نظم نادي القراءة بالمركز السوسيوثافي بتطوان، نهاية الأسبوع المنصرم، حفل تقديم وتوقيع ديوان "تراتيل التاء" الصادر مؤخرا للشاعرة مريم كرودي. وشارك في اللقاء ثلة من الباحثين الشباب الذين قدموا المؤلف، كل حسب اختصاصه، بتسيير من لدن الأستاذ رشيد البلعيدي. وفي ذات الصدد، قالت أمامة قزيز، فنانة تشكيلة، شاعرة، وروائية، سأتحدث عن تلك اللقطة التي أوقدت جذور الفكرة في رأسي لتشكيل رسمة غلاف "تراتيل التاء"، فإن كان إسحاق نيوتن أول من اكتشف عملية تفكيك اللون الأبيض إلى أطياف براقة ومتعددة سنة 1966، فإن علاقتي باللون علمتني أن هذا الأخير فلسفة، يستطيع من خلالها التأثير على مزاجنا ونفسيتنا وآمالنا أيضا. وتابعت في مداخلتها قائلة :"من خلال هذا المولود الذي قالت فيه الشاعرة: القصيدة هدية الله/كنز الأساطير الخالدة /وأغنية شعبية تراثية، تخيلت تلك الأنثى الراقصة الصامتة على وجه الخيال والشغف، وفي باقة شوق تقول: "أنساق خلف الخيال وكأني شهقة حسرة" وإذ بريشتي تفتح فم الأنثى الحالمة كانفراجة دعاء، أو ترتيل، أو تعويذة أو شهقة رجاء..". وأضافت، أما النظرة المتعلقة بالفضاء، فهي مستوحاة من قصيدة "في حضرة الصمت" إذ تقول الشاعرة "في حضرة الصمت/ هربت من نفسي/ من اللهيب الجارف/ وجئتك على عجل"، فهرعت أنثى الريشة أيضا على عجل للقاء فيوضاتها النفسية والإبداعية. وعن الخلفية المتمازجة بين اللازورد والفيروزي، تردف قزيز، فهما تعبير عن الربيع الذي تغنت به مريم كرودي في مستهل ديوانها وقالت "يسكن الربيع قلبي غير آبه بتساقط الأحلام الصفراء"… وتبقى التفاصيل الأخيرة التي جاءت عبارة عن قبعة أو كشكول مختلف الألوان، فهي تعبير عما تحمله الانثى/الشاعرة من عبء عرفي أو ثراثي أو ثقافي، وما استخدام الألوان الصاخبة فيه إلا لفتا للنظر وتعبيرا عن هذه المسؤولية الملقاة على عاتق الشاعرة. من جهته محمد نور بنحساين، باحث، شاعر وقاص، قال إن تراتيل التاء ، الديوان الأول للشاعرة مريم كرودي ، في 90 صفحة من القطع المتوسط ، يحمل في ثناياه ، ترجمة كاملة بديعة للقصائد إلى اللغة الإسبانية من الشاعر والمترجم أنس الفتحوني ، وبلوحة فنية أنيقة للشاعرة أمامة قزيز ، مما يدل على أن مخرجات العمل الفنية كانت كلها من أنامل شعرية شاعرية ، ما جعل العمل ، ينحو نحو الوداعة والحلم والأمل . وأفاد بنحساين، أن العنوان مركب إضافي استعاري يحمل بين ثناياه معنى الترتيل الذي يكون قرآنيا ، وإضافته للتاء بمعناها الأنثوي ، في دلالة على أن البوح الشعري قد يكون قربانا للقلوب وشفاء لها ، وضما للجروح، وما أجمله من جبر حينما يكون بطابع أنثوي ، إلا أن لفظ التشديد الذي حمله غلاف الديوان بحركة التضعيف عل حرف التاء ، يومئ إلى عدم الاستهانة بالأنوثة ومنحها مكانتها القوية في إيقاع الكلمات ، كما أن صورة الغلاف تتماهى مع فكرة الصمود والعلو وعدم الاستكانة ، حيث تجسد رفعة المرأة وانفتها في أبهى صورة ، واستشرافها وتطلعها بالأمل نحو المستقبل . أما من حيث متن الديوان، يضيف الباحث، فقد عرف حضور 24 قصيدة من الشعر المنثور الذي يتيح مساحة للتحرر والثورة على التقاليد الخليلية بشكل أكبر من أجل البوح المتعالي على سلطة القوالب، وهي متنوعة ما بين القصيرة والمتوسطة والطويلة ، ذات عناوين قصيرة ، تغلب على المركبات الإضافية ، وكأن أحلام العناوين تحتاج لمن يكمل صحوتها الواقعية. بدورها حنان اخريخر، باحثة في الأدب العربي وشاعرة، تحدث في مداخلتها عن تفاصيل الإصدار، وقالت إنه بعد قراءة ديوان "تراتيل التاء" قراءة متأنية متأملة في الجمل الشعرية، نجد الشاعرة تتخذ من كتاباتها سلاحا تواجه به العالم في قسوته وفجاجته، وتنتقده ضمنيا في همس ذو حمولة إنسانية ونفس تصبو إلى الصفاء، حيث تقتحم هوامش العالم الواقعي الذي تعيش فيه لحظات تسجلها ذاكرتها اليومية وتعيد تشكيلها في فضاء شعري خاص يترك فراغات للمتلقي لملئها. أما