خبير أكاديمي: جلالة الملك لم يكتفي بتشخيص إشكالات الشباب بل قدم تدابير وإجراءات عملية    رئيس الإمارات العربية المتحدة يهنئ جلالة الملك بمناسبة عيد الأضحى    الأسعار الملتهبة لأكباش العيد تحول "رحبة" إلى ساحة حرب استعملت فيها السيوف و الهراوات بين مواطنين، و باعة وشناقة    سجن شقيق عهد التميمي لرشقه جندياً اسرائيلياً بالحجارة    تل أبيب توافق على بناء 650 وحدة استيطانية    100 ألف فلسطيني يؤدون صلاة العيد في المسجد الأقصى    تقارير: مانشستر يونايتد يستبعد فكرة إقالة مورينيو وتعويضه بزيدان    داخل 101 حزمة.. إسبانيا تحجز 3 طن من المخدرات     »جيبها تعيد معاك »: مبادرة شبابية لاستضافة المسنين في عيد الأضحى    "ريدوان" وفنانين مغاربة يتمنون عيد ميلاد سعيد للملك في أغنية جماعية (فيديو) بمناسبة عيد ميلاده ال55    الفنانون يبدعون في منتزه الزرقاء بضواحي تطوان    برشلونة يغلق الباب أمام تحركات سان جيرمان    بعد اغتصابها ووشم جسدها من طرف 10 أشخاص .. خديجة تنتظر الدعم بالفقيه بنصالح    شقيق نوري يكشف عن معطيات جديدة حول صحة نجم أياكس أمستردام    بنعبد الله ل"العمق": لم نُخبر بحذف وزارة أفيلال وسنقعد اجتماعا للرد المكتب السياسي للحزب سيجتمع بعد عطلة عيد الأضحى    وفاة حنا مينة.. "شيخ" الروائيين العرب الذي أوصى بعدم تأبينه    إدارة "عكاشة" تمنع أهالي المعتقلين من زيارة أبنائهم يوم عيد الأضحى    عثور على جثة متعفنة معلقة في شجرة بواد لاو وسط تضارب حول الأسباب    أمير المومنين يؤدي صلاة عيد الأضحى بمسجد أهل فاس بالرباط    الشبابيك الآلية تتوقف بعدد من المدن وتحرم المواطنين من أموالهم عكّرت فرحة المغاربة بعيد الأضحى    هذا موعد طرح تذاكر أولى مباريات البطولة بين الرجاء والحسيمة    لوبوان أفريك: ميناء طنجة المتوسط، موقع ريادي على المستوى الإفريقي والعالمي    الروائي السوري حنا مينة يغادر الدنيا عن 94 عاما    أولمبيك آسفي يقدم عرضا للمصري عمرو جمال    كين: لم نعد فريقا صغيرا.. حان وقت الألقاب    القناة الاولى تتابع مباشرة الماراطون الاول لجمعية اللوكوس للكرة الحديدية+ صور وفيديو    أمينوكس يغني للمغرب: وصاتني يما-فيديو    جلالة الملك يعزي أسرة الراحل كوفي عنان الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة    طنجة تحتاج لسياح "أوفياء" بدل الاعتماد على الوفد السعودي    مع صلاة العيد.. صواريخ تصيب محيط الرئاسة الأفغانية وتخلف عددا من الضحايا    ترامب: أحب تركيا والشعب التركي.. لكنني لن أتنازل أبدا    بسبب انتقادات "ترامب" للبنك المركزي الأمريكي.. الدولار ينخفض    "ضيوف الرحمن" يرمون الجمرات في مشعر منى وينحرون الأضاحي    هذا موعد سفر الوداد البيضاوي إلى الطوغو    تفاصيل قانون "الخدمة العسكرية".. أحكام سجنية للممتنعين واستمرار "الإجبارية" حتى سن الأربعين    الأرصاد: رياح قوية تهب على طنجة يوم عيد الأضحى    بعد الجدل بسبب خلعها الحجاب.. شعر حلا شيحة يحمل مفاجأة    الأردني وضاح.. أول مولود على جبل عرفات    المغرب يُوقف "إسرائيليا" محكوما بالسجن في فرنسا "دوّخ" الأنتربول ظل هاربا من العدالة منذ ماي 2016    سوق الأضاحي بمراكش..