشنر استثمارات إسرائيلية ودولية إلى المغرب؟.. تقرير يكشف "مخططا استثماريا" لصهر ترامب    "متعة الحوار عند الروائية الامريكية طوني موريسون" للمترجم المغربي عبدالله الحيمر    أي منطقة في الجمل يستخرج منها "لودك؟...الجواب في "نكتشفو بلادنا"    حركة "حماس" تنتقد استمرار واشنطن في تسليح إسرائيل    إغلاق مؤسسة فندقية بالحوز لخرقها إجراءات حالة الطوارئ الصحية    زهير بهاوي يوجه رسالة مؤثرة لوالديه -صورة    كوفيد 19: وزارة الصحة تدعو لتفادي الاكتظاظ في مراكز تلقيح بعينها    تحذير من متحور كورونا يقتل ثلث المصابين به.. هذه فرص انتشاره    الفضاء النّصيّ وطبوغرافيا المكان عند سناء الشّعلان في جامعة سعيدة الجزائريّة    الاتحاد الأوروبي يغرم "أمازون" 746 مليون يورو من أجل انتهاك قوانين حماية البيانات    "زنزانة البوح" تحكي أسرارها بمهرجان مسرح مراكش الثقافي    الإشراف البنكي.. الأرقام الرئيسية في التقرير ال17 لبنك المغرب    الليجا "تكرم" أبطال الموسم الماضي في حفل مليء بالنجوم    التغير المناخي: لماذا يقترب عصر محطات الوقود من نهايته؟    دراسة: تسجيل درجات حرارة قياسية أكثر تواترا في المستقبل    تسجيل أربع هزات أرضية بإقليم الدريوش    الهجمات الحقيقية التي يريد الإعلام الفرنسي لفت الأنظار عنها بالتهجم على المغرب    الفنان خالد بناني يصاب بكورونا    الشيخ القزابري يكتب: حَمَاكَ اللهُ وَصَانَكَ يا بلَدِي الحَبِيبْ..!!    الموت يفجع الطبيب الطيب حمضي    المغرب الزنجي (12) : يعتبر المرابطون أول ملكية بالمغرب توظف العبيد السود كجنود    طارق رمضان :أنت فضوليّ مارقُُ وبقوة الشّرع    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحسن اليوسي وامحمد البهلول
نشر في لكم يوم 19 - 06 - 2021

قامتان ثقافيتان شامختان في الفضاء التاريخي والاجتماعي المغربي. عاشا معا إبان حكم السلطان القوي المولى إسماعيل باني الحاضرة المكناسية، ومحرر ثغور طنجة والعرائش والمهدية وأصيلا من يد الإسبان والبرتغال. ينتمي أبو علي الحسن اليوسي إلى الثقافة العالمة، وكان من بين علماء فاس الذين بايعوا المولى إسماعيل. له مؤلفات كثيرة من بينها المحاضرات، والأمثال والحكم، والرسائل وغيرها. عرف بعلمه الغزير ومحاربته البدع، وبلغ حد اعتباره نظير الحسن البصري، حين مدحه العياشي بقوله: من فاته الحسن البصري يطلبه/ فليطلب الحسن اليوسي يكفيه. كما أنه كان يُشبّه بالغزالي.
أما سيدي امحمد البهلول فينتمي إلى الثقافة الشعبية، من خلال ما تركه من أقوال زجلية ما تزال تتردد إلى الآن، وما عرف عنه من كرامات تدخله في عداد الأولياء والصالحين. تعرفت على الشيخ البهلول منذ طفولتي حين كنت أتردد على الحلاقي، وكانت الأغاني الشعبية تذكره باسم «عزري العلوة» وبعد ذلك من خلال زياراتنا للبادية وتدوين أشعاره من أفواه أخوالي ورجالات القبيلة. أما اليوسي فلم أتعرف عليه إلا في المرحلة الثانوية، لما درسنا نصه حول «الشجرة الخضراء» الذي ينتهي بهذه الجملة: «قالت الشجرة الخضراء: هذا زمن السكوت، من قال الحق يموت». كلفت بإنجاز تعريف لشخصيته. وذكرت في المقدمة أننا أمام كاتب مغربي، ولذلك نجد المعلومات عنه قليلة جدا، ولو كانت لكاتب مشرقي لكتبت عدة صفحات. لكن المصادر، الآن، عنه كثيرة، وأغلب مؤلفاته محقق ومطبوع، وهناك دراسات أكاديمية حوله.