بالنسبة للعنوان، تضيف اخريخر، فالتراتيل من الترتيل وهي لغة التناسق والتحسين والتطييب في التراص، وعادة ماتستخدم لوصف طقوس عبادة أو صلاة تتم عبر تلاوة أدعية أو مدائح أو نصوص مقدسة، مع لحن ونغم وقد اسنخدمته الشاعرة وكأنها في ممارسة فعل الكتابة إيزاء طقس خاص مقدس، والتاء، هي تاء التأنيث الساكنة، حرف ثالث من حروف الهجاء مهموس شديد مخرجه، ولنا أن نتصور أننا أمام تاء تخاطب العقول في سكون تقتضيه قدسية ممارسة فعل الكتابة بالنسبة للشاعرة. "ومن خلال فن العنونة خلقت الشاعرة نوعا من الاهتمام والانتظار لدى القارئ وهي في نفس الوقت تسمح له بالاقتناع الضمني بما ستقوله فيما بعد، والبرهنة على مصداقية ملفوظاتها، حيث نصبح أمام محاسبة مفترضة بين الشاعرة والقارئ… فتراتيل التاء إعلان للنص وعنصر من عناصره وباعتباره مستهلا شعريا حاضر في بداية القصائد وفي سردية النصوص" وفق تعبيرها. وأردفت الباحثة قائلة "تقول الشاعرة، بعد سفر إلى عوالم الذات والروح والتخبط في المعيش اليومي والتجارب والمواقف "ألوذ إلى تراتيل متى أنهكني المسير"، أي أنها في رحلة دينامية دائرية مع ذاتها في الحياة إلى أن تتوقف في نقطة الارتكاز "اللحظة المقدسة"، ترتشف منها طاقة روحية تخول لها العودة إلى المسير مجددا". من جانبه أنس الفتحوني، شاعر ومترجم، قال عن تجربته في ترجمة الإصدار، فور درايتي بعزم الشاعرة مريم كرودي على إصدار أول ديوان خاص لم أتردد في أن أقترح عليها ترجمة نصوصه إلى اللغة الإسبانية، لغة Cervantes وAdolfo Bécquer وQuevedo وMachado وJuan Ramón Jiménez وGarcía Márquez وآخرون. لكي أكون منصفا فإن قراءتي لقصائد "تراتيل التاء" إبّان مهمّتي الترجمية لم تكن هي أول مرة لأنه سبق لي أن سمعت بعضاً منها بصوت الشاعرة وهي تلقيها في إطار مشاركاتها العديدة في محافل شعرية محليا وجهويا ووطنيا، الأمر الذي شجعني أكثر على أن أعزز فكرة إصدار عمل باللغتين اللتين تتميز بهما مدينة تطوان: العربية والإسبانية، زد على ذلك، إصدار ديوان شعري مترجم إلى اللغة الإسبانية يُمكّن العمل أيضا من الانفتاح على القُراء الناطقين بهذه اللغة وبالتالي توسيع رقعة الجمهور المتعطش إلى قراءة عمل ذو قيمة أدبية متميزة. وتابع الفتحوني، "إذ إن التأمل يقتضي خلوة مع الذات، فمن الضروري على المترجم كذلك أن يختلي بالعمل المُراد ترجمته، وهو ما قد يُيسّر عليه ولو قليلا أن يعيش تلك اللحظة الإبداعية التي كُتب فيها السطر الشعري أو النص إلخ". وسجل المترجم أنه بالنسبة للعنوان، كلمة "تراتيل" تذكرنا بتلك العلاقة الروحية بين النص وقارئه، والتي نستنبطها من العلاقة بالنصوص القرآنية في ديننا الحنيف، فكما يقول عنها الناطقون بالإسبانية "قراءة القرآن" أو "ترتيل القرآن" أو حتى "ترتيل الإنجيل" أو recitaciones de la Biblia، ومن هنا وقع الاختيار في ترجمة "تراتيل" إلى الإسبانية "Recitaciones" للحفاظ على ذلك الجانب الروحي. أما عن الكلمة الثانية من العنوان وهي "التاء"، فالمعروف في اللغة العربية أن التاء تأتي كحرف تأنيث، فلم يكن من الصعب اختيار ترجمتها بكلمة "أنثى" على سبيل المثال، ليكون العنوان بالإسبانية "Recitaciones de una mujer"، لكن بهذه الصياغة لم يكن ليحس قراء الديوان باندماجهم وتماهيهم مع نصوصه وكأنها تتحدث عنهم، لهذا كان من الأفضل البحث عن كلمة شمولية أكثر زمن هنا وقع الاختيار على كلمة "Femeninas" نسبة إلى النعت العربي "مؤنث(ة)" وهو ما يفي بالغرض أيضا من حيث المعنى. وأتم قائلا "مع الخوض في أغوار قصائده النثرية تبدأ "المغامرة الترجمية" كما أحب أن أسميها، وهي أن تحاول الوصول بنصوص العمل إلى بر الأمان على الرغم من وعورة مسالكها. استوقفتني مجموعة من المعاني والعبارات التي لم أتردد في سؤال الشاعرة مريم كرودي عنها، وبعد التشاور والنقاش كنت أصل في نهاية المطاف إلى العبارات الأدق من حيث المعنى".