مواطنون يشتكون من الغلاء وكسابة من الخسارة (فيديو) فارق الثمن بين السنة الحالية والماضية يصل إلى 500 درهم    المنتخب الوطني لأقل من 17 يفوز على الجزائر في تصفيات بطولة إفريقيا    لبنى أبيضار تطالب البرلمان بسن قانون الزواج الإجباري    من هو التكنوقراطي محمد بنشعبون وزير الإقتصاد و المالية الجديد في حكومة العثماني ؟    صلاة العيد في عدد من الدول والحجاج يتوجهون لمنى لرمي الجمرات    مئات الكيلوغرامات من الذهب والحرير والفضة.. هكذا يتم تغيير كسوة الكعبة    الحجاج يبدأون رمي الجمرات في أول أيام العيد    بطالة الشباب المغربي تستأثر بمضامين خطاب "ثورة الملك والشعب"    السيد الصادق أولاد عمر علي موزع أطلس غاز بتطوان يهنئ جلالة الملك بمناسبة ذكرى عيد الشباب    تطوان...منطقة " الزرقاء" في حلة جديدة    5 دول انضمت إلى المغرب وخالفت السعودية في موعد عيد الأضحى    اجراءات هامة لضمان تأطير عملية عيد الأضحى    ريدوان يوحد نجوم الغناء والتمثيل في عيد الشباب    مع اقتراب عيد الأضحى..احذروا حفظ لحوم الأضاحي بهذه الطرق    جمعية تدعو وزير الصحة للتدخل .. مرضى السل بمستشفى الرباط ينشرون العدوى!!    ضيوف الرحمن يتوافدون إلى صعيد عرفات لأداء ركن الحج الأعظم بعد أن قضوا يوم التروية أمس الأحد    «أونسا» توصي المواطنين بالاحتفاظ ب «حلقات» الأضاحي    الشعيبي: لم يتم رصد أية أمراض في صفوف الحجاج المغاربة حتى الآن    التدخين السلبي أخطر مما كان يعتقد سابقا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التصحر الأخلاقي!
نشر في صحراء بريس يوم 19 - 04 - 2018

حمَلَ رسالةَ الله الكاملة الخاتمة، إلى البشرية، أعظم الناس خُلقا، فبذلك امتدحه ربه وزكاه، في قوله:{وإنك لعلى خلق عظيم}، إذ كان خلقه صلى الله عليه وسلم، القرآن. وبجوامع الكلم التي اختص بها دون الناس، لخص النبي صلى الله عليه وسلم، مهمته ورسالته الإلهية، مستخدما أبرز أدوات الحصر والقصر، فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ فلا جرم أن كانت المثل والقيم الأخلاقية قوام الأمم وسر بقائها؛ وكان استمرار كل أمة واستقرارها
مرهونا بصيانة الأخلاق وحراستها وتنميتها؛ وكانت درجات سلم المعراج في التفاضل بين الأقوام والشعوب، هي المبادئ السامية، والخلائق العظيمة، والسجايا الكريمة؛ ثم لا جرم أن يكون أسوأ الناس أخلاقا، أولاهم بحضيض المعراج، وأسفل درجات السلم، فثم مكانة ومنزلة من لا مستقبل له في مضمار الأخلاق.
