المحكمة ترفض جميع طلبات دفاع بوعشرين    قلعة أربعاء تاوريرت بإقليم الحسيمة... أطلال في انتظار تثمين يطلق شرارة التنمية    هل أحرج والي بنك المغرب الرميد ؟ …مستشار الرميد يقدم روايته    فيديو.. مسؤول سعودي ارتدى ملابس خاشقجي بعد قتله ثم غادر القنصلية    أولمبيك آسفي يفوز بميدانه على المغرب التطواني    رونالدو يصر على أنه "مثال" على أرض الملعب وخارجه    راموس ينفجر غضبا في تدريبات ريال مدريد    اهتمام ملكي بجعل الحواضر الألفية منارات عمرانية وحضرية وسياحية وازنة    عمارة يكشف عن سلسلة من الاجراءات التي اتخدت بعد " حادث القطار "    عمالة الناظور: السلطات قررت ترحيل جميع المشاركين في اقتحام سياج مليلية    عصابة النشالين لركاب سيارت الأجرة تقع في قبضة رجال الشرطة بأكادير    المعهد الجغرافي الإسباني يرصد هزة أرضية بقوة 3.4 درجات مركزها في عرض البحر    بعد احتلالها للقنوات المغربية.. فريدة بطلة مسلسل "سامحيني" تحل بالحسيمة    انتخاب رئيس جديد لبرلمان الجزائر    شبيبة العدل والإحسان : المغرب يعيش واقعا بئيسا واحتقانا كبيرا    إطلاق مبادرة 51 عرضا مسرحيا للجالية.. وبنعتيق: لحظة تاريخية (صور) ستقدمها 12 فرقة من مختلف جهات المملكة.    إنييمبا وصل اليوم ورفض هذا الأمر    الخطوط الملكية المغربية تطلق بوابة خدماتية جديدة    الكشف عن فضائح بالجملة و وقائع خطيرة، تؤكد تورط بن سلمان في قضية مقتل خاشقجي، قبل مفاجأة أردوغان المتوقعة غذا الثلاثاء    نشر صور لموظفين بالقنصلية السعودية وهم يحرقون وثائق يوما على مقتل خاشقجي    إنتر ميلان يُعلن تشخيص إصابة ناينغولان    بحر طنجة يلفظ جثة ضحية للهجرة السرية بشاطئ "بوهندية"    تفكيك عصابة متخصصة في تجارة في المخدرات الصلبة    إيفان راكيتيتش ينتقد فالفيردي بسبب الشرود    “الأمازيغية” شعلات الحرب بين الأحرار والبيجيدي.. مسؤول فالأحرار: البيجيدي كيمارس “الارهاب” اللفظي    إصابة 4 تلاميذ أمام ثانوية الجديدة في حادثة سير خطيرة ب”برشيد”    بارتوميو يقفل الباب أمام عودة محتملة للبرازيلي نيمار    اتصالات المغرب كتربح. ها النتيجة بالارقام    تعرف على حكم كلاسيكو برشلونة وريال مدريد    في مفهومي السلمية والثورية    صور.. الساسنو فاكهة حمراء اللون زاهية تغري المارين بمحاذاة غابة جبل القرن بتمسمان    ميليشيا البوليساريو تختطف ثلاثة محتجين وتقتحم مخيما للمعتصمين    خاشقجي الحرية والعدالة الدولية    ألمانيا تستدعي السفير السعودي لاستنطاقه حول قضية خاشقجي    البوليساريو تدعن لضغط السكان وتكشف عن الشبان الذين اختطفتهم    إدخال 3 حقائب كبيرة إلى قنصلية السعودية في إسطنبول يثير الجدل.. هل تحتوي على جثة خاشقجي؟    الاتحاد الاشتراكي ومسألة الديمقراطية والحكامة: قراءة في أشغال المجلس الوطني    التجاري وفا بنك يدشن المركز السادس “دار المقاول” بالرباط لمواكبة المقاولات الصغرى جدا    ماستر كلاس فوزي بنسعيدي    ست جرحى في حادث إطلاق النار في ولاية فلوريدا    مشروع القانون المالي يتوقع اقتراض أزيد من 76 مليار درهم في 2019 : فوائد الدين العمومي وحدها ستبتلع 30.6 مليار درهم    مهمة صباحية بسيطة تبعد عنك الأمراض!    الكوارث الطبيعية تتسبب في خسارة بشرية ومادية وتشريد الملايين عبر العالم    المخرج المغربي محمد إسماعيل في ضيافة المدرسة العليا للأساتذة بتطوان    اسم وخبر : جلالة الملك يكلف وزير الفلاحة ببلورة تصور استراتيجي شامل وطموح من أجل تنمية القطاع    مدينة العيون تحتضن منتدى المغرب-فرنسا للأعمال من 2 إلى 4 نونبر القادم    محمد الأعرج يفتتح رواق المغرب كضيف شرف معرض بلغراد الدولي للكتاب    أعمال الفنان التشكيلي حفيظ الحداد ينوه بها مقدم زاوية اكناوة دار الجامعي بطنجة    بالفيديو.. دنيا باطمة تعترف: أحب الحرام وأفعله!    طنجة تحتفي بالكاتبة الراحلة "فاطمة المرنيسي"    هذه علامات تدل على أن مستخدم فيسبوك يعاني من الاكتئاب    عقم الرجال.. جراحة جديدة تبشر ب"تحقيق الحلم"    اللشمانيا تزحف على أجساد سكان زاكورة.. والحصيلة تصل 2000 مصاب    أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "الكتبية" بمدينة مراكش    الملك يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "الكتبية" بمراكش    البصيرة…    هذه هي القصة الكاملة المثيرة لإسلام الراهب الفرنسي "باسكال" بالزاوية الكركرية بالعروي    داعية إسلامي يحذر من "اختلاء" المرأة بوالد زوجها – فيديو    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التصحر الأخلاقي!