أما البهلول فلا نجد عنه سوى إشارت قليلة جدا في المصادر التاريخية الرسمية، لكن الذاكرة الشعبية المغربية تحتفظ بالكثير من أشعاره وأخباره، خاصة في منطقة الشاوية، وبالأخص في منطقة العلوة، حيث توجد قبيلته وضريحه وأولاده. وحين نعرف أن العلوة أغنية شعبية، تمجد الصلحاء والأولياء وعلى رأسهم البهلول، قد تعدت حدودها المغرب، وصارت معروفة عربيا، ندرك القيمة الخاصة التي تحظى بها شخصية البهلول في الثقافة الشعبية المغربية.
تختلف الشخصيتان اجتماعيا وثقافيا. جمعهما عصر مضطرب يتنافس فيه الأشراف على السلطة، والقبائل على فرض الوجود، والأجنبي على إدامة احتلال الثغور المتوسطية والأطلسية. وكان لحزم المولى إسماعيل وفطنته دور كبير في التصدي لكل القلاقل والاضطرابات. وطبيعي أن تسود في هذه الأجواء تصورات متضاربة ومتناقضة حول مواقفه هذه. ونجد في رسالة اليوسي إلى المولى إسماعيل التي يناقش فيها الضرائب، والانتصار للمظلوم، ومسألة حرمان القبائل من أسلحتها، وهي التي كانت تتصدى للعدو الخارجي، ما يثبت طبيعة العصر والمكانة التي كان يحتلها السلطان. وهو ما سنجد أصداء لها في بعض رباعيات البهلول وهو يتطرق لقضايا اجتماعية وسياسية في عصره. ومن كل هذا نلاحظ فعلا أننا أمام قامتين شامختين من مجالين ثقافيين مختلفين.
تبين لنا هذه الحكاية التمايز بين الثقافة الشعبية في حمولتها الصوفية المبنية على الباطن، والثقافة العالمة في وقوفها على الظاهر، وهي حين تنتصر لهذه الثقافة على الأخرى تكشف لنا المسافة الشاسعة بين الثقافتين وأثر كل منهما في الوجود والوجدان.
التقى الرجلان كما تؤكد ذلك الذاكرة الشعبية بإقدام الحسن اليوسي إلى الرحيل من فاس المدينة إلى البادية، وهو مغتاظ من خطاب انتهى إلى سمعه منسوب إلى سيدي امحمد البهلول بهدف مناقشته ورده عن غيه. فحوى الخطاب: ادعاء البهلول على قبيلة مناوئة له بأنه سيرفع عنها الصلاة والصوم. استغرب اليوسي هذا الادعاء: كيف يمكن لشخص يدعي التصوف أن يرفع الصلاة والصوم عن قبيلة، وهما ركنان لا يستقيم الإسلام إلا بهما إلى جانب الأركان الأخرى؟ تتعدد المرويات عن اللقاء، ويتدخل الخيال الشعبي منبنيا على كرامات وعجائب. فتؤكد إحدى الروايات أنه عندما اقترب من القبيلة سلّم على راع، فرد عليه السلام ذاكرا اسمه ومقصده، وهو لم يسبق له أن رآه، ولا علم لأحد برحلته. فدله على المكان، فسار إلى أن وصل إليه، فاستضافه الشيخ، وفي إكرامه مرويات كثيرة تؤكد كرامات الشيخ. لم يلاحظ اليوسي خلال الأيام الثلاثة للضيافة ما يريب في الشيخ. عاين تقواه، والتزامه بالصلوات في أوقاتها، وعلاقته الطيبة مع الناس، وارتباطهم به، وحرصه على مصلحتهم. فداخله العجب في أن يكون ما انتهى إليه من كلام مجانب للصواب أن يصدر عن رجل كهذا. أخبر اليوسي برحلته وما سمعه عنه، طالبا منه الإيضاح؟ لم يزد الشيخ على قوله: كان مضمون كلامي أن أدعو الله عليهم فيسلط عليهم الحمق، فترفع عنهم الصلاة والصوم، لأنه لا حرج على المجنون والأحمق؟
تبين لنا هذه الحكاية التمايز بين الثقافة الشعبية في حمولتها الصوفية المبنية على الباطن، والثقافة العالمة في وقوفها على الظاهر، وهي حين تنتصر لهذه الثقافة على الأخرى تكشف لنا المسافة الشاسعة بين الثقافتين وأثر كل منهما في الوجود والوجدان. فالشفاهة ترتهن إلى تاريخ سحيق يحكمه المشترك الثقافي، الذي يتربى عليه الفرد منذ نعومة أظفاره، ويظل يلازمه طيلة حياته. أما مع الكتابة فتصبح الثقافة خاصة بمن يمتلك المهارات المتصلة بها. وبين ثقافة العامة والخاصة فجوة لا يمكن ردمها إلا بتطوير الثقافة العالمة، بجعلها تنفتح على الثقافة الشعبية، وبجعل الثقافة الشعبية قادرة على التواصل مع العالمة، ويقتضي ذلك تمدين البادية لا ترييف المدينة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.