وزير الشغل: الحكومة في طور تنزيل مشروع التغطية الصحية والتقاعد للعمال المستقلين    أمكراز: ابتداءا من الأربعاء إلزامية التصريح بخادمات وعمال المنازل في “cnss” يدخل حيز التنفيذ    تحت تأثير الأزمة.. مهنيو قطاع السياحة يتطلعون إلى ما بعد كوفيد 19    رئيس اللجنة القانونية للترجي: "خيار إعادة نهائي دوري الأبطال أمام الوداد مُحتمل ومُمكن"    أمن مراكش يطيح بعصابة تنشط في السرقة والتجارة في المخدرات    جمعيات الآباء بجهة طنجة تنادي بتجاوز الاحتقان    سلطات اقليم بالحسيمة تواجه العطش في البوادي بحفر الابار وتجهيزها    الفنان المغربي محمد بشار "زروال" في ذمة الله    كورونا يتراجع في جهة مراكش آسفي و37 حالة فقط قيد العلاج    اتهامات لتجار الطحالب البحرية بالجديدة بتحريض المهنيين على خرق فترة الراحة البيولوجية    على بعد أيام من انطلاق الدوري..الحكومة الاسبانية حذرة بشأن استقبال الجماهير في الملاعب    2928 صحافية وصحافي حصلوا على بطاقة الصحافة المهنية برسم 2020    سطات تودع آخر وثر موسيقي    شاهد الازدحام والمشاجرات في شوارع الدار البيضاء في عز الحجر الصحي    تقارير | الهلال السعودي يحاول إغراء بلهندة براتب 5 ملايين يورو سنويًا.. ومكافأة 5000 يورو عن كل هدف يسجله    دورية للداخلية تعلن عن إنهاء الحجر الصحي    مسؤول حكومي: ثمن البترول 3 دراهم و البنزين يُباع ب6 دراهم    وزير العدل: الاعلان عن المخطط التوجيهي للتحول الرقمي لمنظومة العدالة في الأيام المقبلة    توقعات أحوال الطقس اليوم الثلاثاء بالمغرب    وزارة التعليم تستعين بمدرجات الجامعات وقاعات الرياضة لاجتياز إمتحانات الباكالوريا    بسبب كورونا..أندونيسيا تلغي الحج    رئيس الحكومة يكشف خطة ما بعد رفع الحجر الصحي    هذه هي خطة "الكاف" لاستكمال دوري أبطال إفريقيا    أخنوش: عائدات الصادرات الفلاحية المغربية حققت لحد الآن 17,5 مليار درهم    لفتيت : القرارات الأخيرة لا تعني رفع حالة الطوارئ و خطر كورونا مازال مستمراً    التصريح ب 1632 من العمال المنزليين للضمان الاجتماعي خلال سنة    المغرب يسجل "33" حالة كورونا خلال 24 ساعة    من الناظور.. إعادة 114 مغربيا من حاملي الجنسية البلجيكية والفرنسية إلى دول إقامتهم    الترشيح لولوج الأقسام التحضيرية للمدارس العليا يستمر إلى غاية 12 يوليوز        هيئة أفلام أردنية تعرض "أفراح صغيرة" عبر الأنترنت    مختار: حكيم زياش يمتلك صفات قائد الفريق    لفتيت : استفادة أزيد من 3,5 مليون شخص من مساعدات غذائية في إطار المقاربة التضامنية لمواجهة كوفيد 19    أطباء يحتجون ضد طردهم من فنادق بالدار البيضاء    إصابة 5 لاعبين ومدربين في برشلونة بكورونا    الجفاف يرفع فاتورة الغذاء بالمغرب إلى 22 مليار درهم قلة المحاصيل ستضاعف واردات القمح والشعير هذا العام    غرفة المشورة تسقط تهمة النصب على الفنان ة دنيا باطما    «المسيح… النبي المفقود» لأحمد الدبش 1 : الكنيسة المصرية طالبت بمصادرته    كيف تصبح كاتبًا؟ ثوماس كينيللي: تجربتي مع ابنتيّ جزءاً ممّا تعلّمته وحكيته    حصيلة شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب    “تجفيف منابع الإرهاب” للدكتور محمد شحرور : حفظ العقل لايأتي بحفظ المعلومات فقط    إصابة عامل بأحد المناجم يرفع العدد الاجمالي للمصابين ب »كوفيد19″ بجهة كلميم واد نون إلى 45    74 مشاركا في مهرجان فاس الإلكتروني الدولي لفن الخط العربي و الزخرفة و المنمنمات    «المغرب، رواق فني في الصحراء» معرض إلكتروني للمصور الفوتوغرافي خوان أنطونيو مونيوث    غوتيريش يدعو الى ضبط النفس في الولايات المتحدة    إشراقات الحجر الصحي    مصرع مراهق غرقا بعد توجهه لشاطئ المضيق من أجل السباحة    حكومة فرنسا تتوقع انكماش الاقتصاد ب11 في المائة    تير شتيغن: "لا فرصة للرحيل عن برشلونة هذا الصيف"    “فيفو” تكشف هاتفها الذكي “في 19”    الأمم المتحدة تدعو للتحقيق بعنف الشرطة بالولايات المتحدة    أسماء لمنور تصدر ألبومها الجديد بعد الحجر الصحي ببصمات مهدي و »عندو الزين »    تسجيل صفر وفاة يرفع منسوب الثقة في دواء الكلوروكين    المستفيديون من دعم ''كوفيد 19'' مستاؤون من وكالة سياش بنك بالبئر الجديد    "مظاهر يقظة المغرب الحديث"    هل تقنع الحكومة الشركات بإعادة العمال الموقوفين بسبب "كورونا"؟    الكهرباء وأسلاكها.. خفايا وأسرار    الغرب والقرآن : أفكار حول توحيد نص القرآن – 2/2    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





“كورونا” ومفهوم نهاية الشر الحضاري عند ابن خلدون
نشر في بريس تطوان يوم 27 - 03 - 2020

من أهم الإيحاءات والتنبيهات التي كرستها ظاهرة الوباء المستشرية في العالم ،والتي بلغت ذروتها في وقتنا الراهن بتفشي “فيروس كورنا المستجد” هو إعادة الاعتبار لدور ،التاريخ والعلوم الإنسانية ،والأخلاق والقيم ،والدين والمعاملة، في تهذيب حياة البشرية وحمايتها وضمان استمراريتها.
وحتى الطب والعلوم الموازية له من كيمياء وبيولوجية وعلم التغذية والوقاية وما إلى ذلك قد عاد أدراجه للبحث في أدوية الماضي وتاريخ الأوبئة ومن أين كانت تأتي وكيف قاومها وحاصرها السلف وما هو دور الخلف …
وكباحثين لا يليق بنا أن ننزلق مع الإشاعات والترهات ونردد ما يرد علينا، ويوصف لنا ويزيف علينا كالببغاوات ،قد أصبح لزاما علينا بأن نعالج المشكلة في إطار التخصص المحترم والمتواضع،و الأقرب إلى التناول من غير عواطف ولا مداراة، حول مسألة الحضارة وصلتها بالأوبئة ومسارها السلبي ،و الذي يبدو أنه ينحدر نحو الهاوية بعدما كان في تصاعد ونشوة وهمية سرعان ما اصطدمت مع حجمها الحقيقي ،ثم عادت أدراجها لتحصي أضرارها وكوارثها المتناسبة في سقوطها مع مستوى ارتفاعها !