وإن مما يثير القلق العميق، اليوم، على حاضر ومستقيل مجتمعنا الموريتاني، حالة التردي القيمي، غير المسبوقة، التي تجتاحه من أقطاره، جالبة أعاصير وعواصف التصحر الأخلاقي؛ مثيرة مخاوف رعاة منظومة المبادئ والقيم المرعية شرعا وطبعا، ومنذرة بنهاية حلم جميل، راود البناة المؤسسين الأوائل، ومن واكبهم واتبع سبيلهم من الأجيال؛ حلم بتحقق معجزة تحول أحياء بدوية متناثرة متشاكسة متناحرة متدابرة، لا مكان في وعيها التاريخي للدولة والنظام، إلى دولة عصرية مزدهرة، ومجتمع أكثر انسجاما مع المدنية والقانون والنظام ومقتضيات العصر.
تجد تلك المخاوف والنذر مبررها في كون هذا المجتمع القادم، في مجمله، من وراء قرون السيبة المتطاولة، مسكونا بغيبوبة مزمنة في وعيه، غيبوبة لم تزدها المدن ولا المدارس بمستوياتها، ولا الجامعات الوطنية والأجنبية، ولا الشهادات المتوسطة والعليا، إلا تجذرا في الفكر والصورات؛ وهو مسكون كذلك بعشوائية في تصريف شئون الحياة المختلفة، لم تزدها المسئوليات والوظائف السامية، ولا الدور والقصور المنيفة، ولا السيارات الفارهة، ولا التجارات والشركات العابرة للحدود، ولا ذرع العالم شرقا وغربا؛ لم يزدها كل ذلك إلا رسوخا في الممارسة والسلوك.
لقد كانت غيبوبة الوعي، وعشوائية الحياة، أهم ما في جراب ذلك البدوي الموريتاني، يوم أكرهه الجفاف وشظف العيش، والظروف غير المواتية، على دخول المدينة، بلا زاد من السلوك الحضاري، أو أدبيات التعايش الإنساني النظيف، فاستأنف عيشه فيها كيفما اتفق، عاضا بالنواجذ على ما في جرابه القديم، ليورِّثه، بحرص زائد، فلذات كبده، فتتوارثه الأجيال، صاغرا عن كابر؛ ومع الزمن تتلبس محتويات الجراب البدوي القداسة، باعتباره من متروك الآباء الصالحين، ثم يصنف التشبث به، في النهاية، قربانا إلى الله، بزعمهم، (منطق الغيبوبة والعشوائية).
وهكذا تتحول القربات من التوحيد الخالص ومقتضياته، والعبادة بمفهومها الشامل، متضمنا الشعائر والشرائع وعمل الصالحات، والمثل الأخلاقية العليا استنانا بمن هو على خلق عظيم، يتحول إلى الحنين لمفردات الماضي، وما كان عليه الآباء، وازدراء بكل ضوابط الحياة، واستهانة بالنظم والشرائع والقواعد السلوكية، ومن ثم التفرغ لفرض المألوفات العتيقة للبدو من رعاة السائبة، على مجتمع المدينة؛ فلا جرم أن تتحول حياة الجميع إلى ميدان سباق وبهرج وزيف وغرور، وكبرياء تستمد افتراءها المتجدد من محتد الآباء والأجداد، والتبحر المزعوم في قوانين ومدونات المجتمعات الغابرة، وفصول مفتراة في الغالب من تاريخ الغارات والثارات، وأمجاد القبيلة وأيامها، وعَددها وعُددها، وانتصاراتها بعد انكساراتها.
بتلك الارتكاسات العقدية والسلوكية، بات هذا المجتمع عصيا، حد اليأس، على أي اندماج حضاري، فقد تعلم من عشوائيته معايشة كل الأوضاع، وتهجين كل طارئ جديد، وإعادة صياغته في بوتقة الغيبوبه التصورية، فاكتسب مناعة ضد التجدد والتطور في الوعي والمفاهيم الثقافية والاجتماعية؛ وكما ألف الآباء والأجداد العديد من الخروق الأخلاقية العتيقة، في باديتهم وحلهم وترحالهم، ألف الأبناء والأحفاد سيل الاستلاب الخلقي المتدفق والمتجدد، فالتبست في وعيهم المغشوش، .مسلكياتهم العشوائية، مفاهيم الخير والشر، والصلاح والفساد، والمعروف والمنكر.