نشر في صحراء بريس يوم 19 - 04 - 2018

حمَلَ رسالةَ الله الكاملة الخاتمة، إلى البشرية، أعظم الناس خُلقا، فبذلك امتدحه ربه وزكاه، في قوله:{وإنك لعلى خلق عظيم}، إذ كان خلقه صلى الله عليه وسلم، القرآن. وبجوامع الكلم التي اختص بها دون الناس، لخص النبي صلى الله عليه وسلم، مهمته ورسالته الإلهية، مستخدما أبرز أدوات الحصر والقصر، فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ فلا جرم أن كانت المثل والقيم الأخلاقية قوام الأمم وسر بقائها؛ وكان استمرار كل أمة واستقرارها
مرهونا بصيانة الأخلاق وحراستها وتنميتها؛ وكانت درجات سلم المعراج في التفاضل بين الأقوام والشعوب، هي المبادئ السامية، والخلائق العظيمة، والسجايا الكريمة؛ ثم لا جرم أن يكون أسوأ الناس أخلاقا، أولاهم بحضيض المعراج، وأسفل درجات السلم، فثم مكانة ومنزلة من لا مستقبل له في مضمار الأخلاق.
وإن مما يثير القلق العميق، اليوم، على حاضر ومستقيل مجتمعنا الموريتاني، حالة التردي القيمي، غير المسبوقة، التي تجتاحه من أقطاره، جالبة أعاصير وعواصف التصحر الأخلاقي؛ مثيرة مخاوف رعاة منظومة المبادئ والقيم المرعية شرعا وطبعا، ومنذرة بنهاية حلم جميل، راود البناة المؤسسين الأوائل، ومن واكبهم واتبع سبيلهم من الأجيال؛ حلم بتحقق معجزة تحول أحياء بدوية متناثرة متشاكسة متناحرة متدابرة، لا مكان في وعيها التاريخي للدولة والنظام، إلى دولة عصرية مزدهرة، ومجتمع أكثر انسجاما مع المدنية والقانون والنظام ومقتضيات العصر.
تجد تلك المخاوف والنذر مبررها في كون هذا المجتمع القادم، في مجمله، من وراء قرون السيبة المتطاولة، مسكونا بغيبوبة مزمنة في وعيه، غيبوبة لم تزدها المدن ولا المدارس بمستوياتها، ولا الجامعات الوطنية والأجنبية، ولا الشهادات المتوسطة والعليا، إلا تجذرا في الفكر والصورات؛ وهو مسكون كذلك بعشوائية في تصريف شئون الحياة المختلفة، لم تزدها المسئوليات والوظائف السامية، ولا الدور والقصور المنيفة، ولا السيارات الفارهة، ولا التجارات والشركات العابرة للحدود، ولا ذرع العالم شرقا وغربا؛ لم يزدها كل ذلك إلا رسوخا في الممارسة والسلوك.
لقد كانت غيبوبة الوعي، وعشوائية الحياة، أهم ما في جراب ذلك البدوي الموريتاني، يوم أكرهه الجفاف وشظف العيش، والظروف غير المواتية، على دخول المدينة، بلا زاد من السلوك الحضاري، أو أدبيات التعايش الإنساني النظيف، فاستأنف عيشه فيها كيفما اتفق، عاضا بالنواجذ على ما في جرابه القديم، ليورِّثه، بحرص زائد، فلذات كبده، فتتوارثه الأجيال، صاغرا عن كابر؛ ومع الزمن تتلبس محتويات الجراب البدوي القداسة، باعتباره من متروك الآباء الصالحين، ثم يصنف التشبث به، في النهاية، قربانا إلى الله، بزعمهم، (منطق الغيبوبة والعشوائية).