أولا:الحضارة بين المؤشرات السلبية للصعود والهبوط
يقول ابن خلدون:” و أهل البدو و إن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم- أي أهل الحضر- إلا أنه في المقدار الضروري في الترف و لا في شيء من أسباب الشهوات و اللذات و دواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها و ما يحصل فيهم من مذاهب السوء و مذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة و قبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر و هو ظاهر و قد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية العمران و خروجه إلى الفساد ونهاية الشر و البعد عن الخير فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر.”.
فقد يكون ابن خلدون هنا يتوافق من حيث المبدأ مع مذهب الإنجليز من جهة اعتبارهم أن الحضارة لا يعترف بها إلا إذا كانت حضارة عليا ،أي من النوع الضخم الكبير الذي يؤسس للمؤسسات ويرتفع في البنايات ويجيد في الصناعات .وهذا أمر معقول ورأي سليم ولكنه لا يحتوي كل معاني الحضارة ومقوماتها وعوامل نشأتها.
بيد أن رؤية ابن خلدون هاته قد تشير إلى اعتبار أدق وأسمى من أن تكون الحضارة هي عبارة عن علو في الأرض أو فساد مادي محض ،وإنما سيذهب إلى وصم المتحضرين بالحالة المرضية المتراكمة والناتجة عن التحولات والتغيرات الاجتماعية الجماعية المتسربة رويدا رويدا إلى نفوسهم وعقولهم وبالتالي النخر في أخلاقهم وطرق استهلاكهم لغاية أن يصيروا في حالة مرضية جماعية طاغية لا يكاد يوجد لها علاج ! :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما تداولتها أمم من سره زمن ساءته أزمان
ثانيا:اختلال التوازن الحضاري مدخل دقيق لتفشي الأوبئة
فالسر في نهاية الشر هو النسبة المئوية من الترف ونوعية المترفين في المجتمع الحضاري ،وهذه النسبة ستكون دائما في تصاعد وارتفاع كتيار نحو الأعلى وليس الأدنى ،إذ الترف والرفاه والميل نحو الراحة والاستجمام غريزي عند البشر ،والنفس ترنو نحو الكسل واستحلاء عمالة الخدم والحشم ،وهذا يولد نوعا من الاستعلاء والاستكبار والتسخير المفرط والمتميع للثروة المتوفرة والآخر ،وخاصة في جلب العمالة الخارجية واستعبادها بالمادة والسلطة وقهر الحاجة.
فأهل الدار المترفين قد يميلون دائما إلى التفرغ لما فيه لذتهم وراحة أجسامهم وأنفسهم ،ولا يبذلون من الجهد إلا ما يحتاجونه من هضم ذاتي أو تفريغ للفضلات ،وحتى هاته قد يحتالون للتخلص منها بأسرع الأسباب ولا يكادون يمحون أثرها أو تنظيف المكان من آثارها !
“ و أهل البدو و إن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري في الترف” فالمسألة هنا فيها موازنة وحساب النسبة الذي يقتضي الإحصاء .والحضارة رهينة بهذا الرصد الرياضي الدقيق في النمو أو التراجع ،الإنتاج أو الاستهلاك .إذن فلا بد من المحاسبة ومراقبة التوازنات المادية وآثارها على الجانب النفسي والأخلاقي للمجتمع وإلا فما طار طائر وارتفع إلا كما طار وقع.
ومصطلح الترف ونهاية الشر هاته عند ابن خلدون لم تأت من فراغ وإنما هي تستند على نصوص دينية ووقائع تاريخية مرصودة بامتياز.ومن بين تلك النصوص نجد في قول الله تعالى:” وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”سورة الإسراء آية 16. وعن أنس رضي الله عنه ، قال : كانت ناقة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – تسمى العضباء ، وكانت لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود له ، فسبقها ، فاشتد ذلك على المسلمين . فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” إن حقا على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه ” . رواه البخاري .