ومما يعطي لتلك الحالة المنفلتة من كل قيد، بعدها ومداها، أن ثقافة المجتمع المتوارثة، تلك التي جلب الآباء البداة فصولها، إلى المدينة، تحشر مفهوم الأخلاق في دائرة ضيقة جدا، فهي إنما تعني لألئك الآباء، التزام أمور محددة من لوازم الدين والمروءة، والكف عن أمور محددة من المحظورات شرعا، أو المنافيات لعادات ترجع لتفاصيل حياة المجتمعات المنقرضة للأجداد الأقدمين؛ ومن ثم كان عوزنا الأخلاقي في المدينة مرتبطا في الغالب بما لا عهد للآباء به من المفردات والمركبات المادية والمعنوية، في واقعنا الحي؛ ومن ذلك مثلا الأخلاق السياسية والإدارية والحقوقية والتجارية والصناعية والمالية والاجتماعية والخدمية بكل أبعادها المستحدثة، ماء وكهرباء وأمنا وحماية، بما في ذلك التعليم والصحة والتشغيل؛ وقس ما لم نقل على ما قلنا.
لقد جلب الآباء والأجداد، إلى المدينة، خروقا سلوكية وأخلاقية عتيقة، اصطحبوها من ماضيهم البدوي الفئوي القبلي، وما اكتنفه من شظف الحياة وإكراهاتها، ومن غائلة السيبة وحروبها وثاراتها، ومن التنافس الخشن الدائم، على الكلأ والماء، ومصادر الحياة الشحيحة، وانعكاسات ذلك على واقع سعد به القليل من الناس، مقابل ثمن باهظ، وشقيت تحت ظله الغالبية الساحقة. أما في المدينة التي دخلناها اضطرارا، فقد استبحنا فيها كل عرف أو قانون أو دين، وأقمنا قواعد حياتنا على الفوضى والاستهتار بالدولة وبكل نظام، أرضي أو سماوي؛ وكانت حصيلة تلك الخلطة، حالة أخلاقية كريهة، تقدم الدليل القاطع، لمن هو بحاجة إليه، على خيبة "السياسات" الوطنية عموما، وخاصة تلك المتعلقة منها بأبعاد المواطنة والحقوق، والتربية والتعليم، والثقافية والفنون، وقضايا الاندماج الاجتماعي والاقتصادي؛ فلقد فشلت تلك السياسات، فشلا ذريعا، في الوصول إلى غاياتها وأهدافها المرسومة؛ هذا إن صح أن لسياساتنا الوطنية غايات مرسومة، أصلا؛
وهكذا صنع منا التلاقي على غير موعد، بين ماضينا البدوي الفئوي والقبلي السحيق، وبين حاضرنا القروي الغير مرضي، نماذج غير مشرفة، لأعراب يعيشون على غير هدى، في أشباه قرى بدائية، لا ينهض حالها أحدا؛ كما أنتج فينا خليطا غير متجانس من المسلكيات المتخلفة، والتصورات الغبية، والأحكام المسبقة، أفقدت مجتمعنا المتخلف والمتعدد الأعراق والألوان واللغات، القدرة والإرادة الفاعلة، على الانسجام والاندماج كمواطنين متكافئين، مصوني الحقوق، موفوري الكرامة، في دولة تجسد دائرة الوطن الحر المستقل، ضمن دائرة أمة القيم والثوابت المرعية؛ ولقد جعلنا ذلك كله نفتقد الكثير من مزايا المواطن الصالح، والمدينة الفاضلة، والدولة العادلة، والكثير الكثير من قيم الخير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.