وهكذا تتحول القربات من التوحيد الخالص ومقتضياته، والعبادة بمفهومها الشامل، متضمنا الشعائر والشرائع وعمل الصالحات، والمثل الأخلاقية العليا استنانا بمن هو على خلق عظيم، يتحول إلى الحنين لمفردات الماضي، وما كان عليه الآباء، وازدراء بكل ضوابط الحياة، واستهانة بالنظم والشرائع والقواعد السلوكية، ومن ثم التفرغ لفرض المألوفات العتيقة للبدو من رعاة السائبة، على مجتمع المدينة؛ فلا جرم أن تتحول حياة الجميع إلى ميدان سباق وبهرج وزيف وغرور، وكبرياء تستمد افتراءها المتجدد من محتد الآباء والأجداد، والتبحر المزعوم في قوانين ومدونات المجتمعات الغابرة، وفصول مفتراة في الغالب من تاريخ الغارات والثارات، وأمجاد القبيلة وأيامها، وعَددها وعُددها، وانتصاراتها بعد انكساراتها.
بتلك الارتكاسات العقدية والسلوكية، بات هذا المجتمع عصيا، حد اليأس، على أي اندماج حضاري، فقد تعلم من عشوائيته معايشة كل الأوضاع، وتهجين كل طارئ جديد، وإعادة صياغته في بوتقة الغيبوبه التصورية، فاكتسب مناعة ضد التجدد والتطور في الوعي والمفاهيم الثقافية والاجتماعية؛ وكما ألف الآباء والأجداد العديد من الخروق الأخلاقية العتيقة، في باديتهم وحلهم وترحالهم، ألف الأبناء والأحفاد سيل الاستلاب الخلقي المتدفق والمتجدد، فالتبست في وعيهم المغشوش، .مسلكياتهم العشوائية، مفاهيم الخير والشر، والصلاح والفساد، والمعروف والمنكر.
ومما يعطي لتلك الحالة المنفلتة من كل قيد، بعدها ومداها، أن ثقافة المجتمع المتوارثة، تلك التي جلب الآباء البداة فصولها، إلى المدينة، تحشر مفهوم الأخلاق في دائرة ضيقة جدا، فهي إنما تعني لألئك الآباء، التزام أمور محددة من لوازم الدين والمروءة، والكف عن أمور محددة من المحظورات شرعا، أو المنافيات لعادات ترجع لتفاصيل حياة المجتمعات المنقرضة للأجداد الأقدمين؛ ومن ثم كان عوزنا الأخلاقي في المدينة مرتبطا في الغالب بما لا عهد للآباء به من المفردات والمركبات المادية والمعنوية، في واقعنا الحي؛ ومن ذلك مثلا الأخلاق السياسية والإدارية والحقوقية والتجارية والصناعية والمالية والاجتماعية والخدمية بكل أبعادها المستحدثة، ماء وكهرباء وأمنا وحماية، بما في ذلك التعليم والصحة والتشغيل؛ وقس ما لم نقل على ما قلنا.
لقد جلب الآباء والأجداد، إلى المدينة، خروقا سلوكية وأخلاقية عتيقة، اصطحبوها من ماضيهم البدوي الفئوي القبلي، وما اكتنفه من شظف الحياة وإكراهاتها، ومن غائلة السيبة وحروبها وثاراتها، ومن التنافس الخشن الدائم، على الكلأ والماء، ومصادر الحياة الشحيحة، وانعكاسات ذلك على واقع سعد به القليل من الناس، مقابل ثمن باهظ، وشقيت تحت ظله الغالبية الساحقة. أما في المدينة التي دخلناها اضطرارا، فقد استبحنا فيها كل عرف أو قانون أو دين، وأقمنا قواعد حياتنا على الفوضى والاستهتار بالدولة وبكل نظام، أرضي أو سماوي؛ وكانت حصيلة تلك الخلطة، حالة أخلاقية كريهة، تقدم الدليل القاطع، لمن هو بحاجة إليه، على خيبة "السياسات" الوطنية عموما، وخاصة تلك المتعلقة منها بأبعاد المواطنة والحقوق، والتربية والتعليم، والثقافية والفنون، وقضايا الاندماج الاجتماعي والاقتصادي؛ فلقد فشلت تلك السياسات، فشلا ذريعا، في الوصول إلى غاياتها وأهدافها المرسومة؛ هذا إن صح أن لسياساتنا الوطنية غايات مرسومة، أصلا؛
وهكذا صنع منا التلاقي على غير موعد، بين ماضينا البدوي الفئوي والقبلي السحيق، وبين حاضرنا القروي الغير مرضي، نماذج غير مشرفة، لأعراب يعيشون على غير هدى، في أشباه قرى بدائية، لا ينهض حالها أحدا؛ كما أنتج فينا خليطا غير متجانس من المسلكيات المتخلفة، والتصورات الغبية، والأحكام المسبقة، أفقدت مجتمعنا المتخلف والمتعدد الأعراق والألوان واللغات، القدرة والإرادة الفاعلة، على الانسجام والاندماج كمواطنين متكافئين، مصوني الحقوق، موفوري الكرامة، في دولة تجسد دائرة الوطن الحر المستقل، ضمن دائرة أمة القيم والثوابت المرعية؛ ولقد جعلنا ذلك كله نفتقد الكثير من مزايا المواطن الصالح، والمدينة الفاضلة، والدولة العادلة، والكثير الكثير من قيم الخير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.