فالآية القرآنية قد تعتبر مرجعا رئيسيا في تحديد نشوء الحضارات وتحولها من القرية البدوية الفقيرة إلى مدينة حضرية ثرية ومترفة .كما أن الأمر هنا له دلالات معرفية وأحكام فقهية دقيقة .وذلك باعتبار أن القرية لما تتحول نحو المدينة بسبب التكاثر السكاني وتدافع المصالح والمحاصيل قد تحتاج إلى قانون ينظم علاقات أصحابها وطرق استهلاكها واستغلالها للثروة المتحصل عليها بفعل التعاون الاجتماعي والاقتصادي والزراعي ،وكذلك هندستها المعمارية وطبيعتها البيئية …وهذا يتطلب طبعا وضع حدود ومقاييس تنظم طرق هذا الاستغلال والتصرف فيه بعقلانية وتوزيع عادل للثروات ،وإلا فسيكون التبذير والترف المؤدي للفسق والخروج عن الطاعة والنظام العام.
من هنا فيأتي معنى قول الله تعالى:”أمرنا مترفيها“أي أمرناهم بالطاعة والعدل فعصوا ،وليس أنه أمرهم بالفسق أو المظالم التي تتعارض مع مفهوم التعاون وقيام الحضارات.كما أن معاني كلمة “أمر” في اللغة العربية،فيما يذهب إليه بعض المفسرين ،هو كثَّر.ومن هنا فإن كثرة الترف والمترفين بفعل التحضر والاستغلال المفرط للموارد،والتنطع في تغيير طبيعتها الأصلية ،كما ذهب إليه ابن خلدون، سيكون هو المؤدي إلى الشر والخروج عن دائرة الخير ووقوع طغيان كطغيان الماء الذي لا يقاومه أي سد أو ترميم.وكذلك ظهور الأوبئة المتنوعة إما من الهواء أو الغذاء أو الماء…
في حين قد يرى أنه ” لما خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة ،التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع،ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة.واختص العلم بالأمصار الموفورة الحضارة” وإدراج مفهوم سر الله في مجال الحضارة فيه من الموضوعية والرؤية الواسعة ما يدعو إلى التأمل والربط بين التعريفات للحصول على معناه ومقاصده.فهناك الحضارة وهناك العلم والصنائع التي هي ثمرتها ونتائجها،وهذا قد يعني أن الحضارة شيء غير العلم والصناعات والعمارات،والتي في غالبيتها تكون ذات طابع مادي واستهلاكي محسوس ومفرط.
فابن خلدون ينظر إلى تعريف الحضارة من منطلق عمودي ومن نقطة نهاية الخط المكون للزاوية القائمة للمثلث كما أن الهرم المكون لها قد يكون على شكل أدراج صاعدة ومبنية على بعضها البعض ومتلازمة بالضرورة تلازما عضويا لا يمكن أن يفكك إلا بالانهيار التام وذلك في ربطه البدو بالحضر ربطا موضوعيا وتأصيليا ،بل إن شئنا قلنا ربطا رياضيا يخضع للحساب والجبر والهندسة . فروافد المدينة أو الحاضرة هو ما تجود به البادية كما أن هناك تناسب بينهما في شكل طرد عكسي ،أي أنه بقدر ما كانت البادية واسعة المساحة وموفورة الخصب وقليلة السكان بقدر ما ستصير المدينة أكثر رفاها وكثافة سكانية وبالتالي أكثر مظهرا حضاريا من غيرها .كما أنه كلما تقلصت المساحة في البادية وقويت أو عظمت قبائلها وقراها بقدر ما انعكس ذلك على الحاضرة في صورة مد وجزر لا محيد عنه.فنحن إذن أمام خطاطة ورسم بياني ينبغي وضعه في الحسبان إما لبناء حضارة ما أو تقييمها على المستوى النظري والتاريخي.بحيث إن السر في الأمر كله قد يدور بين المثلث المتلازم والتسلسل في نفس والوقت وهو نسبة الانتقال من الضروري نحو الحاجي ثم تحديد التطلعات إلى الكمالي.والله الهادي إلى الصواب وهو خير حفظا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.