في قلب مدينة الجوهرة الزرقاء، حيث الزمان يلتقي بالمكان في ليالي رمضان، تعيش المقاهي على وقع أجواء مليئة بالحياة والمرح، خاصة بعد تناول وجبة الفطور يختار الزبناء التوجه إلى المساجد لقيام صلاة التراويح ، فيما يفضل آخرون الجلوس بمقاهي المدينة، حيث يصبح المكان ملاذا للتسلية والترفيه، ومع كل كوب شاي أو فنجان قهوة، تبدأ لعبة "البارتشي" في أخذ مكانها وسط الطاولات الصغيرة، لتشعل ليالي رمضان في شفشاون بأجواء من التنافس والضحك الجماعي. وفي هذا الريبورتاج الذي أعده موقع "الشمال24"، يغوص في أجواء هذه اللعبة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من سهرات ليالي رمضان بالجوهرة الزرقاء. نوض نديرو شي طرح الباريشي وسجل الموقع أنه بمجرد ما أن يطلب الزبائن مشروباتهم، تبدأ التلميحات الأولى، بعبارة خفيفة وحركات يتبادلها الزبائن فيما بينهم: "نوض نديرو شي طرح الباريشي". يوجه أحدهم الحديث إلى الآخر، محاولا تحديد الفريق أو دعوته للانضمام إلى رقعة اللعب. هذه الإشارة البسيطة، عادة ما تكون بداية لعدة ساعات من التسلية والمنافسة التي تملأ المكان ضحكا وتفاعلا. الطاولات الصغيرة لا تكاد تكفي لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزبائن الذين يحرصون على المشاركة في اللعبة، التي أصبحت جزءا من تقاليد سهرات رمضان في شفشاون. ضحك ولعب وفئات تتنافس معا تبدأ اللعبة، ويتناثر الصوت المميز لقطعة" الضاضوا" المرقمة عدديا من 1 إلى 6 نقط وكل رقم له دلالة في قاموس عشاق البارتشي، وبينما يبدأ الفريق بوضع القطعة وسط ما يسمونه ب"البرميل" وهو عبارة عن إناء بلاسيتيكي خاص باللعبة، قبل أن تشرع في الارتطام فوق الطاولة من أجل البحث عن رقم خمسة لاخراج البيدق من "الدار الصغير" وفق ما تنص عليه قوانين اللعبة، في أجواء تملؤها الحماسة والضحك وما يرافقها من مصطلحات من قبيل "العاشور" " كواخ" "خرج سد عليه"، يقول أحد الزبائن الذين قضوا ما يزيد عن 30 سنة في اللعبة: "البارتشي بالنسبة لنا ليست مجرد لعبة، بل فرصة للقاء الأصدقاء بعد يوم طويل من الصيام، نجد أنفسنا نضحك ونتسابق في نفس الوقت والمنافسة تتفاوت في كل جولة، أحيانا نأخذها بجدية، وأحيانا نلعب للمتعة فقط، لكن في النهاية تبقى الذكريات هي الأهم". المثير في هذه اللعبة هو أن الشباب من مختلف الأعمار يجدون مكانهم حول الطاولة، أحد الشباب يعلق قائلاً: "كنت ألعب البارتشي منذ كنت صغيرا إلى اليوم، هذه اللعبة تعلمك كل حيلة وأسلوب لعب، وأحيانا نجد أنفسنا نضحك معا على حركات طريفة". المتعة أهم من رواج المقاهي في رمضان محمد ريان صاحب مقهى وسط المدينة، الذي اشتهر بمقولة "خمسة فتشة"، أكد في حديثه مع موقع الشمال24 أنه في كل مساء رمضان، تبدأ المقاهي في شفشاون في توافد الزبناء من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية بشكل غير مسبوق مباشرة بعد صلاة التراويح، مشيرا إلى أن الحركية لا تقتصر على الطاولات الصغيرة الخاصة بالبارتشي، بل يمتد إلى الزبائن الجالسين على المقاعد الذين يترقبون دورهم للمشاركة في اللعبة في حين يفضل الزبناء احتساء القهوة أو كوب شاي ومتابعة إحدى مباريات كرة القدم. وأوضح ريان أن"لعبة البارتشي هي لعبة أدخلها الإسبان إلى شفشاون حتى أصبحت اللعبة الأكثر شعبية، وسر من أسرار عودة الزبائن كل ليلة رمضانية"، مبرزا أن المقاهي في شفشاون تشهد إقبالا كبيرا، وهذه اللعبة هي التي تضيء المكان وتمنح الروح الرمضانية طعما خاصا". وأضاف ريان أن جولات اللعب تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، بينما يتجدد الشاي والقهوة في الأكواب، وتظل ضحكات الزبائن تتردد في المكان، مشيرا إلى أن اللعبة تعزز من روح الجماعة والتواصل بين الأجيال المختلفة، حيث يتحول كل لقاء إلى فرصة للضحك والمنافسة الودية. ومع كل حركة جديدة للقطع، تتزايد الحماسة والرغبة في الفوز، ويشعر الجميع أنهم جزء من طقس رمضاني يميز هذه المدينة العريقة. سهرات لا تنتهي مع اقتراب منتصف الليل، لا تزال طاولات البارتشي مشتعلة بالحركة والضحك، يقول أحد الشبان"نقضي هنا ساعات طويلة دون أن نشعر بالوقت حتى اقتراب موعد تناول وجبة السحور". وأضاف قائلا: "المقهى هنا يعج بالحياة والمرح، ومهما كانت النتيجة في اللعبة، فإننا نعود كل ليلة للاستمتاع بنفس اللحظات، وحتى لو انسحب البعض مبكرا، تبقى الأجواء الرمضانية متجددة، حيث تصبح هذه السهرات طقوسا رمضانية تجمع بين الأصدقاء والجيران في مشهد ينبض بالحياة. لعبة البارتشي أصبحت في شفشاون أكثر من مجرد لعبة، بل هي رابط اجتماعي، وعادة رمضانية، تجمع بين التسلية والمنافسة في بيئة مفعمة بالأصوات الضاحكة، والمشروبات الساخنة، وروح الجماعة. في كل رقعة لعب، تنبض الحياة ويستمر الارتباط بين الأجيال في هذه الليالي الرمضانية التي لا تنتهي. - Advertisement -